



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس التاسع عشر
المسألة الرابعة
تحليل تطور الفكر الديني في حضارة الكتاب
ويساعدنا هذا النموذج النظري الذي استمددنا مادته من ابن خلدون على تحليل تطورات الفكر الديني في كل حضارات الكتاب منزلا كان الدين الذي صدر الفكر عن أصحابه أو غير منزل ببعدي هذا الفكر النظري (الكلامي-الفلسفي) والعملي (الفقهي-الصوفي) لأن هذه السنن عالجت نفس الظاهرات وخضعت لنفس المؤثرات رغم اختلاف المناظير. وأفضل من حدد اختلاف المناظير بين الأديان منزلها وطبيعيها فبين الخصائص الجوهرية للرسالة المحمدية بدون قصد منه هو ابن حزم إذا صغنا فلسفيا محاولته تصنيف السنن الدينية في الفصل. فهو قد استعمل القسمة الأفلاطونية من دون تنويه صريح للمجال المقسوم ولا لمعيار القسمة: والمجال المقسوم مضاعف المستوى إذ هو وجود الحقيقة في ذاتها وفي علمنا بها وجوداهما متصلين ومنفصلين معا ومعيار القسمة مضاعف كذلك إذ هو شهود الحقيقة أو جحودها باطلاق أو باضافة.
فهو قد بدأ فقابل بين مثبتي الحقيقة ونفاتها عامة من غير مقابلة بين نوعي أداة الوصول إليها (العقل أو النقل). ثم ميز ضمن المثبتين بين القائلين بكفاية العقل (نفاة النبوة) والقائلين بعدم كفايته (مثبتو النبوة). ثم ميز ضمن مثبتي النبوة بين القائلين بعموم المخاطبين بالرسالة والقائلين بخصوصهم. ثم ضمن القائلين بعموم المخاطبين بالرسالات ميز بين القائلين بعموم الرسل على جميع الشعوب والقائلين بخصوص الرسل الذين ينبغي أن يكونوا من الشعب المختار. والمعلوم أن هذه الحجة هي أسخف ما رد به باسكال في رسائله الرعوية نبوة خاتم الرسل [1]: كيف يكون محمد رسولا فضلا عن أن يكون خاتم الرسل وهو ليس يهوديا !
فيكون ابن حزم بذلك قد اقتنص عصفورين بحجر واحد من حيث لا يعلم. فهو قد اكتشف مبدأي الإسلام الثوريين. ثم هو استعملهما لتصنيف الأديان التاريخية وترتيبها ترتبيبا يتطابق فيه التاريخي والتصوري سواء كانت الأديان طبيعية أو منزلة: 1- المجال المقسوم أو الحقيقة (بالحق نزلناه وبالحق نزل) 2- ومعيار التقسيم أو وحدة ادراك الحقيقة فرقانا (اتحاد الصورة والمادة في فعل العقل ومن ثم تضمنه الوجدان ) ووجدانا (اتحاد وحدة المادة والصورة في فعل الوحي ومنه ثم تضمنه الفرقان). وتلك هي علة الختم نافي الوساطة:
1- ففي القسمة الأولى ميز ابن حزم بين من يؤمن بوجود الحقيقة ومن ينفيها (السفسطة) فضم الالهيات الفلسفية إلى الالهيات الدينية و أدخل في تصنيفه من ثم كل الاديان الطبيعية سواء كانت تقول بوجود الحقيقة أو تنفيها إذ السفسطة نفسها جزء من المادة المقسومة هنا.
2- وفي القسمة الأخيرة ميز بين المسيحية والاسلام بكون الاولى تشترك معه في القول بعموم المرسل إليهم لكنها تختلف عنه بالقول بخصوص الرسل حصرا إياهم في بني اسرائيل. أما الاسلام فيرى أن الله قد أرسل لكل أمة رسولا بلسانها قبل أن يرسل الرسول الخاتم للجميع علما وأن المرسل إليه حسب الاسلام هو كل الكائنات وليس البشر وحدهم.
3- وفي القسمة الثالثة ميز بين الاسلام والمسيحية من جهة واليهودية من جهة ثانية لكونها تنفي العموم مرسلا إليه ورسولا في حين أن الاسلام والمسيحية يشتركان في عموم المرسل إليهم رغم اختلافهما في عموم الرسل.
4- وفي القسمة الثانية ميز بين الدين الطبيعي والدين المنزل مقابلة بين كفاية العقل والحاجة إلى الوحي فأصبحت الفلسفة القائلة بكفاية العقل جزءا من الاديان الطبيعية أو الاديان الطبيعية جزءا منها.
وتلك هي الأقسام التي توصل إليها ابن حزم باستعمال مبدأي ثورة الإسلام: 1- الفطرة التي تجمع بين الدين الطبيعي والدين المنزل ويرمز إليها المجال المقسوم في كل مراحل القسمة (الحقيقة) و 2-كلية الوحي التي تعم المرسل إليهم والرسل لأن المرسل (الله) لم يختر جماعة ليصطفيها من دون بقية البشر بانتخاب الرسل منها دون سواها بل هو يعامل البشر بمفهوم عموم الاستخلاف وذلك هو مبدأ منظور التقسيم.
فيكون المنظور الإسلامي قابلا للتحديد بمعايير القسمة في وجهها الموجب خلال المراحل الأربعة. فهو: 1- يقول بوجود الحقيقة عامة 2- وهو لا يقابل بين العقل والنقل سبيلين للوصول إليها 3- وهو يقول بعموم توجه الرسالة إلى المخاطبين بشرا كانوا أو غير بشر أي جميع المخلوقات 4- وهو أخيرا يرى أن كل الجماعات ارسل لها نبي بلسانها لأن الله لا يحاسب قبل أن يكلف برسالة صريحة (ولا يقصد باللسان النطق البشري فحسب بل هو تسمية الكل بالجزء كما في مفهوم منطق الطير أو منطق النحل ألخ..إذ هي جميعا أمم مثلنا ومن ثم فلها رسلها حتى وإن لم يرد ذكرهم في القرآن.) 5- لذلك فهو الدين الخاتم والفاتح. فهو فاتح بالقول بثبوت الحقيقة للعقل البشري. وهو الخاتم بتوصله إلى اثبات استغناء البشر عن الوسطاء بين المخلوقات وربها.
والغريب أن محاربي الإسلام الحاليين يقبلون التحديد الجامع المانع بالوجوه السالبة من أقسام ابن حزم. فـالطبعانيون الصرحاء منهم ممثلين بالذرائعية وبما بعد الحداثة ينفون الحقيقة (سوفسطائية محدثة: الحقيقة هي الفرضيات الناجعة أو بلغة نيتشه الكذب المفيد) والـلاطبعانيون المنافقون منهم ممثلين بـالصهيونية وبـالمسيحية المتصهينة ينفون عموم الوحي رسولا ومرسلا إليه ومن ثم فالمرسل خاص بالشعب المختار دون سواه.
مقومات عملية التأويل في الأديان:
فأما الظاهرات التي عالجتها أصناف التأويل التي حددنا فهي:
1- ظاهرة الكتاب عامة مقدسا كان أو غير مقدس.
2- وظاهرة التاريخ عامة مقدسا كان أو غير مقدس.
3- وأثر الأول في الثاني بمعنى فعل ما بعد التاريخ في التاريخ بالمعنيين المقدس وغيره.
4- وأثر الثاني في الاول بمعنى فعل التاريخ في ما بعد التاريخ بالمعنيين المقدس وغيره.
5- ووحدة الكل في التقليد التفسيري مضمونا الملازم لانماط العيش الجمعي في حضارات الكتاب. تلك هي الظاهرات المعالجة.
وأما المؤثرات في مناهج العلاج التأويلي فهي:
1- التراث اللساني الادبي الذي هو مجال التأويل بالقصد الأول[2].
2- والتراث المنطقي الفلسفي الذي هو مجال التحليل بالقصد الأول[3].
3- أثر الأول في الثاني أو أثر أساليب التعبير في الكشف عن الحقيقة بالطرق التأويلية: اللقاء الصدامي الاول بين التأويل والتحليل من منطلق التأويل[4].
4- وأثر الثاني في الأول أو أثر الكشف عن الحقيقة في أساليب التعبير بالطرق التحليلية: اللقاء الصدامي الثاني بين التحليل والتأويل من منطلق التحليل[5].
5- ووحدة الكل في التقليد التفسيري الملازم لانماط التفكير الجمعي في حضارات الكتاب والمتضمن لكلا الصدامين.
ويحتاج هذا النموذج النظري الذي يساعد في تحديد الموضوعات والمناهج إلى تحليل دقيق لنفهم منطق التحولات التي حصلت في التاريخ الفعلي ومطابقتها للمقياس التصوري. ولنبدأ بالموضوعات.
فالظاهرات التي عالجتها الحضارة العربية الاسلامية هي: 1- ظاهرات الكتاب 2- وظاهرات التاريخ 3- وأثر الكتاب في التاريخ (كتابة التاريخ متأثرة بوعي غائم بفلسفة القرآن التاريخية مع تأثر بالاسرائيليات لما فيه من قصص وبالقصص الشعبي المنسوج حول الفتوحات) [6] 4- وأثر التاريخ في الكتاب (تأثير أحداث التاريخ المعلومة في التفسير بأسباب النزول) [7] 5- ووحدة الكل (وحدة العلوم الدينية والوجوه الاساسية للثقافة العربية الاسلامية بكل أحداث تاريخها) في التقليد التفسيري مضمونيا وفي أنماط العيش.
وأما المؤثرات التي هي في الحقيقة مادة العلوم الأدوات في المعرفة الدينية فهي: 1- التراث اللساني الأدبي 2- والتراث المنطقي الفلسفي 3- وأثر الأول في الثاني (ليس في أسلوب الكتابة فحسب بل وكذلك في منظور التفكير: ومثاله الكتابة الرمزية عند فلاسفتنا بدءا بابن سينا وتوسطا بابن طفيل وختما بالسهروردي المقتول ) 4- وأثر الثاني في الأول (ليس في منظور التفكير فحسب بل وكذلك في اسلوب العلاج: أغلب أدب المعري هو من هذا الجنس ) 5- ووحدة الكل في التقليد التفسيري وأنماط التفكير شكلا.
تلك هي العوامل العشرة التي أحصيناها بصورة نسقية ومنطقية والتي يرد إليها كل المسائل التي يدور حولها الكلام في قضايا المنهج والفهم. وكل ما عمله الغرب بعد الإصلاح عامة ومنذ القرن التاسع عشر خاصة نقدا للنصوص لتحقيقها العلمي تمييزا بين الصحيح والمنحول وسعيا لفهمها كان قد تم ما يجانسه عندنا في نهاية القرن الأول للهجرة السابع للميلاد بالنسبة إلى نص القرآن الكريم عندما تم جمع نسخه فوحد نصه ونوقشت قراءاته [8]وحددت شروط رسمه ونطقه [9] . حصل نفس العمل بالنسبة إلى السنة الشريفة في نهاية القرن الثالث للهجرة القرن التاسع للميلاد عندما صنفت الصحاح وتم الاستدراك عليها.
من العجائب أن أول مرة وآخرها شاركت فيها في امتحان التبريز في باريس سنة 1972كان موضوع اختبار شرح النص فيها نصا لباسكال هذا مضمونه ! وطبعا ففي منطق باسكال لا يمكن القبول بأمرين: أن يكون احد الرسل غير يهودي وأن يكون الخاتم. فأما العلة الأولى فهي من العهد القديم. فلا يمكن للنبي أن يكون من غير الشعب المختار. وأما العلة الثانية فهي من العهد الحديث. فلا يمكن أن يكون الخاتم الا المسيح. ومن ثم فالرسول محمد الذي نفى الحجتين يعتبر العدو اللدود لاشد مذاهب المسيحية الكاثوليكية تعصبا: المذهب الجانسيني العائد إلى المذهب الأوغسطيني. لكننا نعتبر تحرير الاسلام البشرية من هذين الوهمين أكثر ثورة حققها الاسلام. فهو قد حررها من حصر الاتصال بالمطلق في شعب مختار. فصار بفضل القرآن لكل أمة رسول بلسانها. وهو قد حررها من وهم تأليه الانسان بوهم بنوة عيسى عليه السلام لله. فكان بالاولى قد أنهى أوهام الماضي المتقدم على الاسلام. وهو يمدنا بما يمكن أن يحرر الانسان في المستقبل من وهم تأليه الانسان تأليهه الذي قضى على العالم بافساد الطبيعة ( ضحية القنبلة الذرية الوئيدة أو ما يسمى بالثورة الصناعية ) وبافساد الثقافة ( ضحية القنبلة الذرية الوئيدة أو ما يسمى بالثورة الاعلامية). فكلتا الثورتين المزعومتين في الحضارة الغربية تمثل الفساد الحقيقي في الارض إذ نراه فعليا يقضي على الحياة الطبيعية نباتا وحيوانا ليعوضها بالمتاحف النباتية والحدائق الحيوانية ونراه يقضي على الحياة الثقافية إذ نراه يقتل اللغات والثقافات ويعوضها بتدريس اللغات الميتة والثقافات المقتولة في الجامعات.
من مدخل الأدب لكن بغلبة علوم اللسان التي هي من مجال التحليل إلى حد كبير: علوم اللسان أقرب العلوم الانسانية إلى العلوم الطبيعية. فيصبح التقابل مع المؤثر الثاني نسبيا.
من مدخل المنطق بغلبة ما بعد الطبيعيات التي هي من مجال التأويل إلى حد كبير: ما بعد الطبيعيات أقرب ما في الفكر الطيبعي إلى العلوم الانسانية. فيصبح التقابل مع المؤثر الاول نسبيا.
وهو قد برز من مدخل الكتابة قبل مدخل القراءة في الأساليب الفلسفية عندما مال بعض كبار الفلاسفة إلى الكتابة الرمزية والقصصية كما فعل افلاطون وابن سينا وابن طفيل والسهروري الخ...أو الى الكتاب المزمارية بداية من نيتشه وكل المتأثرين بأساليبه في الكتابة كما عند جبران صاحب كتاب النبي.
كل محاولات الكتابة الفلسفية في القول الربوبي يعترضها هذا الامر وهو النظير العكسي للأمر الذي أشرنا إليه في أساليب الكتابة الفلسفية الرمزية.
أنظر ما يقول ابن خلدون حول دور الاسرائليات في التفسير وتعليله ذلك بالبداوة والامية ( المستعير والمستعار منه كلاهما أمي وبدوي ) وكيف أن المسلمين بعد تأسيس علوم النقد عادوا إلى هذه التفاسير فخلصوها من كثير ما شابها من الاسرائيليات دون التمكن من تنقيتها بصورة تامة. وهذا الحكم صحيح إلى الآن !
دور أسباب النزول في التفسير أمر لا يجهله اي دارس.
لعل أهم ما كتب في الموضوع بصورة شبه فلسفية كتابات ابن قتيبة حول القرآن والحديث.
هذا الامر وحده يشفع للحجاج كل ما يعاب عليه في السياسة رغم أن ما فعله في السياسة كان من ضرورات تأسيس شروط تكوين دار الاسلام. والمعلوم أن للتأسيس شروطا يصعب فهمها عند تطبيق معايير خلقية على الحروب إلا في الحالات التي تكون فيها الدولة قد استقرت واصبح سلطان القانون أمرا غنيا عن القوة المطلقة. فلحظات التأسيس السياسي من جنس لحظات بدء الخلق: هي لحظات الانتقال من الفوضى إلى النظام فتكون أدوات تحقيق النظام مشوبة بالفوضي بعض الشوب.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام