



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
القسم الثاني من درس فلسفة الدين
الدرس السابع عشر
نموذج لفهم منطق التأويل
كما استخرجه ابن خلدون من التفسير والكلام
تمهيد:
لن نقتصر على تحليل ابن خلدون التكوينية التاريخية للتفسير بل سنعمق العلاج لنحدد طبيعة أدوات تحليل الشكل التي استعملت لفهم النص القرآني ببعديها السطحي والعميق وأداوات تحليل المضمون التي استعملت لتأويل معانيه في ضوء النظريات الفلسفية والتجارب الصوفية التي عرفها المسلمون حتى وإن لم يصوغوها بالنسقية التي نبرزها في هذه المحاولة. ويهدف هذا البحث في الغاية إلى بيان التماثل الوظيفي بين المناهج المستعملة في علاج مآثر ثقافة الكتاب كما تلخصت في الثقافة الإسلامية التي يقر نصها بأنها ثمرة التجارب الأربع التي عرفتها حضارة ملتقى القارات الثلاث الغالبة في التاريخ الحالي ووريث التجربتين الرئيسيتين المتقدمتين عليها واللتين حددتا معالم التاريخ القديم بأبعاده الأربعة كذلك [1]: آسيا وافريقا وأوروبا أو الهلال المحيط بالحوض الشرقي من الابيض المتوسط والذي يمكن اعتبار ملتقى القارات الذي يكاد يطابق الوطن العربي في حدوده الحالية مع تركيا مركز ثقله الجغرافي إلى أن صار مركز ثقله التاريخي بمجيء الاسلام [2].
ولا يزال الأمر على ما هو عليه بل هو سيزداد إذا علمنا كيف نستفيد من الموقع الجغرافي والتاريخي. فلسنا أمة الوسط بالمعني القيمي فسحب بل إننا أمة الوسط الجغرافي والوسط التاريخي. جغرافيا نحن الآن وكما كنا وكما سنظل إلى الأبد- ومعنا أوروبا الغربية بوصفها الغرب الادنى المكمل للشرق الادنى الذي هو نحن والتي هي آيلة إلى الاسلام لا محالة في مستقبل منظور- الجسر بين الشرق الأقصى المنبعث (الصين والهند) والغرب الأقصى الآفل (الولايات المتحدة). وتاريخيا نحن الجسر بين الحضارات القديمة التي ماتت والحضارات الحديثة التي تتماوت لاننا سنكون ما بعد ما بعد الحداثة: أي المستقبل المفتوح إلى الأبد
فالتفسير والتأويل اللذين عرفتهما هذه الحضارات وواصلتهما الحضارة الإسلامية هما فن قراءة النصوص وفهمها باستعمال الأداتين الشكليتين بعمقيهما (اللغة وعلومها والنظام المنطقي وعلمه ثم الأثر وعلم التاريخ ونظام القص وعلمه) والأداتين المضمونيتين بعمقيهما (أصول العقيدة والالهيات الفلسفية وأصول الشريعة والتصوفيات الفلسفية): بل إن اكتشاف هذه الأدوات كان بفضل هاتين الغايتين المضاعفتين بنظائرها العكسية كتابة النصوص وقراءتها وتأليف النصوص وفهمها.
إن اكتشاف الكتابة والقراءة والتأليف والفهم كلها انجازات ثورية حصلت في هذه الرقعة وخاصة في الأرض العربية الحالية. وهذه الاكتشافات تحدد آليات التفسير والتأويل بل إن التفسير والتأويل الحقيقيين هما السبيل التي أوصلت إلى هذه الاكتشافات التي هي حقيقة التفسير والتأويل بمعناهما العميق وأدواتهما في نفس الوقت. وقد بينا ذلك كله في كتاب الابستمولوجيا البديل (لبيان العلل) وكتاب الشعر المطلق (لبيان الآليات) فمن أراد مزيدا من التوضيح فليعد إليهما. يكفي أن نشير إلى أن التأويل المنهجي السليم لا يكون في أفضل حالاته إلا عندما نتخيل وكأننا نقرأ النص في اللحظة التي لم تكتشف فيها التحديدات العادية للدوال والمدلولات فنتخلص من التأويل الذي يطلب ما نتصوره موازيات معلومة في مجال آخر لنفرضها على ما نتصوره موازيات مجهولة فيه.
ذلك أن مثل هذا الطلب يحول دون التأويل وحقيقته فلا يكون اكتشافا لحقيقة النص بل هو يصبح صبا لحقيقة فيه وكأنه وعاء خاو من حقيقة ذاتية له. أما من اخترع الكتابة والنحو أو ما بعد اللغة الذي هو جوهر كل علوم اللغة بالترتيب الذي وصفه الفارابي في كتاب الحروف مرحلة أولى قبل أي علم أو عمل آخر فإنه قد تخيل النظام المستنطق للمواد التي صيرها دوال بما بدا له فيها من نظام مدلولات غير مسبوقة في نظام يمكن ان يفرض على تلك المواد.
وطبعا فذلك كان لا بد أن يحصل بعملية تأويل معرفية وعلمية ليست دوالها ولا مدلولاتها محددة مسبقا: فكان تأويلا استكشافيا وكشفيا فاكتشافا للمجهول. التأويل الحقيقي هو التأويل الذي يعود بالمادة التي يؤولها وأدوات تأويلها إلى هذه الوضعية البكر قدر المستطاع إذ من دون ذلك لا يمكن لحصول ما يحصل أن يكون في صلة مباشرة مع وجدان واجده فيصيب البصيرة شيء من عمى حصر الرؤية في المعتاد. وذلك هو الرين الذي يعمي البصائر فلا تنفذ إلى الضمائر ولا تغوص إلى السرائر وعلامتها فقدان السؤال الحائر في الحضارات التي تموت فتدفن نفسها في متردمات الغوابر.
ذلك ما قصده الرسول عندما دعا لاحد الفتية قائلا: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"[3] قاصدا تأويل الأحاديث كما في سورة يوسف سواء كان الأمر المؤول خبرا عن حدث أو حدثا فذلكما هما معنيا الحديث في العربية وهما ثمرة الفقه في الدين جزء المطلوب الأول في هذا الدعاء. والملكة المحققة لذلك هي الحكم الذي قرنه القرآن بالكتاب واشترطه في النبوة: تلك هي أهم صفات يوسف عليه السلام إلا في ما يتعلق بالغيب الذي لم يؤوله إلى أن تأول بذاته لما تم حصوله أمامه في آخر السورة.
المسألة الأولى
النموذج النظري لفهم تأويل النص الديني
ويمكن تصنيف التأويل تصنيفا يشبه الصياغة النسقية الجامعة المانعة بين كل ما حدث في التطور التاريخي الإسلامي وما توصل إليه العقل البشري في لحظته الراهنة برده إلى صنفين حدين وصنفين مؤلفين من تفاعلهما في اتجاهي التفاعل من أحد الحدين إلى الحد الآخر ثم العكس وصنف أصل جامع بينها أربعتها لأنها جميعا تعد فروعا عنه:
الصنفان الحدان:
1- التأويل اللساني للنصوص أو شرح النصوص بصرف النظر عن الذات المعبرة بها. ولنسمه التفسير بفقه اللغة Philologische Auslegung . وطبعا ففقه اللغة يتضمن المعلومات التاريخية بمعنيين: المعلومات التاريخية حول اللغة نفسها إذ هي نظام تاريخي الافادة والمعلومات التاريخية حول مجال تداولها لتحديد دلالاتها. وهذا النوع من الممارسة ملازم للإبداع الأدبي في المعنى المقصود عند العرب عند الكلام عن الشعر ديوان العرب بمعنى سجل تاريخهم وكل خصائص ثقافتهم. وهو الجزء الأهم من تذوق الأدب ونقده.
2- التأويل الوجودي لصاحب العبارة. ولنسمه بفينومينولوجيا وجود الذات المعبرة أو بمصطلح هيدجر:Phenomenolgie der Existenz des Daseins . ويتضمن هذا التأويل التاريخ الشخصي والتاريخ الجمعي بوصفهما مجال تمظهر الدازاين المعبرة عن كل ما وعته الذات من تجاربها في الحياة. وهذا النوع ملازم لرمز البطل في الأصل ثم يصبح ملازما للذوات التي يجعلها التمحض للإبداع الرمزي أكثر المدركين لتجاربهم الذاتية فيكون تابعا للصنف السابق من خلال علاقة النص المبدَع بصاحبه أو من خلال البطل بأعماله كما تظهر في ما يدور حولها من إبداع أدبي يتحول إلى أساطير.
صنفا التفاعل بين الصنفين الحدين:
3- أثر 1 في 2: ولنطلق عليه اسم التأويل الربوبي[4] حيث تقرأ العلاقة بين وجود الله ووجود الإنسان النظري والعملي في ضوء النصوصTheologische Hermeneutik . وهو محاولة للإرتفاع بالأمرين السابقين إلى علاقة مجردة بين ذاتين متراسلتين علاقة “ذات-ذات” فرديتين ينتشر وجودهما في ممارسات الجماعة وفي العالم.
4- أثر 2 في 1: ولنطلق عليه اسم التأويل الصوفي حيث يقرأ النص في ضوء العلاقة بين وجود الإنسان ووجود الله : Mystische Hermeneutik. وهو نفس المحاولة السابقة ولكن بسلبها أي بجعل علاقة الذاتين علاقة خصوصية وحميمية خارج الجماعة والعالم. لذلك فهي تتعلق بما لا ينقال Das Unsagbares من التجارب غير القابلة للتعبير عنها بالكلام Unaussprechliche Erlebnisse.
الصنف الأصلي وهو أصلي بمعنيين:
5- فكل واحد منها يرد إليه في الغاية وكل صنف تحضر فيه بقية الأصناف الأخرى حضور الخلفية فينتأ عليها نتوء الصورة على خلفيتها. لكن هذا الصنف الخامس متردد تعينه الفعلي في تاريخ الأساليب بحسب ميله إلى الحد الأول أو إلى الحد الثاني. فهو متردد بين أسلوبين يحددان طبيعة القطبين الرابطين بين هذه المستويات ما بعدا لكل واحد منها وأصلا جامعا أي ما بعدا لفقه اللغة وفينومينولوجيا الدازاين والتأويل الكلامي والتأويل الصوفي وهما أصلها جميعا من حيث تضمنهما بذرتها فتكون كلها فروعا لهما:
1- قطب الإبداع الأدبي المطلق وهو الوجه الأول مما سميناه بالشعر المطلق صعودا من 4 إلى 1
2- وقطب الإبداع الفلسفي المطلق وهو الوجه الثاني مما سميناه بالشعر المطلق نزولا من 1 إلى 4.
وأفضل جنس إبداعي تلتقي فيه كل هذه العناصر هو النص المقدس عند كل الجماعات البشرية ذات النصوص المقدسة التي هي غاية الشعر المطلق بوجهيه. ففيه يتعادل التجاذب بين القطبين. لذلك فهو أدبيا سيرة ذاتية ربوبية في وجهه الأول Autobiographie Gottes’ لأنه قص الرب ذاته وأفعاله في الوجود. وهو فلسفيا تحليلية دازاين الرب في وجهه الثاني: Analytik des Daseins Gottes’ لأنه طلب للصفات الأساسية للذات الالهية في تمظهرها الفعلي كما تتعين في الأسماء الحسنى. لذلك كان الأسلوب الغالب على القرآن الكريم متضمنا كل أساليب الترجمة الذاتية وتحليليات الدازاين من منظورين:
1- ففيه السيرة الذاتية الربوبية وتحليل دازاينه من خلال علاقته بدازاين الإنسان والعالم: وبهما تفهم مقومات العقيدة في أصول العقيدة(القرآن المدني) التي تدنت إلى كلام وفي أصول النظر (القرآن المكي) الذي تدنى إلى ميتافيزيقا.
2- وفيه السيرة الذاتية الرسولية وتحليل دازاينه من خلال علاقته بدازاين الله والعالم: وبهما تفهم مقومات الشريعة في أصول الشريعة (الحديث العادي)التي تدنت إلى فقه وفي اصول العمل (الحديث القدسي)الذي تدنى إلى تصوف [5].
الدرس الثامن عشر
التجارب الأربع الوريثة لما تقدم عليها قبل أن يرث المسلمون جميع حضارات العالم المؤثرة عصرئذ والتي كانت ما تزال حية في حيز نزول القرآن المكاني والزماني تنقسم إلى اثنتين سندهما طبيعي واثنتين سندهما منزل: والأوليان هما اليونانية واللاتينية والثانيتان هما اليهودية والمسيحية. وتلك هي الوضعية التي وجدها المسلمون قبلهم. لكن هذا الرابوع ليس هو إلا فروع جدولين قديمين هما محصلة التجربة التي تحققت في ملتقى القارات الثلاث في صيغة النيل وفي صيغة ما بين النهرين. فمنهما تفرعت السنتان الكتابية المنزلة مع عقيدة تقديم العمل والوحي على النظر والعقل ( وهذا بين لا يحتاج إلى تدليل) والكتابية الطبيعية مع عقيدة تقديم العلم والعقل على العمل والوحي (وهذا بيناه في كتاب الابستمولوجيا البديل لأن العلم اليوناني انبنى على العلم المصري والبابلي ولان حضارة اللاتين من دون التراث اليوناني ليست إلا عسكرية وبنحو ما قانونية). والقرآن بقصصه يبين أنه يحاول غربلة كل هذه السنن ليستنبط منها ما هو كلي بمعيار التصديق والهيمنة. وذلك هو موضوع التجربة العربية الاسلامية التي جمعت بغربال التصديق والهيمنة كل هذه السنن لتواصل الحضارة البشرية مبدئيا وليس فقط بحكم ضرورة الاعتماد على السانح من المعطيات: وذلك بين لا جدال فيه في نظرية تواصل الرسالات السماوية حتى إن من شروط اسلام المرء الايمان بها جميعا.
ففي هذه الرقعة اكتشفت الكتابتان اللتان آلتا بالتدريج إلى كتابة الدال بدل المدلول أعني الاكتشاف الثوري الذي تعتمد عليه جميع أبجديات العالم. ومنها كذلك نبعت النصوص الدينية الثلاثة لثلاثة أرباع البشرية الحالية. كما أن أهم الثورات في فهم النصوص الدينية التي يحيا عليها الفكر الغربي فضلا عن الفكر الاسلامي تحددت فيها نشأة (وهذا لاجدال فيه) وتطويرا سواء قبل الاسلام (في الافلاطونية المحدثة الهلنستية التي هي المعين الاساسي للمثالية الالمانية) أو بعده (بتأثير الفكر الاسلامي الذي هو المعين الاساسي لفكر الغرب النهضوي مع الفكر اليوناني دون شك). فالتراث اليهودي والمسيحي لم ينشآ فيها فحسب بل هما تطورا بفضل أحداث تاريخية وفكرية حدثت فيها. ولعل أهم هذه الاحداث حدثان اثنان: 1- اختلاط الفكر اليوناني بالاديان الشرقية قبل الاسلام بفضل الغزو المقدوني 2- ثورة الاسلام التي مكنت اليهود من صوغ تراثهم وعلومهم الادوات حتى إن نحوهم وشعرهم وفقههم وكلامهم يمكن اعتبارها كلها نسخا منسوخة من نظائرها الاسلامية. أما التأثر المسيحي فلا حاجة لمحاولة اثباته يكفي أن نعلم أن ما يسمى بالاصلاح مجرد نسخة مشوهة من الفهم الاسلامي لامرين أساسيين: 1- التحرر من وساطة الكنائس للاتصال المباشر بالنص تواصلا مع كلام الله, 2- والصلح بين الحياة الدنيا وقيم الدين ومن ثم نفي الرهبانية والاقبال على الحياة. وإذا كان السطحيون من من مفكرينا لا يقرآون فليس ذلك بحجة إلا عليهم: كل التراث الكلامي والفلسفي المسيحي في القرون الوسطى وخاصة بعد تكون الجامعات في منتصف القرن الثالث عشر ليس إلا تفسير نصوص لمفكرينا مسلمين اعتبرت وسائط ضرورية لفهم نصوصهم الدينية والنصوص الفلسفية اليونانية صراحة أو ضمنا إلى حدود لايبنتس.
حديث شريف: "حدثنا حسن بن موسى حدثنا زهير أبو خيثمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي أو على منكبي شك سعيد ثم قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (مسند أحمد- مسند أبي هاشم 2274)
استعمل "ربوبي" بمعنى ثيولوجي تجنبا ل"علم كلام" كما في الترجمة العربية لكتاب "ثيولوجيا أرسطو" المنحول ب"قول في الربوبية". فهذا أفضل من علم الكلام لما سبق فبينا من فساد أصاب علم أصول العقيدة الذي انحط فصار كلاما وتلك هي علة النكير على أصحاب الكلام عند من أدرك ما يترتب على هذا الانحطاط. وهو نكير كثيرا ما يتهم أصحابه بمعارضة العقل في حين أن المعنى الحقيقي هو الدفاع عن العقل برفض تحويل علم أصول العقيدة إلى دعاية مذهبية لتأويلات تحكمية تفرض على معاني القرآن الكريم المتعلقة بأهم موضوعات الفكر النظري الديني والفلسفي.
وفي القرآن الكريم أمران آخران يصعب أن يقبلهما ضيق الحوصلة الغالب على الفكر الاسلامي الحالي. ففيه حواران بين الله والرسول جيئة وذهابا. فأما أحدهما فصريح لان المتكلم له اليد العليا أمرا ونهيا. وأما الثاني فيمكن استنتاجه من الاول لانه ضمني في وجهه الأساسي وليس صريحا إلا في وجهه الثانوي. فمن حيث هو دعاء واستنجاد يكون كلام الرسول صريحا على لسانه أحيانا وهو جزء من الامر الالهي في الخطاب الاول أحيانا أخرى. لكن الشكوى والاحتجاج من الاستجابة للدعاء والاستنجاد يوجدان ضمينا في النهي والتحذير مما يمكن للرسول أن يتعرض له من اتباع فتنة من أرسل إليهم في حالات تشبه اليأس من العون الالهي وخاصة لعدم القدرة على الرد عند المعاجزات التي يعرضه إليها العرب من منطلق عملي وجودي (امتحان لقدرة الرسول المادية) واليهود والنصاري من منطلق نظري لاهوتي (امتحان لمعرفة الرسول الدينية) فضلا عن اغراءات الحلول السياسية التي يقتضيها علاج الوضعيات الحربية أو الدبلوماسية عملا بحتمية الخداع في الحرب مع ما قد يذهب إليه الخداع إلى حد التنازل على المبادئ الاساسية بقصد أو بغير قصد.
فيكون القرآن بذلك متضمنا خمسة ضروب من الخطاب: 1- ترجمة الله الذاتية 2- وترجمة الرسول الذاتية 3- وعلاقة الله بالرسول أمرا ونهيا في أداء الرسالة 4- وعلاقة الرسول بالله طلبا من الله وجدلا معه 5- والخطاب الجامع هو الدراما الكونية التي تمثلها التجربة الديينية كما يعيشها الرسول تلقيا وبثا وتصورا وانجازا في مشروع تاريخي رمزي واستراتيجية تاريخية فعلية لتحقيق الرسالة بكل أدوات التربية والسياسة النظرية والعملية بما في ذلك الحرب. وهذه التجربة هي ما يمكن أن نطلق عليه استكمالا لنظرية المجاهدة ذات المراحل الثلاثة المرحلتين المكملتين واللتين لا تكفي فيهما إرادة المرء بل لا بد فيهما من الاصطفاء هذا فضلا عن كون مجاهدة الكشف هي بدورها اصطفائية في أغلبها لانها من جنس الرؤى الصادقة التي هي لبعض الصديقين.
فبالاضافة إلى: 1- مجاهدة التقوى 2- ومجاهدة الاستقامة 3- ومجاهدة الكشف. لكن الرسول لا يكون الرسول إلا إذا اكتملت عنده مجاهدة الكشف فبلغت الذروة التي يمتنع اكتسابها بالرياضة. لا بد أن يمر بمجاهدتين اخريين خاصتين بالمصطفين: 4- مجاهدة النبوة 5-ومجاهدة الرسالة. والأولى هي درجة الاصطفاء للكشف التام والثانية هي درجة الاصطفاء للابداع الرمزي تعبيرا عن الكشف التام والفعلي تحقيقا للقيم المتعالية في التاريخ. وقد كان موسى عليه السلام عاجزا عن الابداع الرمزي فاضطر إلى التأييد بهارون. لكن محمدا صلعم جمع بين الامرين فكان الرسول التام ومن ثم فهو الخاتم ضرورة. وتعريف الرسالة هذا يعممه القرآن على كل الرسالات السابقة ليقيس مقدار نجاحها في تحقيق كل الابعاد التي تمت في الرسالة الخاتمة. فيكون الرسول محمد صلعم هو الوحيد الذي حقق فعلا كل أبعاد الرسالة من حيث هي مشروع رمزي (القرآن) واستراتيجية فعلية (الأمة الحاملة للرسالة من حيث هي مشروع سياسي كامل بكل مقومات الدولة المؤثرة في التاريخ). ومن ثم فالتاريخ الفعلي والتاريخ الرمزي في الاسلام متطابقان: كل الاديان الاخرى يصعب أن تعرف ما هو التاريخي فيها أذ أغلبها من نسخ الاساطير إلا الاسلام لان تاريخه الحي في الشأن الدنيوي هو عينه تاريخه الحي في الشأن الديني.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام