



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس 26
وحاصل القول إن النص القرآني يكون في إحدى حالتين:
1- إما محكم المضمون غنيا عن التأويل فيكون فيه التفسير كافيا. والمقصود بالتفسير هنا تحليل الشكل الذي يمكن فيه استعمال كل أدوات الفهم دون استثناء لأن وظيفتها ليست تأويل المضمون الذي هو غني عن التأويل لاحكامه بل فك رموز الشكل المعبر عنه بحسب قوانين اللغة والبيان وقوانين التواصل بين الكائنات العاقلة.
2- أو متشابها يحرم تأويله فيقتصر فيه على نفس المعاني التي سبق ذكرها في تفسير المحكم من باب أولى لان المتشابه منهي عن تأويله نهيا لا يستثني اقتضاء شكله نفس الحاجة إلى التفسير وفك رموزه بحسب قوانين اللغة والبيان والتواصل بين الكائنات العاقلة مع الإحجام عن تفضيل احد احتمالات الفهم للمعنى المتشابه على الاحتمالات الأخرى لئلا يتحول الاجتهاد إلى ادعاء العلم المطلق.
فيكون التفسير الذي أجمع عليه علماء الشرع شاملا لكلا النوعين. وقد أتى مفهوم التفسير في القرآن في آية واحدة هي الآية 33 من سورة الفرقان: "ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا" متعلقا بأهم أساليب التعبير القرآني قصدت الامثال التي قوبلت في الآية بالحق والتفسير الأحسن. ومن ثم فالتفسير لا يعني مجرد الشرح اللفظي بل هو بيان الحق وراء الامثال وتفسيرها أحسن تفسير بايضاح معناها من خلال الحق والتفسير الأحسن في القرآن نفسه.
2- بقية المفردات تشمل تصوراتها كل الظاهرات الكونية والشرعية:
لكنها لا تشملها بنفس الكيفية بل هي تشملها على أوجه خمسة: 1- شمول طبيعة الادراك 2- وشمول منهج الادراك 3- وشمول أحكام المنهج السديد 4- وشمول احكام المنهج غير السديد 5- وشمول أحكام كل أحكام الشمول أو نظرية الاجتهاد والجهاد القرآنية علما وعملا.
1- فبعضها الأول يتعلق بطبيعة الادراك (العقل والفقه ).
فالعقل يعني فهم الكلام سواء كان نصا أو قولا. والفقه يشمل وظائف العقل مع فهم كل الظاهرات الاخرى أو بصورة أدق كل الآيات الكونية فضلا عن الآيات الشرعية التي هي نصية في مستويين: في مستوى الرسالة المباشرة وفي مستوى قص الرسالة للرسالات السابقة لتكون مادة لاعتبار الايات الامرية الواحدة في كل الرسالات على الاقل من حيث العقد في المبادئ الاساسية للدين المطلق أو الاسلام الذي لا يخلو منه دين طبيعيا كان أو منزلا إذ هو مقصود الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وبهذا المعنى فالمقصود بالعقل المتعلق بالآيات الامرية نصا مكتوبا أو قولا منطوقا ليس خصوصيات ثقافة بعينها بل ما تشير إليه الرموز اللسانية من متعاليات قابلة للقول بكل اللغات ومن ثم فتعينها في لغة بعينها لا يحصرها في خصوصيات ثقافة تلك اللغة.
فتكون اللغة في أدائها للمعاني الامرية من جنس اللغة العلمية في أدائها للمعاني القانونية العلمية: ليس للرموز المعبرة عن القانون من حيث دوالها من فائدة عدا الاحالة إلى العلاقات القانونية التي هي كونية أو ساعية إلى الكونية. وإذا كان اثبات ذلك بالنسبة إلى الرسالة المباشرة قد يبدو قابلا للنقاش فإن اثباته بالنسبة إلى قص التجارب الرسالية السابقة في القرآن من أكبر الادلة على صحة ما نشير إليه: الآيات الامرية كونية ولذلك فالمخاطب بها هو الانسان من حيث هو إنسان بل إن القرآن يخاطب كل الكائنات وليس الانسان وحده. وهي تفهمه لانه قابل للترجمة إلى كل منطق أي كل واسطة تعبير وتواصل ( مثاله منطق الطير في القرآن وفهم النمل للكلام الخ...)[1].
وقد يشكك البعض في هذه الدعوى بحجة أن اللغات تواضعية فكيف يمكن أن تكون قابلة للفهم من قبل من لا ينتسب إلى الجماعة المتواضعة؟ وطبعا فهذا الاعتراض الذي يبدو وجيها يكذبه التاريخ عند حصر الكلام في الجماعات المشتركة في النوع رغم عدم الاشتراك في التواضع بدليلين هما قدرتنا على فهم اللغات الميتة وقدرتنا على استرقام الرسائل المرقمة. لكن المشكل هو في الجماعات التي لا تشترك في النوع. وهذا أيضا يمكن دحضه بحجتين علميتين. فنحن بتنا قادرين على فهم أنظمة تواصل الكثير من الحيوانات غير البشرية ثم إن اكتشافنا قوانين الظاهرات الطبيعية لا يختلف في شيء عن فهم وسائل التواصل بين الكائنات المتواصلة بأدوات رمزية. فالظاهرات الطبيعية والعضوية على وجه الخصوص تتوصل بتبادل الاشارات والمعلومات واستعمال وسائط تواصل لعل أهمها في العضويات لغة الوراثة. ونحن نتواصل معها ذوقيا (جمالها وقبحها) ورزقيا (منها نقتات) ونظرا (نستقرئها لنحدد مجاري عاداتها) وعمليا (نسوسها) ووجوديا (نعتبرها آيات دالة على مدلولات بعدها).
لذلك فلا مانع عقلا من تصور القرآن متضمنا رموزا وإشارات تخاطب غيرنا لا نفقهها وراء ما قصد به خطابنا من حيث نحن بشر وهي موجهة للمخاطبين الآخرين بمنطقهم الذي هو من جنس منطق الطير ومنطق النمل أو منطق الجن وراء منطق الإنس الخ...وفي كل الأحوال فهذه مسألة إيمانية يكفي فيها ألا تكون ممتنعة عقلا حتى تصبح مرجحة وجودا على الاقل بالنسبة إلى المؤمنين بها. ولما كان جل الموجود ليس حقيقة إلا بقدر إيماننا بكونه حقيقة بات وجود العالم نفسه قضية إيمانية: أومن بأن العالم المادي موجود لكني لا أملك عليه دليلا عقليا أقوى من الأدلة التي نستعملها لإثبات وجود الله مثلا.
وتلك كانت الفكرة الرئيسية في مشروع ديكارت كله إذا صدقنا ما قاله هو نفسه للكردينال ده برول. إثبات وجود الله أكثر قابلية للتحقيق عقلا من اثبات وجود العالم رغم ما يشبه الضرورة الحسية في القول بوجود العالم. لكن الموسوس يؤمن بأن وساوسه أكثر حقيقة من العالم الحسي. وحتى حجة المقابلة بين الاثر الفعلي للوجود المادي وعدم الاثر للوجود الوهمي فهي حجة واهية. فالحالم يحتلم فعلا والموسوس يرى فعلا ما نعتبره نحن وهما ويتكلم مع من يراه بل ويعيش حياة كاملة مع أبطال هذيانه (من منظورنا). فمن يدرينا فلعل كل العالم الحسي هذيان جماعي نتصوره حقيقة وهو دون الأحلام لأننا قد نكتشف أنه لم يكن إلا كابوسا !
2- وبعضها الثاني يتعلق بطريقته (التدبر والتفكر).
التدبر والتفكر يتعلقان بطريقة الفهم والفقه ويشملان كل الآيات الكونية والامرية. والقرآن لم يستعمل الفهم إلا مرة واحدة لفهم وقائع عينية في حين أن الفقة ومشتقاته وردت عشرين مرة مع الجمع الصريح بين فهم النصوص وفهم الوقائع بصورة عامة شرطا في السلوك الانساني أو بهدف العلم الديني.
3- والبعض الثالث يتعلق بأدواته الخاضعة لطريقته: (السمع والبصر)
والسمع والبصر يؤخذان في معناهما البسيط من حيث هما ادراك حسي. لكن المعنى المؤكد عليه في القرآن هو ما يناسبهما من فهم ناتج عن التدبر والتفكر كما في البصيرة (وقياسا عليها السميعة). ويأتي هذا خلال الدعوة إليهما أو خلال التأسي بمن أحسن استعمالهما من الانبياء والعباد الصالحين أو خلالهما معا لأن الثاني هو أفضل ادوات الدعوة إلى الاول.
4- والبعض الرابع عكسها أي استعمال الادوات من دون الطريقة وما ينتج عن ذلك من ضلال:
ويأتي هذا في نفس الظرف السابق للحالة الثالثة ملازما له تنبيها لسوء الاستعمال ودعوة مضاعفة لحسن الاستعمال من أجل هدف الدعوة الأبعد توجيها للبشر إلى شروط حسن المآل في الدنيا والاخرة: منهج العلم الاجتهادي بطريقة التواصي بالحق ومنهج العمل الجهادي بطريقة التواصي بالصبر.
5- ونظرية وحدة الكل من المنظور الاسلامي: نظرية المعرفة-التربية الشاملة
وهذه الوحدة هي نظرية المعرفة الاجتهادية (التواصي بالحق) ببعديها الفاعل والمنفعل ونظرية العمل الجهادية (التواصي بالصبر) ببعديها الفاعل والمنفعل وباتحاد هذه الابعاد الاربعة في أصلها جميعا أعني تدبر القرآن الكريم. فلنشرح ذلك شرحا نرجو من الله أن يكون محكما من حيث الشكل إن شاء الله. فليست نظرية المعرفة في هذا المنظور تعني ما يمكن أن يفهم عند الكلام عن الابستمولوجيا سواء اخذناها بالمعنى الضيق (نظرية العلم) أو بالمعنى الواسع (نظرية المعرفة).
إنما المقصود ظاهرة معقدة تجعل الوجود الانساني من حيث هو وجود إنساني ذا مدد يعطيه سلطانا علميا وسلطانا عمليا مجردين ومطبقين في الكون (هما عين الاستخلاف بحسب التأويل الخلدوني)[2] بفعلين معقدين لا يقتصران على النظر والعمل من حيث هما جزءان من مؤسسات الجهاز العمراني بل هما عين أحكام عمل الجهاز العمراني نفسه بكل أبعاد هذا العمل في مجالات القيم الخمسة التي هي طبيعة تعلق الوجود الإنساني بالكون وما بعده خلقا وأمرا والتي تخضع إلى متعاليات هي سر كونها دائمة التحريك للانسان من أجل السمو إلى ما يحول دونه والاخلاد إلى الارض.
ولا بد الآن من حسم أمر يتفاقه فيه البعض بغير علم. فالمقابلة بين التعالي بمعنى القبلي في المعرفة والتعالي بمعنى عدم استنفاذ الادراك لموضوعه يظنهما البعض أمرين مختلفين وأصيلين غير تابعين لمعنى متقدم عليهما. وقد وصلت هذه المزاعم إلى حد التفاقه في الاصطلاح والزعم أن ترجمة المفهوم الكنطي بالتعالي (التعالي بمعنى القبلي) فيها مشكل ما يقتضي تعريب ترنسندتالي. وسنكتفي بالاشارة السريعة إلى علاقة مفهوم التعالي بمفهوم الغيب الجامع بين المعنيين لنمر إلى ما هو أهم في تحديد علاقة ما وصفنا من تطور ذاتي لفكرنا بما يجري حاليا في ذروة الفكر الغربي.
فالمتعاليات في المعنى القديم والوسيط المشترك بين السنتين الفلسفية الدينية عند جميع الشعوب المتحضرة عندئذ (وأهمها البيزنطيون والمسملون قبل أن يلحق بهم اللاتينيون) تتعلق بمعان ثلاثة متعاكسة هي الوجود والوحدة والخير من حيث هي ما لا يستنفذه إدراك الإنسان في معرفة الموجودات وما ليس يمكن الإدراك من دونه في آن واحد. فتكون المتعاليات المعاني الأوسع كلية والمشتركة بين الموجودات وعلة تعاليها على إدراكها لأنها علة عدم القدرة على تحديد الماهيات من دون تسلمها شرطا في قيامها بذاتها. وهو في منظور الفينومينولوجيا ما في الأشياء من عدم القابلية للحصر في الإدراك الذي يعجز عن استنفاذها فيسلم بكونها ذات قيام خارج إدراكها دون تحديد لطبيعة هذا التجاوز للإدراك بكل ضروبه.
أما التعالي بالمعنى الكنطي فهو فعل إضفاء الخاصيات الصورية التي يضيفها العقل إلى مواد موضوعاته التي يمده بها الحدس الحسي. ومن ثم فهي ما لا يرد إلى المادة المحدوسة في التجربة العلمية أي الصورة التي تمد هذه التجربة بالقدرة على جعل العلم يكون متصفا بصفتي الكلية والضرورة: إنها بالأساس المقولات (اثنتا عشر مقولة: أربعة أصناف لكل منها فروع ثلاثة)[3] وما ينبني عليها من مبادئ ومسلمات. لكن مقابل هذه القبلية التصويرية يصبح العلم مقصورا على ظاهرات الاشياء ولا يتعداها إلى ما تتعالي به الأشياء عليه أو باطناتها: فيكون شرط القول بالتعالي من حيث هو القبلي المعرفي التسليم بالتعالي من حيث هو ما لا يمكن للقبلي أن يستنفذه من الشيء أي الشيء في ذاته.
ولما كانت الذات تدرك ذاتها فإنها بهذا المعنى ستجمع التعاليين في ذاتها: فمن حيث هي مدرِكة لها التعالي بمعنى القبلي ومن حيث هي مدرَكه لها التعالي بمعنى عدم قابلية الاستنفاذ الادراكي. ومن ثم فهي شيء في ذاته بهاتين الصفتين. وتلك هي علة محاولات التخلص من حل كنط وتجاوزه الحاصل بدءا بفتشته وختما بهيجل وتوسطا بشيلنج. فالأول جعل الذات مصدرا للصورة العقلية وللمادة الحدسية بفعل الوضع الذي يضع الأنا واللاأنا. والأخير بنى ذلك منطقيا في المثالية المتعالية المطلقة. والثاني بين حصولها إدراكيا فينومينولوجيا (علم تجربة العقل) ونسقيا فلسفيا (تاريخ الفلسفة) وفعليا تاريخيا (فلسفة التاريخ) وفعليا ميتافيزيقا (المنطق). ومرادف التعالي الذي يستعمله هيجل هو الطيران المتجاوز ueberfliegen أو المرور إلى ما وراء الظاهرات أي إلى الكلي والضروري فيها الذي هو الوجود الفعلي للعقل والعقل الفعلي للوجود كما في عبارته المشهورة: المعقول موجود والموجود معقول.
أما التعالي الذي نقصده ونعتبره مصدر نوعي التعالي المعرفي (المعنى الكنطي) والوجودي (المعنى الوسيط والقديم) فهو المقصود بالغيب في كل موجود. وذلك ما نعنيه خلال كلامنا على الله في قولنا: سبحانه وتعالى. وهو تعال يعني أصل الأمرين: شرط العلم أو ما يتقدم على الإدراك العيني وشرط الوجود أي ما به يحصل القيام بالذات المستقل عن ادراك المدرك له. فعلم الله شارط لوجود الأشياء ليس من حيث ظهورها فحسب بل وكذلك من حيث بطونها أي في ذاتها وليس في نسبتها إلى مدركها. وهو من باب أولى وجوده فوق كل ادرك ولا يحيط به إلا علمه. وتلك هي حياة القيومية الخالية من النوم والسنة أو الوعي المطلق الذي لا يغيب عنه شيء.
واحاطة علمه بالوجود تختلف عن الاحاطة التي ينبني عليها الوضع الفشتي لان الله ليس حادثا فيكون واضع نفسه وواضع موضوعه (العالم) فضلا عن كون مفهوم "الكاوزا سوي causa sui " أو كون الشيء علة ذاته ومعلومها مفهوم متناقض لأنه يفترض الله معلولا وينسب إليه تعليل نفسه فيكون موجودا قبل أن يوجد نفسه ليوجدها. والغريب أنهم يعتبرون ذلك مفهوما يفسر الصيرورة الوجودية التي تصبح صيرورة إيجاد الله نفسه مرورا من القوة إلى الفعل. ومن ثم فكل خرافات التوحيد بين التاريخ وتحقق الروح بمعنى تعين الذات الإلهية في العالم هي من أسخف صور القول بوحدة الوجود التي يشترك فيها التصوف والمثالية الألمانية وكل الأديان التي تحصر الغيب في الشاهد والوجود في الإدراك فتؤله الإنسان وتكفر بالرحمان.
[1] عالجنا المسألة باستغراق في مقال بعنوان فلسفة الترجمة الفلسفية وسيصدر قريبا في اسلامية المعرفة في العدد الخاص بالابداع.
[2] انظر المقال الذي قدمته في أول ملتقى لمعهد الوحدة الاسلامية بالجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا بعنوان شروط وحدة الامة لاداء رسالتها العدد الأول من مجلة المعهد.
[3] سبق فنشرنا مقالا بالفرنسية بينا فيه عدم اكتمال جدول المقولات الكنظية وعدم تناسقه. فكنط يتسلم فيه أمورا كثيرة دون نقد ولا تحليل: مثل قسمة المقولات إلى الاصناف الاربعة ومثل تفريع كل صنف إلى ثلاثة. وفي الحقيقة فهو يتسلم مفهومات أرسطية دون نقد وأولها المقابلة بين المادة والصورة التي نقلها من مدلول الهيلومورفية الوجودية عند أرسطو إلى مدلول معرفي يجعل فعل المعرفة فعلا من جنس الصناعوية البدائية التي قيس عليها تأليف الموجود من مادة (الخشب مثلا) وصورة تضفى عليها (الكرسية مثلا). وقد ناقشنا كل هذه المسلمات في المقال المشار إليه وهو منشور في كراسات تونس بكلية العلوم الإنسانية جامعة تونس الأولى سنة ألفين أو نحوه.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام