



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس الثالث عشر
أبعاد النص الديني الإسلامي (قرآنا وسنة)
فالنص الديني في الإسلام مؤلف من بعدين كلاهما مضاعف[1]. وجميعها يدور حول محور قطباه الله والإنسان هو فلسفة التاريح وما بعده في صلتها بـفلسفة الطبيعة وما بعدها. فأما البعد الأول فهو القرآن الكريم بمستوييه في الفعل التاريخي (القرآن المدني) وفي الفعل ما بعد التاريخي (القرآن المكي). وأما البعد الثاني فهو الحديث الشريف بمستوييه في الفعل التاريخي (الحديث العادي) وفي الفعل ما بعد التاريخي(الحديث القدسي). والعناصر الأربعة (القرآنان والحديثان) آيات من القوة الثانية بالمقابل مع الآيات الكونية والتاريخية التي هي آيات من القوة الأولى.
وتدور النصوص الأربعة على ضربين من تعين التاريخ البشري والكوني. فأما الضرب الأول فهو التعين الحالي من حيث هو تاريخ حي في التجربة المحمدية إبداعا لشروط تحقيق القيم الإسلامية تحقيقا يتساوق فيه الصوغ الرمزي في تنجيم النصوص والتحقيق الفعلي في بناء التاريخ. وأما الضرب الثاني فهو التعين التصوري للماضي والمستقبل متعينا في القص التاريخي لتجارب الرسل والأمم السابقين والقص التاريخي للمآلات الممكنة في التجارب اللاحقة التي اتحدت في شهادة أمة الرسالة الخاتمة استقراءا لسنن الله التي لن تجد لها تحويلا ولا تبديلا وتأويلا لها بتحقيق نظائرها في التجربة الحية التي يتصاحب فيها الصوغ النصي والتحقيق الفعلي للتاريخ من حيث هو تعين للمتعالي الديني في المحايث السياسي.
فيكون النص الديني الإسلامي الخاتم بآياته ذات القوة الثانية ذا مركز يدور حوله هو السعي الفعلي لتحقيق القيم في التاريخ والوعي التاريخي بهذا التحقيق من خلال استعادة التجارب الإنسانية واستباقها استعادة واستباقا تحللانها وتفهمان دلالاتها فهما رمزيا وفعليا من أجل الفهم والاقتداء وبالنقد من أجل التجاوز والإصلاح. والسعي والوعي كلاهما ذو أربعة مستويات من العلاج اثنان مؤسسان للتجربة الروحية الشخصية (الحديث القدسي) والجمعية (القرآن المكي) واثنان مؤولان لشروط التحقيق ومقدمان للتعليمات الضرورية للتحقيق في التجربتين الشخصية في صلتها بالجمعية (الحديث العادي) والجمعية في صلتها بالشخصية (القرآن المدني).
لكن إهمال فكرنا هذه الأبعاد منذ البدايات جعله يغفل عما صاحبها من تحرير البشرية من الطاغوتين الروحي (التحريف) والزماني (الجاهلية) فآل الأمر بالمسلمين أن يقعوا في ما وقع فيه غيرهم من الأمم التي قصها القرآن وأدى إلى سقوط الحضارة الإسلامية في مطبات كل التجارب التاريخية المحكومة بقوانين الصراع الدنيوي الخالص بين أقوام وأشخاص ليس لهم من الإسلام إلا الاسم ومن قيمه إلا المتاجرة بها.
ولما كانت هذه النصوص كما أسلفنا آيات من القوة الثانية (القرآن والحديث) لكونها قولا في آيات من القوة الأولى (العالم والتاريخ) فإن العلوم الإسلامية كان من المفروض أن يكون علمها علما بظاهرات القوة الأولى بهدي من ظاهرات القوة الثانية لا اقتصارا على هذه دون تلك أو تلك دون هذه. فإذا تم ذلك امتنع أن يصبح كل علم من العلوم الخمسة التي أشرنا إليها في كلامنا عن الفساد الذي طرأ عليها في صراع مع البقية عامة ومع رديفه خاصة.
فلا يكون الفقه مثلا في صراع مع التصوف ولا الكلام مع الفلسفة ولا فلسفة التاريخ والوجود مع أي منها ولا أي واحد منها مع الأربعة الباقية لأن كلا من الأربعة الجزئية يهتم بمستوى من مستويات القول التي أشرنا إليها والخامس ينظر في علاقتها بعضها بالبعض وفي شروط حفظها لوحدتها من منظور الآيات ذات القوة الثانية أو من منظور الآيات ذات القوة الأولى بداية في الحالتين لينتهي إلى المنظور المقابل غاية فيهما. فالكلام مثلا ينظر إلى الآيات ذات القوة الأولى (الظاهرات الكونية) من منظور تأويل معين للآيات التأسيسية ذات القوة الثانية (القرآن المكي). والفلسفة تنظر إلى الآيات التأسيسية ذات القوة الثانية من منظور تأويل معني الآيات ذات القوة الأولى. ونفس النسبة نجدها بين الفقه والتصوف ولكن بالنسبة إلى نوعي الحديث في صلتهما بالظاهرات التاريخية. وفي هذا العلاج فائدتان:
الأولى تتعلق بفهم طبيعة الفساد الذي طرأ على العلوم الإسلامية
والثانية تتعلق بشروط إصلاح النظام التربوي والسياسي (صورة العمران بلغة عبد الرحمان بن خلدون) وبشروط إصلاح النظام الاقتصادي والاجتماعي (مادة العمران بنفس اللغة).
وبذلك يتخلص المسلمون من مرضي الحضارة اللذين أفقداهم السيادة التاريخية:
1- المرض الأول هو استبدال الوعي التاريخي القائل بالفاعلية النظرية والعملية بانفعال الاستسلام للخرافات والأوهام (وهو ما ثار عليه ابن تيمية في إصلاحه من أجل تحقيق أعمال السيادة على التاريخ بإحياء الحرية البشرية ردا على فلسفة الجبرية التي طغت على الأشعرية).
2- والمرض الثاني هو استبدال العمل التاريخي القائل بالفاعلية النظرية والعملية بانفعال الاستسلام للطاغوت والإجرام (وهو ما ثار عليه ابن خلدون في إصلاحه من أجل تحقيق علوم السيادة على التاريخ بإحياء المعرفة بالفعاليات العمرانية والسياسة العقلية بديلا من التاريخ العفوي في توالي العصبيات والقبائل).
إن فهم فلسفة التاريخ في صلتها بأبعاد القول الديني في الرسالة الخاتمة فهمها هذا الفهم يمكن أن يكون من التجارب التي نتحقق بفضلها من كون الرسالة خاتمة حقا. فالنزول من الآيات ذات القوة الثانية المتعلقة بما بعد التاريخ لتحديد شروط الآيات ذات القوة الأولى في التاريخ نزولا يؤسس للثورة التي تجعل التاريخ فاعلية إنسانية من خلال المقابلة بين مستويين للعلاقة بالله من حيث هو خالق (عالم الخلق والربوبية حيث الضرورة والحتمية) ومن حيث هو مشرع (عالم الأمر والألوهية حيث الحرية والمسؤولية) يؤسس للحرية والمسؤولية ومن ثم لاستغناء البشر عن السلطان الروحي المعصوم والسلطان الزماني الظلوم. وتلك هي محاولة ابن تيمية في الرد على فلسفة الفعل الإنساني الخاضع للجبرية.
والصعود من الآيات ذات القوة الأولى المتعلقة بالتاريخ لتحديد شروط تأويل الايات ذات القوة الثانية في مابعد التاريخ صعودا يؤسس للثورة التي تجعل التاريخ ثمرة للعلم بالظاهرات العمرانية صورة (الدولة والتربية) ومادة (الاقتصاد والمجتمع) يؤسس لنفس الحرية ولنفس الاستغناء في المجالين الروحي والزماني. وذلك هو جوهر مشروع ابن خلدون العلمي والإصلاحي في نفس الوقت. لذلك باتت وحدة المسلكين بين ضربي الآيات من القوتين أمرا يجعل الفصل بين الفكر الديني (ابن تيمية) والفكر الفلسفي (ابن خلدون) فصلا وهميا علته تصور الوحي مجرد تلق عديم العقل والعقل مجرد بث عديم الحدس. وتجاوز هذا الفصام أشارت إليه الآية 256 من البقرة بشرطي الحرية المطلقة في مجال المعتقد: السالب هو التحرر من الطاغوت والموجب هو الإيمان بالله معتبرة ذلك تبينا للرشد من الغي واستمساكا بالحبل الذي لا ينفصم ومن ثم الحبل النهائي الذي ليس بعده حاجة للوسطاء أو الوكلاء في مجالي السلطان الروحي والزماني.
ويمكن أن نعتبر كل ما تقدم من تاريخ البشرية على هذه الفلسفة محاولات للوصول إلى صيغتها المثلى (في الفلسفة ممثلة الأفلاطونية والأرسطية تجاوزا للعلم غير المؤسس تأسيسا متعاليا في الحضارة القديمة وفي الدين ممثلة بالمسيحية واليهودية تجاوزا للعمل غير المؤسس تأسيسا متعاليا في الحضارة القديمة) وأن ما ولاها محاولات لتحقيقها في الواقع الفعلي (الإصلاح الديني والإصلاح الفلسفي في الفكر الحديث) مع تحريفاتها الممكنة في الحضارة الحديثة.
لكن انحطاط الفكر الإسلامي مع التأثر المتأخر بالتحريف الذي طرأ على الإصلاح الديني والإصلاح الفلسفي في الغرب الحديث حالا دون المسلمين وفهم الحل التيمي والخلدوني في محاولات الصحوة والنهضة. ويمكن أن نعتبر أبشع صيغ التحريف للإصلاح الفلسفي والديني حاصلة في الحل الهيجلي (تحريف إصلاح الفكر الفلسفي بحصره في الإيديولوجيا والميتافيزيقا مشروعا ثقافيا) وفي الحل الماركسي (تحريف إصلاح الفكر الديني بحصره في الإيديولوجيا والعلم الوضعي مشروعا سياسيا). وكل محاولات العقل البشري منذئذ في الغرب بالإضافة إلى صمود المسلمين وطدت السعي إلى التخلص من هذين التحريفين اللذين بلغا الذروة في الوضعية النظرية (سلطان آليات العولمة الاقتصادية) وفي الوضعية العملية (سلطان آليات العولمة الثقافية) اللتين قتلتا الطبيعة والتاريخ معا.
لذلك فإنه يمكن القول إن البشرية باتت حاجتها للرسالة الإسلامية تتزايد بقدر تفاقم هذين التحريفين اللذين توقعهما القرآن الكريم في سورة آل عمران. فلا يمكن للبشرية أن تحيا من دون العودة إلى الفطرة السوية عودة إرادية يكون فيها المسلمون غنيين عن التبليغ بغير أدوات التبليغ التي حصرها القرآن الكريم بوصفها المجادلة بالتي هي أحسن. فهي بذلك وبذلك دون سواه تستطيع التخلص من إفساد الطبيعية والتاريخ الطاغيين في العولمة الوضعية نظريا وعمليا بالتخلص من التحريفين الطاغيين عليها في عولمة الاقتصاد التي قضت على الطبيعة وعولمة الثقافة التي قضت على الإنسان. لا بد من فهم الآيات التي من الدرجة الأولى في ضوء الآيات التي من الدرجة الثانية كما حددها الدين الخاتم الذي يضع مبدأين هما عين مبدأي الشهادة: الوحدانية (القسم الأول من الشهادة: لا إله إلا الله) والكونية (القسم الثاني منها: محمد رسول الله لكل البشر لكون القرآن مصدقا لما بين يديه ومهيمنا عليه).
[1] وهو ما يناسب المثل العليا لأنواع الخطاب الأربعة: الفلسفي (القرآن المكي خاصة) والكلامي (القرآن المدني خاصة) والصوفي (الحديث القدسي خاصة ) والفقهي (الحديث العادي خاصة). والنواة هي التاريخ بمستوييه: من حيث حدث يفعل خلال تحقيق الرسالة ومن حيث هو معنى يدرك في القص القرآني. واستعمالنا ل"خاصة" في الحالات الأربع يعني أن الخطابات وما يمثلها في النص لا تستثني بعضها البعض بل كلها له هذه الوجوه وما نشير إليه هو الغالب عليها فحسب.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام