shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                     الدرس 23

 

                    المرحلة الثانية

 مفهوما الكتابة والقراءة في القرآن خاصة والدلالة المنهجية لموقف الرسول

كلمة الفهم لا توجد إلا في آية واحدة من القرآن الكريم: "ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين" (الأنبياء 79). ويفيد التفهيم في الآية جعل سليمان يدرك عناصر نزاع عيني (نفش الغنم في الحرث) ليكتشف الحكم بين المتخاصمين: إذن التفهيم هنا يؤدي إلى فهم من جنس فهم القاضي لمعطيات النوازل وبينات الخصمين للحكم العدل وفض النزاع بينهما.  

لكن مفهوم الكتاب يلزم عنه متقدمين عليه تقدم الشرط على المشروط مفهوما القراءة والكتابة. فكيف نحدد هذه المعاني الثلاثة من خلال الآيات القرآنية المتعلقة بها ؟ ولنبدأ بالشرطين. فيمكن القول إن كلا المفهومين مضاعف الدلالة في القرآن بحسب كون الكلام منطوقا (كما في مخاطبة الرسول الكريم في أول وحي نزل عليه) أو مكتوبا (كما يشير الأمر بالقراءة الموجه إلى الانسان حين الحساب). فالقراءة قد تفيد قول الكلام دون نص مكتوب. وقد تفيد النطق بالكلام المكتوب. وبصورة أدق فهي تعني الاعلان عن بيانات سجل الافعال يوم الحساب. وإذن فالكتابة تعني أحد أمرين: فهي توثيق العقود والعهود وهي تسجيل افعال العباد اعدادا ليوم الحساب.

فما المعاني في الحالتين ؟

1- في حالة القراءة: الجهر بالقول (فيكون الامر اقرا مرادفا للامر قل ) وقراءة المرء ميزان افعاله.

2- في حالة الكتابة: اثبات حصول المعاملة ( فعل التوثيق ) وتعيين الحاصل منها (سجل المعاملات).

لكن إذا تكلمنا عن الكتاب ومشتقات "كتب" فعلا منتجا للكتاب الذي نزل بالحق فإن المعنى يصبح هو بدوره ذا دلالتين مختلفتين عن هاتين الدلالتين السابقتين:

الدلالة الأولى هي القضاء والقدر على الإطلاق أو التشريع الالهي خلقا وأمرا وينطبق هذا التشريع على الله نفسه لانه يقول في الكثير من الآيات إنه "كتب على نفسه". وهذا هو معنى الدين ببعديه العقدي والشرعي من الأصل إلى الفرع: فيكون الكتاب دالا على الاحكام المحددة لما بعد الطبيعة الناظمة للعالم (الحقائق الكونية) ولما بعد الشريعة الناظمة للتاريخ   ( الحقائق الأمرية).

الدلالة الثانية هي القضاء والقدر على الاضافة أو التشريع الالهي أمرا للانسان في التاريخ وهذا هو معنى الشريعة. ومن أحكامها التصديق بالقلب والجوارح بالدلالة الاولى. وهذا هو معنى الدين من الفرع إلى الاصل. فيكون الكتاب دالا على نفس الاحكام ولكن في الاتجاه المقابل أي من الطبيعة إلى ما بعدها ومن الشريعة إلى ما بعدها: تنظيم علاقة الانسان بالعالم وتنظيم علاقة الانسان بالعمران.

وبين أن هاتين الدلالتين ذاتا صلة بالدلالتين السابقتين. فمن حيث هما عملية فكرية هما مستوحاتان منهما. ومن حيث هما حقيقة وجودية هما أصل المعنيين السابقين. وتلك هي علة منزلة الكتاب والكتابة في الحضارات الكتابية التي اكتشفت مناهج القراءة والكتابة سواء كانت ذات نص منزل أو ذات نص غير منزل إذ إنها لها جميعا نصوص ذات رتبة مقدسة. فما هي معاني الكتاب في القرآن الكريم؟ وكيف لا يمكن فهم مدلول التحريف من دون نظرية القراءة والكتابة من خلال علاقتهما بالكتاب؟ مسألتان إذن: 1- القراءة كما ينبغي أن تفهم في أول أمر بها والجواب النافي لها 2- والكتابة كما ينبغي أن تفهم في أول امر بنفيها والجواب الموجب لها. فالنفي والاثبات المناقضين للموقف القرآني المعلوم منهما[1] لم يكونا في الحالتين مجرد صدفة بل هما يحددان علاقة الرسالة الخاتمة بقضية بحثنا: محاذير التفسير والتأويل عند انطباقهما على النص الديني خاصة وكل آيات الله عامة في تحديد الجزء المنهجي من نظرية المعرفة عامة.

 

                     المسألة الأولى

لا بد من حسم أمر كثر الخوض فيه بلا تدبر. فأي معنى للامر بالقراءة في غياب ما يقبل القراءة نصا محفوظا يسترجع أو نصا مكتوبا يقرأ ؟ أيكون أمر ملاك الوحي للرسول بالقراءة أمرا غير قابل للفهم لغياب حالتي امكان القراءة من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟ كان يمكن للخائضين في مثل هذه القضايا أن يلتزموا منهجيات البحث عن الجواب قبل الاستغراب. أما من يكذب بالقصة من أصلها أو ينفي عن المرسل العلم بحال المرسل اليه أو بعدم فهم المرسل إليه المقصود بأمر القراءة فلا كلام معه لان الامر يصبح محسوما ولا اشكال عنده ولا عندنا معه. لكن في حالة القبول بمفروضات التواصل السوي فالجواب يمكن أن يوجد إما في ما تضمنته الآيات التي اقرئها الرسول بعد جوابه النافي أو في الدلالة العامة لقابلية الامر بالقراءة في غياب شرطيها عند أخذها بمدلولها العامي. ونحن سنقدم الجوابين حتى يطمئن المحتار من الباحثين عن الايمان المختار لا مجرد الايمان بالتقليد والتكرار.

الجواب الأول: فمضمون السورة يدور كله حول المعاني التي أخبر النبي أن أحسن القصص يخرج المرء من الغفلة عنها. وقد فصلت هذه المعاني في سورة يوسف:  إنها علاقة ما بعد التاريخ بالتاريخ وقوانين التاريخ الخاضعة لهذه العلاقة والعلم بمجالاتها وبهذه العلاقة والعمل بالعلم بها وحصيلة ذلك كله هو تحقيق شروط الاستثناء من الخسر تواصيا بالحق في الاجتهاد وتواصيا بالصبر في الجهاد. فيكون الامر بقراءة ما ورد في السورة مفيدا أن الله يطلب من الرسول أن يقول ما يفكر فيه ومن ثم فهو اعلام له بأن ما استقر عليه تدبره هو عين الرسالة التي حان وقت الجهر بها على الاقل بينه وبين نفسه والمقربين منها. فتكون اقرأ  هنا تعني قل وهي من ثم أمر بالشروع في القيام بواجبات الرسول وأولها أن يجهر بما توصل إليه في تأملاته لسنن الله خلال الخلوات بغار حراء بعد أن أقره الله عليه بهذا الأمر.

فالرسول الكريم لا يمكن ان يقدم على اعتبار تأملاته الشخصية رسالة كونية قبل أن يتأكد من أنه مأمور بذلك إذ ما يدريه فلعل ما توصل إليه مجرد تفكير شخصي. الأمر باقرأ شهادة بأن تدبره أوصله إلى عين ما يخبره الملك بأن الله كلفه بتبليغه. ذلك أن شرط النبوة شرطها الضروري غير الكافي أن يوفق الله العبد الذي اصطفاه إلى علم سنن الله باجتهاد وجهاد هما مجاهدة الاستعداد للتلقي فيكون في وضع " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". وإذن فهذا الأمر اقرار بتطابق مضمون الرسالة مع ما توصل إليه في اجتهادة وجهاده ليكون أهلا للاصطفاء[2].

تبين له أن تدبره آيات الله لم يكن مجرد تفكير شخصي بل هو الحقيقة لتطابقها مع ما كلفه الله بتبليغه. وعندئذ فعبارة "ما أنا بقارئ" لا تعني لا أستطع أن أقرأ المكتوب. فالملاك الذي أمره بالقراءة لم يقدم له كتابا حتى يفهم الامر هذا الفهم. بل معناها: "لن أقول ما توصلت إليه قبل التأكد من أنه وحي إلهي وليس وسوسة"[3]. فعبارة ما أنا بقارئ جواب مقدم لشرط مقدر. وتلك هي خاصية لغة الحوار.فأساسها التقدير كما هو معلوم. لكأن الرسول قال: لن أقول ما يدور في خلدي حتى أتأكد. وهو من ثم ترتيب مقلوب لشرطية في الخطاب الحي يمكن صوغها في شكل الشرطية العادية: إذا تأكدت أن ما يدور في نفسي وحي وليس وسوسة سأعلنه.

الجواب الثاني: ويتضمن الجواب الاول ضرورة لانه يعمه عموم الكلي للجزئي. فالمطلوب قراءته هو الفطرة التي يغفل عنها الناس فينبههم القرآن الكريم إلى عدم قبول الله الاجتجاح بمانعي الإيمان بالله وراثة أو تربية " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين* أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟(الاعراف 172-173). لذلك تضمنت آيات القلم هذه الفطرة: الله, التعليم, الفطرة الغافلة, ثم حصول الطغيان في الارض وعلله, ثم كيفية علاجه, والخاتمة بحسب سنن علاقة التاريخ بما بعد التاريخ أو السياسة بالدين لان الايمان بالله مشروط بالكفر الطاغوت بعد تبين الرشد من الغي.

وتلك هي معاني سورة القلم التي هي عينها مضمون الرسالة الخاتمة في صياغة نظرية وفي تعين تاريخي فعلي. فالآية الاولى تتعلق بصفة الربوبية والمربوبية. والثانية تتعلق بالمألوهية والآلهية. والثالثة تتعلق بشرط التكليف أو التعليم الديني. والرابعة تحدد مجال التعليم الديني. والخامسة تعين مجال هذا التعليم أي ما لا يعلمه الانسان من غير تعليم بالكتاب المرموز إليه بالقلم. والاية السادسة تشير إلى الطاغوت الذي يعتبر الكفر به شرط الايمان. والسابعة تعلل الطاغوت بالعامل المادي. والثامنة تشير إلى عاقبة الطاغوت. والتاسعة تحدد مثال حي من الطاغوت يتصدى للرسالة المحمدية. والثاسعة والعاشرة تتعلقان بالحرية الدينية رمزا إليها بالصلاة. والحادية عشرة والثانية عشرة تتعلقان بما يدعى الطاغية لينتهي عنه. والثالثة عشرة والرابعة عشرة تتعلقان بتكذيب النبي ورفض الرسالة لكأنه يجعل علم الله المطلق بعمله. والخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة تتعلق بالجهاد والمساعدة الالهية فيه. والأخيرة تتلعق بوجهي كل رسالة: مصارعة الطاغوت والكفر به ومجاهدة العلم بالله والإيمان به.

ويتضمن هذا الجواب الثاني الجواب الاول حالة خاصة منه لأن تأملات الرسول الكريم قد أوصلته إلى الخروج من الغفلة لكنه لم يتلق التكليف بتبليغ رسالة: فأمر بالقراءة في الفطرة التي أوصله التأمل إلى أدراك ما فيها من أحكام الله. لذلك أجاب بأنه ليس بقارئ أي أنه لا يجهر بما في نفسه لانه لم يكلف بالرسالة بعد ولعلمه بأن التأكد من التكليف يوجب الحذر وعدم الاستسلام لما يمكن ان يكون مجرد وسواس. جواب النفي دليل على حذر الرسول: يتوقف حتى يتأكد من أن مخاطبه ملاك وليس شيطانا. وحديثه مع خديجه وردها المطمئن يفيدان هذا المعنى.

ذلك أن التفكر قراءة في النفس لكتابة أسمى من الكتابة بالمعنى الاصطلاحي. فالمرء عندما يتكلم يترجم لغة من طبيعة تتعالى على كل اللغات والكتابات التواضعية لكونها شرط تعلم الكلام التواضعي وشرط القدرة على وضعه واستعماله: إنها اللغة التي رمز القرآن لها بفعل التسمية الذي علمه الله آدم وتلك هي فطرة الله التي فطر الناس عليها عندما لا يرين عليها ما يعميها فتكون شفافيتها على أحسن حال. والنفس المصطفاة نسخة ناصعة من اللوح المحفوظ في حدود : "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء". وقد أثبتنا في كتاب الشعر المطلق أن اللغة المتعالية تتألف من بعدين: الرسم والموسيقى وكلاهما متقدم على وظيفة التكلم. وما التلكم الحقيقي إلا رسم للمرئي وتسجيل للمسموع في النفس قبل التفوه به.

ومن ثم فهو كتابة وقراءة رسميتان وصوتيتان بالضرورة. وكلما تكلم المرء  كلاما حقيقيا غير مقصور على سرد أصوات محفوظة مثل الببغاء كان كلامه قراءة في نفسه هي في نفس الوقت رسم شكلي للمرئي وتسجيل صوتي للمسموع اللذين فيها. وبصورة أدق فإن المرء إذ يشرع في الكلام يكون كاتبا قارئا للرسوم ومسجلا سامعا للاصوات. ومن دون ذلك لا يمكن له أن يتكلم إلا هذيانا أو ثرثرة لا تعبر عن معان رسمها وسجلها خلال النطق بها نطقا حيا بمعنى تضمنه لفعل الفكر المتدبر والمتفكر. وبينما تعد الوظيفة الاولى التي هي الكلام الفعلي خاصية بشرية يمكن للوظيفة الثانية التي هي تكرار الاصوات أن تقوم بها الآلات والببغاء. وبذلك يكون مضمون الجواب الاول هو أن الكلام الحقيقي قراءة لكتابة من طبيعة متعالية على الكتابة الوضعية: الكلام الحقيقي قراءة متروية لآيات الله المنقوشة في النفس رسوما وأصوات تتعالى على اللغات الوضعية.


 

[1]  تأكيد القرآن على ضرورة كتابة كل شيء مهما كان حقيرا في المعاملات من الامور التي يعلمها القاصي والداني. ودعوة القرآن للقراءة هي أول دعواته للنبي نفسه فضلا عن كون هذه الدعوة تحولت بعد ذلك إلى نداء للجميع من أجل قراءة معاني سورة القلم. فكيف نفهم النفيين في حالتي جواب النبي بالنفي على الامر الاول بالقراءة وفي حالة نهيه عن كتابة الحديث ؟

[2]  والاجتهاد والجهاد شرطان ضروريان لكنهما غير كافيين أي إن الاصطفاء لا يمكن أن يحصل من دونهما لكنهما لايكفيان لحصوله. وذلك هو الجزء الذي ينفرد الله بعلم سره رغم أنه يمكن قيسه على العلاقة بين التعلم الصناعي والموهبة. فأنت تستطيع ان تتلعم كل قوانين الشعر دون أن تصبح شاعرا وتستطيع أن تتعلم كل قوانين الموسيقى أو الرسم ألخ.. دون أن تصبح فنانا مبدعا. وخطأ بعض المتصوفة المضاعف هو الظن بأن المجاهدة شرط كاف وغير ضروري أي العكس تماما مما هو عين الصواب: فهو يتصورون المجاهدة كافية للوصول إلى الولاية التي هي عند البعض منهم فوق النبوة وهي غير ضرورية لانهم يعتقدون أن بعض البهاليل يمكن ان يصبحوا أولياء!

[3]  ولولا صحة هذا الفهم لما كان للفترة ما كان لها من داع لقلق الرسول وسؤاله زوجته وأهل الذكر من حنفاء عصره ومسيحييه.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام