



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس 25
المعاني القرآنية المتعلقة بالفهم والاستفهام
نورد هذه المفهومات تباعا مقتصرين على حصر الآيات المتعلقة بها لاستقراء الحد المناسب لها على مثال ما فعلنا في مقال مفهوم الفقه ووظيفة الفقهاء[1] دون أن نورد الأيات في المتن بل نكتفي بالاحالة الاحصائية عليها في الهوامش دون تحليل عميق لأن ذلك يخرجنا عن الغرض المنهجي للبحث أولا ولانه سيكون ثانيا أحد عناصر التفسير التي نسعى حاليا إلى تحقيق ما هو في مستطاع الباحث من شروط التفسير الفلسفي بالمعنى الذي نحدده في هذا العمل.
أولا: العمليات الاسترقامية للرموز والظاهرات :
1 التفسير[2] 2-التأويل[3] 3- التعبير[4] 4- التفهيم[5].
ثانيا: العمليات الفكرية التي غايتها أولا:
5-التدبر[6] 6- التذكر[7] 7- التفكر[8] 8 - الفقه[9]
ثالثا: أدوات الادراك الجامعة بين ثانيا وثالثا
9- البصر[10] 10- السمع[11] 11- اللب[12]: 12- الفؤاد[13]
رابعا: الملكات التي تجمع بين ثالثا وثانيا وأولا:
13- الحس[14] 14- العقل[15] 15- الادراك[16] 16- الحكم[17]
خامسا: الحصيلة الجامعة بين كل العناصر السابقة
17- العلم[18] 18- المعرفة[19] 19- الشهادة[20] 20- القص[21]
وتقبل هذه المفهومات التصنيف بالصورة التالية:
1- النوع الأول يخص الظاهرات الرمزية:
فمنها أربعة تستعمل لفهم وسائط التواصل الرمزية: اثنان يخصان الحقائق الدينية في صياغتها النصية هما التفسير والسمع (بمعنييه: مجرد الادراك الحسي بالسمع ثم الطاعة) واثنان يخصان الاحلام كما ترد في الاحاديث (سورة يوسف) والافعال غير المفهومة (قصة موسى مع العبد الصالح) هما التأويل والتعبير مع امكان تعميم هذين على موضوع ذينك تعميما مكروها في السنن الاسلامية.
فتأويل القرآن يعد ظاهرة بدعية لعلتين:
1- أولا لانه يفترض عدم البيان في القرآن ما يحوج إلى التأويل كما هو شأن الاحلام والافعال ذات القصد المجهول: فكلاهما مبني على ترجمة في أحاديث تحتاج إلى تأويل بخلاف القرآن الذي هو بيان للعالمين ومن ثم فهو محكم شكلا وليس بأحاديث ولا ينقسم إلى محكم ومتشابه إلا مضمونيا.
2- وثانيا لانه يفترض العلم بالمقاصد الغيبية في المتشابه المضموني الذي لا يعلم تأويله إلا الله فضلا عن كون التأويل في دلالته المتعلقة بالمقاصد الغيبية يعني تحقيق المعاني الواردة في النص في أعيان الوجود الدنيوي أو الاخروي وهو أمر ليس بيد أحد غير الله نفسه.
ليست هذه المقابلة بين المتشابهين والمحكمين من صنيعنا. فالقرآن هو نفسه الذي ميز بين هذين المستويين. فالقرآن كله محكم شكلا كما يتضح من الكثير من الآيات القرآنية النافية للاختلاف فيه ولعل أبرزها دلالة آية هود الأولى:" ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير". والدليل أن آية النساء الثانية والثمانين:" ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" تتعلق بالشكل هو امتناع أن يكون نفيا لوجود الاختلاف عامة. فلو صح ذلك على المضمون لما بقي معنى للتشابه. لذلك فالقرآن ينقسم مضمونيا إلى محكم ومتشابه.
فما هو المقصود بالإحكام الشكلي وفيمَ الحاجة إلى التفسير إذا كان القرآن محكما شكلا؟ نفي التشابه الشكلي واثباته المضموني هما اللذان يساعدان على حل هذه المسألة. فنفيه الشكلي مطابق للمقصود من الرسالة من حيث هي رسالة: اذ تلك هي وظيفة البيان التي لو علمها دجالوا الفكر العربي لما وضعوه دون البرهان مقدمين أدنى الادوات على أسمى الغايات. وليس لطبيعة المتراسلين من دور في ذلك إلا بما يكفي لتحقيق شروط التراسل بنوعيها الخاصة بالوسيط الرمزي (إذا كان التراسل بوساطة والمفروض ألا يوجد إلا هذا النوع بين كائنين منفصلين في الوجود الفعلي لأن الوساطة أو قناة التواصل هي الوصل بين الموجودين المنفصلين ) والخاصة بالكتابة والقراءة أو ببث الرسالة صوغا وبتلقيها فهما. فلا معنى لرسالة تكون بشكلها حائلة دون تبليغ ما تريد تبليغه لمن يعلم اللغة المعبر بها ويعلم شروط التواصل بين الكائنات العاقلة وكيفياته.
وهذا لا ينافي وجود التشابه المضموني بل هو يكون أبلغ ما يكون إذا استطاع أن يبلغ تشابه المضمون بعدم تشابه الشكل في افادة هذا التشابه: إي إن الهدف هو جعل المرسل إليه يدرك أن بعض المضمونات ليست في متناول فهمه وذلك هو بالذات المقصود بالغيب. لو كان شكل القرآن متشابها لصار رسالة مرقمة تحتاج إلى استرقام خاص غير نظام اللغة التي كتب بها كما هي الحال في كل الرسائل المرقمة فلا يكون بيانا للناس بل أداة لتقسيمهم إلى خاصة وعامة: وهذا هو زعم كل الفرق الغالية التي تذهب المذهب الباطني فتعتبر كل القرآن متشابها وتزعم أن الراسخين في العلم قادرون على تأويله فيقرأون الآية السابعة من آل عمران قراءة لا يمكن أن يجيزها النحو العربي مهما تعسفنا على المنطق.
وذلك ما ينفيه نفي التشابه الشكلي. فالقرآن يفهم بقواعد اللغة العربية وبقوانين الفهم الانساني إذا أدركنا أن الوظيفة الإفادية لمدلولات الدوال اللسانية (المعنى) إلى المدلولات المتعالية عليها (معنى المعنى) هي عينها نسبة الوظيفة الافادية التي للمعاني العقلية المستقرأة من المدارك الحسية إلى الحقائق الوجودية ذات القيام المفارق لمداركنا ومن ثم فهي متعالية على مداركنا مهما بلغت من النفاذ والنفوذ إلا عند من يقول بالانطوائية Solipsismus التي تحصر الوجود في الادراك. لكن الرسالة المحكمة شكلا تبلغ أمرين مضمونا:
الأول مضمون محكم وهو أم الكتاب ويتعلق بأحكام التعامل بالقيم الخمس وأخلاقه .
والثاني مضمون متشابه ويتعلق ببعد الغيب من حقائق المخلوقات والخالق.
ولا يتحول النظر إلى تأويل تصدر عنه الفتنة إلا إذا جعلنا فهمنا للمتشابه نفيا للغيب فاعتبرناه علما مطلقا ونهائيا وليس اجتهادا. ذلك أن هذا الاعتبار ينقل فهمنا للمتشابه المضموني إلى منزلة الإحكام فينفي عنه البعد الغيبي بزعم انتسابنا إلى الخاصة العقلية أو الذوقية مرجعا الوجود كله الى الشاهد ارجاع اصحاب الموقف الانطوائي الوجود الخارجي إلى المدركات الذهنية: وذلمك هو الموقف الميتافيزيقي قديما ووسيطا والموقف الوضعي حديثا. لذلك فعندي أن القرآن محكم كله شكلا وأن المحكم المضموني الوحيد فيه هو آيات الأحكام العملية في التعامل والتعبد وآيات الشروط المنهجية والخلقية للعلم والعمل وأخلاقهما ويجمع بينها أربعتها مدلول أم الكتاب. وكل ما عدى ذلك متشابه مضمونيا وهو يصبح معين التأويل المنهي إذا نفي صاحبه علم الغيب فادعى تجاوز علم المخلوقات إلى علم الخالق بمجرد الرجم بمعرفة الذات الالهية وعلاقتها بمخلوقاتها خلقا وأمرا معرفة مطلقة ونهائية تؤدي إلى الحرب على الاخرين ما يقتضي نفي كل القيم التي بنى عليها الاسلام التسامح الديني ثمرة لنفي الاكراه فيه خبرا وانشاء.
فينبغي أن نفهم الآن المقصود بالإحكام الشكلي وقابليته للفصل عن التشابه المضموني إذا سلمنا بحقيقة تعالي المعاني وتداني محاولات التعبير الإنساني عنها مهما ارتفعت وبتساوي الألسن البشرية في أداء ما يمثل الاشرئباب إلى المتعالي دون البلوغ إليه. فالإحكام الشكلي المتعلق بالمحكم المضموني ليس فيه مشكل. إذ إنه من أيسر الأمور. فمن أيسر الأمور أن يكون كلامنا في المحكمات المضمونية التي تتعلق بالأنواع الأربعة التي جنسها أم الكتاب محكما شكليا بمعنى قادرا على التبليغ دون ابهام. المشكل هو في الأحكام الشكلي للمتشابه المضموني الذي هو التعالي المضاعف أو الغيب.
وقد عالج ابن خلدون المسألة دون صياغتها الفنية التي نقدم هنا عند كلامة عن لغة التصوف والعجز عن التعبير البين عن التجارب الوجدانية في كتاب شفاء السائل حاصرا هذه القدرة في الأنبياء بتأييد إلهي فقال:" واعلم أن الخوض في هذا الفن من الأقوال محظور من وجوه:
1- أولها أن العبارة عن تلك المدارك والمعاني المنكشفة من عالم الملكوت متعذرة لا بل مفقودة لأن الفاظ التخاطب في كل لغة من اللغات إنما وضعت لمعان متعارفة من محسوس ومتخيل ومعقول تعرفة الكافة إذ اللغات تواضع واصطلاح فلا توضع إلا للمعروف المتعاهد. فأما ما ينفرد بإدراكه الواحد في الأعصار والأجيال فلم توضع له ولا يصح أيضا التجوز بهذه الألفاظ على طريق المجاز إذ التجوز إنما يكون بعد مراعاة معنى مشترك أو نسبة. ولا نسبة بوجه بين عالم الملكوت وعالم الملك ولا بين عالم الغيب وعالم الشهادة فإذن العبارة عن أحوال عامل الملكوت متعذرة أو مفقودة. فكيف يتكلم بما لا يفهم فضلا عن أن يودع الكتب وإن صاروا إلى ضرب الأمثال والقنوع بالإجمال فسبيل مبهم,
2- وثانيها أن الأنبياء صلوات الله عليهم هم أهل المكاشفة والمشاهدة بالأصل إذ هي لهم جبلة وطبيعة واللمحة التي تحصل لغيرهم من ولي أو صديق بتكلف أو اكتساب. واطلاع النبي على أحوال الملكوت أكمل من اطلاع العارف والولي بل لا نسبة بينهما وهم قادرون على التعبير عن ذلك بإمداد الله إياهم بنوره, ومع ذلك فلم ينقل ذلك. وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الروح فقال: " قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا "[22]
وينبغي أن نشرح أمرين في غاية الأهمية حتى ندرك أعماق هذا النص الخلدوني:
الأول يتعلق بنسبة ابن خلدون الآية إلى النبي وليس إلى الله مبرهنا بذلك على نفي قدرة الأنبياء على قول ما تحاول الشطحات الصوفية قوله من تجارب وجدانية حول الغيب.
والثاني يتعلق بأصل أحكام الشكل الذي يعلله ابن خلدون في هذا النص بمقارنة هذا السلوك النبوي التعبيري بشطحات الصوفية.
فهل تعني نسبة ابن خلدون الآية إلى الرسول أنه ينسب تأليفه إلى محمد بالمعنى الذي يقول به أصحاب القراءات الحديثة المزعومة أعني بما يتصورونه لازما عن هذا القول من نفي كون الوحي وحيا[23] ؟ وهذه المسألة تذكرني بحوار دار بيني وبين أحد الحاقدين من رجال الدين المسيحي في مصر على مسلمي بلاده إلى حد لا يتصوره عقل. قال لي سعيا إلى إفحامي: إن القرآن لا يمكن أن يكون كلام الله بل هو كلام محمد مع التسليم الجدلي بأن المضمون يمكن ان يكون معاني إلهية. فسألته سؤالين بأسلوب الإفحام كما هو شأن الجدل الكلامي مع من لا يطلب الحقيقة في سعيه إلى إثبات معتقده ودحض معتقد المحاور: الأول هل يعتقد أن الطبيعة لم يخلق الله إلا مثلها وترك لغيره خلق تعيناتها الفعلية في الكون؟ وهل يعتقد أن المسيح عليه السلام من حيث هو لحم ودم من خلق الله أم إن فكرته وحدها من خلق الله ووجوده العضوي من أم زانية (حاشاها)[24] ؟
فليس يوجد أدنى مانع عقلي إذا تصورنا الله قادرا على الكلام بكل لغات العالم عند التسليم بأنه عالم بكل أحداثه ومن ثم فهو يخاطب كل نبي بلسان قومه إما مباشرة أو بواسطة ملك. نفي تلك الحقيقة يشترط نفي هذه الحقيقة. لكن التسليم بهذه لا يقتضي ضرورة التسليم بتلك كما هو معلوم في الشرطية المتصلة ونقيضتها. لذلك فلا بد من إثبات التعاكس لننتقل من مجرد اللزوم بين المقدم والتالي إلى التلازم بينهما في حالة القرآن. وعلينا عندئد أن نفهم القصد من نسبة ابن خلدون الآية إلى محمد. فهو بذلك لا ينفي كونها قرآنا من عند الله بل هو يعني أن الله سدد محمدا ليصوغها بأحكام حول واحدة من متشابهات الوجود التي بينها إليه القرآن الكريم. فيكون كلام الله على لسان النبي من جنس "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". هذا هو قصد ابن خلدون والله أعلم.
أما المسألة الثانية وهي قصدنا في هذا البحث فحلها أصبح بينا: الإحكام الشكلي في التعبير عن المتشابه المضموني من خصائص الأنبياء المؤيدين من الله وهي من علاماتهم التي لا تكذب إيجابا وشطحات الصوفية من المؤيدات السلبية لهذا التوفيق الإلهي. وهذا هو قصد ابن خلدون من المقارنة. وذلك هو القصد الأساسي بالإعجاز القرآني: التعبير المحكم على المضمون المتشابه[25]. ومعنى ذلك أن كل من يزعم حل مغلقات الوجود ونفي الغيب متنبي كذاب سواء ادعى ذلك عن طريق الوحي أو عن طريق العقل. وكلا الادعائين ولد نخبة تتلكم باسمه. فالعلمانية تزعم علم الحق المطلق عقلا فتؤسس عليه الاستبداد الفكري المزعوم فلسفيا والحكم العسكري السائدين على مقاليد الحكم في الوطن العربي الحالي. وتلك هي ثمرة التنبؤ العقلي الكاذب.
والأصلانية تزعم فياسها على الوحي وحيا فيصبح لها القدرة على علم الحق المطلق لتؤسس عليه الاستبداد الفكري المزعوم دينيا والمعارضة المعسكرة السائدين على مقاليد المعارضة فيه . وتلك هي ثمرة وهم الوحي الكاذب (في نظريات التصوف المغالي والباطنية فالأولى تزعم القطب والثانية تزعم الامام فوق النبي) أو ثمرة تحريف الوحي الصادق بنقل قدسية المقيس عليه إلى المقيس (في الأصوليات السنية). والأمة الإسلامية لسوء الحظ تعاني حاليا من هذه المواقف وثمرتها المرة الأكثر كذبا وادعاء قصدت استبداد النخبتين العلمانية والأصلانية المعاصرتين.
[1] مقال مفهوم الفقه ووظيفة الفقهاء نشر في الكتاب الجماعي الذي اعد بمناسبة بلوغ الشيخ البوطي الستين من عمره. نشر دار الفكر دمشق بيروت 2000.
[2] وردت فسر ومشتقاتها مرة واحدة في العلاقة بين الامثال التعبير الأتم عن الحق.
[3] وردت أول ومشتقاتها سبع عشرة مرة أغلبها في علاقة فهم الاحلام والرؤى.
[4] وردت عبر ومشتقاتها تسع مرات وقد استعملت جلها في علاقة الفهم بالاحلام والرؤى.
[5] وردت فهم ومشتقاتها مرة واحدة. وقد استعملت لافادة معنى الحكم المدرك لعلاقة الوضعيات الفعلية في نوازل الخلاف القضائي.
[6] وردت دبر ومشتقاتها 44 مرة. وإذا ما استثنينا بعض ما استعمل لوصف الهروب في الحرب فإن كل المشتقات تتعلق بالعودة على الامر بالفكر لتعميق الفهم.
[7] وردت ذكر و مشتقاتها 232 باعتبار دكر التي وردت في 7 حالات.
[8] وردت فكر ومشتقاتها 18 مرة كلها تتعلق باعتبار معاني الخلق (العالم والطبيعة ) والامر (التاريخ والشريعة ).
[9] وردت فقه و مشتقاتها 20 مرة.
[10] وردت بصر ومشتقاتها 148 مرة وأغلبها أميل إلى دلالة البصيرة لان المنفي المشار إليه بتعطل الحاسة لا يقصد به عدم الرؤية البصرية بل الروية البصيرية.
[11] وردت سمع و مشتقاتها 195 مرة وأغلبها تقبل نفس الملاحظة التي لاحظناها حول البصر رغم عدم وجود مصطلح السميعة نظيرا للبصيرة. لكن لها معنى الفهم كذلك ومعنى الطاعة.
[12] القلب ليس له دلالة معرفية نظرية إلا نادرا ولا يتعلق بالعقل في القرآن بل له دلالة نفسية خلقية ويتعلق بالارادة وتنقسم المشتقات إلى القلب بمعنى تغيير الوضع والقلب بمعنى الجارجة المدركة على النحو التالي: قلب الاولى وردت 36 مرة والثانية 132 مرة..
[13] الفؤاد وردت 16 مرة ولها دلالة معرفية لكأنه الحاسة السادسة أو أصل الحواس الخمس اصلها الذي تتحد فيه من حيث هي مدارك.
[14] مفهوم الحس من أعجب المفهومات في القرآن الكريم. فقد وردت مادة حسس ومشتقاتها في ست آيات هن: آل عمران 152 و 52
الانبياء 12 مريم 98 يوسف 87 الأنبياء 102. ومعناها في الآيتين الاولى والثانية هو الادراك. والمعنى في الآية الثالثة هو الشعور بتأثير البأس والمعنى في الآيتين الرابعة والخامسة هو الاستعلام. والمعنى في الآية الاخيرة هو معنى الصوت الذي تحدثه النار. وقد حاولنا في كتاب الشعر المطلق تحديد نظرية الادراك الحسي وأهميته في نظرية المعرفة التربية القرآنية وعلاقته بالقيم الخمسة وبالرسالات الدينية ومقومات العمران.
[15] وردت مشتقات عقل 49 مرة وتتعلق بالايات الكونية والامرية والنصية.
[16] وردت درك ومشتقاتها 17 مرة وتتعلق بمزاعم الدراية لانها في الاغلب تأتي في اسلوب السؤال الاستنكاري عن المزاعم حول حقائق الاشياء أو حول المفاجآت المستقبلية في ما يمكن ان ينتظره المرء دنيويا أو اخرويا. والدراية والخبرة ووردتا بمعنى العلم المحصل والمحقق. لذلك فالأولى ترد في الاغلب في شكل السؤال الاستنكاري لمن يدعي العلم بالغيب والثانية تصف العلم المحقق وتستعمل في وصف علم الله الأتم.
[17] وردت حكم ومشتقاتها 210 مرات وهي تتعلق بالحكمة والاحكام والحكم بمعنييه القضائي والتنزيلي في كل المجالات قصدت تنزيل المعاني على متعلقاتها المشار إليها في الوجود الخارجي.
[18] وردت علم ومشتقاتها 855 مرة وأغلبها حول صفة العلم الالهي وبصغة المبالغة كعلام وعليم مع معنيي العالم ( الكون ) والعالمين ( أي البشر سكان العالم)
[19] وردت عرف ومشتقاتها 71 وتجمع بين المعرفة والمعروف والاعتراف.
[20] وردت شهد ومشتقاتها 161 مرة ولها دلالة الشهود المقابل للغيب والشهود المقابل للنكران والشهادة في سبيل الله تضحية بالنفس.
[21] وردت قص ومشتقاتها 30 مرة وكلها تتعلق بالخبر التاريخي وما بعد التاريخي حول العمل.
[22] ابن خلدون شفاء السائل لتهذيب المسائل تحقيق ونشر محمد بن تاويت الطنجي استنبول 1958ص.55-56.
[23] وهذا الاقتضاء ليس واجبا ولا حتى مرجحا لعلتين. أولا لأن النبي لم يقل إن الوحي يأتيه في أشكاله الغالبة بصياغة لسانية بل الأغلب هو أصوات اجراس أو إن شئنا موسيقى متعالية من جنس ما أشرنا إليه عند كلامنا عن اللغة الكونية خاصة والقرآن الكريم يعتبر التعبير بالرمز كلاما: "... ألا تلكم الناس إلا رمزا". وثانيا لأن فعل الترجمة إن نسبناه إلى النبي فاعتبرناه قد قام بوظيفة الصياغة العربية للقرآن ليس بالضرورة أمرا تابعا للافعال الارادية المختارة فيعد من يصدر عليه القول مؤلفا له. فإذا كان الكثير من عباقرة الشعراء يزعمون أن أهم اعمالهم ليست من التأليف المتروي فأحرى بالوحي أن يكون من طبقة أرفع بما لا يتناسب مع هذا النوع من الابداع الذي ليس كله منهيا عنه في القرآن كما تبين سورة الشعراء التي شرحنا نظريتها الشعرية في مقال عولمة النخب. فيكون اكتشاف العبارة القرآنية من جنس أرقى من الحدوس التامة التي تأتي لكبار العلماء تامة الصياغة عندما يكتشفون عبارات علمية شبة مكتوبة وهي من التعقيد بحد لايقدره من يصح عليه الوصف بأصحاب عقول العصافير وأجسام البغال. يمكن إذن أن نتصور الرسول مترجم القرآن من اللسان الكوني الذي يخاطب به الانبياء مترجمه إلى اللسان العربي (وهو معنى أن كل قوم يرسل إليهم نبي بلسانهم ) دون أن يعني ذلك أنه مؤلفه. لكننا نهينا عن اعتقاد مثل هذا الاحتمال الممكن عقلا لما فيه من الشبهات نقلا فانتهينا عقدا دون أن نلغي النظرية عقلا. هذا وتوجد آيات كثيرة تفيد هذا المعنى مباشرة أو بصورة غير مباشرة. فمن الآيات التي تفيده بصورة غير مباشرة دحض نسبة القرآن إلى سلمان . ومن أوضح الآيات التي تفيده مباشرة: "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" ( مريم 97).
[24] حدث ذلك في نهاية السنة 2004 ببيت الزميل حسن حنفي خلال حفل عشاء تكرم بتنظيمة للمشاركين في ندوة الجمعية الفلسفية حول النقد في التراث العربي الإسلامي. لكني نسيت اسم المحاور فضلا عن كوني لا أريد أن اذكره بالمعنيين لأني أعجب من رجل دين مبدأ دينه الاول المعلن هو الحب لا يقطر لسانه إلا بالكراهية لكل ما هو مسلم !
[25] وهذا الفهم هو ما ذهب إليه السكاكي في مفاتيح العلوم تحقيق نعيم زرزور بيروت دار الكتب العلمية ط.2 سنة 1987 ص.591-592. وكل محاولات تأسيس نظرية الاعجاز من الرماني إلى الجرجاني مرورا بالباقلاني تدور حول هذه المعاني فتستند إلى حل معضلة التقابل بين احكام الشكل وتشابه المضمون للدلالة على تمكن القرآن من أساليب البيان المتعالي على طوق الانسان: لان المضمون غير المتشابه يمكن أن يساعد المعبر باحكامه في عملية التبليغ فيغني عن الاعجاز التعبيري بوجه الفصاحة علاقة بالرصيد اللساني وبوجه البلاغة علاقة بفراسة حال الخطاب لانتخاب مناسب الجواب. ويجمع بين الوجهين الاعجاز التعبيري الذي هو القدرة على الايصال التام لكأن التواصل بين حديه تام الشفافية.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام