



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس السادس عشر
وبعد ألسنا نبالغ مرتين إذ نبدو وكأننا نفرط أو نفرّط مدحا للإسلام وذما للمسلمين ثم ذما للمسيحية ومدحا للمسيحيين؟ فلكأننا نقول إن المسلمين تمسحوا ففسدوا والمسيحيين أسلموا فانصلح حالهم ؟ فيم يختلف هذا الكلام عما قاله رجال الإصلاح الأوائل لما وجدوا الإسلام من دون مسلمين في أرض الإسلام ووجدوا المسلمين من دون الإسلام في أرض الغرب؟ كلا. فالإسلام الذي وجدوه هنا وافتقدوه هناك ليس إسلاما بل هو تصوره للإسلام أعني الصورة التي قتلت حياة الإسلام والمسلمين معا: إنه الإسلام الرسمي الذي يمثله الفكر الكلامي (العقيدة) والفكر الفقهي (الشريعة) بوصف الأولى بنودا نصية والثانية قيودا حكمية.
فلا الغربيون صاروا مسلمين ولا هم بقوا مسيحيين. ولا الشرقيون بقوا مسلمين ولا هم أصبحوا مسيحيين. ما حدث في الحالتين له تفسير أعمق من التقابل بينهما في المظاهر الخارجية ولا يفسرهما الدين الذي يفسر مآله بما آل إليه أمرهم بدل العكس: ذلك ما فسره ابن خلدون بوضوح تام عندما بين كيف أن أحكام التربية والسياسة العنيفة تؤدي إلى إفقاد الخاضعين إليها معاني الإنسانية ومن أهمها الشعور الديني بالكرامة الإنسانية التي لا معبود لها سوى ربها. لا دخل للإسلام ولا للمسيحية في مآل الحضارتين لأنهما لا يفعلان بذاتهما بل باستعمالهما ممن يوظفهما وبما أدخله عليهما هذا الاستعمال من تحريف: دلالة مضمون الدينين يحدده مآل الحضارتين وليس العكس وما مظاهرهما إلا من علامات ظاهرات أعمق من مجرد العلاقة بالدين سواء أخذناه في مستواه العقدي أو في مستواه الشرعي.
فلا أحد ينكر أن المسيحيين فُعل بهم باسم الدين المسيحي نظير ما يفعل بنا باسم الدين الإسلامي أو أكثر. ولما تخلصوا من الاغتصابين باتوا نسبيا أفضل حالا في علاقاتهم الداخلية فيما بينهم. لكن علاقتهم بغيرهم ظلت هي هي ولم يطرأ عليها تقدم خلقي يذكر خاصة إذا تجاوزنا الدجل المناسباتي عندما يتحدث زعيم سياسي غربي بدأ يفقد الشعبية عن الحاجة إلى معالجة مسائل الفقر في العالم في حين أن نظامه هو السبب الرئيسي لإفقار ثلاثة أرباع البشرية من أجل عيون الربع الأخر. وإنما هي زادت قساوة بسبب زيادة القدرة على الإيذاء زيادة لا تكاد تحد. لذلك فالاغتصاب لم ينجل حتى في الغرب: فما كان بيد الحكام والكنسية صار بيد أصحاب رأس المال والإنتاج الثقافي والإعلامي.
لم يحررهم الدين ولم يتحرروا من الدين. ولم يتحرر أحد فعلا. بعض ما نالوه من الحرية بالثورة على مستعبديهم باسم الدين مباشرة (استبداد العلماء أو رجال الدين والكنيسة) وباسمه بصورة غير مباشرة (استبداد الأمراء الحاكمين باسم الحق الإلهي) لا يزال بحاجة إلى الثورة الدائمة ممن أتى بديلا من هذين الاستبدادين وإن بصورة أكثر لطافة: الاستبداد اللطيف بدل الاستبداد العنيف. وإذن فهم قد تحرروا من المستعبدين باسم الدين لا من الدين. ثم صاروا عبيدا لما هو أدهى وأمر من الاستعبداد باسم الدين. وقد يكون المتدين منهم أكثر صدقا من المتدين منا لأنه حر في تدينه ولأن المؤسسة الدينية لم يبق لها سلطان عليه ولأن المؤسسة السياسية سلطانها محدود بسلطان المجتمع. لكنه أصبح عبدا لأمرين لا يمكن التحرر منهما بيسر:
1- فنظام الاقتصاد الربوي يجعله عبدا دائم الطاعة لأنه بمجرد أن يخرج عن النظام يفقد كل شيء وذلك هو البديل من الاستبداد الزماني القديم
2- ونظام الثقافة والإعلام الموجه يجعله لعبة بيد التلاعب بالمخيال والغرائز وذلك هو البديل من الاستبداد الروحاني القديم.
لكن مصلحينا لم يكونوا في كل ما قالوه سعاة إلى الحرية حتى بمعنى التحرر من الاستبدادين القديمين بل هم سعوا إلى تأسيس كنيسة إسلامية تتحالف مع الأمراء الجدد الذين أضافوا إلى الاستبداد الشرقي أدوات الغرب التي تضاعفه بما لا يقاس مع أي استبداد سابق: قصدت الإدارة والأمن والاستعلام والإعلام وتوظيف الدين فضلا عن كل الشعارات الديماغوجية مثل نظرية الديموقراطية الشعبية والحقوق المادية قبل الحقوق السياسية الخ..أما الزعم أن الإسلام ليس له كنيسة وأن رجال الدين فيه ليسوا ظلاميين مثل رجال الدين في الكنيسة الذين ثار عليهم الغربيون فهذا من الخرافات السخيفة. فالكنيسة التي لا وجود لها نظريا في أصل الدين الإسلامي صارت موجودة فعليا عند الشيعة بصورة صريحة وعند السنة بصورة ضمنية: فبمجرد أن يصبح الإنسان لا يضع خيطا في سم الخياط من دون استشارة الفقيه أو المفتي خوفا من الحرام يصبح للدين سلطانا روحيا قاهرا يفوق قهره السلطان الزماني الذي لا يستمد شرعيته إلا من تحالفه مع هذا السلطان الروحاني.
لذلك قرن ابن خلدون بين الأحكام التعليمية والأحكام السلطانية التي هي وازع أجنبي وقابلهما بالأحكام الشرعية التي هي وازع ذاتي بات شبه مفقود عند المسلمين بسبب الاستبدادين. وبذلك فالتعليم المستبد الذي استحوذ على الدين بل حصر الدين في ما أدخلوه عليه من تشويهات وتحريفات حتى صار وازعا أجنبيا في خدمة الاستبداد السياسي فباتت الأحكام الشرعية أحكاما سلطانية وباتت الأحكام السلطانية تدعي أنها أحكام شرعية بعد أن أصبحت جميع الأحكام أجنبية.
ولكن إذا لم يكن للدين تأثير على مجريات الأمور في العمران فلماذا يمدح دين ويذم دين ؟ الجواب عن ذلك هو آخر عنصر في هذه الخاتمة. وسأبدأ بالتشكيك في القسم الأول من المسألة. فلست أنفي أن للدين أثرا على مجريات الأمور وإنما أنفي أن يكون أثره أولا ومباشرا ومحددا. ولأوضح. فمن دون الإسلام ما كان ليكون للعرب الدور الذي صار لهم في التاريخ الكوني. ولولاه لما أصبح قلب العالم اليوم يسمى دار الإسلام. لكن التأثير الثوري لأي دين يمكن أن يسبت بتأثير ما يطرأ عليه من تحريف يعود إلى ما يصيب النخب المستعملة له من فساد يجعلها توظفه لغير ما أهل له: وهي لا تعدم التأويلات والقياسات التي تمكنها من هذا التوظيف لأن نصوص الدين بذاتها حمالة أوجه.
وعندئذ يصبح تأثير الدين غير مباشر لأنه يتحول إلى مبرر للسلوك التحريفي فيحمل فوق طاقته. لذلك فمبدؤنا المنهجي هو ألا نحكم لأي دين أو عليه إلا بتناسق مبادئه في ذاتها بصرف النظر عن استعمالها سلبا أو إيجابا. أما الحكم على توظيفاته أو لها فهذه مسألة تاريخية وليست مسألة دينية إلا عند تفسير التاريخ تفسيرا دينيا مقصورا على عامل واحد أو بزعم التناسق المطلق بين كل العوامل في الحضارة: وهذا المبدأ من أسخف المبادئ لانه لو تناسقت كل أوجه الحضارة لماتت ولما وجد فيها تغيير إذ علة التغيير الرئيسية هي محاولات التنسيق التي يكون النسق غايتها وليس هو بدايتها. أليس أكبر محركات التاريخ التفاوت الموجود بين المنشود والموجود؟
ومزية الإسلام أنه هو الذي حدد كيفية حصول هذا التحريف الموظف للدين في آل عمران بصورة نسقية وفي كل القصص بصورة فينومينولوجية تعرض بعض وجوهه بحسب التجربة المقصوصة. فهو قد اعتبر رجال الدين مصدر التحريف وحدد آليات الحيلولة دون استبدادهم بالسلطان الروحي فنسبه إلى الأمة وحدها وحدد منهج عمل هذا السلطان الروحي بصورة تحول دونه والتحريف إذ عرفه بفعلين هما الاجتهاد في مجال النظر والجهاد في مجال العمل ثم حرر معنى الاجتهاد ففسره باسم التواصي بالحق وحرر معنى الجهاد ففسره باسم التواصي بالصبر. لذلك فإنه يمكن القول إن فساد حال المسلمين يمكن أن ينسب بصورة غير مباشرة للتخلي عن القواعد التي وضعها الإسلام تخليا كان ضروريا في البداية لأن تجريب الأمة لثمرات التحريف المرة هي التي تمكنها من فهم معاني القواعد القرآنية لكأن الله أراد أن نعيد تاريخ البشرية كله في أربعة عشر قرنا: فيكون المؤثر ليس الإسلام بذاته بل التأويل الذي ألغى ما أوصى به وسيكون الخلاص في الاستئناف المستفيد من التجربة التاريخية التي مرت بها الأمة فأفهمتها معنى القواعد القرآنية ليس في النص والقص فسحب بل بمفعول التجربة التي عاشتها هي نفسها تلخيصا لكل تاريخ التجارب المقصوصة في القرآن الكريم..
أما ما نسبناه إلى المسيحية من سلوب فهي بالذات اعتبارها المؤسسة المحرفة للدين أصلا من أصوله بني الدين عليها ولم تحدد الآلية المحررة من استبداد رجال الدين بالسلطة الروحية بل هي جعلت المؤسسة الكنيسية نائبة هذا الاصل الذي يعتبره القرآن أصل كل تحريف: تأليه الإنسان برمز بنوة المسيح لله ونيابة الكنسية للمسيح. لذلك فإنه يمكن القول إن صلاح حال المسيحيين يمكن أن ينسب بصورة غير مباشرة للتخلي عن القواعد التي وضعتها المسيحية: فيكون المؤثر ليس المسيحية بل التأويل الذي ألغى بعض ما أوصت به حتى وإن كان هذا الإلغاء قد أدى إلى قلب القيم بالمعنى النيتشوي فأصحبت الدنيا المنفية في التحريف الأول هي المثبتة في الثاني وأصبح الدين المثبت في التحريف الأول هو المنفي في الثاني. ولم يتغير شيء لأن حقيقة التحريف الأول هي بالذات ما تحقق في التحريف الثاني: ذلك أن نفي الدنيا الممتنع فعلا يعني أنه كان نفيا كاذبا فكان إذن من البداية نفيا للدنيا لإضفاء معنى كاذب على الدين نفسه بوصفه رهبانية أكثر أهلها من الفاسقين. كل ما في الأمر أن فسق الرهبانية عم الجميع بعد هذا القلب العودة للأصل.
لكن كل الإشكال في فكر المصلحين سابقا وفي فكر التحديثيين لاحقا هو في الظن أن حال المسيحيين أو الغربيين بحسب التسمية المناسبة لنوعي المواقف صالح وقابل لأن يكون تقليده حلا لازمة الفكر والواقع الإسلاميين. فكل ابداع سوي في مجالات القيم التي ذكرنا حصل قبل التنوير بفضل الخروج عن المسيحية الرسمية والثورة عليها وكل ابداع بعد التنوير حصل بفضل الثورة على التنوير ونقده. ذلك أن كل انحراف في الإبداع يعود كله لنظرية تأليه الإنسان الذي هو المبدأ الأساسي للكنيسة وللتنوير أيضا: فسواء ألهناه باسم النص المقدس أو باسم العقل المقدس الأمر سيان. ذلك أن الهدام من العقلانية سواء كانت باسم الدين المنزل أو باسم الدين الطبيعي هو عين تأليه الإنسان سواء بالمعنى الفاشي المعتمد على شعب الله المختار أو بالمعنى الشيوعي المعتمد على مدينة الله في الأرض.
وذلك هو أساس استغلال كل شرور العالم وأسباب استعباد الشعوب والقدوم مع جيوش المستعمر للتنصير والتمسيح. ألم تمح كل شعوب أمريكا باسم تأليه المسيح وحق الأرض الموعودة الجديدة؟ أليس ذلك كله مكتوب نصا في العهد القديم الذي يعتبره القرآن محرفا لهذا السبب على الأقل؟ أليس نفس الأمر يعلل الآن بنظرية الإنسان التي لم تعد مستندة إلى تأليه المسيح بل إلى حقوق الإنسان الطبيعية ؟ لذلك فالمسلم الصادق يعتقد أن المسيحية التي هذا فهمها ليست دين المسيح بل هي تحريفات رجال الدين لكل الرسالات السابقة وآخرتها قبل الإسلام رسالة عيسى التي لا تختلف عن الرسالة الإسلامية إلا بما أدخل عليها من تحريف: ذلك هو مضمون سورة آل عمران الأساسي. كما أن المسلم الصادق لا يمكن أن يعتقد أن التنوير التهديمي عقلانية بل هو طاغوت باسم العقل كما كان الأول طاغوتا باسم الوحي.
والموقف الإسلامي الأول يحررنا من تحريف الوحي والموقف الإسلامي الثاني يحررنا من تحريف العقل بشرط ألا يوقعنا الأول في الثاني ولا الثاني في الأول كما حدث في فكر ما بعد الحداثة التي هي الوجه الخطابي للمسيحية الصهيونية عند من يحسن الغوص إلى المعاني البعيدة كما أثبتنا ذلك عديد المرات[1]. ذلك أن ما يسمى بما بعد الحداثة ليس هو إلا رد فعل على نتائج التحريفين بإطلاق دروس نتائجهما. فبعد التشبث بالتحريف الثاني بديلا من التحريف الأول أتى الوعي بالتحريف الثاني ليؤدي إلى عودة صريحة أو ضمنية للتحريف الأول: ذلك أن النسبوية في ما بعد الحداثة ليست نفيا للتحريفين بل هي اكتمالهما. فإذا قلت إن المطلق هو الإنسان ثم تعددت الحضارات التي تستطيع أن تدعي ذلك لإنسانها فإن الحل الوحيد المتبقي هو تعدد القيم والحقيقة بتعدد حدود الصراع. إنما ما بعد الحداثة ترجمة رمزية للوعي بتوازن القوى بين الحضارات المتصارعة وليس فكرا جديدا.
والله أعلم
انظر مقالنا حول النقد في الفكر العربي المعاصر صدر في مجلة الفكر العربي المعاصر للأستاذ مطاع صفدي (ربيع 2004).
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام