shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                        الدرس الثامن عشر

 

                     المسألة الثانية

            مدلول الهرمينوطيقا العلمي

ولا بد من توضيح علة اختيارنا بعض المصطلحات من الألمانية بالذات وخاصة المصطلح الذي يقابل التفسير بمعنى التأويل المحمود إذ الجميع يعلم أن منهجية الفهم والتأويل قد بلغت صياغتها الغاية في الفكر الألماني خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فمزية Auslegung ومعناها بكامل الدقة "استخراج عناصر الشيء وعرضها في العراء"  أنها تتضمن معنى التأويل المحمود أو التفسير ومن ثم فهي تستثني المعنى المذموم منه أو المعنى الذي يمكن تسميته Umdeutung  أو تحريف المعنى بتفسير مخالف لما يقتضيه قصد صاحب النص كما يمكن أن يستخرها فن تفسير العبارة   Hermeneutik بمقتضى قواعده العلمية.

لكن هذه المعاني ضاعت في العربية فلم يعد المرء يدرك الفرق بين التفسير والتأويل وبات مصطلح التأويل مرادفا للهرمينوطيقا عند أغلب الكتاب الذين يخلطون بين الأمرين. فـالهرمينوطيقا في مدلولها الفلسفي منهج علمي يستهدف تجنب التأويل المذموم بإزالة العوائق التي تحول دون التفسير الذي هو التأويل المحمود لئلا يصبح التأويل تحكما لا يضبطه ضابط كما هي حال التأويل عند الباطنية التي كشف الغزالي تحكمها التأويلي في الفضائح.

فالهرمينوطيقا قد صارت بالتدريج جزءا لا يتجزأ من ممارستين نظريتين إحداهما نابعة من الفكر الفلسفي والثانية نابعة من الفكر الأدبي. إنها أصبحت أولا تابعة لأجزاء المنطق الثمانية في التقليد الأرسطي الذي ظل مؤثرا في الفكر الديني وفي النقد الأدبي إلى الآن حتى وإن كان المنطق بمعناه الحديث قد انفصل عن هذا التقليد بسبب اقتصار مباحثه على الجزء الضئيل منها أي على ما ليس منها تطبيقا للمنطق على مجالات مخصوصة مثل الجدل والخطابة والشعر ودحض الأغاليط السوفسطائية إلخ... وطبيعة هذه التبعية بينة: فهي من جنس تبعية الخطابة للمنطق أي إنه يحلل صور الاستنباط فيها. ثم هي أصبحت ثانيا تابعة لأجزاء علوم اللغة الأربعة التي هي من العلوم الأدوات في تقليد العلوم الدينية: اللغة بمعنى فقه اللغة والنحو بمعنى النحو والصرف والبيان بمعنى علوم البلاغة الثلاثة والأدب بمعنى كل ما سبق بمضمون جامع لكل محاولات التعبير عن حياة شعب من الشعوب). ونوع التبعية هو من جنس تبعية الفقه لعلوم اللغة: أى إن علوم اللغة هي أدواتها الاساسية في تحليل النصوص. 

وينتج عن التبعية الأولى المباشرة تبعية الهرمينوطيقا للمنطق تبعية ثالثة غير مباشرة. فكل العلوم العقلية تصبح ذات دور أداتي فيها لأن صورة الاستنباط في علوم الفلسفة التقليدية ليست صورة خاوية بل هي مبنية على نظرية الحقائق الأولية التي تحدد مضامين معينة تأويلا أوليا للجوهر الذي تعبر عنه صور الاستنباط. وينتج عن التبعية الثانية المباشرة تبعية الهرمينوطيقا لعلوم اللسان تبعية رابعة غير مباشرة. فكل العلوم النقلية تصبح ذات دور أداتي فيها لأن أدوات تحليل التعبير في علوم الدين التقليدية ليست أدوات مجردة بل هي مبنية على نظرية التاريخ الأولي المقدس الذي يحدد مضامين معينة تأويلا أوليا للمعاني التي تعبر عنها النصوص الدينية المقدسة.

فيكون فن الهرمينوطيقا فنا جامعا لكل أدوات الفهم والتفسير الشكلي والمضموني الأدوات التي كانت علوم الفلسفة وعلوم الدين تستعملها في فهم تراثها السابق وفي التواصل المتساوق بين العلماء وفي التأليف العلمي في مجالات اختصاصها. وبذلك يتبين أن للهرمينوطيقا ضربين من العلاقة بالعلوم العقلية وبالعلوم النقلية:

 1- تبعية صورية أو شكلية وتتعلق بأدوات العلاج التي يمكن ردها إلى المنطق واللغة

 2- وتبعية مادية أو مضمونية وتتعلق بغايات العلاج التي يمكن ردها إلى علوم النظر والحقيقة الوجودية وما بعدهما وعلوم العمل والحقيقة التاريخية وما بعدهما.

وطبعا فإن ذلك يقتضي أن يتحد الكل في مبدأ جامع للوجهين الشكليين والوجهين المضمونين في نص جامع هو عند جميع الأمم نصها المقدس بوصفه ما بعد آدابها التي هي التعبير عن علمها وعملها وما بعدهما بالتعبير عن مناظيرها الوجودية الأسمى. وتلك هي منزلة القرآن عند المسلمين سواء عند المؤمن به منهم أو غير المؤمن. ذلك أن العلمانيين أنفسهم في موقفهم الرافض لقدسية القرآن لم يخرجوا عن هذا لأن القرآن هو المحدد الرئيس لكل فكرهم وإن بمجرد كونه علة موقفهم السلبي منه حتى إن المرء يمكنه أن يزعم أن فكرهم أكثر انتسابا إلى الفكر الديني من فكر المتديينين السويين إذا قسنا الانتساب بدرجة الحضور في الخطاب: وطبعا فهذا لا يصدق إلا على الصادق منهم في طلب الحقيقة حتى بنفيها لان الكافر الصادق أفضل ألف مرة من المؤمن المنافق.

ومن ثم فإن المعنى الحقيقي للهرمينوطيقا يمكن من تجنب معنى التأويل المذموم لأنه يخلص محاولة الفهم من فرضية اعتبار ترميز النص المقدس مثل ترميز الأحلام يخفي المعنى بدل كشفه. وحتى تعبير الأحلام إذا اعتبر مادة للفهم الهرمينوطيقي فإنه يستخرج المعنى المقصود بتحرير نظام الترميز من التحريف الذي يستعمله الحلم كما تعسكه حكايه صاحبه له حكايته التي يمكن اعتبارها ترجمة أو تأويلا أوليا يقوم به صاحب الحلم لنقل أحداث حلمه التي تخفي مقاصده من طابعها الحدثي إلى صيغتها اللسانية في الحكاية أو الأحاديث بلغة سورة يوسف. 

ذلك أن حكاية الحلم ليست لغة هدفها البيان إذ هي تترجم لغة هدفها الكفران. وإذن فالحكاية من التأويل المذموم الذي تجعله الهرمينوطيقا تأويلا محمودا بتقويم تحريفه الكافر لما كان ينبغي أن يكشف بالرموز المعبرة. ومن ثم فالحكاية تحتاج إلى التأويل الذي يقوم التحريف بتحريف مقابل كما نفعل عندما نقوم قضيبا معوجا فيصبح التأويل عندئد محمودا لانه تحريف التحريف أو إن شئنا تقويم التحريف. ولكن إذا استعملنا هذا المعنى عند الكلام على النص المقدس فكأننا ادعينا تسوية نص محرف هدفه الكفران لا البيان فيكون الضمير اعتبار الرسول قاص أحلام وليس هادي الأنام !

إن الفرق بين نظام الترميز الذي تستعمله الأحلام ونظام الترميز الذي تستعمله النصوص المقدسة هو كالفرق بين الترميز الهادف إلى البيان (النصوص المقدسة تظهر المعنى) والترميز الهادف إلى الكفران (الأحلام تخفي المعنى). ويمكن اعتبار النصوص الأدبية جامعة للجنسين. فبعضها كاشف للمعنى وبعضها مخف له. ومن ثم فبعضها بيان من جنس النصوص المقدسة وبعضها كفران من جنس أحاديث الأحلام. وذلك هو المقصود في سورة الشعراء. والبعض ممن لا يؤمن بالوحي يعكس فيعتبر النصوص المقدسة جامعة بين نظام الترميز في الآداب ونظام الترميز في الأحلام. وفي الحقيقة فإن القرآن لا ينفي ذلك جملة وتفصيلا بل هو يميز في الأحلام بين الأضغاث الكاذبة والرؤى الصادقة. فيكون النص المقدس فيه هذا المعنى عندما يكون القصد بالآداب ما حمد من الشعر في سورة الشعراء (أجمل الشعر أصدقه بخلاف مبدأ النقد العربي التقليدي لأن المعيار فيها هو تطابق الفعل والقول) وبالأحلام ما صدق من الرؤى.

 

                 المسألة الثالثة

         حد الإنسان بين العاقل والمبين

 

ولعل تفسير هيدجر لمفهوم القول المرادف عنده للظهور (وهما المفردتان اليونانيتان اللتان تتألف منهما كلمة فينومينوولجيا) في الوجود والزمان خلال تعريف الفينومينولوجيا يساعد على فهم القصد:" إن القول(=الكلام) إبانة "ابو.." مقولِه منه ذاتِه. ففي القول (أبوفانسيس)إذا كان قولا حقيقيا ينبغي أن يكون ما يقال مستمَدا من المقول بحيث يكون البلاغ القائل مبِينا في ما قاله حول مقوله فيجعله من ثم في متناول الآخرين. تلك هي بنية القول من حيث هو أبوفانسيس (=الابانة الدالة أو المشيرة إلى الامر الذي يقال ).لكن ضرب الكشف هذا بمعنى الابانة الدالة ليس متحققا في كل قول." [1]

فالقول Logos يترجمه بالبيان أي اظهار المعنى أو جعله مرئيا بخلاف الترجمات المعتادة التي اعتبرته عملية عقلية تقع في الذهن وتصل بين موضوع ومحمول كما هو شأن فعل الحكم. من ذلك أن تعريف الإنسان بالحيوان الناطق دون تعريفه بالحيوان المبين دقة وعمقا. فالمعنى الأول ليس إلا إحدى ثمرات المعنى الثاني الدي هو أشمل وأدق كما في سورة الرحمن التي تعرف الإنسان بالبيان وهو ما يساعد على فهم مدلول تعليم الله آدم الأسماء كلها كان الحجة الحاسمة في رمز تعليل استخلافه ردا على حجج الملائكة[2].

فيكون التأويل المحمود تفسيرا يكشف ضروب البيان ويكون التأويل المذموم معاملة ضروب البيان وكأنها ضروب الكفران التي في الأحلام أو في تعابير اللاوعي. لذلك فاستعمالنا المعنى المذموم خلال كلامنا عن القرآن يفترض أننا نعتبره من جنس الكفران الذي يخفي لا من جنس البيان الذي يكشف: وتلك هي علة تكفير الغزالي نفاة البعث الجسدي لان نفيهم يعني أن نصوص القرآن لا تبين الحقيقة بل تكفرها. فيكون النص المقدس أدبا أو حلما وليس وحيا لم يأت إلا ليبين للناس لا ليغالطهم. أما التأويل بمعنى حصول الأمر الخفي أو تحقق الحدث المخبر عنه فهذا يفيد تعين المعنى العام في الحدث الفعلي. وهذا ليس المقصود بالتأويل من حيث هو فن منهجي لفهم النصوص أو الأحداث بل هو تحقيق فعلي لما في النصوص ليصبح أحداثا وجودية وليس مجرد تفسيرات نصية. وهذا ليس فنا أو منهجا بل هو فاعلية الخلق نفسها[3].      

 

 

                      الدرس التاسع عشر


 

[1]  انظر: Martin Heidegger, Sein und Zeit, Max Niemeyer Verlag Tuebingen, 2001  

 “Die Rede laesst sehen’apo..’ von dem selbst her, wovon die Rede ist. In der Rede (apophansis) soll, wofern sie echt is, das, was geredet ist, aus dem, worueber gerede wird, erschoepft sein, so dass die redende Mitteilung in ihrem Gesagten das, worueber sie redet, offenbar und so dem anderen zugaenglich macht. Das ist die Struktur des logos als apophansis. Nicht jeder Rede eignet dieseer Modus des Offenarmachens im Sinne des aufweisenden Sehenlassens.”. ص. 32.

[2]  تعليم آدم الاسماء كلها من الأمور التي تحتاج إلى الشرح. فلا ينبغي أن نفهم من "كلها" جملتها لأن ذلك مستحيل وهو يؤدي إلى أن آدم أصبح ذا علم محيط. لذلك فهذا التعليم يدور بين خليتين. فإما أن يكون المقصود أن آدم أعطاه الله القدرة على تسمية كل الاشياء التي هي من مجال ما هو ميسر له أن يعلمه فيصبح المعنى "علم الله آدم تسمية كل الاشياء في حدود علمه المحدود ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء )" أو أنه أعطاه "القدرة على ادراك الكليات فوق الاعيان". والمعلوم أن المعنى الثاني شرط المعنى الاول. لذلك أجدني أميل إلى الفهم الثاني لعلتين: أولا لأن هذا فضلا عن كونه شرط ذلك هو من شروط الوظيفة التي لأجلها استخلف الانسان. فلا يمكن أن يكون الخليفة قادرا على القيام بوظيفة رعاية الكون على علم بقوانين الخلق وأحكام الامر إذا كان عاجزا عن العلم. ولا علم من دون القدرة على ادراك الكليات استقراءً بعديا من الاعيان على وجه الملاحظة الفعلية أو وضعا قبليا لتصنيفها على وجه الفرض. وكل استقراء مسبوق دائما بالكلية الفرضية للمجال المستقرأ مع توسيع أو تضييق لماصدق الكلية بحسب ما يتوصل إليه الاستقراء. فيكون الاستقراء بهذا المعنى من جنس شبكات صيد الاسماك. فكأننا نرمي شبكة تصورية على مجال معين نفترضه منتظما بكليات الشبكة ( فروجها التي تحدد حجم السمك المقتنص) ثم نوسع الفروج أونضيقها في عملية الاستقراء كما نفعل في الصيد: عمل في مجال الماصدق لتدقيق مجال المفهوم.

وثانيا لأن تسمية الاعيان بأسماء المعرفة تغني عنها الاشارة في التخاطب الحي بين الناس-والآية تبدو وكأنها تقصد أسماء الجنس لا اسماء المعرفة المشيرة إلى الاعيان. ثم إنها لا يمكن أن تتكون منها جملة تقبل الوصف بالكل إلا إذا حصرناها في كمية محدودة ومعدودة وتقدم على القيام العددي للاعيان معنى الجملة النوعية: وهذا أول معاني الكلي. والاشياء ليست معدودة حتى لو تصورناها محدودة فضلا عن كون حصر التسمية في المعارف يؤدي إلى أن يصبح عدد الاسماء بعدد المسميات فيتضاعف الوجود ويمتنع التواصل. ذلك أن المزية الوحيدة للرموز وما بفضلها يكون التواصل ممكنا هي في كون الرموز دون المرموزات عددا حتى تكون قابلة للحفظ والتذكر بسرعة. فلو كان عددها بعدد ما ترمز إليه لصار وجودها عبثا إذ المرموزات تكون عندئذ مغنية عنها بنفسها ولا حاجة لما ينوبها في التواصل.

ثم إن الاسماء معرفة كانت أو نكرة نوعان. فالاسماء الحقيقية هي من جنس أسماء الله فلا يكون بينها وبين مسماها فرق: وهذا ما كان يقول به الفكر السني  إلى أن نقضه الغزالي.  والقرآن لا يرى مانعا في أن يدعى الله بأي أسمائه لانها عين المسمى. أما الاسماء التي يسميها المشركون -من نوع إن هي إلا اسماء سميتوها أنتم وآباؤكم- فإنها لا مزية فيها ولا يمكن أن تكون مقصود الآية. فيكون المقصود في مرموزة الاستخلاف إذن الاسماء الحقيقية أي علم الاشياء الحقيقي. ذلك هو ما علمه الله آدم ليكون جديرا بالخلافة. ذلك ما جهلته الملائكة المحتجة على استخلافه. وعندما تكون الأسماء عين المسميات تكون علما حقيقيا. والله أعلم.

[3] ويمكن استعمال معنى التأويل هذا عند الكلام على تطبيق العلوم سواء كانت طبيعية أو إنسانية: نؤول نظرية عندما نحقق نموذجا منها في الواقع الفعلي أو نعين واقعا فعليا تتحقق فيه القوانين التي وضعتها النظرية. ومن جنس هذا التأويل ما يفعله الفقيه عندما يطبق نصا شرعيا على نازلة بعينها. وهو ملازم لعملية الوصف الشرعي للنازلة: لا بد أن يجد فيها القاضي صفات مناط الحكم حتى ينطبق عليها الحكم. وهذا هو النوع الوحيد الذي نقبل فيه القياس الفقهي: إذ هو شرط تطبيق الاحكام. أما تحويل ذلك إلى تشريع يحلل ويحرم فلا. ندخل النازلة في الحكم لان ذلك أمر لا مفر منه لتطبيق أحكام الشرع. لكن لا نحول ذلك إلى نص شرعي. إنما هو تطبيق على عين فلا يتحول إلى قاعدة لئلا ينقلب اجتهاد القضاة والفقهاء تشريعا سماويا.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام