shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                  الدرس الخامس عشر

 

         مزيد تحليل في المسألتين الأولى والأخيرة

 

نزل القرآن الكريم موقف اللادينيين في الجنس السادس من الأديان عندما حصر الأديان كلها وحدد منها موقف الأمة الشاهدة المبدأي (الذي قد تغيره الضرورات في التشريع الفعلي كما يحدد القانون أحيانا بعض تطبيق المبادئ الدستورية) أعني موقف الإرجاء في ما يتعلق بالمعتقد الذي لا إكراه فيه بعد تبين الرشد من الغي. فاللادينيون لسذاجتهم لم يفهموا أنهم مشركون لقولهم بفواعل خمسة يفسرون بها خروج النظام من عدم النظام في الوجود فيكونون ذوي دين وليسوا لا دينيين:"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة" ( الحج 17).

فهم يقولون بالفواعل الخمسة التالية:

 1- بالضرورة

 2- وبالصدفة

 3- وبفعل الضرورة في الصدفة

 4- وبفعل الصدفة في الضرورة

 5- وبخروج النظام اللاحق من اللانظام السابق بفعل وحدة الفواعل الأربعة وحدتها التي هي غيرها ومن ثم فهي فاعل خامس من طبقة أرقى (وإذا اعتبرنا التفاعلين راجعين إلى المبدأين الأولين كان هذا الموقف جنيس التثليث المسيحي الذي يبني عليه هيجل كل فلسفته في التاريخ فضلا عن منطقه الذي هو ميتافيزيقاه).

ولما كنا نشك في قدرة الغافلين من اللادينيين على فهم هذا النوع من المجردات سنضرب مثال نظرية التطور التي هي الأساس الذي تنبني عليه الدهرية الحديثة كما فهمها العلامة جمال الدين الأفغاني في رده على وجهي الدهرية: طبعانية داروين (نيتشوريسم) ومادية ماركس:

1- فالضرورة هنا هي قوانين الوراثة الرياضية ذات التحقق الفعلي

2- والصدفة هي الطفرة التكيفية ذات الأثر الفعلي

3- وأثر الضرورة في الصدفة هو ثبات الخاصية المطفورة في الطافر وفناء غير الطافرين.

4- وأثر الصدفة في الضرورة هو تكيف الطافر وعدم تكيف غير الطافر

5- ووحدة الفواعل هي التطور العضوي للأنواع التي تصبح سلسلة واحدة تشملها النقلة من عدم النظام إلى النظام أو من قدر أصغر من النظام إلى قدر أكبر يحقق التكيف الافضل ليكون البقاء للأصلح في صراع الصدف.

لكن ذلك يصبح غائية عامة للظاهرات العضوية. وهذه الغائية العامة هي الفاعل الأرقى حتى لو أنكر أصحابها القول بالغائية الخاصة بالأنواع التي دخلت في السيلان الأبدي للتطور. وهم ينكرون ذلك لغفلتهم أو لسذاجتهم. إذ ما معنى الوراثة إن لم تكن قانونا ينقل الخاصيات بحسب قوانين ثابتة ويحافظ عليها بحسب تلك القوانين ؟ وكيف تكون الطفرة تكيفية إذا لم يكن بين الطفرة والبيئة (التي تخضع هي بدورها لضرورتين طبيعية وعضوية بمقتضى مقوميها المادي والعضوي) تلاق يقتضي-حتى وإن لم يكن مقصودا قبليا-حصولا بعديا للتوافق بين المحددات؟ وأي معنى لثبات الخاصية المطفورة المحققة للتكيف بالقضاء على الخاصيات التي لا تحقق التكيف إذا لم يكن ذلك من التوافق بين توافقين إيجابي هو السابق وسلبي هو عكسه لغير الطافرين ؟ إلخ.

وفي الجملة فإن نفي اللادينيين للإعجاز الذي يحتاج إليه الدين مرة واحدة لتفسير النظام في الكون بعقل ناظم وخالق ينتهي عندهم إلى تعميم الاعجاز في كل صغيرة وكبيرة فيصبح كل شيء يحصل في الوجود الطبيعي والتاريخي لا بد فيه من شيء يشبه المعجزة يسمونه صدفة تخرف الضرورة السابقة للشروع في ضرورة لاحقة ستخرقها صدفة موالية وهكذا دواليك فتكون الضرورة سلسلة المعجزات المتلاحقة أو الصدف المتوالية: أليس ذلك هو عين أسطرة العالم كله أسطرة مطلقة وعودة إلى العقلية السحرية التي يرمز إليها الدين بالوثنية يعني بتعدد الخالقين ومعجزات الخلق بهذه الفواعل الخمسة[1] ؟ !

وبذلك نعود إلى مسألة الإلحاد. فلو كان الإلحاد ممكنا عقلا إمكانا صادقا خلقيا مثله مثل اللاأدرية (أي في حديث النفس مع نفسها وليس في ما تقول وخاصة خلال كل التجارب الوجودية التي تمر بها والتي يصف القرآن الكريم بعضها عندما يلجأ المرء إلى خالقة) لكنت أول القائلين بهما. لكنهما مستحيلان صادقين: فالجمع بين التنزيهين الواعي واللاواعي اللذين أشرت إليهما في المسألة الأولى يعود إلى الدليل الوجودي مسلوبا رغم غفلة من يرى العالم مقلوبا. وعظمة القرآن أنه قد نبه إلى ذلك في أغلب آيات الاستدلال التأملي على الوجود الإلهي.

فالدليل الوجودي الموجب يقول: تصور الله أو ماهيته يقتضي وجوده أو إنيته. وبين أن هذا الدليل يضمر أن كل الموجودات الأخرى تصورها لا يقتضي وجودها. وعليه بنت الفلسفة والكلام الإسلاميين كل الفكر الإسلامي انطلاقا من الترجيح الجهوي. فيكون الدليل الوجودي تناظر خفي بين وجودين مطلق (الخالق) ونسبي (المخلوق). ومن ثم فهو كما يقول هيجل محصلة الأدلة الثلاثة الأخرى على وجود الله: الدليل الفاعلي (فاعل النظام الوجودي) والدليل الغائي (غاية النظام الوجودي) والدليل الخلقي (خير النظام الوجودي). فهذه العناصر الثلاثة المحتاجة إلى تعليل في الموجودات المخلوفة تصبح غنية عنه في الموجود الخالق. وذلك هو معنى أن ماهيته تقتضي وجوده.

وللنظر الآن في الإلحاد ما مدلوله؟ أليس هو مجرد جمع لسلوب هذه الأدلة؟ فهو دليل وجودي سلبي بالمعنى التالي. فصاحبه يقول:  تصور الله أو ماهيته يقتضي عدم وجوده وعدم إنيته. والعلة أنه بخلاف صاحب الدليل الوجودي الموجب لا يضمر المناظرة بين الموجودين بل هو يعلن أن تصور الله أو ماهتيه متنافية مع ما يتصف به الموجود النسبي من عدم نظام وعدم غاية وعدم خلق (نفي الأدلة الثلاثة)؟ فهل كان العالم عامة والتاريخ خاصة يكون ماهو لو كان الله كما تحدده ماهيته عالما قادرا مريدا وخيرا ؟ لذلك فالإلحاد يستند إلى ضمير هو نقيض الشرطية المتصلة:

* لو كان الله موجودا لكان العالم كله خيرا أو لما وجد في العالم شر

                      * لكن العالم ليس خيرا  بل يغلب عليه الشر

* إذن الله ليس موجودا (نقيض التالي ينتج نقيض المقدم). (ضمنيا لأنه لا يمكن أن يكون إلها وبرضي بمثل هذا العالم).

وطبعا فهذا يضمر أن ماهية الله تقتضي أن يكون قادرا على جعل العالم أفضل مما هو. وطبعا فلا أحد يمكن أن يقتنع أن العالم يمتاز بالأبدعية سواء أخذناها بمفهومها عند الغزالي أو بمفهومها عند لايبنتس التي كانت موضع سخرية ديدرو وفولتار. فيكون احتجاج اللاديني وكأن لسان حاله يقول: الأفضل أن أنفي وجود الله من أن أعترف بأنه عاجز على منع الشر والظلم والفوضي في الوجود ! لذلك قلت إن أصل الإلحاد تنزيهية سلبية أو دفاع سلبي عن العدل الإلهي بنفي الإله غير العادل استقراء من الوجود بدل من نفي حقائق الوجود التي لا ينكرها إلا معاند والتي يصعب أن يقبل العقل ان الله راض عنها ! أفيكون الله عاجزا عن منع ما لا يرضى عنه ؟ أم يكون الشيطان هو الأقوى؟

ألا يستحق الإلحاد إذن أن يوصف بكونه مجرد احتجاج علته تحول وجودي السؤال إلى ثورة ببراءة الأطفال؟ لذلك فإني اعتبر اللادينيين العرب وكل اللادينيين في التاريخ-إذا كانوا حقا صادقين في التعبير عن التجربة الوجودية التي حاولت وصفها هنا ولم يكونوا دجالين يحاولون تشويه أسمى تجارب الوعي البشري بمزح السكاري-إما أصوليين يائسين أو أطفال بائسين لم يدركوا أن الدين لم ينف كل هذه الحجج بل هو يعتبرها شرط التدين الحيقيقي المحرر للإنسان من هذه الانفاء بالفعل التاريخي.

ولولا ذلك لما اعتبر الدين الإسلامي الدين الخاتم عملا تاريخيا أساسه النظري الاجتهاد (لا العلم المطلق) وأساسه العملي الجهاد (لا مجرد التمني) وكلاهما يحصل بعملية التواصي بين المؤمنين من أجل التصدي إلى هذه الأمور: وتلك هي أمانة المستخلف ومجال حريته لتحقيق الامتحان الوجودي المطلق لبني آدم. فأما التواصي الأول فهو تواص بالحق للوصول الاجتهادي إلى معرفة ما يحرر الوجود من اللانظام واللاغاية واللاخير. وأما التواصي الثاني فهو تواص بالصبر لتحقيق ذلك في التاريخ الفعلي. وتلك هي الشهادة على العالمين. ليست القضية الدينية نزهة فكرية: إنها معاناة وجودية لمعرفة الحقيقة ولتحقيقها وذلك هو معنى الاجتهاد والجهاد والتحرر من السلطان الروحي والسلطان الزماني التحررين اللذين لا يحصلان بالاماني بل بالتفاني في فهم المعاني وتحقيق المباني. ألم يقل الرسول الكريم: رهبانية الاسلام هي الاجتهاد والجهاد ؟ أما إذا اخترنا الموقف المزعوم لا ديينا والذي بينا أنه دين من الاديان فإن النتيجية ستكون كما يلي:

1- لن يبقى معنى للاحتجاج على الشر والظلم وعدم النظام: فتلك سنن الدهر وتلك هي مفاعيل الضرورة والصدفة.

2- لن يبقى معنى للسعي لتغيير الاحوال بغير منطق الضرورة والصدفة: سنعود إلى قيم كاليكلاس حيث لا قانون إلا قانون القوة والغلبة.

ومن ثم فإن اللادينية ليست لا دينية بل هي عودة إلى الطبعانية التي وصفنا في المثال الذي ضربناه من نظرية التطور. فليكن اللادينيون صرحاء وليقولوا إنهم مع كل جبابرة العالم وسفاحيه والسلام. ويمكن أن نعترف بهم اعتراف القرآن بالمشركين في الحج 17 وأن ننسب إليهم فضل المشاركة الفعلية في الصراع الحي حول القيم بين موقفين طبعاني وروحاني يتلتقيان في تسامي الطبعانية إلى الروحانية وتداني الروحانية إلى الطبعانية في جدلية دائبة لا تتوقف هي معين كل إبداع قيمي حي في الأمم المبدعة.


 

[1]

 وفي الحقيقة فإن كل القائلين بالإعجاز بمعنى خرق العادة يرون هذا الرأي لأنهم يعتبرون التدخل الإلهي دائما ومن ثم فكل ما يحصل يحصل بتدخل مستأنف فتتوالى التدخلات الإعجازية التي صارت عند هؤلاء صدفا وهي عند أولئك توجيهات عن بعد لمجرى الكون. ولعله ليس من الصدف أن كان مدار النزاع في تأسيس العلم الحديث بين قطبيه الرئيسيين قصدت نيوتن ولايبنتس دائرا حول طبيعة النظام في الكون: هو هو ثمرة مشيئة وضعته فيه كما يفعل صانع الساعة ويترك الساعة تعمل بما فيها من نظام أم إن الساعاتي لا بد أن يكون دائما في الساعة ليعدل مجراها. ولايبنتس كان يقول بالحل الأول في حين أن نيوتن يميل إلى الحل الثاني على الأقل غبا: إي إن الله يتدخل كما دعت الضرورة لتعديل الساعة. الصدفيون يرون أن الأمر المؤثر يتدخل دائما ليعدل فعل الضرورة: تحدث الصدفة فتحدث شيئا تحافظ عليه الضرورة فيفعل بمنطلقها إلى أن تحصل الصدفة الموالية فتوجه الأمر وجهة أخرى. لكن لو أخذنا الأمر كله أعني سلسلة الصدف والضرورة لوجدنا ضرورة أسمى من الأمرين هي التي تتحكم في كون الصدف تحقق التكيف والضرورة تحافظ على ذلك التكيف وتعدله ليكون على أفضل الوجوه فيكون النظام من حيث هو كل غائيا في النهاية.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام