



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس السابع
لذلك فإن البحث في مسائل فلسفة الدين كان من المفروض أن يسبقه تحليل أمرين جوهرين نكتفي بتحديد اشكاليتهما دون العلاج العميق لئلا نخرج عن مطلوبنا. وهما أمران كونيان لكننا نكتفي بوجههما الذي يعلل أدواء الحضارة العربية الإسلامية الذاتية وخاصة ما نتج منها عن الصراع غير المتكافئ مع حضارة تبدو قد حيدتهما في الداخل لتوجههما إلى الخارج إضافة إلى ما عندها من أدواء ذاتية كان من المفروض أن تكون حضارتنا أصل البحث في علاجها لا أن تضيف أدواءها إلى أدوائها بمثل هذا الفهم السطحي للإسلام والغرب معا الفهم الذي يجعل وضعيتنا أشبه بالمهمات المستحيلة:
فأما الفرع الأول فيصف حال التجربة الروحية التي فقدت جذوتها الحية عندنا فقدانا أصبح بمقتضاه الفكر الإسلامي الحالي شبه طحن للهواء لأنه فاقد للعلاقة بالممارسة النظرية والعملية وتطبيقاتهما في المعرفة الإنسانية التي بتنا نستورد فضلاتها تماما كما نستورد فضلات الصناعة بدل تعلم الفكر والصنع فضلا عن فقدانه الممارستين الأصلين قصدت عمل التاريخ الفعلي بحياة لا تخلو من المغامرة والتجريب وعمله الرمزي بالإبداع الفني المعبر عن تلك المغامرة والتجريب. ويسعى هذا الوصف إلى تشخيص أدوائها الماضية والحاضرة واقتراح بعض وجوه العلاج الممكن من استئناف فكر الأمة التجربة الروحية الحية.
وأما الفرع الثاني فيحلل التجربة الروحية الغربية الحديثة والمعاصرة التي حافظت على جذوتها الحية بفضل حرية الفكر والنقد. ويسعى البحث إلى تحليلها تحليلا يبرز ثمرات صلاتها بالممارستين النظرية في علوم الطبيعة والتاريخ والعملية في تطبيقاتهما ونقدهما المتصل بطلب ما بعدهما الفلسفي طلبا يبقي الفكر متصل الحياة ودائم الشباب.
وبالإضافة إلى هذين الأمرين الجوهريين لا بد من التنبيه إلى مسألتين يكثر حولهما اللغط وينتجان عن عدم الوعي بهما:
أولاهما تتعلق بسوء فهم طبيعة الأخلاق ما هي سواء في كلامنا على أنفسنا أو في كلامنا على الغرب.
والثانية تتعلق بالمقابلة بين الشرق والغرب من حيث الروحانية والمادية والإيمان والإلحاد والدين والدنيا.
فأما المسألة الأولى فمضمونها أن مفهوم الأخلاق قد فقد دلالته العميقة في الوعي الإسلامي فأصبح من جنس مفهوم الدين مقصورا على الشكليات التقليدية من مظاهر التقوى المنافقة. لذلك فلا بد من التذكير بأن الأخلاق ليست قيما لمجال مخصوص بل هي قيمُ قيمٍ أو بصورة أدق هي أحكام التعامل بين البشر خلال تبادلهم للقيم الأخرى وخاصة القيم المادية فضلا عن صفات التعامل نفسه. ولنوضح الأمر. فهي أولا وقبل كل شيء تتعلق بصفات المتعاملين خلال تبادل قيم الخير والشر بالمعنى الأصلي للكلمتين (أي القيم الاقتصادية فكلاهما بالمعنى القرآني خاص بالقيم المادية ) وما ترمز إليه من مقاصد الشرع المحققة لقيام الذات مثل المال الذي هو متعلق بالقدرة والعرض أو الكرامة التي هي متعلقة بالحرية والعقل الذي هو متعلق بالحرية الفكرية والدين الذي هو متعلق بالحرية العقدية والنفس التي هي متعلقة بشروط السعادة النفسية والعضوية: ومن ثم فالأخلاق ليست نظام القيم المجرد بل هي أحكام ممارسة القيم وكيفياتها جميعا لتعلقها بشروط التعامل الصادق والنزيه بين البشر في مجال التعاوض والعدل خلال التنافس على القيم المادية خاصة وعلى القيم الأخرى عامة. لذلك فإن القرآن الكريم يركز على الميزان والقسط وعدم الغش فيهما حتى إن التطفيف كيلا أو اكتيالا يعد من أكبر العلامات على النفاق الخلقي.
لكن هل يقدر أحد أن يثبت لي أن تربية المسلمين اليوم تنمي هذه القيم ؟ أليست مبنية كلها على الغش والكذب والنفاق والدجل حتى إن جل المؤسسات الدينية لا تكاد تخرج إلا الأنذال استعبادا للشعوب وتطويعا لها لمستعبديهم مع الجميع ؟ وهل كان يمكن للأمراء أن يغتصبوا ما اغتصبوه لو لم يكن الفقهاء لهم على ذلك ظهراء ليس حتما بالخدمة المباشرة بل بالتبليد الجماعي الذي آل إليها أمر التربية عندنا؟ فليقرأ أي دارس مستقل الفكر والوجدان سورة آل عمران وسيرى أن القرآن الكريم قد نبه إلى ذلك كله. وليكتف من يفهم جيد الفهم لغة القرآن الكريم بالآية 256 من البقرة: ألم تقرن الإيمان الحر الناتج عن تبين الرشد من الغي بالكفر بالطاغوت: " لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" ؟ وهل الطاغوت شيء آخر غير الاستعباد بدليل الآيات الموالية في نفس السورة؟
أما المسألة الثانية فكثيرا ما تسمع مفكرينا الإسلاميين وفقهاءنا يرددون الزعم بأن الغرب مادي وملحد والشرق روحي ومؤمن. وطبعا فهذا دليل على الجهل بالغرب والشرق معا فضلا عن عدم فهم المقصود بالروحانية والإيمان وبالمادية والكفر حتى أكاد أقول إن الإسلام لو كان كما يصوره مفكرو المسلمين وفقهاؤهم لما بقي على دين محمد إلا هؤلاء الأميون والعامة التي حولوا إليها الأمة بالتربية الاستبدادية التي ركز عليها ابن خلدون في نقده نظام التعليم في عصره. فقد حصروا الدين في الوعي البدائي بالمقدس وذلك لقصرهم إياه على الطقوس الخارجية واستثناء كل الفنون الجميلة تقريبا ليس من طقوسه فحسب بل وكذلك من حياة المسلمين أو في الوحشية التعاملية بين المسلمين وبينهم وبين غيرهم من الأمم حتى إن الجهاد الذي اعتبره الرسول الكريم رهبانية الإسلام صار مقصورا على القتال وبات الخطاب الموجه إلى الآخرين مقصورا على التلاعن.
والغريب أن الداء الأول (داء حصر الدين في إرغام الظاهرية الفقهية) كان داء الفكر السني المغالي الذي ثار عليه الغزالي في محاولة نقد الفقه والكلام السنيين بمحاولة إحياء علوم الدين بشحنة تجريبية حية تعيد للوجدان الديني عنفوانه وتحرره من الاقتصار على مظاهر التدين السطحية. والداء الثاني (داء حصر الدين في إرغام الباطنية السياسية) كان داء الفكر الشيعي المغالي الذي ثار عليه الغزالي كذلك بمحاولة نقد السياسة والكلام الشيعيين وإحياء أعمال الدين بشحنة من الاختيار بدل الوصية في باب السلطان تعيد للوجود الديني بعده المقدس وتحرره من الاقتصار على التوظيف السياسي المنافق. لكن الدائين عما كلا الفريقين ولم يبقيا مقصورين على الغلاة منهما: فالسنة كلها تشيعت توظيفا للدين في السياسة والشيعة تسننت توظيفا للفقه في منادب الساحات العامة والمرجعيات التي حولت الشعب إلى أنعام. كلتا الفرقتين صارت ضحية لهذين الدائين. صار الجميع في الهوى سواء. فعمت الطامة وانحطت الأمة: كلاهما حول الدين إلى إرغام فقهي وعسكرة سياسية سواء كان ذلك باسم فهم الإمام للباطن بالعلم اللدني أو فهم المفتي للظاهر بالعلم القياسي.
كيف يمكن أن نجيب صادقين عن السؤال الأول مقتصرين عليه لأن السؤال الثاني من مسألة فلسفة الدين ليس من مشاغلنا حتى وإن كان الجواب عن الأول يتضمن بعض الجواب عن الثاني ضرورة لكونية الداء الذي لا ينبغي أن يخفيه مجال انطباقه: في الداخل عند المسلمين للعجز عن الخارج وفي الخارج عن الغربيين للعجز عن الداخل. ولما كان الداء عند المسلمين منحصرا في مجال محدود (أرض الإسلام) وذا أثر محدود لقلة الحيلة وكان الداء عند الغربيين شاملا للعالم كله وذا أثر غير محدود لأنه يفسد العالم كله ماديا وروحيا بات الأمر من منظور إسلامي كوني لا يهتم بإصلاح شأن المسلمين وحدهم بل بإصلاح شأن الإنسانية. الكون بحاجة إلى ثورة كونية أساسها وأصلها القيم القرآنية كما نبين في تحليلنا لسوء فهمها الهيجلي[1]. ولنذكر بالسؤالين اللذين اعتبرنا متقدما عليهما سؤال حاضر الإسلام ومستقبله:
أ- بماذا نقوم راهن فلسفة الدين في الدراسات الإسلامية ؟
ب- وكيف نستشرف مستقبل دراسات فلسفة الدين عامة وفي بلادنا خاصة ؟
وقد اكتفينا قبل البحث في المسألة الشارطة بالجواب عنهما من منطلق الدراسات الإسلامية وما يمكن أن يتصل بها في الفكر الغربي لأن كل ما يعنينا منه سبق أن حللناه في المسائل السابقة. فالجواب هو: ليس عندنا فلسفة دين لأنه ليس للمسلمين اليوم حياة دينية حقيقية كما أسلفنا والعلة هي قتل الكلام والفقه لهذه الحياة التي صارت حكرا على من يتصورون أنفسهم رعاة والمسلمين أنعاما ! فلا يمكن أن نتكلم على فلسفة دين في الدراسات الإسلامية التي لم تتجاوز بعد التاريخ الخارجي لآثار باقية ليست في علاقة حية مع التاريخ الحاضر بحكم ما وصفنا. فإذا كان الدين قد فصل نهائيا عن الحياة من حيث هي تاريخ فعلي ومن حيث هي تاريخ رمزي إلا في شكله الرسمي الذي يقتل كل التجارب الدينية الحية سواء عند النخب الحاكمة به أو بشكل الثورة المزعومة عليه بمحاربتة عند النخب المعارضة به أو بمحاربته فهو لا يحيا في تاريخ الحاضر إلا بهذه السلوب الأربعة: من حيث هو جزء من خطاب الصراع السياسي المقصور على أبعاده الفقهية سلبا وإيجابا في الحكم أو في المعارضة.
والقصد هو أن المسلمين لا يعيشون حقا تجارب دينية حية خلال ممارستهم الأنشطة الحية في العمران البشري إلا في هذه المعاني السلبية الأربعة فيبدو وكأن الدين هو مدار كل حياتنا في حين أنه مبعد عنها كل البعد بمقتضى هذه المعاني بالذات. ولما كانت هذه الممارسات الحية قابلة للحصر النسقي الجامع المانع فإنه يمكننا حصر الممارسة الدينية التي لا تكون حية إلا بمصاحبتها وتبادل التأثير المحيي معها وهي الآن في حال غيبوبة يجعلها أقرب إلى الموت منها إلى الحياة. فالممارسات الحية في أي عمران تنقسم بحسب مجالات القيم إلى مجالات الممارسات القيمية التي يدور حولها التنافس الإنساني في التاريخ الفعلي وفي التاريخ الرمزي المعبر عنه وفي التاريخ الفعلي المحقق للتاريخ الرمزي والتاريخ الرمزي المتعالي عليه: 1-ممارسة قيم الذوق فعلا وانفعالا 2-وممارسة قيم الرزق فعلا وانفعالا 3-وممارسة قيم النظر فعلا وانفعالا 4-وممارسة قيم العمل فعلا وانفعالا 5-وممارسة قيم الوجود فعلا وانفعالا. وكل هذه الممارسات لا تكون حية إلا بشرطين متشارطي الفاعلية:
1- أن تكون حرة
2-وأن تكون تنافسية
وذلك عينه هو ما يسميه القرآن الكريم تنافسا في الخيرات مع شرطه أي الحرية التي ينبغي أن تكون مبدأ التربية والسياسة من حيث هما صورة العمران التي تثمر مادته أي الاقتصاد (الإبداع المادي) والثقافة (الإبداع الرمزي) وهما ما تدور حوله ثورة ابن خلدون في فهم دعوة القرآن الكريم للعلم بالأنفس والآفاق ونهيه عما سواهما أعني عن المتشابهات. ومبدأ الحياة وحكم التنافس هو الوجه الديني منها والسمو الروحي فيها أعني ممارستها لذاتها من حيث هي وجدان الحياة ذاته أو الشهود الوجودي.
فقيم الذوق هي فعلا إبداع الجماليات بكل أصنافها وهي انفعالا تذوقها. وعن تأثير الانفعال بالفعل تنتج ظاهرة مهمة هي الذائقة الجماعية التي يستند إليها كل فكر نقدي للفنون يعبر عن ذوق الامة. وعن تأثير الفعل في الانفعال ينتج تطور الذائقة الفنية. ووحدة الكل هي حياة الإبداع الجمالي في حضارة من الحضارات: والأمة الحية لا يحيا خيالها (رمزا للإبداع الرمزي) إلا بوحدة الفاعل والقابل والانفعال والفعل الذوقي. فهل لهذا وجود عندنا ؟ أم إن مبدعينا المزعومين يكتفون بالنقل السطحي فيجعلوننا منفعلين دون فعل وفقاؤنا يعتبرون الفن كفرا فيدعون الفنانات للتوبة فتبقى تجربة الإبداع الروحي مقصورة على الشعائر كما يحددونها هم ؟
وقيم الرزق هي فعلا إبداع الثروات بكل أصنافها وهي انفعالا الانتفاع بها. وعن تأثير الانفعال في الفعل تنتج ظاهرة مهمة هي الأمل الجماعي أو شهوة الحياة الرقيقة التي من دونها لا يمكن تحسين الوضع المادي للأمة الأمل الذي يعتبره ابن خلدون مصدر كل ثروة ورزق وهو في نفس الوقت الموجه للتجويد المادي للمنتجات. وعن تأثير الفعل في الانفعال ينتج تطور الذائقة المادية أو زينة الحياة وطيباتها. ووحدة الكل هي حياة إبداع الثروة أو الإبداع الاقتصادي في حضارة من الحضارات: والأمة الحية لا تحيا قدرتها (رمزا للإبداع المادي) إلا وحدة الفاعل والقابل والانفعال والفعل الرزقي. فهل لهذا وجود عندنا ؟ أم إن رجال أعمالنا المزعومين يكتفون باستيراد فضلات الأسواق فيجعلوننا منفعلين دون فعل وفقهاؤنا يفتون للتحيل على الربا فيربو أكثر لأن تجربة الإبداع المادي مقصورة على الاستيراد ؟
وقيم النظر هي فعلا إبداع النظريات بكل أصنافها وهي انفعالا تعميق الفكر وتمكين الإرادة. وعن تأثير الفعل في الانفعال تنتج ظاهرة مهمة هي تصرف الجماعة على علم وهو ما يمكن أن يخرجها من العامية فلا تبقى مواشي تقودها بعض الخاصة المزعومة فتفعل بها أكثر مما يفعله بها الأعداء. وعن تأثير الانفعال في الفعل ينتج ترقي الفهم أو فعل التنظير إلى حدود يصبح فيها الإنسان قادرا على النفاذ إلى السماوات ماديا ومعنويا. ووحدة الكل هي عين العقل الذي يمكن أن ينسب إلى حضارة من الحضارات: والأمة الحية لا يحيا عقلها إلا بوحدة الفاعل والقابل والانفعال والفعل النظري. فأين نحن من هذا؟
وقيم العمل هي فعلا إبداع المؤسسات بكل أصنافها وهي انفعالا الفعل الجماعي المنظم. وعن تأثير الفعل في الانفعال تنتج ظاهرة مهمة هي تقاسم الجماعة العمل عامة وعمل السلطان على كل عمل في العمران خاصة (وهذا هو جوهر السياسة) بحسب الكفاءة لا بحسب الولاء وهو ما يمكن أن يضاعف من قدراتها الإبداعية في المجالات السابقة فضلا عن إزالة أسباب العداء المفسد للتنافس في الخيرات. وعن تأثير الانفعال في الفعل يصبح من اختارته الأمة لتولي الأمر أكثر استجابة للإرادة الجماعية فلا يتحول المولى إلى طاغية لأنه يعلم أن من ينفعل قادر على الفعل وأنه ينفعل بإرادته شرطا في توزيع الأعمال والتعاون العمراني لتحقيق أفضل الشروط للمدينة المسلمة. ووحدة الكل هي حياة الجماعة التي تكون قيمها متعينة في أفعالها فلا تقول ما لا تفكر ولا تقول ما لا تفعل. فأين نحن من هذا ؟ ألسنا لا نقول إلا ما لا نفكر ولا نقول إلا ما لانعمل ؟ ألم نصبح أمة الكذب والنفاق والتدليس الدائم لكل القيم وخاصة لقيم العمل أي لقيم انتخاب القيمين على سلطان القيم ؟
وأخيرا قيم الوجود هي فعلا إبداع المناظير الوجودية بكل أصنافها شعرية أو فلسفية أو صوفية أو دينية وهي انفعالا نوع فعل التآنس أو العيش الجمعي تعارفا أو تناكرا. وعن تأثير الانفعال في الفعل ينتج الوعي التاريخي القصصي للأمة وعن تأثير الفعل في الانفعال ينتج نقد الوعي التاريخي القصير أو الوعي التاريخي العلمي للأمة. ووحدة الكل هي هوية الأمة أو طابع حضارتها المميز. لكن أين نحن من ذلك كله بعد أن كاد المضغ الميت للفكر الديني الذي انحط إلى كلام وفقه وخطب جمعة في التلفزات يحول الإسلام إلى إيديولوجيا سطحية يخدر بها الشعب الذي عمه الجهل والكذب والنفاق واللامبالاة بالتاريخ فضلا عن الوعي به.
ولما كانت القيم التي يحيا بها العمران الإنساني هي ما وصفنا وكانت معرفة عمق التجربة الدينية للأمم لا يمكن أن تقاس إلا بالإضافة إلى عمق التجربة فيها فإن للامرين علاقة خفية لا بد من تعريفها لفهم ارتباط التجربة الدينية التي هي جوهر الحياة الروحية بأحكام السلطان القيم على التنافس في الخيرات أو القيم. فالقيم هي في الذات البشرية والعمران الإنساني ما يناسب صفات الذات الإلهية التي لأجلها اعتبر ابن خلدون الإنسان محبا للتأله[2] أو للاتصاف بقبس من صفات الذات الإلهية الذاتية أو بلغة الكلام الصفات النفسية[3]:
1- فقيم الذوق كلها تدور حول صفة الحياة. لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز الحياة في الوجدان البشري قصدت لذة الجنس أو حب الجمال. ولهذه العلة رمز بها إلى اللذة القصوى في الآخرة.
2- وقيم الرزق كلها تدور حول صفة القدرة لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز القدرة في الوجدان البشري قصدت لذة الملكية أو حب المال. ولهذه العلة رمز بعلاماته في وصف حياة الجنة في الآخرة.
4- وقيم العمل كلها تدور حول صفة الإرادة لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز الارادة في الوجدان البشري قصدت لذة السلطة أو حب الجلال. ولهذا رمز بثمراته في الآخرة حيث يكون مجرد الإرادة فعلا
5- وقيم الوجود كلها تدور حول صفة الوجود لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز الوجود في الوجدان البشري قصدت لذة شهود المطلق أو حب المتعال. ولهذا رمز بجوهره أو الخلود في الآخرة.
3- وقيم النظر كلها تدور حول صفة العلم إنها حب السؤال لذلك فهي ذات صلة وطيدة برمز العلم في الوجدان البشري قصدت لذة المعرفة التي يصعب تحديد رمزها لما سنرى من الأسباب. وهي رمز لها جميعا بدلالة دنيوية حيث يكون العلم أداة وبدلالة أخروية حيث يصبح غاية هي العبادة المطلقة.
وقد أخرت قيم النظر رغم كون منزلتها في نظام القيم هي الثالثة لسببين: أولهما هو علة كونها كان ينبغي أن تكون في المنزلة الوسطى وثانيهما هو علة كونها كان ينبغي أن تكون في المنزلة الأولى وفي المنزلة الأخيرة:
أولا لان معناها بالقياس إلى غيرها يتحدد بنوع توجهها. فإذا التفتت إلى ما تقدم عليها مباشرة وما تأخر عنها مباشرة أي إلى قيم الرزق وقيم العمل غلب عليها دور الأداة فتصبح من جنسهما أي إنها أداة ارتزاق بيد صاحب الرزق الذي يستخدم أهلها أو أداة تسلط بيد صاحب السلطة الذي يستخدم أهلها. وعندما تلتفت إلى النوع الأول والنوع الأخير من القيم أي قيم الذوق وقيم الوجود فإنها تصبح غاية في ذاتها فتصبح من جنسهما أي ذوقا معرفيا ووجودا معرفيا وتلكما هما ذروة المعرفة.
ثانيا لأن معناها بقياس غيرها من القيم إليها هي أنها مشروطة فيها جميعا من حيث هي ما نبينه إن شاء الله عند الكلام على مدلول الوحي العام الذي حدده القرآن بوصفه خطاب الله لكل الكائنات: فهي حدس الوجود سواء كان ذوقيا أو رزقيا أو نظريا أو عمليا أو وجوديا. ذلك أنه من العسير تصور أفعال الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود من دون إدراك يسبقها أو يصاحبها أو يليها أو مع بعض هذه الإدراكات اثنين اثنين أو معها جميعا لا يبقي لها الوجود فضلا عن المعنى.
فيكون ما قتله الاغتصابان الروحي التربوي والزماني السياسي عند المسلمين هو:
1- حب الجمال ومفهوم اللذة التي تحولت إلى حياة بهيمية في غياب الفنون الجميلة التي تؤنسها
2- وحب المال أو مفهوم الملكية[4] التي انقلبت إلى سلب ونهب لغياب العدل الذي يثمرها
3- وحب السؤال أو مفهوم النظرية التي انقلبت إلى ايديولوجيا لغياب الفكر النقدي[5]
4- وحب الجلال أو مفهوم الشرائع أو القوانين التي انقلبت إلى أداة استحواذ القوي على حقوق الضعيف واستحياء كرامته لغياب مفهوم المواطنة
5- وحب المتعال أو مفهوم الشهود الوجودي الذي انقلب إلى عقيدة عجائز أو مضغ شعارات عقدية خالية من كل نسغ لغياب التجربة الوجودية الحية.
لذلك فقد باتت كل سلوكاتنا مترددة بين متردم من الأفعال الانعكاسية الأقرب إلى السلوك الحيواني والتسيب المهمل الأقرب إلى سلوك العوامل الطبيعية لفرط ما يغلب من فوضى على ما يرشح من هذه السجون الخمسة التي قتلت أنواع الإبداع القيمي عند جل المسلمين. فتكون كل طاقاتنا الحيوية مهملة كالمياة غير المجدولة بأقنية تمكن من تنظيمها ومن استعمالها في الحياة العمرانية مصادر حياة في شكل:
1- طاقة ذوقية للابداع الجمالي
2- وطاقة رزقية للابداع المالي
3- وطاقة نظرية للابداع السؤالي
4- وطاقة عملية للابداع الجلالي
5- وطاقة روحية للابداع المتعالي.
وتلك هي المصادر التي قتلها الطاغوت التشريعي والطاغوت التنفيذي الناتجين عن استبداد العلماء بالتشريع والامراء بالتنفيذ في الظاهر لكون الحقيقة الباطنة هي العكس تماما: العلماء يسوغون شرعا إرادة الامراء فيكون المشرع الحقيقي هو الأمراء بغطاء العلماء ومن ثم فلهم دون سواهم يعود السلطان التشريعي والسلطان التنفيذي قبالة السيلان الابدي للثورة الصامتة على الطاغوت ممثلة بالفوضى التي عمت وجودنا والكذب النسقي الذي هو تقية دائمة عند المغلوب.
[1] G.W.F. Hegel, Vorlesungen ueber die Philosophie der Weltgeschichte, G.Lasson, PB, Leipzig Verlag von Felix Meiner, 1920, s.112:“ Die Religion unterscheidet sich danach wesentlich, ob ihr Prinzip so ist, dass alles, was zum Begriff des Geistes gehoert, im religioesen Prinzip ausgeglichen ist, sein eigenes bestimmtes Prinzip erlangt hat. Wird der Geist nicht in seiner wahrhaften Tiefe gefasst, so gibt es, wie erwaehnt, Seiten im Leben eines Volkers, wo es unvernuenftig, seiner Willkuer preisgegeben ist oder auf irgend eine Weise sich unfrei verhaelt....So auch bei der Mohammedanischen Religion. Der Fanatismus derselben hat ihre Bekenner getrieben, die Welt zu erobern, ist aber dazu unfaehig, dass ein Staat sich zu einem gegliederten, organischen Statsleben, einer gesetzlichen Ordnung fuer die Freiheit bilde“.
[2] يؤسس ابن خلدون نظرية الإنسان كلها على مفهوم حب التأله والاستخلاف. انظر في ذلك كثيرا من محاولاتنا وخاصة كتاب الاجتماع النظري الخلدوني والتاريخ العربي المعاصر الدار العربية للكتاب تونس 1985 وكتاب محاولة في العلاقة بين السلطان الروحي والسلطان الزماني من خلال شفاء السائل لابن خلدون الدار العربية للكتاب تونس 1991.
[3] أنظر كيف يعرف القاضي عبد الجبار الصفات المستحقة للذات الالهية بذاتها فيقول:" فعند شيخنا أبي علي أنه تعالي يستحق الصفات الأربع التي هي كونه قادرا عالما حيا موجودا لذاته. وعند شيخنا أبي هاشم يستحقها لما هوعليه في ذاته. وقال أبو الهذيل إنه تعالى علام بعلم هو هو وأراد به ما ذكره الشيخ أبو علي إلا أنه لم تتلخص له العبارة ألا ترى أن من يقول: إن الله تعالي عالم بعلم لاي قول إن العلم هو ذاته تعالى. فأما عند سليمان بن جرير وغيره من الصفاتية فإنه تعالى يستحق هذه الصفات لمعان لا توصف بالوجود ولا بالعدم ولا بالحدوث ولا بالقدم. وعنذ هشام بن الحكم إنه تعالى عالم بعلم محدث. وعند الكلابية إنه تعالى يستحق الصفات لمعان أزلية وأراد بالازلي القديم إلا أنه لما رأى المسلمين متفقين على أنه لا قديم مع الله لم يتجاسر على اطلاق القول بذلك. ثم نبغ الاشعري وأطلق القول بأنه تعالى يستحق هذه الصفات لمعان قديمة لوقاحته وقلة مبالالته بالاسلام والمسلمين" الأصول الخمسة تحقيق الد. عبد الكريم عثمان مكتبة وهبة الطبعة الاولى القاهرة 1965 ص. 182-183.
[4] قد يتصور البعض أن موت حب المال من المحال. لكننا لا نفهم بحب المال ما ينتج عن السلب والنهب فهذا ليس حبا للمال بل كراهية للعمل ما نقصده هو حب الملكية الناتجة عن العمل. وذلك هو قصد ابن خلدون من المقابلة بين المال الناتج عن الجاه أو استغلال السلطة والمال الناتج عن العمل المنتج. وبهذا المعنى فإنه قلما تجد مسلما بفهم أن لذة المال ليس في كونه حاصلا بل في تحصيله: هو لذة لأنه ثمرة عمل. إنه يستمد لذته من كونه ثمرة جهد من كونه أداة تحصيل ثمرات تكون لذيذة بتلك اللذة إذ لذته هي أساسا لذة الشعور بالقدرة المحصلة للمال والقدرة المستفيدة ما يمكن أن يحصل به. أما إذا كان موروثا (وعادة من دون أن يكون المورث صاحب جهد) أو مغتصب فإنه ليس مالا بل ثمرة عنف وأداة عنف ناتجتين عن الحرابة التي صارت الحكم الغالب لأن المحترب هو الدولة نفسها. لذلك فإن هوس الهيام بالسياسة بين المسلمين لا يمكن تفسيره بالحرص على الشأن العام فهذا أدنى هموم من يبحث عن المال الذي من هذا الجنس بل لأن السياسة باتت السبيل الأقرب للنهب والسلب.
[5] أكره الأشياء عند المسلمين الآن هو السؤال النظري. وكل من حاوله يصبح من المنبوذين من الجميع حكما ومعاركة وخاصة من سوفسطائي العصر من دون علم السوفسطائيين المنطقي واللساني ولا فنهم الخطابي والجدالي قصدت فضلات الاحزاب التي سيطرت على الصحافة في الداخل وفي المهجر وعلى كل ما يسمى منظمات اسلامية أو عربية.