shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                 الدرس 24

 

                 المسألة الثانية

 لماذا نهى الرسول عن كتابة الحديث ؟ لا يمكن القبول بالحجة السخيفة القائلة: لئلا يقع الخلط بينه وبين القرآن. فهذا من السذاجة التي لا يصدقها عاقل حتى في أمة بادية وأمية. ذلك أنه يمكن التمييز المادي بين الكتابين فضلا عن علم المختصين الذين أصبحوا يوصفون باسم القراء. وذلك كاف. التفسير المعقول والله أعلم هو: استحالة كتابة الحديث من دون مفاضلة بين أقوال الرسول كاستحالة كتابة السيرة من دون مفاضلة بين افعاله. فما قاله الرسول في أكثر من عشرين سنة لا يمكن أن يدون كله. وما فعله لا يمكن ان يقص كله. فيصبح التدوين اقتصارا على بعض السيرة قولها وفعلها مفاضلة بين بعض اقوال الرسول وبعضها الآخر وبين بعض أفعال الرسول وبعضها الآخر.

فماذا يمكن ان يكون المعيار عندئذ؟ المعلوم أن القرآن دون كله دون مفاضلة. إذ لا خوف من التدوين عندما يكون جامعا مانعا. لكن الحديث لا يمكن أن يدون كله. ومن ثم فلا بد من المفاضلة: فيمتنع تحديد معيار الجمع والمنع وتلك هي المسألة التي ظلت إلى الآن عالقة. لذلك فالجواب هنا أيضا مضاعف:

1- علة نظرية هي امتناع تحديد معايير المفاضلة بين المأخوذ والمتروك من أقوال الرسول وأفعاله ومن ثم امكان فتح باب الكذب على الرسول بسبب النسبة بين المأخوذ والمتروك فيصبح تزايد المأخوذ المتوالي بلا غاية: وذلك هو معين الكذب على النبي في أفعاله وأقواله. وقد أشار ابن خلدون إلى دور هذا الكذب في شبهات بعض الفرق الغالية وفي تحريف مفهوم التاريخ نفسه في فصل الملاحم والجفر نفيا للدليل النقلي ببيان انتحال الاحاديث المستشهد بها وللدليل العقلي المبني على التنجيم وحساب الجمل وكلاهما من المواضعات التي لا علاقة لها بمجرى الحدث التاريخي.

2- وعلة عملية هي فتح باب تحول العلم بالسنة إلى مؤسسة لتكوين السلطة الروحية المنهي عنها في الاسلام لان رواة الحديث ليسوا مجرد رواة لما هو متن متناه لا يقبل الزيادة والنقصان كما هي حال القرآن الكريم بل هو متن مفتوح فيكون الراوي أكثر من مجرد الراوي بل هو شبه مؤلف. وتلك هي بداية الانحراف في وظيفة العلم الديني الذي بات يجمع بين المعرفة المجردة التي لا تضفي قدسية على صاحبها بل تضفي عليه صفات العالم الخلقية والمعرفية والمعرفة المقدسة التي تضفي على صاحبها قدسيتها فيصبح عالم الدين سلطة ليس بصفات علمه بل بصفات موضوعه.

لكن الجوابين لا يقبلان الفصل في هذه الحالة للاتصال الوثيق بين انعدام معيار  المفاضلة بين المأخوذ والمتروك من أقوال الرسول وأفعاله وتكون السلط الروحية. فالمفاضلة بين الأحاديث (وهي قد حصلت فعلا إذ إن المسلمين خالفوا النهي فدونوا الحديث ) لن تخلو من أن تكون: 1- بمعايير خارجية تتعلق بالرواة 2- أو بمعايير داخلية تتعلق بمضمون الحديث 3- أو بهما معا. ولما كان المعيار الثاني مستحيلا في البداية إذ هو يقتضي أن يكون علم النقد التاريخي قد اكتمل لم يبق إلا المعيار الأول لامتناع الثالث من دون الثاني. فينتج عن ذلك تكون السلط الروحية ذات العلم الحقيقي (لصدق الرواية) أو ذات العلم الوهمي (لكذب الرواية). فالرواة الذين وقع تفضيلهم يصبحون سلط روحية تحدد أقوال الرسول ومعانيها وبالتبعية معاني القرآن الكريم هذا إن لم يكونوا قد فضلوا لكونهم يشغلون هذه الرتبة بعد في الوعي الجمعي ( بمعايير ليست بالضرورة متصلة بالعلم إذ فقد تكون ناتجة عن القرابة أو المنزلة ). والمعلوم أن هذا مناف لنفي القرآن السلط الروحية الملازمة لختم الوحي وتأسيس الاجتهاد والجهاد فرضي عين.

لكن الأمر الأساسي الذي لم ينتبه المحللون إليه هو القصد الأبعد أعني المدخل الذي ستعود فيه السلطة العلمية والروحية ليهود الجزيرة وخاصة في التفسير بالأثر بزعم أنهم أهل الذكر. فإذا كان العرب الذين هم جل المسلمين الذين عايشوا الرسول أمة بادية وأمية فإن الرواية والكلام المستند إلى الآثار سيكون المدخل المفضل لطغيان تأثير أهل الدينين المحرفين وخاصة يهود الجزيرة في تحديد دلالات المضامين القرآنية بتوسط تحديد دلالات الحديث الذي هو أول تفسير للقرآن. فيهود القرآن أو يمسح بتوسط تهويد الحديث أو تمسيحه.

ورغم ما أشار إليه ابن خلدون من تحوط المسلمين فيما يتعلق بالإحكام وحصر الأخذ في الأمور الخبرية حول أطوار الخلق أو حول كيفيات البعث فإن تأثير الإسرائيليات قد حصل فعلا في محاولات التفسير الأولى بالأثر وفي القصص الشعبي وفي تدوين السنة عامة والحديث خاصة. وكان الرسول قد نبه إلى هذه الإمكانية فحذر من تصديق اهل الكتاب أو تكذيبهم ما يعني ضرورة تجنب إقحامهم في علوم الملة وفي مقومات وعيها التاريخي إلا بالمعنى الوارد في القرآن المستثني لكل ما يخالفون فيه القرآن تحريفا منهم لكتبهم حتى لا نكذب الأنبياء والكتب. تلك هي العلة ذات الغور البعيد والله أعلم: فالأخذ المبتور غير المستند إلى انتخاب مترو مبدؤه ما أطلقنا عليه اسم غربال التصديق والهمينة أي إذا لم يكن مشفوعا بإبداع ذاتي من أصل الحضارة نفسها يكون أخطر من الأخذ المطلق ومن عدم الأخذ المطلق.

ولنضرب أمثلة شديدة الوضوح لنفهم القصد من أخطار ما حل بالمسلمين بسبب الأخذ غير المتروي بدل الإبداع عامة ومن تعظيم المفاسد عند أخذ الأنظمة الموجودة أخذا مبتورا لتعارض المتروك منه تعارضا بينا مع الإسلام الصريح كما لا يزال الحال جاريا عليه  الآن عند المسلمين. فلو تصورنا دولة إسلامية أخذت النظام الاقتصادي الرأسمالي من دون نظام مالي يحل قضيتي جمع تمويل الاستثمار وتأجير التمويل مثل أي أداة انتاج أخرى حلا يفصل بين هاتين الوظيفتين وبين كنز المال والربا المتعارضين صراحة مع الاسلام فماذا ستكون النتيجة ؟ إنها ما نراه في بعض البلاد العربية البترولية التي تزعم تأسيس اقتصاد رأسمالي من دون ربا بحلول كلها تخفي ما هو أدهى منه. ذلك أن هذا الاقتصاد لم يبق فيه من الرأسمالية إلا عيوبها لفقدانه القوة الذاتية الدافعة.

لذلك فهو لا يمكن أن يكون إلا عالة على الدولة التي هي بدورها عالة على ثروات الأرض القابلة للنضوب أو على وهم الاقتصاد الخدماتي من دون قاعدة الاقتصاد الإنتاجي. والكل يعلم أنه لا أحد سيبحث عن الخدمات في الصحارى بعد أن يفرغ بطنها من زيت الحجارة. وبالجملة فبمجرد أن تزول الثروة الطبيعية ستعود البداوة وينهار كل البناء خاصة والرأسمال السائل كما هو طبعه لا يمكن إلا أن يهاجر  للكنز أو للمضاربة أو إلى جنات الحرية الجبائية لعدم التزامه بضرورات الاقتصاد الوطني. لكن لو تمكن الفكر الإسلامي من استنباط نظام اقتصادي من المبادئ العامة الموجودة في القرآن والسنة فإنه سيكون غنيا عن الأخذ المبتور ويتجنب العيبين: عيب الاخد وعيب البتر.

ولنضرب مثالا ثانيا هو مثال التعليم والعمل المختلطين من دون فلسفتهما. فلما كان الاختلاط واضح التقابل مع النصوص الإسلامية الصريحة في فهمها النصي يصبح المشكل كله عند الفقهاء مجرد البحث عن سد الذرائع الظاهرة بالتفريق. لذلك تبنوا نظام تربية وعمل غربيين ثم نحوا منهما الاختلاط فكانت النتيجة نظام تعليم متردد بين تكوين نصف السكان الثاني دون استعمالهم أو رفض تكوينهم لعدم الحاجة إليهم. لكن نظام تعليم ونظام عمل إسلامين ممكنان وقابلان للاستنباط من مبادئ الاسلام العامة دون حاجة إلى قياس متكلف على النصوص بغرض التبرير.

فمبادئ النص العامة في بعده العملي والتشريعي بنية مجردة قابلة للتعين في عدة نماذج عينية وظيفة العقل المفاضلة بينها بحسب الاجتهاد العلمي وبمنطق التجربة بالصواب والخطأ كما هو شأن كل عمل على علم لا الاجتهاد الفقهي الموسع أو المضيق لأحكام الشرع فيكون شرعا وضعيا متنكرا له من دون ملطفات الوضع: ذلك أن التشريع الوضعي قابل للتبديل أما القياس الفقهي فينقل قدسية التشريع السماوي إلى وضع متنكر فيحول دون التطوير الدائم للتشريع الوضعي. لذلك فما نشير إليه يختلف تمام الاختلاف عن الاستنباط القياسي الذي ينقل برابط وحدة المناط المزعوم والتعليل المبني عليه قدسية الحكم المقاس عليه إلى الحكم المقيس المستنبط: نقل القدسية من النص إلى المقيس عليه من لوازم القياس الفقهي بل هي علة وجوده. فحل القياس الفقهي الذي ينقل صفات المقيس عليه إلى المقيس هو الذي يعلل استحواذ الفقهاء على سلطة التشريع في مجالات القيم كلها ومن ثم يجمد الحياة الحقوقية للأمة في منافاة واضحة مع مبادئ القرآن ووصية الرسول المضاعفة: الأمة أدرى بأمور دنياها والأمة معصومة في إجماعها الناتج عن تقدم الخبرة لا القياس الفقهي (كما هو بين من مسألة تذكير النخيل).

واذا ما وجد تماثل بين الحلول التي يصل إليها العقل الإنساني في علاج قضايا العمران البشري فإن ذلك لا يعني أن التشابه بين الأنظمة علته الاستعارة المحتاجة إلى التبرير الفقهي بل الأصل هو الكلي العمراني المشترك بين الحضارات البشرية بشرط أن يكون ثمرة للإبداع وليس نتيجة للاتباع. فمن دون الكلي المشترك لن تشترك الحضارات حتى في مسمى العمران البشري: لكن إبداع الكلي إبداعا حيا هو شرط الوصف لان مجرد الاشتراك في الصفات ليس كليا إذا كان مجرد نسخ لتجربة جزئية اعتبرت كلية بحجة نجاح أصحابها في فرضها على غيرهم. لا بد من تناسق الكلي مع بقية مقومات الرحم الحضاري الذي أبدعه بل إن هذا التناسق هو العلامة التي لا تكذب على طابعه الإبداعي.فالاتباع يجعل الحلول لقيطة كما هو شأن العاريات كلها.

عندئذ كان الأمر سيختلف. سيتعلم الجميع ويعمل في نظام متحرر من العلل التي يتصورها الفقهاء عللا لمنع الاختلاط تأولا ليس له أساس في النصوص خاصة إذا حررنا الثقافة التربوية من الحكم المسبق الذي يعتبر المساواة بين الجنسين في المنزلة  (حكم جل الغربيين المسبق) تقتضي التماثل الوظيفي بينهما ومن الحكم المسبق المقابل الذي يعتبر عدم التماثل الوظيفي بين الجنسين مقتضيا عدم المساواة في المنزلة بينهما (حكم جل المسلمين المسبق). فليس كل اختلاط مشبوه حتى مع غير المحارم لأن الاختلاط المنهي عنه هو الاختلاء مع سوء القول.

أما الاختلاط العلني مع التربية القويمة وبعد التحرر من هذين الحكمين المسبقين وتحقيق الحروز الاجتماعية الواجبة فإنه بمنأى عن جل العلل إن لم يلغها كلها فضلا عن كون ما ينجر عن عدم الاختلاط من الامراض الخلقية والاجتماعية ضرره أكبر بما لا يقاس من أمراض الاختلاط حتى من دون هذه الحروز. فكل الامراض التي يتهم بها المجتمع الغربي موجودة عندنا بنفس القدر إن لم يكن أكثر والفرق الوحيد هو العلن عندهم والسر عندنا مع أضعاف أضعاف ما ليس عندهم. وأدهى هذه الادواء داءان من ينكرهما لم يلحظ حياة مجتمعه العاطفية: 1- انقلاب الجنس هوسا مرضيا وعصابا جماعيا 2- وانقلاب الجنس المكبوت إلى وهم قوة العربي الجنسية الخارقة التي يدل الواقع على عكسها تماما.

وفي كل الأحوال فإن الموقف الرافض للأخذ بالبتر يبرز الثغرات التي تفغر أفواهها فتلزم ابداع البدائل إذا تحرر الفكر المتسائل فيعيد العزم المتفائل إلى الموقف الفاعل. وإبداع البدائل ينبغي أن يكون موجبا أي مبدعا لمؤسسات لها نفس الفاعلية أو اكثر من دون الدواعي التي  تجعلنا نرفض الأخذ جملة وتفصيلا. فالقرآن إذا كنا حقا نؤمن به ونصدق بما يخبر به يتضمن مبادئ كل ما يحتاج إليه العمران السوي بشرط أن يكون أهله مبدعين بعقولهم للمؤسسات التي تقتضيها أحكامه. فيمكن تصور نظام اقتصادي أكثر نجاعة من النظام الرأسمالي من دون الأخذ الانتخابي المشوه له بالتحكم أو بالسلب حتى وإن بدا بين النظامين أوجه شبه. والإبداع لا يكون بالتوفيق الباتر مع الإسلام ولا بالتلفيق الفاتر مع الأحكام. فالآخذ والمأخوذ كلاهما يصبح عندئذ فاقدا سر قوته فلا يحل المشكل المعروض للعلاج إلا بالماكياج. والنظام الاقتصادي الإسلامي قابل للتصور ويمكن اعتبار محاولة ابن خلدون في المضمار أول عملية نسقية لصياغة هذا النظام. ولنا عودة إن شاء الله للكلام في الأنظمة الأربعة التي أشرنا إلينا لأن ذلك هو فروع الموضوع الرئيس قصدت النظام الفلسفي الوجودي الذي يمكن استخراجه من التفسير الفلسفي الذي نسعى إليه.

