shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                          الدرس التاسع

 

وطبعا فليس هذا عيب هيجل وحده. فمنا من هم أكثر منه تحاملا على أديان غيرهم من خلال نسبة عيوب الواقع إلى تأثيرها. فكل من يتكلم في الظاهرة الدينية منا أو منهم ليقارن واقع الخصم بواجب نصه هو لا بواقعه ينتهي إلى مثل هذه النتائج. ذلك أن هيجل لو كان فعلا يقارن نص الإسلام بنص المسيحية لاختلف الأمر: هو يقارن واقع الدولة العثمانية بقيم المسيحية لا بواقع الدولة الألمانية في عصره التي كانت أشبه بحال العرب اليوم. فقد كان الألمان في القرن الثامن عشر والقرن التاسع قبل حرب 1870 كرة تتقاذفها قوى العصر.  ثم هي قد انتهت إلى ما يحلم به هيجل أعني "الدولة العقل" في الرايش الثالث الذي حول الشعب الألماني إلى جسد ميت يتحرك كالدمى بالنحيب الهتلري. ولو قارن واقع ملة بواقع ملة لاختلف الأمر. فواقع الألمان والمسيحيين في عصر هيجل لم يكن أفضل حال من واقع المسلمين إذا قبلنا المعايير التي يقدمها لقيس التفاضل بين الأمم وهو بات أسوأ لو استعملنا معايير كونية يحددها منظار التاريخ الطويل لا التاريخ القصير. فعقلانية تصرف الدولة وعدالة القانون والتوازن والتخلق العضوي للدولة إلخ.. ليست حقائق في الغرب حتى وإن بدا الأمر كذلك في السطح.

 لو لم يجدوا من يستعبدون خارج بلدانهم لفعلوا ما يفعل مستعبدونا داخل بلداننا. الدولة الحديثة ليست عقلانية ولا قانونها عادل ولا هي متوازنة التخلق إلا إذ قصرنا القيم في حدودها وفي الحدود التي تمكنها من ادعاء هذه الشبائه واعتبرنا نفيها خارج ذينك النوعين من الحدود مشروعا. لذلك كان هيجل أكثر الفلاسفة تبريرا للاستعمار أي لاستعباد القدر الأكبر من البشر من أجل القدر الأصغر فلم يتغير شيء من بداية التاريخ إلى نهايته: كل ما في الأمر أن القبيلة البدائية صارت دولة تدعي  العقلانية ! ومثله كل الإيديولوجيات الغربية التي تولدت عن المثالية الألمانية والرومانسية: تسمي فرض تصورات الغرب رسالة تحضيرية رسالة تمكنت بتوسطها من تبرير جرائم لا يمكن للخيال أن يتصورها. كل ذلك هو ما كلفنا الله بالجهاد ضده: منع الحرية العقدية واستحلال المستضعفين في الأرض. تلك هي رسالة الإسلام  لو كان يحق لنا أن نقارن نصا بنص !

فالمثل التي يتكلم عليها هيجل هي عينها المثل التي يحلم بها كل إنسان منذ فجر التاريخ حتى وإن كانت بعض الأديان والإيديولوجيات مبنية على نفي كونيتها. ذلك أن هيجل نفسه بنظرية العقل المتعين في الدولة التي هي في نفس الوقت دولة شعب معين ومن ثم روح شعب بعينه لا بد أن ينتهي إلى قيم غير كونية تفرز بين من هو أهل لهذه القيم أي السادة ومن لا يستأهلونها أي العبيد الذين ينبغي تحريرهم كما تحرر أمريكا العراقيين حاليا وكما حرر الاستعمار قبل ذلك شعوب الأرض في حملة الرسالة التحضيرية.

وما من أحد قرأ القرآن والسنة لم يسلم بأنهما يدعوان إلى تحقيق القيم بصورة كونية لتعم كل البشر لان الإسلام لم يأت للعرب أو المسلمين وحدهم. فكيف انتهى هيجل إلى أن المشكل متأت من نص الإسلام في مفهوم الله ومن تأثيرها المزعوم: هل توجد في التاريخ دولة وصل بها التنوع والتعدد وهما شرطا التعضي الحقيقي إلى ما حصل في الدولة الإسلامية التي لم تطبق التعدد المذهبي في نفس الملة فحسب بل طبقت التعدد الملي في نفس الحضارة فكان لكل الاديان المعترف بها في القرآن أن تمارس شعائرها وشرائعها وكان المسلم حرا في أن يختار مذهبه الشرعي والعقدي؟  وهل يوجد في التاريخ عكس ما وصفنا بإطلاق في غير التاريخ المسيحي الذي لا يزال إلى الآن حتى بعد أن خفت دور الكنسية قادرا على أن يقيم أوروبا كلها قومة رجل وحد لمنع تركيا من دخول النادي الأوروبي لمجرد كون غالبية سكانها من المسلمين؟ يكفي أن تنظر في التعدد الثقافي واللساني  والعرقي والعرفي في أي دولة إسلامية والوحدة القاتلة في أي دولة أوروبية حيث تفرض لغة واحدة ونمط قانوني واحد وثقافة واحدة ونمط عيش واحد: أليست هذه هي الوحدة التصحيرية التي قتلت الأنواع النباتية الحيوانية والتنوع الثقافي ؟ كم من شعب ولغة وثقافة أفناها الغزو الغربي ولم يمسسها الفتح الاسلامي ؟

لذلك فالسؤال الحقيقي هو:  هل هذه القيم موجودة في واقع المسيحيين أولا؟ وهل هي موجودة عندهم لأنهم مسيحيون بتأثير من دينهم؟  ثم هل عدم هذه القيم في واقعنا أكبر من عدمها في واقعهم حقا ؟  وهل هذا العدم لأننا مسلمون وبتأثير من ديننا  ؟ أليس من المفروض أن تقع المقارنة بين نص ونص أو بين واقع وواقع أو بين نص وواقعه لا غير لا بين مثل نصنا وواقع الغير ؟ وكان ابن خلدون قد حاول تخليص الباحثين من مثل هذه الأوهام عندما بين أنه لا يمكن للدعوة الدينية بذاتها أن تكون مؤثرة رغم أنها عند مصاحبتها للعامل المؤثر في الحدث التاريخي تزيده قوة (وسنرى العامل المؤثر ما هو إذ هو ليس العصبية كما يتصور من يقرأ ابن خلدون بسطحية المسارعين لعرض المشاريع لنيل مرتبة النجومية ومن ثم للانتساب إلى السلطة الروحية المستبدة بتقاسم النفوذ مع السلطة الزمانية المستبدة). كما بين أن العامل المؤثر من دون العامل العقدي لا يمكن أن يدوم تأثيره. فيكون المؤثر العقدي مؤديا دورين:

1- الأول هو دور عامل تعميق الأثر وتقويته لأنه يجعل فعل العامل المؤثر جامعا بين قوته الذاتيه وقوة قناعة مستعمله في فعله فينقلب الوزع من الوزع الأجنبي إلى الوزع الذاتي.

2- والثاني وهو أهم هو دور المثبت للأثر والمحقق لشروط بقائه من خلال إخضاعه إلى أحكام تحد من انقلابه إلى ضده إفراطا أو تفريطا. فيكون الوزع الذاتي ذاتي التعديل الدائم.

ولما كان التاريخ من أصله عالميا (هكذا كان وهو كذلك سيبقى والفرق الوحيد بين حقبه شكلي ولا معنى له لأن اتساع حدود العالم مكانا ناظرها ضيقها زمانا بحكم تسارع الاتصال. فما كان صراع قبائل على الكلأ والماء صار صراع دول ومجموعات على البترول والغذاء. وقد يعود إلى ما كان بحكم تزايد السكان وتناقص الموارد) فإن كل واحد من هذه العوامل يصبح ذا وجهين: 1- عامل التعميق الإضافي أي حاصل الصراع بين عوامل التعميق العقدية داخل نفس الأمة في عامل التعميق الإضافي بين الأمم المتصارعة في التاريخ 2- ثم عامل التثبيت الإضافي بنفس الشروط. 3- وأثر الحاصل الأول في الحاصل الثاني 4- وأثر الحاصل الثاني في الحاصل الأول فتكون أدوار العامل العقدي بذلك أربعة  5- ويجمعها أصل واحد تتفرع عنها أربعتها. وهذا الأصل الواحد هو صراع البقاء الخاص بالنوع الإنساني من حيث هو حيوان داخليا وخارجيا مع من يشاركه بيئته من الكائنات أو الظاهرات الأخرى.

وتلك هي علة الحاجة إلى الدين من المنظور الإسلامي: فهو الذي يسعى إلى تحرير الإنسان من هذه الدوامة الجهنمية بتعويض الصراع الحيواني من أجل البقاء إلى علاقة تعارف بين القبائل والشعوب. لكن الدين يمكن أن يتحول بتحالف السلط التي تستحوذ عليه إلى أداة إيديولوجية في نفس هذا الصراع: وذلك ما يسميه القرآن طاغوتا ناتجا عن تحريف هدف الرسالات السماوية. وذلك هو جوهر ما حققه التحريف الثاني اعني ما يسمى بالإصلاح البروتستنتي. ذلك على الأقل ما يقدمه القرآن لتفسير الظاهرة الدينية في علاقتها بالعوامل المؤثرة في التاريخ. أما ما أضافه ابن خلدون فهو القول إن التاريخ الفعلي هو بدوره يجري بحسب هذا الفهم: أي إن العامل العقدي إذا كان حقيقيا فإنه سيكون غاية ما يصل إليه العقل من قوانين من دونها يؤول تاريخ الأمم إلى التخريب الذاتي. وذلك هو مضمون المقدمة. ومعنى ذلك أن ابن خلدون يعتبر قيم الرسالة الخاتمة غاية ما يمكن للعقل أن يكتشفه من قوانين للتاريخ إذا تدرج في التعديل الذاتي الذي يضفي عليه المعقولية الكونية لا معقولية حضارة دون حضارة.

وقد رمزت سورة العصر للواقع الإنساني في علاقته بمنظوره لمنزلة الإنسان الوجودية والقيمية تحريفا أو تصحيحا فحددت الوقوع في الخسر بالإشارة إلى شروط الإستثناء منه بصورة تلغي كل محاولات الأدعياء من أصحاب المشروعات الذين يبنون الكون بأمانيهم. فثلاثة من الشروط الخمسة التي وضعتها لا يكون فيها الفرد قادرا على الفعل بمفرده. لذلك فكل المشروعات أماني.

فأما الشرطان الأولان فهما شخصيان بإطلاق: الإيمان والعمل الصالح.

وأما الشرطان الثانيان فهما جماعيان لا يقع أي منهما من دون المشاركة كما تبرز في الفعلين: التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وأما الشرط الخامس فهو أصل الشروط جميعا أعني منزلة الإنسان كما تحددها سورة العصر تحديدا لا يمكن أن يكون منافيا لما ينبغي أن ينتهي إليه البحث العقلي المجرد إذا كان فعلا متجردا للحق.

فبهذا الشرط لا بد أن يتطابق مع جوهر المنظور الوجودي والقيمي الإسلاميين المنظور الذي يرفض التحريف الوجودي (تأليه الإنسان وجوديا أي العقيدة الأساسية في الأديان المحرفة) والتحريف القيمي (تأليه الإنسان قيميا أي الشريعة الأساسية في الأديان المحرفة) :فسواء صدقنا بالقسم الوارد في بدء السورة أو لم نصدق ( سواء كنا متدينين أو غير متدينين ) فإن فهم معناه يجعلك تسلم بأن الإنسان يكون في خسر بغير هذه الشروط ولا يخرج منه إلا بها. لكن صاحب القسم من المنظور الإسلامي هنا هو الله وليس محمد كما يمكن أن يذهب إليه من يحتكم إلى العقل وحده. والمقسوم به هو العصر. وهو من المنظور الإسلامي وقت الصلاة المفضلة في العقيدة الإسلامية أعني الصلاة الوسطي (قبلها اثنتان وبعدها اثنتان).

 أما من المنظور العقلي البحت فهو الوقت المفضل في مراحل عمر الإنسان. فبعد الطفولة والشباب تأتي الكهولة وسطا بينهما وبين الشيخوخة وأرذل العمر. ومعنى ذلك أن السورة تتحدث عن المستقبل منذئذ. لكأنها تقول إن الإنسان مقبل على الوقوع في الخسر الذي ترمز إليه الشيخوخة وأرذل العمر إذا بقي التحريفان مسيطرين وهي تشترط للخروج من هذا المآل العودة إلى الطفولة والشباب بعملية الإصلاح عودة إلى رمزي الحياة المبدعة والفطرية بفضل سؤال الكهولة الذي تريد اعادة طرحه وتحقيق شروطه بتحرير الطفولة والشباب من التحريفين أو من عقدة الخطئية وعقدة الكبرياء.

ولما كان القسم بها رمزا للنظرية التي تحدد شروط الخروج من الخسر بوجودها وشروط البقاء فيه بعدمها كان ذلك رمزا بإشارة الوسط إلى التوسط الذي هو منزلة الأمة الإسلامية في التاريخ الكوني وفي منظورها لمنزلتي الإنسان الوجودية والقيمية: وذلك هو مضمون الرسالة الخاتمة العقدي والشرعي. فهي تحدد نفسها بكونها إصلاحا لتحريف الرسالتين المتقدمتين عليها مباشرة والفاعلتين في المسرح التاريخي (المسيحية واليهودية) بتحريفهما للرسالتين المؤسستين اللتين تقدمتا عليهما أعني الآدمية والنوحية. فالمسيحية حرفت الآدمية بإعادة عقيدة الخطيئة بعد أن جبتها توبة آدم كما ورد في القرآن الكريم إصلاحا لهذا التحريف. واليهودية حرفت النوحية بحصر النجاة في شعب مختار وإغراق البقية بعد أن تخلص منها نوح لما أنقذ من كل زوجين اثنين كما ورد في القرآن إصلاحا لهذا التحريف. وهي تعتبر نفسها مصلحة بفضل إحياء السؤال الوجودي المطلق عن الذات الإلهية كما صاغة إبراهيم عليه السلام: البحث عن الذات المطلة والتعالي عن الطاغوت أو تأليه غيره من الموجودات. وبهده العودة إلى الدينين الأصليين بعد تخليصهما من التحريفين يصبح الإنسان مقبلا على تحقيقهما جوابا عن السؤال الوجودي المطلق:

 1- نظرية البراءة بديلا من نظرية الخطيئة: تحرير البشرية من عقدة الخطيئة ومن اعتباره بحاجة إلى منج يحل فيه الرب فيصبح أصحاب هذه العقيدة مستعبدين لكل من عداهم لأنهم أبناء الله والمكلفون بتحضير غيرهم حيث يتصاحب الغزو والتبشير.

 2- نظرية الأخوة البشرية بديلا من نظرية الشعب المختار: تحرير البشرية من الاقتتال ومن الإغراق المتبادل ليكون الخطاب للبشرية كلها وليس مقصورا على شعب مختار يستعبد المستعبدين ليستعبد بها باقي البشرية: إذ يتحول المسيحيون إلى أداة دولة اليهود تماما كما يصور ذلك لوثر.

لذلك فمضمون الرسالة الخاتمة هو مضمون سورة العصر ولا شيء غيره: فالتشريع من المنظور الفردي مبني على الإيمان والعمل الصالح. وهو من المنظور الجمعي مبني على معيارين كلاهما بصيغة الاشتراك. فالاشتراك في الاجتهاد يكون معيار الحقيقة فيه هو الإجماع الناتج عن التواصي بالحق. والاشتراك في الجهاد يكون معيار الحق فيه هو الإجماع الناتج عن التواصي بالصبر. وهذا يغني عن عقيدة أو تشريع سماويين بعد القرآن. لذلك كانت الرسالة خاتمة.

ولا تقتصر صحة هذا الكلام على دور العقائد الدينية وحدها في صلتها بالمؤثر في التاريخ بل هو يصح على كل نسق رمزي قابل للاستعمال النافع أو الضار بما في ذلك النظريات العلمية في علاقتها باستعمالاتها. والأمر هنا قابل للمقارنة حتى باستعمال الأدوات المادية. فنفس الأداة يمكن أن تستعمل للضر ويمكن أن تستعمل للنفع. ثم يأتي بعد ذلك ما يمكن أن ينسب إلى النسق العقدي أو إلى النسق العلمي أو إلى الأداة المادية من نفع أو ضر ذاتي لها بحسب معايير أخرى لا يكتفى فيها بالاحتكام إلى التاريخ القصير كما يفعل هيجل عندما ظن الاسلام قد غادر ركح التاريخ وظن التاريخ سينتهي في الولايات المتحدة الأمريكية في نظرية الدائرة بحسب تكوير الأرض واعتقد أن الدولة المركزية تعين الروح الكلي في العالم أي العقيدة المسيحية التي نجحت في ما فشل فيه الإسلام. لم يكن يدري أن التاريخ يمكن أن يستأنف دورة جديدة وأن الشرق يعود من جديد فضلا عن الاسلام الذي اعتبره قد طرد إليه وإلى إفريقيا من بلاد الحضارة الأوروبية !

وما يمكن أن ينسب إلى العقائد الدينية من ضرر بذاتها هو ما يطلق عليه القرآن ثمرة ما حل بها من تحريف يجعل استعمالها الضار هو الاستعمال الوحيد الممكن لأنه جزء من تعاليم العقيدة نفسها وليس ناتجا عن استعمالها استعمالا منافيا لتعاليمها. ومعنى ذلك أن العقيدة السوية يمكن أن تستعمل للضر والنفع على حد سواء. وتلك حال الإسلام. لكن العقائد المحرفة لا يمكن أن تستعمل إلا للضر لأنها لذلك جعلت حتى وإن بدا أن حال أصحابها أفضل من حال المسلمين. وذلك ما نحاول بيانه في العنوان الأخير من هذه المحاولة: فلسفة الدين الإسلامية وكيف حددت أصل التحريف في علاقته بنظرية الإنسان الإله وأصل الطاغوت في علاقته بعقيدة كلمة الله.