



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
(10)
في الوحي ما هو؟
نختم الحلقة التمهيدية بالدرس العاشر الذي يمثل ما يشبه العود على البدء. فقد قابلنا في الدرس الأول بين ضربين من الصلة بالوجود يناسبان صنفين من الأديان وادعينا أنهما يتحدان في الإسلام من حيث هو الدين الخاتم والكوني رغم تعينه التاريخي[1]: الطبيعية والمنزلة. فطبيعة العلاقة بين الدين المنزل والدين الطبيعي التي جرت العادة بالمطابقة بينها وبين المقابلة بين النقلي والعقلي ليست بينة بنفسها وهي بحاجة إلى فهم وتحليل. إنها مقابلة تتأسس على فصل تام بين العقل والوحي لا أقبل به من الأصل.
فالعقل الطبيعي من حيث هو ملكة معرفة ليس أمرا خارجا عن الوحي بل إنما هو إحدى درجاته لكون الوحي ملكة معرفة طبيعية هي بدورها: والزعم بأن الإنسان في الأول فاعل وفي الثاني قابل أساسه وهم يفهمه كل من يفهم حقيقة الإبداع ما هي. فكل إبداع تلق يغلب فيه الوجه الانفعالي على الوجه الفعلي. ومن ثم فالعقل من جنس الوحي رغم كون الوحي أعم من العقل وله درجات أرقى منها العبقرية الإبداعية في المجالات الإبداعية جميعا بما في ذلك إبداع النظريات العلمية. لكن وحي الرسالات الذي هو أسمى الإبداعات نادر الوقوع وهو قد تم فختم.
إن العقل نفسه مندرج تحت جنس أعم من الإدراك اختص جزؤه المبدع منه باسم الوحي رغم أن الوحي يشمل كل درجات الإدراك من دون الإنساني (الله يوحي للنحل مثلا) والإنساني (كل الأنبياء) وما فوق الإنساني (كل الكائنات العاقلة التي يخبرنا عنها القرآن). لذلك فهو أمر يشترك فيه مع الإنسان كثير من الكائنات الأخرى ويغلب عليه شكل السلوك الغريزي أو الخلو من وهم الفعل المختار. فإذا لم يتجاوز الإدراك القدرة العادية ولم يكن مبدعا كان عقلا بمعنى الملكة المشتركة بين البشر عامة أداة نظرية وعملية في السلوك العادي. أما إذا تجاوز العقل ذلك فنفذ إلى بعض معاني الوجود احتجنا إلى إضافة صفة المبدع فيكون من جنس ما اختص به اسم الوحي في المجال الذي يباشره أي إنسان في مجالات القيم الخمسة. فيصح وصف الإدراك ببعض صفات الوحي بهذا المعنى المخصوص أو النفاذ الغريزي لمعاني الوجود: الإبداع الجمالي في قيم الذوق والإبداع المالي في قيم الرزق والإبداع المعرفي في قيم النظر والإبداع السياسي في قيم العمل والإبداع الروحي في قيم الوجود.
لكن هذه الرؤية التي يمكن أن تفسر وجود وحي التشريع بوضعه في ذروة الإبداع النادر لكونه خطابا مباشرا من الله يعم جميع الكائنات من النحل إلى النبي هذه الرؤية يستعصي عليها تفسير ختم الوحي الرسالي: فيكون كيف يمكن أن نفهم توقف الوحي الرسالي أهم معضلة في الإسلام. إنها المعضلة الحقيقية في نظرة الإسلام للوحي وهي سر كل الانحرافات التي أدت إلى الغلو في بين المسلمين. وعلينا علاجها من منطلق القرآن نفسه قبل مواصلة البحث في فلسفة الدين من نفس المنظور ثم عامة.
ولنبدأ فنقدم هذا الحل الذي يعتمد النص القرآني دون تأويل. فحديث "لا نبي بعدي" بات عسير الفهم لما اتصل به من حيل التصوف المتفسلف الساعي إلى نفي الختم وللتناقض بين تفسير وجود وحي الرسالة بنظرية المعرفة الكلية وتفسير ختمه بما لا يعارضها لئلا يعني الختم نهاية المعرفة المتجاوزة للإدراك العادي. وقد سبق لي أن حاولت ذلك في كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين.
لكني أريد هنا أن أشير إلى التناقض الذي يمكن أن ينتج عن تفسير الوحي وختمه بنسبة الوحي إلى نظرية في المعرفة لا تفصلها عن أصلها الغريزي في الكائنات الحية وإلى الحيل التي استعملها المتصوفة لتخطي حديث ختم النبوة. فلست أشارك متفلسفي المتصوفة في القول بحصر ختم الوحي في ختم وحي الرسالة بل إني أفهم الحديث حرفيا فاعتبر النبوة وكل معرفة لدنية لا تعتمد على التكوين الصناعي للمعرفة أيضا قد ختمت حتى من دون رسالة دون أن يعني ذلك نهاية الوحي. ذلك أن وحي النبوة مرحلة إعدادية لوحي الرسالة: فكل الرسل أنبياء لكن الأنبياء ليس كلهم رسلا.
لكن الوحي من حيث هو إدراك غريزي لمعاني الوجود إدراكا مباشرا يتخطى العمليات العادية ذات الآليات الصناعية أعم من وحي النبوة وهو قمة العقل بالمعنى القرآني أي فهم آيات الله بوصف ذلك عين الفطرة: ذلك أنه من المفروض أن يكون جوهر كون الكائنات الحية مدركة بالغريزة. فالقرآن ينسبه إلى كل الكائنات ولا يحصره في الإنسان فضلا عن الأنبياء. فكما خوطبت أم موسى وحيا خوطبت النحل (النحل 67)[2]. فيكون إدراك معاني الوجود إدراكا غريزيا فهما أو علما ذا درجتين كلتاهما مضاعفة:
أولاهما تشمل: 1- الإدارك العادي 2- والوحي العام المشترك بين كل الكائنات مثل النحل وهو ليس ملازما للموحى إليه بل يحدث مرة أو بعض المرات ثم ينقطع. ويمكن لهذا الإدراك أن يكون واعيا بذاته ويمكن ألا يكون فيكون سلوكا شبه آلي وهو المقصود بالغريزة. وإليه تعود جميع أنواع الشوق من حيث هو ميل يتجه إلى خارج ذات نحو ذات أخرى وصلا بين الكائنات بتجاوز ما بينها من بين.
والثانية تشمل: 3- وحي النبوة (مشروط في وحي الرسالة) وهو أكثر ثباتا من النوع الأول أو بصورة أدق فإنه يكون مصحوبا بوعي أكثر صحوا من الحالة الأولى 4- ووحي الرسالة وهو متواصل بعد التكليف بالتبليغ ويلازمه الوعي الصاحي شبه الدائم حتى لا يكاد صاحبه ينام. ولما كان هذا النوع يضيف إلى وحي النبوة التكليف بتبليغ رسالة فإنه يتضمن ملكات ليست عند النبي غير المرسل. ومن أهمها القدرة على التبليغ والإقناع القيادة السلمية والحربية. وقد أشار إليها القرآن الكريم عندما أردف موسى بأخيه ليساعده.
وتتحد أنواع الوحي كلها في أصلها جميعا: 5- أعني في إدراك معاني الوجود فهما أو علما بحدس مباشر غني عن آليات المعرفة الصناعية حتى إن صاحبه يصبح متلقيا لكل المعاني التي تدور بخلده. لكن درجات الوحي السابقة تثبت أن آليات المعرفة الصناعية والخبرة التبليغية من الشروط الضرورية لاكتمال الشروط التي تجعله قابلا للانتقال من مرحلة إلى مرحلة إذ هي ما به تتحقق غايته (وإلا لما طلب موسى أن يكون أخوه مرسلا معه) وإن لم تكن من الشروط الكافية لحصوله (وإلا لكان أخو موسى مغنيا عنه وقد رأينا كيف أن هارون كان عاجزا عن الحيلولة دون شبهة العجل). وطبعا فالنبي الذي لم يحتج لغيره في التبليغ أكمل من الذي احتاج. لذلك فالأنبياء والرسل يتفاضلون.
والمعلوم أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد عرف كل هذه الضروب من الوحي وعاشها بصورة يصفها القرآن بوضوح تام لمن يتدبر الأمر بروية. فوحيه حصلت فيه فترات (مثل الحالة الأولى) ووحيه بدأ وحي نبوة ثم صار وحي رسالة (قم فانذر). ولما جاء التكليف بالرسالة (القرآن والتاريخ الإسلامي يثبتان ذلك) كان محمد غنيا عمن يساعده في الوظيفة الدينية. ولما كانت رسالة عيسى مجرد دعوة أجهضت قبل أن تكتمل فإنها تحولت إلى عقيدة تابعة لدولة لا يد لها في تكوينها وليست أصلا لدولة تحقق الشروط الموضوعية للاستخلاف. ومن ثم فالمسيحية لا تتضمن إلا أحد وجوه الرسالة الكاملة: الكتاب دون الدولة. ومن خصائص الدولة إذا جاءت من خارج الرسالة أن تحرفها بأن يستحوذ أصحابها على الرسالة لتحولها إلى إيديولوجيا: فيكون مبدؤها أجنبيا عن الكتاب[3].
لذلك فكمال الرسالة لم يتحقق إلا في الإسلام رغم أن المسلمين لما سنرى من الأسباب صيروه من جنس الأديان الأخرى أداة إيديولوجية في يد الاستبدادين الرمزي (ممثلا بالمتكلمين والفقهاء) والسياسي (ممثلا بالسياسيين والعسكر): رسالة (ما بعد التاريخ) تحقق دولة (التاريخ) من حيث هي رسالة بآليات تحول دون الاستبدادين الروحاني (نفي الكنيسة المتعالية على الامة أو الطاغوت الروحاني) والزماني (نفي الدولة المتعالية على الأمة أو الطاغوت الزماني ) [4]. وختم وحي الرسالة بهذا المعنى يغني الأمة عن خلافة الرسول في وجهيها أي في الوظائف الدينية (ما بعد التاريخ) وفي الوظائف الدنيوية (التاريخ): فتتولى الأمة الأمر دينيا ودنيويا بمؤسستين هما مؤسسة الاجتهاد بمعيار التواصي بالحق ومؤسسة الجهاد بمعيار التواصي بالصبر.
لذلك فالخلافة التي من المفروض أن تكون رئاسة لهاتين المؤسستين ليست خلافة الرسول من حيث هو نبي مرسل ولا من حيث هو رئيس دولة. ومن باب أولى فهي ليست خلافة الله لأن كل إنسان من حيث هو إنسان استعمره الله في الأرض واستخلفه فيها. فلم يبق إلا معنى واحد للخلافة: إنها خلافة الخلفاء أي خلافة المؤمنين الذين هم أصحاب الأمر الوحيدين بعد الختم المصحوب بالنفيين المشار إليهما خلافة مباشرة أو بالنيابة التمثيلية في أداء ضربي الوظائف. لذلك فأفضل تسمية للخليفة هي أمير المؤمنين (وذلك ما فهمه الفاروق رضي الله عنه). وبين أن الأمير ليس آمرا إلا من حيث هو مأمور مرتين:
فهو مأمور من الذين أمروه
وهو مأمور بالشريعة التي بأحكامها تم تأميره.
لذلك فلا أمر له إلا في الأمر الذي هو شورى بين المؤمنين. وائتماره الأول بنص ائتماره الثاني وائتماره الثاني بإرادة ائتماره الأول. وتلك هي علة العسر الذي يعترض كل من يفكر في المسألة السياسية في علاقتها بالمسألة الدينية عند السنة. أما التشيع فهو قد حل المسألة بنفي وجودها من الأصل: فالقول بالإمامية تكذيب لختم الوحي واغتصاب لسلطة الأمة التي صارت حكرا على آل البيت وتحكم تأويلاتهم التي تؤول بمتقضى ذلك إلى التحريف أعني إلى ما نبهت إليه آل عمران عند الكلام على علل التحريف وتحول البعض للبعض أربابا.
ويستعمل مفهوم العقل الإنساني عادة للدلالة على الدرجة الأولى من الوحي بمرحلتيها: مرحلة الإدراك العادي ومرحلة الإدراك المبدع المتجاوز للإتقان الصناعي عندما تضاف إليه صفة الإبداع. وقد أطلق الغزالي على الدرجة الثانية بمرحلتيها اسم طور ماوراء العقل. لكننا نعتقد أن الدرجة الثانية بمرحلتيها لا يمكن أن ترقى دلالتها بعد ختم الرسالات إلى دلالة الطور الذي وراء العقل. أصبح العقل الإنساني مكتفيا بدرجة نضوج العقل التاريخي نضوجه الذي يغنيه عن مرحلتيها ويعوضهما بمضاعفة الآيات التي تهديه أعني آيات القوة الأولى أو العالم وآيات القوة الثانية أو القرآن الكريم: كان العقل في حاجة إلى تواصل المدد إلى أن اكتملت الدرجة الثانية في القرآن ثم صار غنيا عن تواصل المدد المباشر لأنه صار قائما بيننا في القرآن الذي حدد حدود الإدراك.
وبذلك فالقرآن قد غير طبيعة طلب الحقيقة وطبيعة إحقاقها نقلا إياهما من سلطتين تدعيان العلم بالمطلق والعمل به إلى سلطتي الاجتهاد والجهاد التشاوريين أو بالتواصي لان الأمر كله عاد إلى الامة ولم يبق بيد سلطتين مستبدتين به. ومن ثم فالقرآن أسس لدور العقل في التاريخ بفضل الوجه الثاني من الرسالة التامة: الدولة التي لا تسمتد شرعها من التوازي المتطابق بين مصدرين طبيعي وشريعي أو خٍلقي وخُلقي وهو معنى الفطرة. ذلك أن العقل كما يعرفه القرآن الكريم ليس مجرد ملكة معرفية بل هو خاصية آدمية عامة لأجلها استحق الإنسان الاستخلاف كما هو بين من مرموزة أمر الملائكة بالسجود لآدم بعد استخلافه: إنه إذن ملكة معرفية وخلقية.
ولما كانت هذه الخاصية هي عين طبيعة الإنسان أو حد جوهره فإنها تعم البشر وإن بأقدار متفاوتة هي علل كون البعض يصل فهمه معاني الوجود إلى حد الإبداع المسهم في الخلق والبعض الآخر يقف دون ذلك: لكن الجميع يعتقد إسلاميا في أنه مكلف ومن ثم فهو كائن خلقي بالجوهر. فيكون مدلول الحد الذي وضعه حديث ختم النبوة دالا على أن الأنبياء الذين ينتخب منهم الرسل للتشريع لم تعد البشرية في حاجة إليهم بعد ختم التشريع في الرسالة الخاتمة: العالم والقرآن مصدر قوانين الخلق وقوانين الأخلاق في متناول الملكة الإنسانية مهما كان مداها ولا فرق في ذلك بين عامي وخاصي إلا في وهم العائدين بالبشرية إلى ما قبل نزول القرآن.
وحتى نفهم المقصود فلنلاحظ أن وظيفة التشريع المحتكم إليه في تنظيم حياة الجماعة قد مر بنفس الطورين سواء كان التشريع منزلا أو وضعيا. فحتى المجتمعات التي لم تكن تعتمد على السنن النبوية كان التشريع فيها تشريعا فرديا يضعه حكماء القوم كما هو الشأن عند اليونان مثلا أو في الأنظمة القبلية عند العرب ومن ماثلهم من الشعوب البدائية حيث يكون شيوخ القبيلة مصدر التشريع ثم يتراكم ذلك ليصبح تقاليد وأعرافا يدار الأمر بمقتضاها. لكن البشرية تجاوزت هذه المرحلة. فقد انتهى عهد المشرعين الأفراد الحكماء أو الآباء ولم يعد التشريع أمرا يقوم به شخص بل هو جهد الجماعة المنظم لصوغ إرادتها بآليات معقدة لا بد فيها من فنون تشمل كل مجالات التقويم.
فعاد التشريع إلى الجماعة في نوعي السنن البشرية: السنن النبوية والسنن الحكمية. انتهى دور المشرع الفرد فيهما جميعا سواء كان ذلك باسم الحكمة النبوية أو باسم الحكمة العقلية. وقد رمز القرآن إلى هذه النقلة فجعل شرط الاستثناء من الخسر أمرا موكولا إلى المشاركة في وجهي أفعال التقويم كلها. فتكون الجماعة هي المشرع الفعلي فيها جميعا:
فالوجه المعرفي من التشريع هو في القرآن الكريم التواصي بالحق في مجال النظر (حق=حقيقية ضد باطل)
وفي مجال الرزق (حق ضد ظلم)
وفي الوجه العملي من التشريع هو فيه التواصي بالصبر في مجال العمل (الصبر=مثابرة ضد تخل عن الصمود)
وفي مجال الذوق (الصبر=معاشرة ضد التأفف من الآخر).
ووحدة الوجهين هي أصل التواصيين ببعديهما وذلك هو مجال قيم الوجود سواء كان التعبير عنه بأسلوب حكمة الوحي أو بأسلوب حكمة العقل (الشهود ضد الجحود): فكلا الأسلوبين حكمة أي ادراك عميق لمعاني الوجود.
وليس التواصي بالحق إلا الاجتهاد الجماعي: فعل العقل ليس أمرا فرديا بل هو فعل مشروط بالروية الجماعية أو التواصي أو التشاور. وليس التواصي بالصبر إلا الجهاد الجماعي: فعل الارادة ليس أمرا فرديا بل هو أمر مشروط بالتعاون الجماعي أو التواصي أو التشاور. لكن المتصوفة جمعوا كل معاني الوحي التي حاولنا التمييز بينها في وحي الولاية وحاولوا حصر النبوة والرسالة في ظاهر النص ليعوضوا وحي الأنبياء بحدس الأولياء وتشريع الأنبياء المرسلين بتشريع السلطان الروحي الذي ينسبونه إلى الأولياء بصورة خفية هي التأويل بالعلم اللدني.
وقد جعل أكبر ممثليهم الولاية فوق النبوة لأنها تعد عنده اللبنة الذهبية بالقياس الى النبوة التي لم تعد إلا لبنة فضية. وهم بذلك لم يفهموا طبيعة الثورة التي حصلت في الختم فيحولون دون الأمة والانتقال من التشريع الفردي إلى تشريع الجماعة: فقاسموا الفقهاء والمتكلمين الاستبداد بالسلطة الروحية (فقه الباطن وفقه الظاهر وعقائدهما) وخضع الجميع للأمراء المستبدين بالسلطة التنفيذية ليتقاسموا الاستبداد بالسلطة التشريعية بديلا من الأمة.
وقد حصلت النقلة من التشريع الفردي إلى التشريع الجمعي تاريخيا في الحكمة النبوية قبل الحكمة الفلسفية. ذلك أن الديموقراطية اليونانية لا تعني أن التشريع يكون للجماعة بل هي مقصورة على إعطاء السادة دور المداولة في تنفيذ أحكام الشرائع التي يضعها الحكماء أو بصورة أدق على تنزيلها في الواقع وهو ما يشبه دور الفقهاء عندنا بعد استبدادهم بالأمر. ولم يحصل شبيه لختم الشارع الفردي بالحكمة النبوية أي ختم الشارع الفردي بالحكمة العقلية إلا في الديموقراطية الحديثة بعد أن تخلص الفكر الغربي من الميتافيزيقا التي يدعي أصحابها أن الحقيقة يمكن أن يدركها فكر الفرد وأن يحققها منعزلا عن الاجتهاد والجهاد الإجماعيين.
إن مفهوم التواصي بالحق ومفهوم التواصي بالصبر من حيث هما جوهر التشريع في كل المجالات يعم جميع المؤمنين ويتعلق بالمستويات الخمسة التي يتألف منها كل تشريع في العمران لم يتحقق منهما شيء يذكر في التاريخ الإسلامي لعلتين:
1- الاولى عسر فهم هذه الثورة في البداية من دون التجربة التاريخية التي ستوصل إليها بالتجريب الفعلي الذي لم يحلل ويفهم إلا في القرن الثامن في محاولتين صريحتين للإصلاح: محاولة ابن تيمية ومحاولة ابن خلدون.
الثانية يسر استعارة الموجود من المؤسسات التي تستبد بالسلطتين في البلاد المفتوحة واضفاء الشرعية الدينية عليها من قبل التأويل الباطني للمتصوفة والقياس الظاهري للفقهاء.
والمعلوم أن التشريع وضعيا كان أو منزلا ينقسم إلى جنسين لكل منهما نوعان ويتحد الكل في أصل التشريع المطلق:
فأما الجنس الأول فهو التشريع الأسمى ونوعاه هما: 1- طبيعة التعبير الذي تتحقق به إرادة الأمة: وهذا هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر أو الاجتهاد الاجماعي والجهاد الاجماعي في منظور القرآن الكريم. 2- الدستور الذي هو احدى تعيينات هذا التعبير أو ترجمته في نص.
وأما الجنس الثاني فهو التشريع الأدنى ونوعاه: 3- القوانين العادية 4- القرارات الإدارية المعينة لها في التنفيد.
وفوق الأنواع الأربعة أصلها جميعا: 5- أي الفلسفة أو الدين بحسب طبيعة التشريع وهذا الأصل هو الذي تستخرخ منه المبادئ التي تصدر عنها كل التشريعات وهو الذي يستخرجها فيكون الفاعل والمنفعل والانفعال والفعل ووحدة الكل.
لذلك فكل هذه الدرجات تقبل التحديد في ختم الوحي بالصورة التالية. فنوع التعبير هو التواصيان في مؤسستي الاجتهاد الاجماعي والجهاد الاجماعي. والدستور هو ما تجمع عليه الجماعة من نصوص دستوريه بالتواصيين لتحقيقهما في لحظة لحظة من تاريخ الأمة. والقوانين هي الصيغ العينية للاجماع. والقرارات هي الترجمات التنفيذية في إدارة شؤون العمران اليومية. وأفضل أمثلتها أحكام القضاة والمفاتي. وأصل الكل هو الدين أو الفلسفة أعني المنظور الشامل لمعاني الوجود حقيقة وحقا. لكن الفقهاء والمتصوفة حولوا أدنى الدرجات إلى تشريع يلغي كل الدرجات المتقدمة عليها في غياب تعينها المؤسسي الذي خلق فراغا ملؤوه بالاستبداد بالسلطة التشريعية التي تقاسموها مع من استبد بالسلطة التنفيذية من الأمراء المغتصبين.
وفي الحقيقة فإن النقلة من التشريع الفردي إلى التشريع الجمعي ليست نقلة بل هي عودة واعية إلى جوهر التشريع الذي هو دائما جمعي حتى في مرحلة التشريع الفردي التي كانت سائدة في الظاهر. فالفرد الشارع ليس شارعا من حيث هو فرد بل هو صائغ تشريع الجماعة غير الواعي أي إنه قد أدرك روح ما تصبو إليه الأمة كما تتعين في تقاليدها فصاغها في التشريع الذي جادت به قريحته إما بحكمة الوحي أو بحكمة العقل. لذلك فالكلام عن التواصيين يعني أن عملية التشريع الفعلي التي هي جماعية في كل المراحل ولم تكن فردية إلا صياغة أصبحت واعية بنفسها وحددت آليات تحولها إلى تشريع حكيم لأن آلية تحقيقه هي آلية الوعي نفسها: التواصي بالحق طلبا للحقيقة (علم ووجود فلسفيا أو عقيدة دينيا ) والتواصي بالصبر عملا بالحق (عمل وقيمة فلسفيا وعمل وشريعة دينيا).
فخلال التواصي يحصل الوعي النقدي بروح التقاليد للتحرر مما لا يحصل حوله اجماع حتى لا يكون الاحتكام إلا إلى ما تجمع عليه الأمة بفضل التواصيين الدائمين للتشاور في الأمر. تلك هي الثورة المحمدية التي لسوء الحظ أسيء فهمها فألغيت في الممارسة التاريخية ولم يبق إلا استبداد الفقهاء والأمراء. ولما كان الوحي المختوم متعلقا بتحديد هذه الآلية فإن التواصيين لا يمكن أن يلغياه لانهما ليسا بديلا منه بل هو الذي جعلهما آلية لتحقيقه. وحتى محاولة الغائه فإنها لا تكون إلا بهما ومن ثم بما أوصى به شرطا في الاستثناء من الخسر ومن ثم فهما اللذان يحققان ما يطلبه منهما فيكون الغاؤه ممتنعا: فإذا أمكن لأمة أن تتخلى عن ارادتها بارادتها كان نقض تشريع الوحي الخاتم بالتواصيين أمرا ممكنا.
ولما كانت وظيفة التشريع المنزل ذي الشارع الفردي هي التي ختمها الإسلام فإن الحيل الصوفية والفقهية والأيمة والأمراء تتمثل في التسليم المنافق بأنه لن يأتي نص جديد مع التحيل الذي نقل التشريع إما إلى فهم الباطن مباشرة بالعلم اللدني إلى الولي (القطب الصوفي) والإمام (الإمام في المذهب الشيعي) أو إلى فهم الظاهر بصورة غير مباشرة بحيل القياس الفقهي للفقيه (المفتي) إمام المذهب (إمام المذهب السني). فصار للإسلام كنائسه أو سلطاته الروحية عند الشيعة والسنة على حد سواء. فجميعهم صار مشرعا بمعنى السلطان الروحي إما بتأويل النص إلى حد نقضه وتعطيله بعلم لدني يتجاوز العلم العقلي العادي الذي هو في متناول العلماء بالمعنى المعلوم من العلم في المجال الطبيعي والشرعي أو بقياس فقهي ينقل قدسية النص المقيس عليه إلى النص المقيس أي إلى الوضع المتنكر: وهذا ما نرفضه سواء استند إلى العلم اللدني في حالتي الصوفي وامام المذهب الشيعي أو إلى القياس في حالتي المفتي وامام المذهب السني.
فالختم يعني أن التشريع لم يعد فرض كفاية أو مهمة شخص يعبر عن إرادة الجماعة (التي هي من إرادة الله) بالحكمة النبوية أو بالحكمة العقلية بل هو بات مسألة تخضع لاجتهاد الأمة وإجماعها مباشرة أو بالانابة الحرة. وبحسب حجم الأمة والتنظيم العملي يمكن أن يكون التعبير عن الاجماع بالطرق والآليات التي تتواضع عليها في الشأن العام[5]. فيمكن أن تنتخب من يتولي الأمر في مدد محددة (أمرهم شورى). أما في ما يبنى على ذلك وبعده من الشؤون المختصة فيكون بحسب نظام جماعة الاختصاص في تسيير الشأن الخاص بها (النظام التعليمي أو النظام البحثي أو النظام الاعلامي أو النظام النقدي والابداعي). ومن ثم فلا سلطان إلا للجماعة عامة أو للجماعة المختصة بحسب كون المجال الذي يتعلق به النظام عاما أو مختصا. ويعني كذلك أن النبوة التي هي مرحلة اعدادية للرسالة لم تعد لها حاجة فختمت مع ختم الرسالة.
أما التناقض بين الحاجة إلى النبوة عامة ونبوة الرسالة خاصة بداية والحاجة إلى ختمهما غاية في اطار تحليل نظرية ادراك معاني الوجود والتعامل مها فيزول بمجرد فهم الختم بمعنى ختم التشريع المنزل وختم النبوة المعدة إليه ختمهما مباشرة بنفي وجود أنبياء بعد محمد ورسالات بعد القرآن أو ختمهما بصورة غير مباشرة بنفي السلط التي تنوبهما إما بالتأويل أو بالقياس لأن النص من حيث هو بيان لا يقبل المقابلة بين الظاهر والباطن فتحتاج تشريعاته إلى التأويل ولا يقبل أن تنقل قدسيته لما يقاس عليه لأن أعيان الحالات التي وردت فيه ليست قابلة للتعميم إلا أذا جعلنا تنزيل الأحكام الإلهي (ذي الخلفية المعرفية المطلقة) من جنس تنزيلها الإنساني (ذي الخلفية المعرفية النسبية). فمحكم القرآن يتحد فيه الظاهر والباطن ومتشابهه لا يعلم باطنه إلا الله لانه من الغيب. لذلك نهت عن تأويله الآية السابعة من آل عمران. ولما كان القياس راجعا إلى التأويل في الغاية فإنه منهي عنه كذلك. وإذن فلا سلطان للأولياء ولا للأيمة ولا للمفتين أو أيمة المذاهب في التشريع بل أحكام سلطان كله للقرآن والسنة والسلطان كله للامة مباشرة أوبمن تفوضهم لينوبوها تفويضا صريحا وبآليات حرة ونزيهة .
وإذن فالمعنى الوحيد للوحي بعد ختم النبوة والرسالة هو الإدراك المماثل للإلهام الذي تخاطب به كل الكائنات وليس البشر وحدهم كما خوطبت النحل أو أم موسى. ومن ثم فالقصد بالختم جعل التشريع من وضع الأمة مباشرة في ما تتواضع عليه من كيفيات تحقيق المبادئ العامة للتشريع كما حدد أحكامها القرآن والسنة من دون الاعتماد على القياس الناقل لقدسية النص بل بحصر وظيفة النص في تحديد الأفق الروحي والقيمي لكل تشريع تجمع عليه الأمة. أما القياس الفقهي الذي ينقل قدسية المقيس عليه إلى المقيس فهو عودة إلى التشريع المحصور في فرض الكفاية لأنه ينشيء سلطة روحية تتضخم بالتدريج إلى أن تستحوذ على السلطة التشريعية خلطا بين بعدها الفني الذي هو فرض كفاية وبعدها المعبر عن الإرادة الذي ينبغي أن يكون فرض عين.
لذلك فقد تكونت سلطة تشريعية مستبدة جعلت التشريع فرض كفاية خلطا مقصودا بين الوجه الفني من صياغة القوانين والتعبير عن ارادة الأمة التي لا تحتاج إلى الوجه الفني أصلا إلا بعد حصولها لصياغتها في شكل قوانين نابعة من روح مبادئ الإسلام التي ليس لها من ممثل غير الأمة كلها. وأول هذه المبادئ هو اعتبار الشريعة المنزلة مصدر المثل العليا لأي تشريع. وثانيها هو نسبة العصمة لإجماع الأمة المعبر عنه بالطريقة الشرعية أي بمن تختاره لهذه المهمة التشريعية بحسب آليات يحددها دستورها.
لذلك فالتشريع لا يمكن أن يكون مقصورا على الفقهاء الذين ينبغي أن يحصر دورهم في القضاء (والإفتاء جزء منه لأنه قضاء ينتج عن احتكام المرء في خلاف بينه وبين نفسه عند التحير في مسألة تعبدية أو تعاملية) الذي يطبق التشريع النصي والوضعي ذي الأفق الإسلامي (من وضع الأمة) لا في وضعه بدلا من الأمة لأن أمر التشريع ليس القانون من حيث هو اختصاص بل هو التعبير عن إرادة الأمة والقانون من حيث اختصاص فني صياغة لاحقة.
فمن حيث الصيغة الفنية للشرائع يكون دور الفقهاء من جنس أساتدة القانون المنظرين للتشريع والقانون أو من جنس دور القضاة المطبقين له أو من جنس المحامين أو من جنس المستشارين القانونيين. لا غير. إنهم في كل هذه الحالات غير مشرعين بل هم مستعملون للتشريع الذي يعود إلى غيرهم. وحتى إذا أدوا دورا في التشريع فهو غير مباشر ويكون من جنس دور النظرية القانونية في النظريات التشريعية أو من جنس دور الأحكام التي تصدرها محاكم النقض في تطوير النصوص الشرعية. ومن ثم فالختم يعني الانتقال من التشريع المنزل المعتمد على شارع فردي إلى التشريع الوضعي المعتمد على شارع جمعي خاضع لأحكام النص الخلقية.
ولعل من أكبر الأدلة على مطابقة هذا الفهم للفهم القرآني أمرين لا يمكن أن يجادل فيهما إلا معاند مع تفاعلهما في الاتجاهين والأصل الذي تفرع عنه البعدان وتفاعلهما:
1- الأول إيجابي وهو طبيعة الحجاج القرآني طبيعته العقلية التي أساسها نظام الكون لا خرق عاداته[6].
2- والثاني سلبي وهو نفي الاستدلال بالمعجزات وخاصة في ثلاث سور من القرآن الكريم هي الاسراء والانبياء والشعراء[7]
3- وأثر الأول في الثاني هو تعليل نفي المعجزات بالاستقراء من تاريخ النبوات (يبين التاريخ أنها لم تكن مجدية) وبالاستنتاج من مفهوم المعجزة (المعجزة للتخويف والايمان الحقيقي حر فلا ينفع فيه التخويف).
4- وأثر الثاني في الاول هو ان الاعجاز الأتم هو أن يكون بكمال المعقولية في الموضوع (فتكون معجزة الإسلام الموضوعية هي الاستدلال بنظام العالم لا بخرق نظامه ) وبكمال عاقلية الذات (فتكون معجزة الإسلام الذاتية هي الاستدلال بخاصية الإنسان النوعية قصدت البيان وعقله أي فهم الاعجاز الموضوعي المتعين في الآيات النصية والكونية مع الكون تعامل المستخلف فيه ليكون أهلا لوراثته).
5- أما أصل الكل فهو مفهوم الدين الفطرة حيث يتطابق السعيان إلى الحقيقة الدينية: السعي بالنور الطبيعي صعودا من تجربة الإنسان إلى دلالاتها الروحية والمدد الإلهي بنور الوحي الذي هو نزول رحمة الله بتوسط مبلغيها من مدركيها المصطفين في مرحلة الرسالات إلى حد ختمها ملخصها ومخلصها من التحريف والجاهلية. لكن هذا المدد ليس مقصورا على الرسالات بل هو أعم ومن درجاته الوجدان أو الحدس عامة والعقلي خاصة. والوجدان متقدم على الرسالات ومصاحب لها ومتأخر عنها إذ هو في معناه العام مشترك بين كل الموجودات (مثل الوحي للنحل). والرسالة الخاتمة خاتمة للرسالات لأن مضمونها هو هذه الحقائق الخمس بوصفها جوهر التوحيد المحمدي.
[1] وهذان المستويان من تعريف الإسلام من الثوابت القرآنية. فمن جهة أولى يعتبر القرآن الإسلام الديني في كل دين وذلك هو إسلام الفطرة الذي يصف به كل المؤمنين بالرسالات المتقدمة على الإسلام التاريخي: كلهم مسلمون. ومن جهة ثانية يعتبر القرآن الإسلام التاريخي الدين الخاتم المتجه لكل البشر رغم كونه متعينا في جماعة معينة. ولحل ما يبدو من تناقض بين هذين التصورين جاء المفهوم المنفتح لهذا الدين: فهو دعوة دائمة لكل البشر بل ولكل الكائنات حتى تدخل فيه. ولعل ذلك هو السر في تمييز القرآن بين الوحدة العقدية بين الأديان والتعدد الشرعي حتى ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى اعتبار القرآن المكي ممثلا للدين الكلي لغلبة البعد العقدي عليه والقرآن المدني ممثلا للدين الجزئي أو الخاص بالمسلمين لغلبة البعد الشرعي عليه.
[2] والخطابان يجعلان الوحي الادراكي (تمييزا عن وحي النبوة ووحي الرسالة) بخاصيتين: ففي حالتي خطاب أم موسى وخطاب النحل كان الوحي أمرا في ظاهرة مناقضا للعقل ومبدعا لأمر غير منتظر كما حصل مع موسى في لقائه العبد الصالح الذي كان معتمدا على الوحي الادراكي الدي لم يكن لموسى ما يفسر عدم صبره واضطرارا البعد الصالح على تركه. فأما مناقضة العقل فهي بينة من رمي أم موسى ابنها في اليم ومن خطاب النحل التي هي كائنات عجم. أما الابداع فهو في الحالة الاولى ابداع المناسبة التي تجعل موسى يتكون في بيت فرعون ليقوض سلطانه وهو إذن الابداع المحقق لمكر الله في التاريخ. وفي الحالة الثانية هو ابداع الشراب من كل الثمرات الشراب ذي الالوان المختلفة ليكون شفاء للناس. وفكرة الابداع بمكر الله في التاريخ وبجمع المختلفات والمتناقضات لاستخراج العسل تأتي من الآية المتقدمة مباشرة على الوحي للنحل: فمن بين الفرث والدم نسقى اللبن الخالص !
[3] طبعا الكلام يدور على المبدأ أي على ما هو الواجب وليس على الأمر الواقع. ففي الأمر الواقع الدولة الإسلامية يمكن أن تحرف الرسالة. لكنها من حيث المبدأ لا تقبل الفصل عنها. في حين أن المسيحية منفصلة بالمبدأ وقد تتصل بالأمر الواقع.
[4] سنرى في الفصول الموالية كيف أول هيجل هذه الانفاء المحررة للانسان ليجعلها عيوبا تحول دون الإسلام حسب رأيه وتكوين الدولة العضوية ببعديها الروحي والزماني.
[5] وإليك عرض الغزالي لإشكالية ولاية الأمر بالوصية أو بالاختيار والخلايا العقلية التي دار حولها النقاش لتأسيس الحلين الموصلين إلى الاستبداد في الحالتين السنية والشيعية. وهو أمر سنناقشه بعمق في القسم الاخير من البحث:" فإن قيل بم تنكرون على من يقول لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار. فإذا بطل الاختيار تبث النص؟ ...قلنا نعم لا مأخذ للإمامة إلا النص أو الاختيار. ونحن نقول مهما بطل النص ثبت الاختيار. وقولهم إن الاختيار باطل لانه لا يمكن: 1- اعتبار كافة الخلق 2-ولا يمكن الاكتفاء بواحد 3- ولا التحكم بتقدير عدد معين بين الواحد والكل. فهذا جهل بمذهبنا الذي نختاره ونقيم البرهان على صحته. والذي نختاره أنه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة للإمام مهما كان ذلك الواحد مطاعا ذا شوكة لا تطال ومهما كان مال إلى جانب مال بسببه الجماهير ولا يخالفه إلا من لا يكترث بمخالفته. فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذه الصفة إذا بايع كفى إذ في موافقته موافقه الجماهير. فإن لم يحصل هذا الغرض إلا لشخصين أو ثلاثة فلا بد من اتفاقهم. وليس المقصود أعيان المبايعين وإنما الغرض قيام شوكة للإمام بالأتباع والأشياع. وذلك يحصل بكل مستول مطاع. ونحن نقول. لما بايع عمر أبا بكر رضي الله عنهما انعقدت الإمامة له بمجرد بيعته ولكن لتتابع الأيدي إلى البيعة بسبب مبادرته. ولم لم يبايعه غير عمر وبقيى كافة الخلق مخالفين أو انقسموا انقساما متكافئا لا يتميز فيه غالب عن مغلوب لما انعقدت الإمامة. فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة فإن المقصود الدي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء. ولا تتفق الإرادات المتناقضة والشهوات المتباينهة المتنافرة على متابعة رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته وعظمت نجدته وترسخت في النفوس رهبته ومهابته. ومدار جميع ذلك على الشوكة ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان" فضائح الباطنية نشرة عبد الرحمن بدوي الدار القومية للطباعة والنشر 1964 ص.175-177.
[6] طبيعة الحجاج القرآني غنية عن التوضيح لكن لا بأس من الإشارة إلى أمرين: الأول هو أن محاولات الفلاسفة والمفكرين المسلمين لصوغها ترددت بين حدين يمكن التمثيل لهما بالحد التحليلي البنيوي ممثلا بابن رشد وابن تيمية وحدين آخرين يمكن التمثيل لهما الحد التأويلي الهرمينوطيقي ممثلا بابن سينا والغزالي. فأما الحد الأول فهو تفسير القرآن بنفسه من حيث هو خطاب موجه إلى الجميع ومن ثم فمن شروطه أن يكون غنيا عن التأويل ويكفي التحليل البنيوي الداخلي شرطا في فهم علاقته بمقامه الدلالي أو بأحداث التاريخ التي اتصل بها والتي ينظر إليها كأسباب نزول. وذلك ما حاوله كلاهما. وأما الحد الثاني فهو تفسير القرآن بأسرار النفس والوجود من حيث هو خطاب موجه إلى الخاصة الصوفية والفلسفية ومن ثم فمن شروطه أن يكون بحاجة إلى التأويل ولا يكفي فيه التحليل. والتأويل يقتضي نظرية النفس ونظرية الوجود لقراءة القرآن في ضوئهما. وذلك ما حاولاه.
[7] لا نتحاج لذكر الآيات القرآنية التي تثبت نفي الرسول الكريم الاستدلال بالمعجزات. فسورة الانبياء ومحمد والشعراء والاسراء تكاد تدور حول هذا المعنى. ولعل سورة الاسراء أوضح السور في تعليل نفي الحاجة إلى المعجزات بكون الرسول بشر وبكون التخويف بها لم يكن كافيا لتحقيق التبليغ بدليل فشل الرسالات السابقة في تحقيق قيم الدين في التاريخ.