ولنختم أمثلتنا بأكثرها فصاحة فنشير إلى الأخذ من السنة اليونانية اللاتينية قصدت مثال رسائل إخوان الصفاء وسيطا ومن جنسها الأدبيات الماركسية حديثا: جمعت بين شطحات الصوفية وتحيلات الباطنية وسحريات الهرمسية في ثرثرات يتصورونها فلسفية لتحقيق مشروع يصفونه بالسياسة النورانية. لذلك فهي لم تبق من نظام الفكر الطبيعي إلا نتائجه دون منهجه وشرطه قصدت سلطان العقل المطلق ورفض أي دليل آخر غير الدليل المنطقي الصارم اللذين عوضهما التعليم والعلم اللدني بحيث إن أكثر العلوم اعتمادا على الدليل العقلي بات سلة مهملات لنتائج ميته تعرض على المريدين ليحفظوها تعاليم مقدسة دون دليل: الرياضيات والمنطق. وأفضل الامثلة فصاحة عن نوع الاخذ من السنة اليهودية المسيحية مثال التفسير بالأثر: فهو لم يبق من نظام الفكر المنزل إلا نتائجة دون منهجه وشرطه قصدت علم الكهنوت المختص والمؤسسة الوصية الموروث عن مؤسسة الكتبة الفرعونية والبابلية. ولما كان سلطان العقل المطلق واستثناء كل الأدلة عدى العقل أولا والكهنوت وسلطان المؤسسة الوصية ثانيا بيني التقابل مع الإسلام فإن ما بقى هو ما أسلفنا فكان ذلك داء دويا لانعدام ما كان يمكن أن يعصم منه بعض العصمة.

والنتيجة تبعثر الوجود الرمزي والثقافي إلى حد أضفى الكثير من الفوضى على روح فكر الإسلام. فتاريخ فكره حرب أهلية دائمة بين العقل ممثلا للسنن اليونانية اللاتينية والنقل ممثلا للسنن اليهودية المسيحية في حين أن الإسلام لا يقول بهذين الأمرين بل هو يقول بالفطرة التي تتعالى عليهما معا في طلب الحقيقة بالطرق التي سنرى والتي هي مبدأ متعال عن هذا التقابل يدركه ما به يدرك صحيح المنقول وصريح المعقول: أي النقد التاريخي والنقد المنطقي اللذين هما أداتا النقد القرآني الصريح الذي لم يغفل عنه إلا من فقد البصيرة. والحمد لله فقد تحقق الوعي بهذا المبدأ المتعالي على العقل والنقل في محاولتي ابن تيمية الذي أسس فكره على النقد المنطقي وابن خلدون الذي أسس فكره على النقد التاريخي.

لكن ما حصل بالنسبة إلى الخروج من مأزق التربية والثقافة لم يحصل نظيره بالنسبة إلى مأزق السياسة والاقتصاد رغم التناظر بين الأخذدين وصفاتهما المميزة ورغم كون محاولتي فيلسوفينا هدفها كان اصلاح هاتين المؤسستين. فأكثر الأمثلة فصاحة عن نوع الأخذ المبتور من السنة البيزنطية مثال الدولة الأموية مع ترك ازدواج السلطان الملطف. فالخليفة أصبح يعد ظل الله الذي يجمع صفة الإمبراطور وصفة البابا في آن. وأكثر الأمثلة فصاحة عن نوع الأخذ المبتور من السنة الفارسية مثال الدولة العباسية مع ترك نظام أمير الأمراء الملطف والمبقى على الوحدة. فكان مآل الأولى إفساد الخلافة التي أصبحت حقا إلهيا (رئاسة الأمة) والحكم الذي أصبح ملكا عضوضا (رئاسة الدولة). وكان مآل الثانية تفكك دار الإسلام. فكل أمير يشعر بما يكفي من القوة يتحول إلى سلطان يستقل بقطعة من دار الإسلام ويحالف أعداءها من الأجوار ليحارب البقية عله يفوز بحماية الخلافة المنهارة مرحلة للاستحواذ عليها بعد أن ألغى الفقهاء شرط القرشية بزعم مقصد الشوكة.

وهكذا بات وجود الأمة المادي والسياسي والثقافي والتربوي في فوضى معطلة لكل قدرات الفعل والإبداع. وكان يمكن ان يتحقق التجاوز لو أن المحاولتين التيمية والخلدونية لم تبقيا مجرد مشروع فكري بل تحولتا إلى مشروع إصلاحي حضاري مشروط بالانتقال من عملهما السلبي (النقد) إلى تحديد البدائل التي تعوض ما نقداه تعويضا موجبا. وذلك هو هدفنا من هذه المحاولة للخروج من الأزمة في شكلها الحديث: أزمة الصراع بين العقل والنقل التي عادت لتعيد الأمة إلى نفس الحرب الاهلية فتحول دونها وتحقيق شروط الوحدة الفكرية والسياسية.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام