
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
الدرس العشرون
المسألة الخامسة
علل تردي فكرنا النظري في التأويل
والخطأ كل الخطأ هو عدم التمييز بين النوع والعدد: فالأول لا يكتمل تحقيقه أبدا والثاني هو أعيان تحققاته. فما يمكن اعتباره قد تم هو منظور العلاج: التدوين النقدي من حيث هو منظور علاج أمر لا يمكن لاحد أن يشكك في شروع المسلمين فيه منذ بداية حضارتهم. لكن نوع العلاج النقدي لامتناه عدديا: أي إنه لا يمكن أن يعتبر قد تحقق لان بعض أعيانه حصلت بل هو يبقى مفتوحا إلى الابد. فينبغي أن يبقى القرآن والحديث مجالي بحث مفتوح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لكن المسيطرين على الفكر الديني الإسلامي الحالي من كان له ومن كان عليه يتجاهلون طبيعة هذا العمل العلمي الذي لم ينكره أحد من المذاهب الدينية عندئذ ولم يدع أحد منهم أنه اكتمل بخلاف متخلفي عصرنا, بل إنها جميعا شاركت في هذا الجهد العلمي واعتبرته دائم التجويد لانه مصدر حججها في الجدل الدائر بينها. لذلك فالمستحوذون الحاليون على الفكر الديني بصنفيهم يوقعون الدراسات الدينية الاسلامية في خطأين قاتلين:
الأول سببه متزعمي التحديث الجاهل إذ يزعمون أنهم في قطيعة مطلقة مع كل هذا الجهد النظري لانهم سيستعملون طرقا يزعمونها غير مسبوقة في حين أنها كلها أو جلها أو على الأقل بذراتها لا تخلو منها حضارة ذات آداب وكتب مقدسة. ينسبون اكتشافها إلى الغرب لكأن شكلها المتأخر من طبيعة مختلفة عن مراحل تكونها المتوالية فيبنون على استعمالها ضرورة القول بما يقولون به في الدين لكأن الغرب نفسه ليس فيه مؤمنون يستعملون هذه المناهج دون أن يؤديهم ذلك إلى مزاعم الأقزام. إنهم يعتبرون خياراتهم الايديولوحية ثمرة مضطرة للمنهج الحديث المزعوم في حين أن المنهج ليس جديدا أولا وأنه ليس مسؤولا على تخريفاتهم ثانيا لكونه لا يقتضيها. فهو ليس جديدا كما نرى وهو ليس مسؤولا لان نفس المنهج يمكن ان يستعمل لإثبات العكس أولا ولأن اكتشافه نفسه علته خصوصية الظاهرات الإنسانية عامة والظاهرات الدينية خاصة كما أسلفنا عند مناقشة مزاعم التحديثيين بالاسم.
الثاني سببه متزعمي التأصيل الغافل. فهم يزعمون التأصيل قابلا للحصول بالعودة إلى حال سابقة من المناهج والاقتصار عليها لأنهم يعتبرونها مطلقة الكمال فلا تحتاج للنقد والتجاوز بدل السعي إلى تطويرها عملا بما حققه المتقدمون عندما أبدعوا كثيرا من مراحلها أولا (من عدم أو يكاد) وطوروا ضروب استعمالها أدوات لفهم النص وتأويله ثانيا. وبيان ذلك من مبررات انطلاقنا من عرض ابن خلدون أساليب التفسير ونقد الحديث وعلوم اللسان. وهم لا يدرون أنهم بذلك يصدقون المخرف من زاعمي التحديث عندما يؤيدون نسبة مواقفهم السلبية من الدين إلى استعمال المناهج الحديثة لا إلى الجهل بهذه المناهج نفسها فضلا عن الجهل بالدين ما جعل الغافل من رجال الدين يتهم كل من يستعمل هذه المناهج بالكفر تماما كما حصل في اللقاء الأول بالفلسفة عندما كان المنطق يعد استعماله زندقة ثم أصبح بالتدريج مشروطا في كل العلوم الدينية من رجال الدين أنفسهم!
وكل عمل أدبي في عصره يكون مؤثرا بمقدار تحقيقه هذا التعالي الناقل من النص إلى المنصوص حتى يرى القارئ ما وراء النص ولا ينتبه إلى النص إلا إذا وقف موقف الناقد فانتقل من موقف المتذوق بالعيش إلى محلل التذوق وراء مجرد الإستسلام للأثر المباشر. وأغلب قسط من تأثير القرآن اليوم هو من جنس التذوق المباشر لصوت المجود لانعدام القادرين على الموقف النقدي بمعناه الموجب أعني موقف المحلل لعلل التأثير الشكلية والمضمونية وللعلل التفاعلية من الأولى إلى الثانية ومن الثانية إلى الأولى وللعلل الشاملة التي يتحقق فيها المقدس: أعني جميع الفنون المعبرة عن الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود أي كل أبعاد الوجود الانساني التي يدور حولها بعد الخطاب الموجه إلى البشر من القرآن الكريم. والمعلوم عند كل مؤمن به أنه هو ليس موجها إليهم وحدهم. ولهذا الموقف وظيفتان:
1- وظيفة علمية خالصة: عندما لا تكون ضرورية لتنشيط التذوق المباشر الغني عنها إذا كان معايشو النص منتسبين إلى مجال المؤثرات الأدبية للنص لحظة فعلها الحي (وهو ما بات منعدما بالنسبة إلى القرآن حتى عند العرب فضلا عنه عند المسلمين الآخرين). عندئذ يكون طلب فهم علل التأثير لا يستهدف تقوية التأثير بل هدفه الفهم لذاته. وهذا لسوء الحظ منعدم الآن عند المسلمين ليس في درس القرآن فحسب بل في كل مجالات الفكر وتلك هي علة فقدانهم القدرة على الإبداع: الإبداع ممتنع من دون التمحض للفهم المطلوب لذاته. ولا يمنع ذلمك من أنه يمكن أن يكون بصورة غير مباشرة بدافع عقدي أو نفعي.
2- وظيفة علمية ذات قصد عملي: أما الوظيفة الثانية فهي تصبح ضرورية عندما يكون الأمر كما هي حال المسلمين حاليا. فلكأننا عندئذ- وهو مجرد قياس لكيفية تحقيق الوظيفة وليس للأمرين المؤديين للوظائف ولا لطبيعية الوظائف- نريد أن ننشط الذائقة الأدبية بنقد أعمال الأمة الإبداعية أو روائعها كما نفعل عندما نحيي تذوق المعلقات. عندئذ لا يكون المطلوب هو العلم لذاته بل للوظيفة التي يؤديها في إحياء الذائقة الأدبية مباشرة وبصورة غير مباشرة في إحياء وعي الأمة بذاتها. وهو طبعا لا يمكن أن يؤديها حقا وبصورة ناجعة إلا إذا توفر فيه ما يقتضيه دوره النظري الخالص لما يكون مطلوبا لذاته. فتكون الوظيفة الأولى رغم ما يبدو من تقابل شرطا في نجاح الوظيفة الثانية.
المسألة السادسة
تأسيس ابن خلدون لهذا النموذج
فللأمانة العلمية وحتى نكون منصفين لا بد من الإشارة إلى أن مادة هذا النموذج كلها (عدد أصناف التفسير وطبيعتها) من ثورة ابن خلدون الكلامية التي نبين هاهنا. فهي مستمدة من إشارتين خلدونيتين تتعلقان بعلم الكلام وبحل مسألة المتشابه. وتكمل الإشارتان تصنيفه لضروب التفسير في الفصل الخاص بالتفسير فتلغيان كل ما يمكن أن يبدو فيه من نقص عللناه بموقفه العقدي: وكلتاهما تكررت في فصل التوحيد وفصل كشف الغطاء عن المتشابه في القرآن والسنة من الباب السادس من المقدمة.
فأما الإشارة الأولى فتتعلق بمصير علم الكلام وتقبل القراءة الشرطية لا التقريرية كما صيغت في نصه الظاهر بمقتضى صلتها بثانيتهما التي تتعلق بالأدلة البديل على وجود الله كما سنرى. وللاشارتين علاقة وطيدة بالدور الذي ننسبه إليه في القفزة النوعية التي حدثت في نظريات التفسير والتأويل عند المسلمين بفضله وبفضل ابن تيمية. فهو أولا يشير إلى أن علم الكلام أصبح الآن عديم الفائدة للجماعة بعد أن استقرت العقيدة: " وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا. أما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزيه الباري عن الكثير من إيهاماته واطلاقاته. ولقد سأل الجنيد رحمه الله عن قوم مر بهم من المتكلمين يفيضون فيه فقال: ما هؤلاء ؟ فقيل قوم ينزهون الله بالادلة عن صفات الحدوث وسمات الننقص فقال: نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب"[1]
وقراءة الإشارة الأولى شرطيا يعني أنه إذا كان علم الكلام مجرد دفاع عن العقيدة وكانت العقيدة قد استقرت فلا فائدة منه بعد ذلك عدى تمرين المتعلم على الجدال. وهذا يعني أن ابن خلدون لم يكن راضيا عن انحطاط الفكر الديني النظري إلى منزلة علم الكلام. لكن هذه القراءة تبدو تحكمية لو اقتصرنا فيها على هذه الجملة لانه يبدو من التحكم أن تقلب التقريرية إلى شرطية. ما دفعنا إلى ذلك ليس التحكم بل قرينة الإشارة الثانية. ففي فصل التوحيد بالذات الذي هو عادة موضوع علم الكلام-بعد أن قال بعدم فائدته !- قدم ابن خلدون حلا نظريا لم يسبق إليه لتأسييس العقيدة على البحث النظري العميق لعلاقة أدلة الوجود الالهي بخاصية عقلية إنسانية فكان حله منافيا تمام المنافاة لمقدمتي علم الكلام والميتافيزيقا مقدمتيهما الأساسيتين اللتين ظلتا سائدتين إلى حدود سيطرة حلول النقد الكنطي.
فلو كان ابن خلدون فعلا يعتقد أن ما شغل الكلام محله من فكر فلسفي في الإلهيات هو الذي ينبغي النهي عنه وليس انحطاطه في شكل علم الكلام لما قدم حلا للمسائل الكلامية من منطلق غير معهود في علم كلام عصره وفي فلسفته. لذلك فهو يفعل من منطلق فلسفة نظرية جديدة حققت قفزة نوعية هي التي نعتبرها ثورة خلدونية حقيقية تضاهي ثورة ابن تيمية التي وصفنا في غير موضع. وهذا الحل هو اعتبار الإيمان بوجود الله:
1- ليس ناتجا عن التدليل العقلي بالتعليل السببي للوجود كما يرى الفلاسفة
2- ولا هو ناتج عن التدليل العقلي بالترجيح الجهوي له عن العدم كما شاع عند المتكلمين
والحل الثوري الذي يقترحه ابن خلدون مقابل لذلك تمام المقابلة فهو:
1- عين حاجة العقل البشري لقطع التسلسل السببي الذي ليس له غاية عقلا بخلاف ما يزعم الفلاسفة.
2- وحاجته لقطع الترجيح الجهوي الذي ليس له مرجح مقبول عقلا كذلك بخلاف ما يزعم المتكلمون.
فيكون الإيمان ليس ناتجا عن التعليل السببي (كل الأدلة الفلسفية) بل عن نفي التعليل العقلي بالسببية وليس عن الترجيح الجهوي (كل الأدلة الكلامية) بل عن نفي الترجيح العقلي بالجهوية. ومن ثم فهو قفز وجودي مطلق إلى العلة الحرة الخالقة للتحرر من سلاسل التعليل أصلا سواء كان التعليل سببيا أو جهويا. يقول ابن خلدون:" فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا (استعمال برهان هنا لا ينبغي أن يفهم منها الدليل العقلي بل البرهان بالمعنى القرآني بدليل كلمة يكشف الواردة بعدها مباشرة بدل يثبت أو يبرهن أو يدلل ) عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخد ثم نرجع إلى تحقيق علم الكلام (....) فنقول: اعلم أن الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو الافعال فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة (فهم أشعري للنظام السببي مناف للضرورة بالمعنى الفلسفي) وعنها يتم كونها. وكل واحد من تلك الاسباب حادث أيضا فلا بد له من أسباب أخرى ولاتزال تلك الاسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الاسباب وموجدها وخالقها لا إلاه الا هو سبحانه. وتلك الاسباب في ارتقائها تتضاعف فتنفسخ طولا وعرضا ويحار العقل في ادراكها وتعدادها. فإذن لا يحصرها الا العلم المحيط سيما الافعال البشرية والحيوانية (.....) ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك أو اختيارك بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في الاسباب على نسبة لا نعلمها. إذ لو علمناها لتحرزنا منها. فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة. وأيضا فوجه تأثير هذه الاسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لأنها إنما يوقف عليها بالعادة وقضية الاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر. وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة"[2].
لما كان كل دليل على وجود الله يكون بقطع التسلسل السببي والتردد الجهوي (بين الامكان والوجوب والامتناع) فإنهما يمكن كذلك أن يكونا دالين على نفي وجود الله دلالتهما على إثباته وذلك لأن قطع التسلسل يمكن أن يتوقف قبل الوصول إلى الله لأنه تحكمي إذ لا فرق بين قطع وقطع للسلسلة فيمكن عندئذ أن نعتبر الطبيعة مثلا سبب كل شيء: وبذلك يصبح كل شرك علته التعليل السببي الذي يتوقف في سلسلة العلل عند علة يؤلهها. لذلك فابن خلدون يرى أن اثبات وجود الله لا ينتج عن قطع سلسلة الأسباب التي لا تقطع إلا تحكميا وبدون دليل ولا بترجيح كيفية من كيفيات تأثيرها لأن كل الكيفيات متساوية عقلا فيكون الترجيح تحكما لا حرية اختيار ينسب إلى المبدع.
ولما كان كلا الأمرين مجهولا لم يبق إلا التخلي عن كل الأدلة الكلامية والفلسفية أي عن: 1- الدليل الكوني (بالعلة الفاعلة) 2- والدليل اللاهوتي الطبيعي (بالعلة الغائية) 3- والدليل الجهوي (بالعلة المرجحة لوجود الممكن على عدمه) 4- فلا يبقى إلا القفز المباشر إلى الخالق الحر بما يسميه التحرز من التدليل على وجود الإله بالأسباب القطع التحكمي لسلسلتها دون معيار بين. لم يبق من الأدلة المعروفة إلا الدليل الوجودي[3]. ففكرة الله في وجدان الإنسان بمجردها تتضمن الإيمان بوجود الله خارج كل وجدان وهذا هو أصل القفزة التي يشير إليها ابن خلدون: فكرة الله تصور (لماهية) وحكم (له لها بالانية ومن ثم فكل تصور للذات الالهية تلزم عنه جهة الوجود لتمامها واطلاقها) في نفس الوقت[4]. وذلك يقتضي التخلص من الكلام سواء كان نقليا أو عقليا دفعة واحدة والاستعاضة عنه بالفن الذي هو أصل التحرر من هذه السبل الاربعة التي يمكن ان تعتبر مجرد محفزات إليه: التأمل والتفكر والتدبر الوجودي المحقق لهذه القفزة.
ويستنتج ابن خلدون من ذلك مباشرة نظرية في المعرفة العلمية المحدودة بعالم المخلوقات دون عالم الخالق نظرية مبنية على التخلي عن مبدأ العلم الطبيعي أو التعليل السببي: " (...) وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الالهية وكل ما وراء طوره. فإن ذلك طمع في محال (....) فاذن التوحيد هو العجز عن ادراك الاسباب وكيفيات تأثيراتها وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه لا غير"[5]. بعد أن أشار إلى الخطأ المتمثل في رد الوجود إلى الادراك: " (...) ولا تثقن بمايزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الاحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله وسفه رأيه في ذلك واعلم ان الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا يعدوها. والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه"[6].
الخاتمة
المهم بالنسبة إلينا هو أن ابن خلدون لم يقف عند هذا الحد بل هو قد عالج في فصل كشف الغطاء عن المتشابه في القرآن والسنة اصناف التفسير الثلاثة التي لم يأت على ذكرها في فصل التفسير حيث اقتصر على ضربي التفسير بالأثر ونقده والتفسير باللسان ونقده. ولما كان قد قدم نوع التفسير بالأثر التاريخي وربطه بالتفسير في الممارسة الحية للرسول الكريم ومن عايش تجربته وأسهم فيها وربط بين هذين النوعين فإن البعدين اللذين أضفناهما لبعدي الشكل اكتملا لما أضاف إليهما ابن خلدون ما يشبه تحليلية الوجود الانساني في هذا الفصل حلا لمسألة تأويل المتشابة. وبذلك نجد كل المادة التي توصلنا إلى صياغتها النسقية في تحليل البنية الكلية للعلاقة بالكتاب في كل الحضارات التي عرفت الكتاب. فيكون ابن خلدون مصدر مادة النموذج ولا أنسب إلى نفسي إلا الصيغة الصورية للنسق.
فبعد أن حلل المواقف من المتشابه وتاريخ التعامل معه في الفكر الإسلامي فضل ابن خلدون الموقف الأشعري الذي يعتبره أقرب ما يكون إلى التوفيق بين معتقدات أهل السنة و العقل ثم قدم نظريته في طبيعة التأويل من منطلق ما يمكن ان يسمى تحليلية الوجود الانساني بنظرية الأطوار الأربعة مستوحاة من فكر الغزالي في جل عناصرها: 1- طور العالم الجسماني بنوعي مداركه الحسية والعقلية 2-وطور النوم وفيه يحصل ما يحصل في مدارك الطور الاول بمعزل عن علاقات الزمان والمكان. وهذان الطوران مشتركان للجميع في حصولهما وفي مداركهما ذات الصلة بالطور الاول. لكنه يمكن ان يكون مجالا لمدارك تشبه مدارك الطور الثالث وهو عندئذ من الروئ الصادقة للخاصة من البشر. 3- ثم طور النبوة وهو خاص بأشراف صنف البشر 4- والطور الاخير هو طور الموت قبل القيامة أو حياة البرزخ.
لكن خاتمة الفصل تبين أنه لم يقدم رأيه بالصراحة التي نجدها في فصل التصوف من المقدمة وفي شفاء السائل حيث يسلم بالمعرفة الذوقية والإطلاع على أسرار الملكوت في الحياة الدنيا بل اكتفى بعرض ما حصل عليه إجماع أهل السنة والجماعة بخصوص دوران التفسير أو التأويل المشروع حول أمور خمسة أولها وآخرها هما قطبا الكل ثم الوسائط الثلاثة:
1- الإنسان: وعي الإنسان بوجوده الطبيعي الخارجي والباطني هو المحور
2- الله: والمعتقدات الأخروية في ما بعد كل ذلك وفي البعث. وبعد القطبين يأتي دور الوسائط الثلاثة:
3- اللسان
4- ثم مدارك الوجود الجسماني الحسي والعقلي
5- ثم مدارك عالم النوم.
وبين أن اللسان هو لغة القطب الأول ونظام تواصله والنوم يناظر بعض لغة القطب الثاني ونظام تواصله (الرؤى الصادقة جزء مهما كان ضئيلا من النبوة كما يعرفها الرسول الكريم) والوجود الجسماني الحسي والعقلي هو ساحة الاعتراك بين اللسانين والتواصلين. وتلك هي معضلة التفسير والتأويل: فالنص كتب باللسانين ترجمة عما في ساحة الاعتراك حول علاقة القطبين. تلك هي المعادلة التي نحاول صياغتها فلسفيا في هذه المحاولة لفهم ما توصل إليه ابن خلدون في فصل المتشابه.
[1] ابن خلدون المقدمة ص.838.
[2] المقدمة ص. 822-823.
[3] وأهمية الدليل الوجودي أنه ملازم للعقل الإنساني آمن صاحبه أو لم يؤمن: فالملحد هو أيضا يقول بالدليل الوجودي سلبا كما بينا في مقال دحضنا فيه حجج اللادينيين العرب. فإذا كان المثبت يستنتج وجود الله من تمام الماهية فإن النافي يستنتج العدم من نقصان علامات الوجود الدال على تمامها. فالنافي من حيث لا يعلم يقف موقفه اعتمادا على شرطية متصلة يلزم عن نقيض تاليها نقيض مقدمها إذ يقول لو كان الله موجودا وهو تام لكان العلم خاليا من الشر لكن العالم يغلب عليه الشر إذن الله غير موجود أو إن شئنا أفضل أن أنفي وجود الله على اثباته مع التسليم بعجزه أو التخلي عن عقلي فاعتبر العالم خيرا كما يفعل أصحاب مصنفات العدل الإلهي.
[4] هذه القضية من أعوض قضايا المنطق ومسائل نظرية العقل. فمنطقيا ناقش ابن تيمية نظرية الفلاسفة التي تقول إن التصور متقدم على التصديق وهو معنى بسيط لا يقتضي الحكم بالوجود والعدم على المتصور. وعقليا يمكن السؤال عن علاقة ادراك البسيط بادراك المركب في علميات العقل البشري. ولنكتف بالنتيجة التي وصل إليها ابن تيمية في المسألة الأولى. أما المسألة الثانية فهي من أهم عناصر نظرية "المعرفة- التربية" الاسلامية. لذلك فسنعالجها بعمق في مناقشة فلسفة النقد الكنطية في الفصل الأخير. فابن تيمية انتهى إلى أن التصديق متقدم على التصور وأن كل تصديق يتضمن البعدين ومن ثم فالمؤلف قبل البسيط في معرفة المخلوقات وفي وجودها. والتصديق حكم بمحمول لموضوع ليس في الذهن فحسب. وإنما هو مصحوب دائما بحكم أعمق يجعل النسبة الذهنية بين المحمول والموضوع نسبة حقيقية في الوجود. ومن ثم فأبسط معنى في المخلوقات ينبغي أن يكون ماهية ذات إنية تفصلان في الذهن وتتحدان في العين. لذلك فالفكر لما يحكم لا يحكم حكما بسيطا بل حكمه ذو وجهين. ولا يتوالى الوجهان بل هما عملية واحدة. إنهما وجهان لنفس الحكم: وجه النسبة الحملية بين الموضوع والمحمول ووجه وجود الموضوع بذاته شرطا في وجود المحمول له في نفس الحكم. لذلك فحتى القضايا الانشائية والشرطية فإنها تضع الوجه الثاني من الحكم بين قوسين لكنها تفترضه في الحكم الخبري ضرورة وإلا لما وضعته بين قوسين مؤقتا.
[5] نفسه ص. 825.
[6] نفسه 824.