shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                      الدرس 22

          تحديد القرآن منهج قراءته وفهمه بنفسه

 

ولنأت الآن إلى الكلام على المناهج. فلِمَ نعتبرها صادرةً عن تحديد القرآن نفسه لمناهج قراءته وفهمه؟ جوابنا ذو مرحلتين. فأما المرحلة الاولى فلها صلة بتاريخ تكون منهج القراءة والفهم من حيث علاقته بحضارات الكتاب عامة. وأما المرحلة الثانية فلها صلة بمفهوم الكتابة والقراءة على العموم كما يحددهما موقف النبي الذي يبدو في بادئ الرأي معارضا لاوامر القرآن في أول خطاب موجه إليه وفي نهيه عن تدوين الحديث.

                         المرحلة الأولى 

 صلة منهج القراءة والفهم بالتخاصب بين حضارات الكتاب

إن مصدر المناهج يقبل الصوغ التالي في المطلق. فهو يتمثل في ممارستين علميتين متصلتين بعلاج المضمون الذي أشرنا إليه في الفقرة المتعلقة بالمضمون وفي ما ورائه أو مضمون المضمون قصدت التاريخ وما بعده والطبيعة وما بعدها في شكلهما السوي وغير السوي: 1- النظر: أصول عقيدة  (= انحصرت في الكلام) - فلسفة نظرية (= انحصرت في الميتافيزيقا)2- والعمل: أصول شريعة (=انحصرت في الفقه) - فلسفة علمية (=انحصرت في التصوف). لكنه تعين في التاريخ بصورتين متقابلتين تمام التقابل ومتعاصرتين دائما على الأقل في السنتين الاسلامية والمسيحية خلال القرون الوسطى.

فعند الذين بيدهم الحكم الرمزي المؤيد للحكم السياسي القائم يكون النظر كلاما متفلسفا ويكون العمل فقها متكلما. وغالبا ما يكون معلم هذا التوجه الأول أرسطو.

أما عند الذين كانوا معارضين لهم ومطاردين منهم مع معارضي الحكم السياسي فإن النظر يكون فلسفة متصوفة وفقها متفلسفا. وغالبا ما يكون معلم التوجه الثاني أفلاطون.

ويصح هذا الوصف على الأقل في القرون الوسطى على النخب الإسلامية أولا وعلى النخب المسيحية ثانيا وعلى نخب اليهود أخيرا. وإذن فالتأليفان قد حصلا بترتيب مقابل تماما لتاريخ الظهور الفعلي للأديان المنزلة الثلاثة. فالمسلمون الذين كان دينهم آخر الأديان المنزلة الثلاثة ظهورا هم أول من بلغ بهذه المناهج الذروة فأثروا في المسيحين الغربيين بعدهم. والمسيحيون قد استأنفوا الريادة في هذه الميادين وانضم إليهم اليهود منذ نكبة الأندلس بعد أن كانوا جزءا لا يتجزأ من الثقافة العربية الإسلامية التي كانوا يحاكونها حتى في الجزئيات حتى إن أكبر مفكريهم في القرون الوسطى اعتبره ابن تيمة غزاليهم: ابن ميمون. وانضمامهم إلى الحضارة المسيحية دون اندماج فيها هو الذي طبع كل خصائص فكرهم المقصور على رد الفعل الساعي إلى الانتقام من كل الأنام. فكان التأثير الأخير هو التأثير الحاسم في كل إيديولوجياتهم التي يغلب عليها رد الفعل بعد أن كاد وجودهم بين المسلمين يشفيهم من مرض الانكماش وعقلية الجيتو. والعلة التاريخية لترتيب التأثير بالصورة التي وصفنا مضاعفة.

فأما الوجه الأول من العلة فهو ذاتي للإسلام. ذلك أن الإسلام حدد مضمون تعاليمه بموقف نقدي من الأديان المتقدمة عليه وبأسلوب يقبل الوصف بالنهج التفكيكي مرتين بالمعنى الموجب للكملة أعني اعادة البناء المخلص من علل الانحراف والجاهلية:

فموقفه من الدينين السابقين اللذين كانا ذوي وجود مؤثر في عصر نزول رسالة الإسلام نقدي ونصه يفكك كتابيهما اللذين يعتبرهما محرفين في كل ما يختلفان به عنه .

وموقفه من الدينين الطبيعيين السابقين اللذين كانا ذوي وجود مؤثر في عصر نزول رسالة الإسلام نقدي ونصه يفكك سننهما التي يعتبرها جاهلية في كل ما تختلف به عن قيمه.

وإذن فمفهوم التحريف مفهوم نقدي للسنن اليهودية المسيحية وهو مفكك لنصيهما ومفهوم الجاهلية مفهوم نقدي للسنن العربية اليونانية وهو مفكك لقيمهما وإذن فنص الإسلام نص نقدي للتراث الديني الشرقي وللتراث الفلسفي اليوناني بمعنيين. فهو بالمعنى الأول سعى إلى تحرير البشرية من داء الوسطاء ونتائجه المرة بنفي السلط الروحية سواء كانت دينية منزلة أو فلسفية طبيعية. وهو بالمعنى الثاني سعى إلى تحرير البشرية من كل متنبي فختم الوحي والغى وهم العلم المحيط نافيا كل امكانية لتجاوز حدود الاجتهاد بنور العقل البشري الذي اعتبره الأداة الوحيدة لمعرفة الحقيقة والعمل بها رغم محدوديته.

وأما الوجه الثاني من العلة فهو براني. إنه كيفيات انتقال الفكر اليوناني والفكر الديني الشرقي وخاصة التفاعل بينهما في ما يمكن ان يوصف بكونه التراث الديني الشرقي ببعديه المنزل  (ما بقي حيا منه: اليهودية والمسيحية) والطبيعي (ما بقي حيا منه: الاديان الشرقية الاخرى قبل الاسلام ومنها أديان الجاهلية العربية وأديان فارس والهند فضلا عما بقي في الممارسة الشعبية من أديان بابل ومصر فينيقيا وقرطاجة ألخ...) كيفيات انتقاله إلى الغرب المسيحي بالطرق الأربع  المعلومة: من المسلمين مباشرة سلما وحربا في أرض الغرب المسيحي وفي أرض المسلمين وبنفس الشروط من البيزينطيين الذين انقلبت علاقتهم بالمسلمين بعد أن صاروا القوة المسيطرة على الحوض الشرقي من الابيض المتوسط ماديا ورمزيا. فهذا التراث انتقل إلى الغرب بعد أن أعيدت صياغته اسلاميا حتى وهو بيزنطي أو يهودي: ذلك أن نفس الروح النقدية والتفكيكية غلبت على الفكرين الكلامي الفلسفي والفقهي الصوفي المؤثرين في كل هذه الرقعة والفترة الحضارية على الاقل في عصر الازدهار الفكري والحضاري الاسلاميين وبمقتضى عدم التعارض الظاهر مع تعاليم الاسلام.

فالتراث الديني الشرقي والتراث اليوناني لم يصلا إلى الغرب الذي آل إلى وضعه الحالي وصولا مؤثرا إلا في عصوره الوسطى المتأخرة بفضل المسلمين فلاسفة (يفكرون في قضايا الدين من منظور تناقضها مع مسلمات الفلسفة: بدءا بالفارابي وختما بابن سينا) وعلماء دين (يفكرون في قضايا الفلسفة من منظور تناقضها مع مسلمات الدين: بدءا بالاشعري وختما بالغزالي) إما مباشرة في المشرق والمغرب الإسلاميين أو بصورة غير مباشرة بتوسط البيزنطيين منذ السيطرة الإسلامية على الأبيض المتوسط وبتوسط يهود العالم الإسلامي بعد نكبة الأندلس.

ولعل الخصومة بين الغزالي وابن رشد هي التي مثلت ذورة هذا التأثير لأنها تعد زبدة الخصومة التي نشبت بين الرافدين الديني والفلسفي وظلت مفتوحة ألفا وخمسمائة قرنا (من  شرائع افلاطون في مقالتها العاشرة إلى تهافت الفلاسفة) قبل أن تصاغ صيغتها المثلى عند الغزالي صيغتها التي أوصلتها إلى علاجها النسقي دون الذهاب إلى حد الفصام الكنطي. لذلك فلا غرابة أن يكون لها ما كان لها من تأثير كوني. فكل الفكر الديني الغربي بعد ذلك تبنى  نفس الموقف النقدي المتبادل بين الفكرين الديني المتفلسف (ممثلا بالغزالي وابن سينا) والفلسفي المتدين (ممثلا بابن رشد والفارابي). لذلك فلا عجب أن تكون كل المسائل التي تهمنا قد تكونت خلال محاولات حسم هذه الخصومة وعلاج ما يترتب عليها من قضايا وجودية قيمية وابتسمولوجية منهجية في العصر الحديث.

وقد بلغ هذا النقد المتبادل الذروة عند الاوروبيين في الانقلاب الكنطي ردا على هيوم بما يرضي الغزالي وابن رشد معا وبما لا يرضيهما في نفس الوقت كما سنرى. فكنط يبدو قد حسم مسألة التمييز بين نوعي المعرفة ( النظرية والعملية ) ونوعي الموضوعات ( الطبيعة مجال الضرورة والاخلاق مجال الحرية ) تمييزا سيؤدي ضرورة إلى النكوص المحتوم الناتج عن قراءتي حله المرسومتين فيه بالطبع:

 1- برد طبيعة العمل وعلمه الى طبيعة النظر وعلمه (محاولات التأسيس الوضعي للعلوم الانسانية )

 2- أوبرد طبيعة النظر إلى طبيعة العمل وعلمه (الشكل الرومانسي من المثالية الالمانية أو الفشتية وما بعدها إلى شيلنج وهيجل).

وقد انتهت الخصومة في التاريخ المعاصر وخاصة في مفتتح القرن العشرين إلى صياغة أوضح هي الصياغة الحدية للمقتضيات الابستمولوجية في علوم الروح Die Geisteswissenschaften وفي علوم الطبيعة Die Naturwissenschaften بمصطلح الفلسفة الألمانية المقتضيات الحدية الناتجة عن الرد المتبادل بين طبائع الظاهرتين المعلومتين في هذين النوعين من العلوم بما لزم عنه من رد فعل يتمثل في القول بالتقابل المطلق بين النظر والعمل والاختلاف الكيفي المطلق بين علمهما وموضوعهما ومناهجهما.

ولهذه العلة سيكون الحل الكنطي الحالة السلبية التي نحدد بالقياس إليها نظرية المعرفة الشاملة من المنظور القرآني. وليس ذلك اختيارا أو تحكما بل نحن مضطرون إليه بمقتضى طبيعة المسألة المنظور فيها من وجهين. فما دمنا أولا نرجع كل الادواء التي تعاني منها الحضارة الانسانية الحالية إلى ما يمكن أن نسميه بمحاولات حسم الفصام الكنطي في الشموليتين المؤديتين إلى الفاشية الوضعية النظرية (أساس البراجماتية النظرية التي هي مبدأ الرأسمالية وتبرز خاصة في سلطان الشركات الرأسمالية ) والفاشية الوضعية العملية ( أساس البراجماتية العملية التي هي مبدأ الماركسية: وتبرز خاصة في سلطان الاحزاب الشمولية ) فإن تحليل فصام الحل الكنطي يصبح أمرا محتوما لفهم علله العميقة.

وما دمنا ثانيا بصدد علاج مسألة المناهج الخاصة بالظاهرة الرمزية عامة والظاهرة النصية خاصة وكلتاهما تنتسب بالتساوي إلى العمل وإلى النظر فإننا قد وجدنا الدليل القطعي على عدم صحة المقابلة الكنطة بين موضوعات المعرفة (انطولوجيا) ومناهجها (ابستمولوجيا) وملكات العقل (انثروبولوجيا) ووهاء التوازي الذي استنجه منها في عمارة الفلسفة. فبات بالتالي من واجبنا أن نبين سوء تقسيمه للنقد إلى ثلاثة أصناف بحسب الملكات (التمييز بين استعمال العقل النظري واستعماله العملي والحكم) وأن نقدم البديل الموجب الذي يصح بالاعتماد عليه الكلام على معرفة شاملة دون أن تكون شمولية ومحيطة: أي إن الشمول يتعلق بصفاتها الذاتية جمعا بين أصناف القيم الخمسة في كل واحدة منها لكون كل واحدة منها تبرز على الأصناف الاربعة الاخرى بروز الصورة على خلفيتها ولا يتعلق بقدر استغراقها للموضوع أو بقائها في ظاهراته أو بالمراوحة بين النسبة التحديدية والنسبة التوجيهية لوظائف الحكم والتمييز والعقل.

I- الثورة الأولى: تتعلق بأداتي التفسير قصدت الاثر واللسان (النقد الميثولوجي والايديولوجي)

1.1- مرحلة التفسير الشامل مع غلبة منهجية الاثر  الظاهري (الاسرائليات) أو الباطني   (الغنوصيات) ونقدهما شكلا ومضمونا: الطبري والثعالبي + بن عطية والقرطبي

2.1- مرحلة التفسير الشامل مع غلبة منهجية اللسان الظاهري ( النحو والصرف والبديع ) والباطني   ( المنطق والموسيقى والبيان ) ونقدهما شكلا ومضمونا: الزمخشري + شرف الدين الطيبي

II-الثورة الثانية: تتعلق بمادتي التفسير قصدت الحقيقة الفلسفية والحقيقة الصوفية: ابن سينا وابن عربي + الغزالي وابن تيمية:

1.2- مرحلة التفسير الشامل مع غلبة منهجية التصوف الظاهري ( منهاج السائرين ) والباطني ( شرح التلمساني له) ونقدهما  وهي متداخلة مع الموالية.

2.2- مرحلة التفسير الشامل مع غلبة منهجية الفلسفة الظاهرية (مشائية ابن رشد ) والباطنية (اشراقية السهروردي) ونقدهما وهي متداخلة مع السابقة.

III- الثورة الأخيرة: تتعلق بالنقد المضموني (بعلم التاريخ وما بعده) وبالنقد الشكلي ( بعلم المنطق وما بعده ):

1.5- التفسير النقدي للعلاجين المضمونيين النظري والشكليين اللساني والمنطقي بثورة شكلية (الثالث والرابع): ابن تيمية خاصة بتغيير نظرية العلم الارسطية واالميتافيزيقا ونظرية اللغة والمنطق

2.5- التفسير النقدي للعلاجين المضمونيين العمليين العملي والنظري والشكليين اللساني والتاريخي بثورة مضمونية ( الاول والثاني): ابن خلدون خاصة  بتغيير نظرية العمل الافلاطونية ونظرية اللغة والتاريخ.

 ويمكن أن نعتبر كل هذه الغايات متجهة إلى وجهة واحدة هي ثمرة المرحلة الاخيرة لكونها تحدد ما وراءها جميعا لكأنه غاية منظر الرسم في اللوحةVanishing point  ممثلة بوجهي الرسالة المحمدية الجامعة بين الدين والدنيا باللغة العقدية وبين الشرع والوجود باللغة الخلدونية قصدت وصول الفكر الاسلامي إلى نظرياته الاصلاحية الثورية في محاولتي ابن تيمية من العقيدة إلى الشريعة وابن خلدون من الشريعة إلى العقيدة. وذلك هو المدخل المضاعف الذي نقترحه للشروع في صياغة فلسفة النقد والإصلاح العقدي على أسس الفلسفة النظرية من أجل العمل الفاعل (ابن تيمية) وفلسفة النقد والإصلاح الشرعي على أسس الفلسفة العملية من أجل النظر الفاعل (ابن خلدون) لتحقيق شروط الاستئناف الحضاري الاسلامي. وذلك لأن الثورة التيمية الخلدونية لم تكتمل إلى الآن لعلتين افسدتاها:

1- سيطرة المذهبين المغاليين على فكرهما الرسمي عقديا وشرعيا وعدم الذهاب بفكرهما إلى غايته بمقتضى عرض عجيب تعاني منه حضارتنا: الخوف من النظر المجرد الذي يستقصي الغايات.

2- وتبلد الفكر الإسلامي الموالي لمحاولتهما التي عجز عن فهمها واستثمارها إذ حتى بعد النهضة فإن فكرهما لا يزال يقرأ في حدود العرض المشار إليه في العلة الاولى. والمعلوم أن أهم نتائج هذا الموقف من النظرية هو امتناع المشروعات المعلمية التي تقتضي تصور بعائد الامور والتخطيط لأعمال لا تنجزها إلا الاجيال المتوالية التي تواصل نفس المشروع. من دون ذلك سيبقى العمران عندنا عمرانا باديا: تبقى ديارنا خياما نقالة كل جيل يستأنف البناء من الصفر!

فقد اعتبر الفكر الإسلامي إصلاحهما رفضا للأمور التي ينقدها وليس إصلاحا لما آل إليه أمرها بسبب انحرافات موظفيها من غلاة المؤولين لظاهر الشريعة تأويلا تحريفيا (الفقهاء سواء كانوا فقهاء شرع أو فقهاء وضع ) وغلاة المؤولين تأويلا تحريفيا لباطنها (المتصوفة  سواء كانوا متصوفة آخرة أو متصوفة دنيا). والمعلوم أن التأويل بات عند كلا المصلحين شاملا كما يتبين من نظريتهما اللسانية ومن محاولاتهما التفسيرية. وهو شامل شمول اصلاحهما لكل ضروب الوجود الانساني الدنيوي والاخروي بعد تحررهما من السلط الروحية والزمانية أو ما يمكن أن نطلق عليه ثورة التنوير الديني عند ابن تيمية وثورة التنوير الفلسفي عند ابن خلدون لاجماعهما على نقد الفلسفة والكلام والتصوف والفقه ونتائجهما الابستمولوجية والانطولوجية والخلقية والسياسية في الحضارة الاسلامية نقدا لا يعني نقض الموجب بل تجاوزه انطلاقا منه من مدخلي المقبول منه والمرفوض إلى ما يزيده إيجابا.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام