



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس الرابع عشر
اللادينية واستحالة اللاعقد
ليست هذه الإشارات ردا على اللادينيين. ولا هي حتى رد لموقفهم. فكلامهم يغنيك بتهافته عن هذا الهم لو لم تكن دلالته على ما يحصل في أعماق المحيط الوجودي العربي من شروع البركان في قذف الحمم من جديد. وموقفهم لسذاجته يغريك بممازحتهم. لذلك فهي نزهة فكرية في أمر تمتعت بجدية السذاجة التي تغلب على أصحابه لأنهم لو قرأوا القرآن حقا وفهموا إعجابه لهالهم خلطهم بين تبر التدين وترابه. ذلك ما أغراني بالسؤال عن ضمائر هذه النزعة ذات الوهن المنطقي الذي يراه حتى العميان والضحالة الفكرية التي ليس دونها هذيان رغم أهمية التجربة التي يعبرون عنها في الوجود الإنساني عامة وفي ظرفية الوجود العربية الإسلامية على وجه الخصوص. والغريب أن منظومتها البسيطة التي لو أدركها اللادينيون لأكتشفوا أنهم أصلانيون حتى النخاع استبدلوا عقائد العجائز التي ربوا عليها بسقط المتاع فضلا عن كون كل حججهم واستدلالتهم لا تعدوا أن تكون من احتجاح الأطفال الذين لم يجدوا ما كانوا يحلمون به فأصبحوا فيلة تهدم الفخار الراقي لجهلهم بالمراقي.
ويمكن حصر هذه الضمائر في خمسة مزاعم غير واعية أصحابها بمقدماتها وشروطها الدالة على عكس ما يزعمون أنفسهم به قائلين. وسنكتفي بتحليل أولها خلال علاج آخرها لكونهما متحدين بالجوهر إذ الأول هو المسمى والثاني هو الاسم حتى نترك البقية لمن هم منهم أقل غفلة علهم يدركون خواء الحفلة في هذا الموقع المدقع اعتمادا على ما قدمنا من مدفع:
1- زعم نفي وجود الله[1]: غفلة اللادينين جعلتهم لا ينتبهون إلى أن الالحاد تنزيهية سلبية Negative theodicy ( التدليل على العدل الالهي) ذات مستويين: تنزيه لاواع هو الشكوى من الشر في الوجود وامتناع نسبة ذلك للاله من دون اعتباره عاجزا وتنزيه واع هو تأليه مجرى الوجود تحت مسمى الضرورة والصدفة.
والتنزيه الاول افراط آل إلى نفي وجود الله لئلا ينسب إليه ما في العالم من شر. والتنزيه الثاني تفريط آل إلى نسبة ما في العالم من شرور إلى نقيض صفتين من صفات التمام الالهي أي الضرورة (ضد الحرية والاختيار ) والصدفة (ضد القصد والغاية).
2- زعم نفي النبوة[2]: غفلة اللادينين جعلتهم لا ينتبهون إلى أن نفيها ادعاء لما هو أكثر منها استحالة.
فنفيها يعني أمرين كلاهما مستحيل: إما أن يزعم النافي ان العقل غير محدود أو يزعم أن العقل لا يدرك حدوده فيكون حبيسها لا يتخطاها. وكلا الفرضيتين يكذبهما الواقع. فكلنا يدرك حدود عقله وكلنا يعتقد أن ذلك ليس وهما بل حقيقة أي إن العقل محدود حقا.
3- زعم نفي التفسير الديني[3]: غفلة اللادينيين جعلتهم لا ينتبهون إلى أن هذا النفي ممتنع من غير أسطرة التفسير العلمي.
فالعلم ينقلب في هذه الحالة إلى أسطورة بمعنيين:
أ- النظريات التي تساعد على التعامل مع الظاهرات المادية مختلقات خيالية لو اعتبرت حقائق لامتنعت تاريخيتها ومن ثم لما توالت تكذيباتها اللامتناهية
ب- لكن العلم يكون أسطورة من القوة الثانية عندما يدعي الوجود منحصرا في موضوعاته أو في ما يدركه منها فينفي من الوجود ما يتسع إليه أفق الدين.
عندئذ يكون العلم دون الدين استجابة لحاجات الإنسان شمولا ونفاذا إلى الحقائق فيصبح أقل من الأسطورة بالمعنى الأول. فإذا اعتبرنا نظريات التفسير العلمية مخترعات بشرية كان الدين أقل من العلم أسطورية لأنه لا يشوه الوجود بل يرى فيه أبعادا لا يستطيع العلم نكرانها من دون التحول إلى أسطورة أدنى مما يزعمه في وصفه الدين.
4- زعم نفي الشرائع المتعالية: غفلة اللادينيين جعلتهم لا ينتبهون إلى أن نفي الشرائع المتعالية وحصر التشريع في الأوضاع البشرية غير ممكن من دون الخلط بين أعيان الموضوعات التشريعية وضرورة الوضع التي ليس يمكن للعمران أن يكون من دونها. فإذا كان التشريع المتعالي متعلقا بشروط التشريع وصفاته لا بمضموناته كان كل كلام اللادينين دالا على عدم فهم المتعالي ما هو؟
ولنأخذ مثالا واحدا قد يساعد على إفهام أكثر العقول بلادة. فلا شك أن الموازين والمقاييس والعملات مختلفة من أمة إلى أمة ومن عصر إلى عصر في نفس الأمة ولا شك أنها كلها موضوعه. لكن التعاوض الذي من أجله جعلت هذه الوسائل وشرط كونه تعاوضا حقيقيا أو غير مغشوش هل هو متعال أم تواضعي؟ وهل يمكن للتواضع من دونه أن يحصل؟ كيف نتواضع على المقايسس والموازين والعملات إذا لم نكن قد انطلقنا من أن التعاوض العادل أو غير المغشوش هو أساس العمران؟ وليقرأ اللادينيون "المطففون" اخسارا عند الكيل واستيفاء عن الاكتيال لعلهم يفهمون!
5- زعم نفي الدين أو اللادينية غفلة اللاديينين العرب جعلتهم لا ينتبهون إلى أن اللادين مستحيل الوجود إلا من حيث هو أحد الأديان حتى ولو كان جامعا لها بالسلب.
فهي موقف وجودي ومعرفي وقيمي له ثوابت عقدية حتى عند حصرها في السلوب الأربعة السابقة: الإلحاد ونفي النبوة ونفي التفسير الديني ونفي التشريع المتعالي. لذلك فهو دين: إذ ليس من ضرورة الدين أن يكون منزلا ولا من ضرورته أن يكون ذا كتاب ومؤسسات بل المهم أن توجد جماعة تدين بمنظومة معتقدات. وحتى لا ينزعج أصحاب هذا الموقف فإني أنبههم أن قراءة القرآن الكريم بروية تبين أن كل هذه الآراء التي يزعمونها أمرا مهما يؤسسون عليه موقفهم لا تخلو تجربة نبي واحد من علاجها بل إني أزعم أن الرسالة المحمدية تنطلق منها للوصول إلى الدين الحق الذي ينبغي أن يتصف بصفات الإسلام أعني القول بأن الدين فطرة وبأنه شامل للإنسانية كلها وبأنه يؤمن بحرية الدين وبحق الجميع في عدم الإكراه في الدين بما في ذلك الشرك كما في آية الإرجاء والتفويض (الحج 17): فهي الشبهات الوجودية الأساسية التي بتدبرها يعاني المرء جوهر التجربة الدينية فتجعل الإيمان خيارا حرا لا إكراه فيه ولا عنت.
[1] كل الأدلة السلبية المستعملة لنفي الوجود الإلهي في هذه النزعة لم تأت بجديد لان أصحابها غير مطلعين جيد الاطلاع على الفكر الكلامي الإسلامي والمسيحي وغيرهما من الكلام فضلا عن عدم تدبرهم للقرآن الكريم. وكل الأدلة الايجابية لإثبات البديل قصدت الضرورة والصدفة أو الدهرية ضعيفة بحد لا يكاد يصدقه مطلع على الفكر الفلسفي والعلمي. وقد كفاني الاخ الفاضل طه عبد الرحمن (لا أقصد الشيخ المغربي بل مفكر عربي آخر لم يسعفني الحظ فأتعرف عليه) بالرد الشافي عليها ردا يبين أن الفكر الإسلامي اليوم قلب العلاقة التي كان يعاني منها عندما ترك الاستعمار مستعمراته لنوابه من العلمانيين. فقد كانوا يمثلون الثقافة الحديثة وكان الفكر الديني يمثل الثقافة التقليدية إن لم يكن غائصا إلى الأذقان في الجهل والأمية. لكن العلاقة اليوم انقلبت. فقد سقطوا في سطحيات الثقافة الصحفية والإيديولوجيا واضطرنا التاريخ إلى استئناف الفعل الفكري من الأعماق: الفكر الديني اليوم (القصد الذي من جنس ردود هذا الشاب) هو الفكر الحديث الحقيقي بل هو الفكر وكفى ! ويكفي أن تقارن النخب الحاكمة والنخب المعارضة: فالنخب الإسلامية المعارضة أو الحاكمة (غير التقليدية) أغلبها من المتعلمين والنخب العلمانية الحاكمة أو المعارضة (تقليدية كانت أو ما بعد الحديث منها ) أغلبها من الأميين.
ولا أريد أن أضيف إلى الأدلة الشافية التي استعملها الأخ طه عبد الرحمن (ليس الشيخ المغربي بل أحد المعجبين به تكنى باسمه) إلا ملاحظتين تدعمان استدلاله, ألاهما تاريخية وتتعلق بالعلاج الأرسطي والثانية فلسفية وتتعلق بازدواج الخلايا الثلاث التي بنى عليها حله. فأرسطو عالج المسألة في مستويين قبل أن يصوغها منطقيا في مسألتي الحقائق الأولية مخرجا من خليتي التسلسل والدور في المقالة الأولى من التحليلات الأواخر. فأما الأول فهو ميتافزيقي رياضي خالص وذلك ما يستعمله في دحض حجج زينون الايلي وفيه بين أرسطو فلسفيا ما توصل إليه جودال رياضيا أعني عدم الاكتمال في كل استدلال وعدم تمام النسقية في كل علم. وأما الثاني فهو ميتافيزيقي فيزيقي وذلك ما ستعمله أرسطو في الكلام على الحصول الفعلي للظاهرات الطبيعية حصولها الفعلي الذي يقتضي ضرورة أن تكون سلسلة العلل كلها بالفعل (وهذا هو بيت القصيد في المسألة). ومن ثم فلا بد أن تكون العلل متناهية أو دورية ويمتنع أن تكون متسلسلة إلا إذا كانت بالقوة. لذلك فاللاتناهي نوعان: الذي بالفعل مستحيل إلا دوريا والذي بالقوة يمكن أن يكون متسلسلا. ولنوضح. إذا تكلمت عن الماضي فإن ما يفصل أي ظاهرة حاضرة وسلسلة الأحداث التي انتهت إليها ينبغي أن تكون بالفعل أولا ومتناهية ثانيا حتى فرضناها متكررة بالدور كما هي حال دورة المطر وإلا فإن الكل يبقى بالقوة ولا يحصل شيء. وهذا خلف الفرضية إذ انطلقنا من حاضر حصل فيه شيء. كون العالم في الحاضر على حال معينة يقتضي أن يكون حصيلة أحوال مر بها بالفعل ومتناهية لأنها بالفعل أو ينبغي أن ننفي كل تغير في الوجود فنقول بالعود الأبدي. وحتى في هذه الحالة فإن ذلك يقتضي ألا يوجد حاضر مسبوق بماض ومتبوع بمستقبل بل حاضر أبدي ومن ثم فهو يضمر نفي التغير: ولا معنى للتغير إذا كان لا يمكن الفصل بين البداية والغاية والمراحل الواصلة بينهما في مجرى حدثي فعلي.
وأما الملاحظة الثانية فهي فلسفية. فقد حصر الأخ طه الخلايا في ثلاث: التسلسل والدور والتسليم. وهذا في عمومه مقبول لكنه يحتاج إلى مزيد تحليل لأن كل هذه المعاني مزدوجة الدلالة. فالتسلسل عودة من الحاضر إلى الماضي تسلسل وقائع حصلت والتسلسل ذهابا من الحاضر إلى المستقبل تسلسل وقائع متخيلة قد تقع وقد لا تقع. والأول تصفه الفلسفة التقليدية بكونه بالفعل وتنفيه والثاني تصفه بكونه بالقوة وتقبل به. والدور كذلك نوعان كما عرفهما ابن تيمية: الدور الوجودي والدور المعرفي. والاول هو الوحيد الذي يفسر اللاتناهي في الوجود لاننا يمكن ان نتصور مقدار المادة محدودا ومدة الاستعمال غير محدودة إذا كانت العملية دورية وبهذا يفسر الفلاسفة توالي النفوس اللامتناهية على الأجسام من مادة مفروضة متناهية وبها يفسر أرسطو لا تناهي زمان العالم رغم تناهي مكانه وكمه. والثاني هو الوحيد الذي يفسر إمكانية تقدم المعرفة وهو ما أصبح يسمى في نظريات التأويل الدور الهرمينوطيقي. فلكي نفهم ننطلق من فهم ثم نعيد فيه النظر وهكذا دواليك لا إلى نهاية. وبه يفسر ابن سينا لاتناهي الوعي بالقوة لأن المرء يعلم أنه يعلم أنه يعلم لا إلى نهاية.
فإذا طبقنا ذلك على الفرض كان كل تسليم حلا موقتا يعاد فيه النظر من غير نهاية في المستقبل. فيكون دليل المسلمات في النتائج لا في المقدمات دليلا على الفاعلية العلمية وليس دليلا على الصحة لان صحة التالي لا تثبت صحة المقدم إلا إذا كان الرابط بينهما تلازما. لذلك تكفي ثمرة اللزوم في المعرفة العلمية: نسق المسلمات يعتبر مقدما المهم هو تواليه التي يمكن أن تكذبه بقاعدة نقيض التالي ينتج نقيض المقدم وما لم تكذبه النتائج يبقى صالحا للاستعمال. ولهذا كان للتسليم معنيان: معنى التسليم الدغمائي الذي يسميه الفقهاء قطعيا. وهو وهم إلا إذا اخذنا القطع بالمعنى الحرفي أي قطع سلسلة التراجع في سلسلة الشروط قطعا منهجيا وهو المعنى الثاني من التسليم أو التسليم الفرضي. لا وجود لمسلمة قطعية بل المسلمة بطبعها فرضية وهي تستبدل سلسلة الماضي المتعلقة بالدليل المستمد من الشروط بسلسلة المستقبل المتعلقة بالدليل المستمد من النتائج.
ولعل في عدم فهم علماء الدين منا هذا الأمر هو سر موت العلوم الدينية الإسلامية كلها أدوات وغايات. فهم لا يتصورون ما يسمونه قطعيا تسليما مؤقتا بل هو عندهم قطع نهائي فآل الأمر إلى تجمد مستقبل العلم بتجمد مراجعة الأساس أو تعميق ماضيه. وفي الحقيقة فإن نسبة المسلمات إلى النسق هي عينها نسبة الأسس للبناية بشرط أن يكون امتحان الأسس ملازما لكل جزء من البناية من حيث تفشي قوته التأسيسية أو إمساكه بما يستند إليه في كل البناية من أرضها إلى سمائها. فإذا أنت أردت أن تبني خيمة فإن أدنى أساس كاف بل يمكن أن تبني من دون أساس. أما إذا أردت أن تبني ناطخة سحاب فإن الأساس ينبغي أن يكون ضمنا لهذين ا لامرين: ثبات البناية وانتقال استقرارها من الأساس لآخر طوابقها بفضل العمد الناقلة للصلابة حفاظا على القيام ضد قانون الجاذبية إلى تحت. فإذا أضفنا إلى ذلك أن البناء العلمي يقع دائما على ارض بركانية مرتين (بركانية النسبة بين القول العلمي ومقوله وبركانية النسقية المنطقية دائمتي المراجعة) بات من الواجب أن يكون الأساس متحركا مثل البناية وحركته هي مواصلة بنائه لا توقف في ضوء مراجعته الدائمة بالترميم أحيانا باستئناف البناء من رأس أحيانا أخرى. وبهذا المعنى فإن كل العلوم الإسلامية قد ماتت رغم أن الأمة لم تسجل وفياتها رسميا. وهي في أغلبها خيام بدون أسس أو على أقصى تقدير غرف من طابق واحد لم ينل حظه من التأسيس السليم. فكلها توقفت بعد الطفرة الاولى التي اقتضاها ابداع أدوات فهم فهم القرآن الكريم قصدت علوم اللغة بأصنافها الاربعة (اللغة والنحو والبيان والادب) وبعض ابجديات المنطق والرياضيات والنقد التاريخي. أما ما عدى ذلك من الأقاويل فهي ليست علوما بل مجرد تنسيق عفوي بغرض التعليم لدروس حول استثمار النص القرآني أو الحديث أو حول الدفاع عن فهم معين لهما دون مساءلة حقيقية للاسس. والمراجعة الحقيقية لم تبدأ إلا مع ابن تيمية وابن خلدون لكن هذه الطفرة الثانية التي هي نقدية بالاساس مات في المهد. وإلى الآن مازال فكرنا الديني دون هذه الطفرة الثانية.
ومعنى ذلك أن قابلية النظرية للتصديق تتزايد كلما تقدمنا في اكتشاف نتائجها. فلا يكون التسليم سويا إلا في الفرضي الاستنتاجي كما يؤكد على ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية الذي يعتبر ما يسميه الفلاسفة حقائق أولية مجرد مسلمات وظيفية للنسق المعرفي قابلة للتغيير بحسب المخاطب أو بحسب العلاج المقصود. كلها أصول موضوعة Hypothesis. لكن الاخ طه لم يكن بحاجة لهذه الجزئيات لعلتين: فهو لم يكن يعرض نظرية عرضا تاريخيا أو فلسفيا بل كان يستعملها لمناقشة الخصوم ومخاطبوه لم يكونوا مدركين لعمق ما يقول رغم الرطانة التي يتلفظون بها. وحصيلة القول: إن الخيار بين الايمان والكفر ليس خيارا إلا لأنه غير قابل للحسم بالمنطق. ولو كان قابلا للحسم المنطقي- ولا أتصور شيئا يقبل الحسم المنطقي إذ إن التسلمي الذي يجعل المنطق فاعلا ينبغي أن يحسم بعامل غير منطقي وهو عادة الضرورة في العمل والتواضع في النظر- لو كان قابلا للحسم المنطقي سلبا أو إيجابا لم وجد الاختيار الذي هو رهان وجودي وصفه القرآن بكونه حمل الأمانة.
[2] كل ما يقوله الغلاة منهم في الرسول الكريم (أو في أمهات المؤمنين) قابل للنقاش وليس فيه ما ينزعج له المسلم الصادق لأن الوقاحة ليست أمرا جديدا. ولما كان الرسول لم يدع أنه فوق البشرية وكانت دعاواهم في أخلاق الرسول دعاوى ليس عليها دليل وكان ما نجده من نقد ذاتي في القرآن أو من نقد موجه إليه من ربه يفوق آلاف المرات ضحالات أي لا ديني فإن المسلم الصادق لا يبالي بهذه السخافات. ويكفي أن يقرأوا الاسراء ! فإذا أضفنا إلى ذلك مدلول الحكمة التي قالها هيجل بات الامر محسوما: فعند خدم الغرف لا وجود للأبطال !
وكل من يقرأ القرآن يعلم أن الرسول الكريم لم يعتمد على ما يقصه من طرائق الانبياء السابقين لانها كلها فشلت ولم توصل إلى نتيجية ولأن الاعجاز الحقيقي هو في وجود النظام وليس في خرفه. لذلك فهو قد هداه الله إلى جعل دليل نبوته من جنس تعريف القدامى للحقيقة: هي دليل ذاتها ودليل ضديدها. فهي التبشير بتشريع النذير بنتائج غفلة البشر عن التعامل بحكمة وعدل في تنافسهم على المتعاليات الخمسة التي ينبني عليها الوجود الانساني. 1- أولها أصل قيم الوجود أو العقد الموحد وهو في الاديان الربوبية وفي الفلسفات مبدأ النظام الوجودي والمعرفي 2- وثانيها أصل قيم العمران أو العمل الموحد وهو في الاديان الشرائع المقدسة وفي الفلسفات نظريات الحق 3- وثالثها مبدأ النظر الموحد وهو في الاديان وفي الفلسفة على حد سواء قدرة العقل على الترميز والافادة والدلالة لفهم ما يجري في المستويين السابقين وفي مستوى الفهم 4- ورابعها مبدأ استناد قيام الانسان المادي على المستويات الثلاث السابقة للتعامل مع الكون من حيث هو مصدر رزق ولنسميه مبدأ الارتزاق من العالم ويسمى في الاديان وراثة الارض أو تسخيرها وفي الفلسفات الاقتصاد المنزلي في البداية ثم السياسي في الغاية 5- وخامسها وآخرها مبدأ استناد قيام الانسان المعنوي على المستويات الاربعة السابقة للتعامل مع الكون من حيث هو مصدر ذوق ولنسمه مبدأ الاستجمال يسمى في الاديان تزيين الحياة ويسمى في الفلسفة الفنون الجميلة.
وتدور السلسلة لان مبدأ الذوق إذا طبق على الكل صار مبدأ أصل قيم الوجود أو العقد الموحد. وتلك هي علة العلاقة الوطيدة بين الفن والدين أولا وعلة كون الرسالة الخاتمة آية فنية أداتها الفرق النوعي البشري ومنهجها التأمل الوجودي الذي هو ذروة الذوق الفني. وإذا دارت السلسلة كان الارتزاق من الكون علاقة صداقة لا علاقة عدوان على العالم وعلى الآخرين بوصفهم منافسين. وإذ حصل ذلك أصبح العلم عبادة ولم يبق أداة عدوان غايتها الأولى والأخيرة العدوان على العالم (التكنولوجيا) وعلى البشر (السلاح ). وإذا تحقق ذلك لم تعد السياسة تحيلا بل تحقيقا للأخوة البشرية كما تدعو إلى ذلك الرسالة المحمدية.
[3] كل محاولات رد التفسير الديني تعتمد عند أصحاب هذه النزعة على ردها إلى التفسير الخرافي والاسطوري والسحري. لكن القرآن – ولا أشك في أن الكتب المقدسة الاخرى فيها شيء مما في القرآن بعد أن نخلصها مما شابها من تحريف- هو في جوهره رد للتفسير الخرافي والأسطوري والسحري لكون الإعجاز فيه هو النظام وليس خرقه ولكونه ليس دعوة للتسليم بالموجود بل هو دعوة للاجتهاد من أجل علم الوجود وللجهاد من أجل تغييره على علم. ولما كان النظام نفسه من حيث هو ضرورة لايخلو من الصدفة على الأقل في الظاهر المعلوم منه فإنه يحتاج إلى تعليل من وجهين لحصوله ولثباته ولو نسبيا. وهذا هو المابعد الذي لا يدركه أصحاب هذه النزعة: فالضرورة من حيث هي سلسلة من الصدف تعد خيارا بين إمكانات لامتناهية لتحصل ولتبقى مدة ثباتها ومن ثم فمفهوم الضرورة نفسه يقتضي مفهوم الحرية أو الخيار بين الإمكانات التحصيلية والتثبيتيه. ومنهما استمد علم الكلام الاسلامي أهم ثورة حققها في الاستدلال على الوجود الإلهي من منطلق حاجة العالم إلى ضربين من الترجيح لتميز ظاهراته بضربين من الامكان أقصد الإمكان الماهوي والإمكاني الإني: ترجيح القدر للإمكان الماهوي وترجيح القضاء للإمكان الإني.
فترجيح القدر يتعلق بالماهيات أو بكون الشيء على هيأة معينة أو لنقل إنه الكم الكيفي أعني الكمية ذات الأثر (مثل مقدار الحرارة المبخر للماء أو المثلج): إنه ترجيح احد المقادير الممكنة المحددة لهيأة اي موجود وتثبيت ذلك الترجيح لما حققه من الملاءمة مع الغرض الذي تكون تلك الهيأة وكأنها أداته. ومن جنسه العلاقة بين الوظيفة والعضو في الظاهرات الحية. ولولا هذه العلاقة لاستحال العلم أولا والعمل ثانيا. وترجيح القضاء يتعلق بالإنيات أو بكون الشيء حاصلا فعلا بتلك الهيأة المنتخبة من بين ما لايتناهي من الهيئات. ولنقل إنه الكيف المتحيز في المكان والزمان بمدة هي مقدار وجوده: ولولا هذا الكيف المتحيز لاستحالت الإشارة للأعيان ولأصبح العلم والعمل ممتنعين فضلا عن الوجود المنحاز. وكلا الترجيحين القدري والقضائي يقتضيان حسما وجوديا نسميه في الفكر الديني: المشيئة التي تفعل بكن. وهذه المشيئة يسلم الفكر الديني بأنها تعمل بمنطق الضرورة ويسمي حصيلة فعلها بعالم الكون والأدوات. ثم هو يضع الارادة التي تعمل بمنطق الحرية ويسمي حصيلة فعلها بعالم الأمر والغايات.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام