shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                          الدرس 28

 

            نظرية "المعرفة-التربية"  القرآنية الشاملة

 

يمكن أن نحلل نظرية "المعرفة-التربية" الشاملة القرآنية من حيث هي فن قائم الذات على مرحلتين كذلك أولاهما تدرس مقومات نظرية المعرفة الشاملة والثانية تحدد دلالة التطابق بينها  وبين نظرية التربية الشاملة:

فأولاهما ندرس فيها هذه النظرية من خلال مفهومين يستعملان عادة بمعنى الترادف وهما مختلفان تمام الاختلاف: الطريقة والمنهج في فعل الإنسان وانفعاله خلال التعلقات الإنسانية الخمسة بالوجود عامة التعلقات التي هي عين أصناف القيم الخمسة وموضوع التنافس بين البشر ومن ثم فهي لحمة العمران وسداه. ونعين دلالاتها الفلسفية من خلال تحليل سريع للمآزق التي آل إليها الحل النقدي الكنطي.  

والثانية نبين فيها التطابق بين نظرية المعرفة الشاملة ونظرية التربية الشاملة في القرآن الكريم وعلاقة ذلك بما في النص من خصائص حددت المواصفات التي ينبغي أن تتحقق في منهج فهمه وقراءته. وهي عينها أدوات التعليم عامة والتعليم الاسمى او التعليم الديني خاصة.

وبذلك يتبين أن اكتشاف كل مناهج القراءة والفهم المناهج التي تقبل الجمع تحت اسم واحد هو الهرمينوطيقا عامة بمعانيها اللسانية والتاريخية (شكلا) والفلسفية والدينية (مضمونا) في الفكر الديني عامة وفي التعليم الديني خاصة[1] لم يكن مجرد صدفة بل هو ضرورة لا تخلو منها تجربة تاريخية بشرية سواء كان نص دينها منزلا أو طبيعيا لصلته الحتمية بالآداب والتاريخ جمعا لأصناف القيم الخمسة إما لذاتها أو لتعلقه بأحكامها الدينية والخلقية: الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية.

 

المرحلة الأولى مقومات نظرية المعرفة وعلاقتها بالطريقة والمنهج

 

 فالطريقة هي المميز الأساسي للصلة بين فعل المعرفة وفاعلها (الطريقة). والمنهج هو المميز الأساسي بين فعل المعرفة وموضوعها (المنهج). في كل ضروب التعلق القيمي بين الإنسان من حيث هو مستخلف وأي موجود من الموجودات من حيث هي مجال ممارسة الاستخلاف: طريقة التعلق الذوقي ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة التعلق الرزقي ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة التعلق النظري ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة التعلق العملي ومنهجه فعلا وانفعالا وطريقة  التعلق الوجودي ومنهجه فعلا وانفعالا من منظور الوعي بهذه التعلقات التي هي بدورها موجودات يتألف منها مفهوم الاستخلاف عندما تكون الطريقة والمنهج في الفعل والانفعال جاريين بحسب الأحكام الشرعية وهما مصدر مفهوم الطاغوت في حالة جريانهما بغير هذه الأحكام ناهيك عن جريانهما بالتعارض معها.

لكن القرآن الكريم استعمل مصطلحين شبيهين بمصطلحي الطريقة و المنهج هما مصطلح الشرعة و المنهاج (المائدة 48) لوصف العلاقة بين الدين الكلي في تعاليه وتعينات فعل تحقيقه في التاريخ الفعلي بفضل التنافس المشار إليه في نفس الآية. ما المقصود؟ فلنحاول فهم الفرق بين الطريقة والمنهج أو بين الشرعة والمنهاج من خلال التمييز بين علاقة فعل المعرفة بفاعله وعلاقته بمفعوله. فعلاقته بفاعله يمكن تسميتها الطريقة التي يفعل بها الفاعل فعله: وغالبا ما تكون صفات هذه العلاقة من جنس خلق التعامل. وعلاقته بمفعوله يمكن تسمتيها المنهج الذي يحقق انفعال الموضوع بالفعل: وغالبا ما تكون صفات هذه العلاقة من جنس النجاعة التقنية.

فيتبين من ذلك أن الطريقة أقرب إلى أخلاق الفعل ليكون على أحسن وجوهه قيميا وأن المنهج أقرب إلى تقنيات الفعل ليكون على أحسن وجوهه تقنيا. فيكون معيار المنهج الحذق التقني ومعيار الطريقة السمو الخلقي. ومعنى ذلك أن الإنسان يمكن أن يحقق فعلا بحذق تقني مقتصرا  على النجاعة التقنية مع المواد أو مع البشر فيكون ذا حذق تقني وقد يكون مع ذلك فظا وغليظا. فإذا أضفت إليه الطريقة في فعل العلم التقني كان ذلك سياسة الفعل وليس تقنية الفعل فيكون سمحا ولطيفا. ومن الأمثلة على ذلك ما يقوله القرآن للنبي في طريقة سياسته الجماعة: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك". فهذا وصف للطريقة. أما منهج التربية مثلا  أو تقنياتها فهي واحدة في كل التجارب إذا كانت فعلا تربية: إذ هي حذق المادة المعلمة وحذق فنيات التبليغ التقنية.

لكن كيفية استعمال التقنيات التربوية هي الطريقة التي تحقق المطلوب أو تحول دون تحقيقه. وأول قواعد الطريقة جعل المربى هو نفسه مشاركا في فعل تربيته بالتزام ذاتي كما يبين ذلك ابن خلدون في كلامه عن أخطار التربية التعسفية. وإذا كان سقراط قد طبق ذلك في التكوين المعرفي فإن الرسل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعم قصدت التربية التي هي تكوين شامل وبصورة أدق فإن الإسلام قد جعل التربية تحقيقا لكل أبعاد الإنسانية ومقوماتها نقلا إياها من الفطرة الغفلة إلى الفطرة الواعية بنفسها في مجالات القيم الخمسة: الذوق (تربية ذوقية) والرزق (تربية اقتصادية) والنظر (تربية معرفية) والعمل (تربية سياسية) والوجود (تربية وجدانية روحية).

وكل من قرأ القرآن الكريم بتمعن يعلم أن كل الآيات المسددة لخطى النبي في السياسة والتربية تتضمن الكلام على الطريقة خاصة لان المنهج يمكن أن يعد من شؤون الدنيا وهو كما أسلفنا شبه متفق عليه بسبب استناده إلى علوم وضعيه بالأساس تتعلق بتقنيات التبليغ وأولها تمكن المعلم من الاختصاص الذي يبلغ مضمونه للمتعلم مع الانفتاح على سماع المتعلم (وعدم التصرف بمنطق العلاقة شيخ مريد يقتله ليغسله بعد أن كفن العلم ومومأه).

لكن الصعب هو التعامل مع المخاطب بالبلاغ. ففضلا عن الآية التي قدمنا يمكن الإشارة إلى الآيات الكثيرة التي تشير إلى الاقتصار على التذكير والإقناع دون التشهير والفرض من أمثال العبارات: ليست عليهم بمسيطر أو أفأنت تكره إلخ... وكلها تتعلق بالطريقة. لكن الطريقة التي تعتبر بديلا من تربية الرسول المسددة بالتوجيهات الإلهية هي الطريقة التي وصفت في القرآن بمفهومين هما: مفهوم التواصي بالحق في الاجتهاد ومفهوم التواصي بالصبر في الجهاد. لذلك اعتبرهما الله مرادفين للإيمان والعمل الصالح وشارطين للاستثناء من الخسر.

فالتواصي بالحق يجعل الحق حصيلة عمل مشترك بين طلابه فيصبح أصل الأخوة المتعالية على العرق وعلى كل أسباب التمييز بين البشر. والتواصي بالصبر يجعل العمل به خاضعا لنفس المعيار وبنفس التعالي. فلا بد أن يكون العمل مشتركا بين القائمين به حتى يكون عملا حقا. لذلك اعتبرنا هذين المفهومين مصدر المؤسسات البديل من المؤسسات الوصية التي نفاها القرآن لكونها مصدر الطاغوت. فلا وجود لكنيسة روحية (النخب الدينية) ولا لكنيسة عقلية (النخب العلمانية) بل مؤسسة التواصي بالحق ومؤسسة التواصي بالصبر هما اللتان تشرفان على الاجتهاد منهجا للنظر في كل شؤون الأمة والإنسان بطريقة التواصي بالحق و الجهاد منهجا للعمل من أجلها بطريقة التواصي بالصبر. الاجتهاد منهج يطوع الموضوع النظري بشرط أن يكون بطريقة التواصي بالحق والجهاد منهج يطوع الموضوع العملي بشرط أن يكون بطريقة التواصي بالصبر[2].

وحتى نتمكن من إيضاح هذه المسألة العويصة سنصوغها بلغة الفلسفة المعاصرة وسننطلق من الوظيفة التي ينسبها البعض إلى نقد كنط الثالث[3]: نقد ملكة الحكم. فالموضوع الثالث الذي تصوره البعض جسرا يصل بين العلمين النظري والعملي لنا فيه رأي مختلف تماما عن الرأي السائد قد يستعصي على الكثير فهمه. ونصدر في رأينا عن هذا التصور الإسلامي العميق لنظرية المعرفة الشاملة التي هي عين منزلة الإنسان المستخلف في العالم. لذلك فسنحاول شرح هذا الرأي بأقصى ما يمكن من الوضوح عملا بالإحكام الشكلي الذي هو عين البيان الذي يتصوره ذوي الفكر النعسان منزلة دون العرفان فضلا عن البرهان! 

إن موضوع نقد ملكة الحكم فاقد للوحدة التي تبدو موجودة في موضوعي النقدين الآخرين. فهو يجمع بين موضوعين مختلفين تمام الاختلاف. والإبقاء على النقد الثالث  منفصلا عن النقدين الأول والثاني يفيد أنهما هما بدورهما فاقدان للوحدة بالنقص الذي ألغى ما بدا لصاحبهما فيهما من فضل على فعلهما. فالقسم المتعلق بـالجميل والجليل من نقد ملكة الحكم غير لأنه تابع للنظر كما سنرى. وكان من المفروض أن يتبع نقد العقل الخالص. والقسم المتعلق بـالغائي العضوي والغائي الكوني  من نقد ملكة الحكم غير لأنه تابع للعمل كما سنرى كذلك. وكان من المفروض أن يتبع نقد العقل العلمي. فيتبين عندئذ أن كلا النقدين متداخلان بغير التقابل الكنطي بل بروابط لا تنفصم هي منطلقنا إلى ما ورائهما من مقوم موحد هو عينه الأصل الذي تناسبه نظرية"المعرفة-التربية" من المنظور القرآني: الوحدة بين الوجدان والفرقان في كل مدارك الإنسان.

وهبنا اقتصرنا على الفهم الكنطي لملكات الفكر الإنساني. فيمكن أولا أن نعتبر القسم الأول من موضوع نقد ملكة الحكم البعد الانفعالي من النظر الذي لم يدرس منه كنط في نقد العقل الخالص إلا البعد الفاعل الذي ينسب إليه الفاعلية في النظر. فكلا البعدين من مفاعيل ملكة الحكم فاعلة بصورة الإدراك في نقد العقل الخالص ومنفعلة بمادته في نقد ملكة الحكم. فالحكم في النظر فاعل وهو الذي يصوغ المادة: وهو ما يعنيه كنط بالتعالي أو قبلية التصوير العقلي لمادة الحدس شرطا للتجربة ولموضوعها وللخاصيتين الضامنتين لموضوعيتها ( الكلية والضرورة).

لكنه في إدراك الجميل والجليل منفعل إذ يبدو دور الصوغ المؤثر في ملكة الحكم ناتجا عن المادة نفسها (وهي مضمون الخيال المبدع ) والفكر يتلقاها أو هو ينفعل بها. ومثلما يبلغ فعل العقل حدود الوظيفة التحديدية فيضطر إلى الوظيفة التوجيهية حيث تتجاوز قدرته التصويرية المادة التجريبية من تصوير فتتولد المثل في نقد العقل الخالص فكذلك يبلغ الانفعال أقصاه في ادراك الجليل حيث تبلغ قدرة المادة اللاتصويرية ما يحتمله فعل ملكة الحكم: فيكون التجاوز الميتافيزيقي في فعل النظر الذي يدرسه نقد العقل الخالص مناظرا للجليل الذي يدرسه نقد ملكة الحكم في انفعاله بحيث يكون ما لايقبل التصوير من المادة عين  الجليل مثلما كان ما لا يقبل التمديد من الصورة عين المثال !

ويمكن ثانيا أن نعتبر الحكم الغائي في نقد ملكة الحكم ممثلا للبعد الانفعالي من فعل العقل العملي الفاعل في نقد العقل العملي. ذلك أنه يوجد نفس التناسب بين بعديهما التناسب الذي وجدناه بين بعدي النظر وبعدي الحكم الجمالي والجلالي. فالغائية العضوية من نقد ملكة الحكم تناسب الأخلاق من نقد العقل العملي والغائية الكونية من الأول تناسب الدين من الثاني:  فتكون الميتافيزيقا العملية[4] في فعل العمل من نقد العقل العملي مناظرة للدين في انفعاله  من نقد ملكة الحكم !

لكن التحليل العميق في بداية تخلصه من تصور كنط لملكات الفكر يبين أنه ينبغي أن نعكس التوصيف في كل هذه الحالات. ذلك أن بداية النفاذ إلى حقيقة الأمر في العمق هي ما نصفه هاهنا. فالعقل ليس فاعلا في نقد العقل الخالص إلا وهما لأن كل تصوير يفترضه العقل في فعل التصوير المشرع للطبيعة لا بد أن يعيد فيه النظر بلا توقف ولا غاية. ومن ثم فما ظنه كنط فعلا ليس فعلا في الموضوع بل انفعال به لكون فعل التصوير العقلي يفعل في ذاته أكثر مما يفعل في المادة وذلك بتغيير فعل التصوير إلى ما لانهاية: وتلك هي علة تطور المعرفة العلمية المتواصل. إنه في الغاية منفعل بالمؤثرات التي تفرض عليه تغيير ذاته لكون تاريخ النظر هو التخلي المتوالي إلى غير غاية عن كل أفعال العقل السابقة من أجل فعل فرضي للتلاؤم مع فعل المادة المعرفية التي يشبه تأثيرها التطويع المستمر لما يسدله عليها العقل من شبكات نظرية: ليس هو خائط مسبق يفرض مقاسا على لابس مخيطاته إن صح التعبير بل هو خائط على القياس اللابس هو المحدد فيه للمقاييس.

وبالمقابل فإن العقل في القسم الأول من نقد ملكة الحكم ليس منفعلا إلا وهما لان التصوير الذي يتحقق في الأثر الفني تصوير خالد فلا يحتاج العقل إلى تغييره بل إن الحياة الإنسانية كلها هي التي تتغير بمقتضى تذوقها لذلك الاثر. فيكون العقل في هذه الحالة هو الفاعل والمادة هي المنفعلة. وبذلك تم العكس في قضية العلاقة بين الأمرين النظري وما يناسبه من نقد ملكة الحكم.      

كما أن العقل العملي ليس فاعلا في نقد العقل العملي إلا وهما لان كل تحصيل عيني لطاعة الإنسان الأمر الخلقي الجازم يشترط التخلي عن كليته الصورية ليتأثر بالدوافع العينية فيكون الفعل الخلقي فعلا حقيقيا ذا قيام فعلي في الوجود المشار إليه لئلا يبقى مقصورا على الوجود الذهني. فيكون العقل هنا كذلك منفعلا لا فاعلا بحيث تصبح أوامر العقل العملي الجازمة من جنس الفرضيات النظرية تتغير بلا غاية اللهم إلا إذا كان قصد كنط بالمثل العملية مجرد أسمائها لا حقائقها التي هي فاعليتها بتعيناتها التاريخية. وطبعا فهي لا تتغير في ضوء التجربة النظرية (في المعرفة العلمية الطبيعية) في المقام الأول بل في ضوء التجربة العملية (المعرفة العلمية الخلقية) أساسا: ولولا ذلك لما كان للتاريخ البشري معنى ولكان التقدم الخلقي مجرد وهم.

لذلك فالقسم الغائي العضوي والغائي الكوني من نقد ملكة الحكم فعل حقيقي لأنهما لا يتغيران بل إن كل الأعمال البشرية لا تكتسب معناها إلا بفضل ثبات هذين التصورين. فمن دون تصور الإنسان عمل الإرادة ونظر العقل متناسقين وغائيين لعناصرهما وحدة حية ومن دون تصور موضوع العمل ومجاله وموضوع النظر ومجاله متناسقين يستحيل على الإنسان أن ينظر أو أن يعمل فضلا عن أن يسكن العالم ويصنع التاريخ: لأن ذلك هو عينه جوهر الإنسان من حيث هو بالفطرة مستخلف.   فالوحي الخاتم يعلمنا أنه لا وجود لمعرفة غير هاتين ولا يمكن للعمل أن يكون عملا مشروعا إلا إذا كان على علم: معرفة الخلق ومعرفة الأمر بوجهي التفاعل معهما فعلا وانفعالا.       

وحاصل القول إنه يمكن أن نجمل تحليلنا من منطلق تعديل الحلول الكنطية في منتصف طريق التخلص منها فنقول إن ملكة الحكم هي تفاعل المادة النظرية والعملية والصورة النظرية والعملية تفاعلهما الذي يبرز التفاضل بينهما المتعاكس بحسب المستويين اللذين أشرنا إليهما. ومن ثم فالمفروض أن يوضع القسم الجمالي والجلالي منها في نقد العقل النظري ويوضع القسم العضوي والكوني في نقد العقل العملي. أما غاية التخلص فتكون بأن نجمع الكل في التحرر من الميتافيزيقا التي تقابل بين الصورة والمادة معرفيا وبين الماهية والانية وجوديا لنبين تداولهما على دور الفاعلية والانفعالية المعرفيتين والوجوديتين إذ إن ما هو فاعل في المستوى الأول يصبح منفعلا في المستوى الثاني والعكس بالعكس: ففضل صورة المعرفة على مادتها في العقل الخالص يعدله فضل المادة على الصورة في القسم الجمالي والجلالي من ملكة الحكم وفضل صورة العمل على المادة في العقل العملي يعدله فضل المادة على الصورة في القسم الغائي العضوي والغائي الكوني في ملكة الحكم  فيزول التفاضل بين مقومي العلم ومقومي العمل وبين العلم والعمل وتحصل الوحدة في الحكم الذي يلغي التقابل في حقيقة الوجود ولا يبقي عليه إلا في نسبته إلينا.

 


 

[1]  ويمكن أن نضيف إلى ذلك في مستوى معاناة هذا الفكر معاناة تجربة وجدانية شخصية الفكر الصوفي عامة و الفكر الوجودي خاصة. ويتقابل هذا الفكران بضربيهما تقابل الفكر الديني والفكر الفلسفي لتناسب الأولين مع الثانيين تناسبا تترجم عنه المعاناة الوجدانية إلى حد الهوس ما يجعل الفكرين الديني والفلسفي يصبحان أحيانا عند بعض الأفراد  مرهفي الحس مصدرا لما يمكن أن يعد مرضا نفسيا يسمى معاناة آلامPathos  التجربة الصوفية وآلام التجربة الوجودية وغالبا ما يكون ذلك ذا صلة بمخزون إبداعي رمزي: المؤمن منهما أو ذي القطبين (تصوف وحدة الشهود والوجودية المؤمنة) والملحد أو ذي القطب الواحد (تصوف وحدة الوجود والوجودية الملحدة): وتلك هي ضروب الفكر الوجودي والصوفي المؤمن منهما والملحد.

[2] وفضل هاتين المؤسستين هو إرجاع الشرعية القيمية إلى أهلها قصدت الأمة بعد أن تكون قد تخلصت من الطاغوتين اللذين استحوذا على سلطتيها التشريعية والتربوية (العلماء) وعلى سلطتيها التنفيذية والقضائية(الأمراء). فإذا رجعت الشرعية القيمية إلى أصحابها بات الطغيان مستحيلا. ولطالما كنت أعجب من نفاذ قرار أمير المؤمنين الفاروق في أكبر قادة جيش الفتح في الشام. ما الذي حال دون خالد والانقلاب العسكري الذي أصبح فيما بعد من خبز المسلمين اليومي؟ يكفي أن تقارن ذلك بما يحدث في اي بلد من بلاد الغرب الديموقراطية اليوم. هل يمكن أن يدور بخلد قائد عسكري مهما كانت منزلته أن يعصي أمر صاحب السلطة الشرعية في بلده ؟ فما العلة يا ترى؟ في كلتا الحالتين ليس الحائل أخلاق القائد العسكري أو قوة القائد السياسي المادية بل القوة الرمزية التي تمثلها الشرعية ذات القيام الفعلي في الامة: فلو حاول خالد أن يرفض الأمر فإنه كان سيكون وحيدا في العصيان. وهو يعلم ذلك فضلا عن كونه هو نفسه يؤمن بالشرعية فلا يقبل أن يعصيها أحد. ذلك هو الأمر الذي قضى الطاغوتان على أصله: وعي الأمة التي هي جماعة وليست عامة بقدسية الشرعية وقيامها في ضمائرهم وامتناع المساس بها.

[3]  علة لجوئنا إلى هذا المثال يقتضيها الموضوع المدروس نفسه. فلا يمكن أن نتكلم في نظرية المعرفة كلاما مقبولا من المنظور الإسلامي ومن الحال التي عليها الفلسفة في الوقت الراهن من دون التخلص من التقاليد التي أرساها كنط وآلت إلى الردين المهدمين للبشرية قصدت حط العمل إلى النظر في الوضعية النظرية أو العلموية التي تطبعن كل شيء ورفع النظر إلى العمل في الوضعية العملية التي تأرخن كل شيء. ونحن نستعمل الحط والرفع بالمعنى الناتج عن المقابلة الكنطية بين النظر الذي لا يعلم إلا الظواهر والعمل الذي يتعلق بالبواطن. لكن المنظور الإسلامي لا يعتمد هذه المقابلة وهو لا يرى العمل قابلا لأن يكون ذا معنى وقادرا على البلوغ إلى الحقيقة إذا لم يكن بهدي من العلم. فإذا اقتصر النظر على المظاهر فإن العمل لن يكون إلا مثله أو دونه. فهما عندنا كلاهما  اجتهادي وجهادي: فهو اجتهادي بمعنى أن المرء يبذل الوسع ليعلم ما هو ميسر له (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) وليعمل ما هو قادر عليه. والفعل يكون في الحالين مجاهدا مجاهدة وجهادا. لكن داعيا آخر كان منطلق الحل المناسب الذي تمكنا من الوصول إليه قصدت فقه اللغة العربية الذي جعل الفكر الإسلامي يسمي القيم الخلقية باسمي الحسن والقبح فيبين الصلة الوثيقة بين القيم الخلقية والقيم الذوقية ليوحي لنا بالحل البديع الذي تضمنته الرسالة الخاتمة وكان مهملا بسبب موت السؤال الفلسفي في فكرنا.

[4]  ولا يمكن للمرء ألا يعجب من رفض التجاوز الميتافيزيقي لفعل العقل في النظر وقبوله في فعله في العمل. النظر الميتافيزيقي هنا يزعمه صاحبه علما وهو هناك عقيدة. والتناقض بين الرفض الأول والقبول الثاني هو أصل المتافيزيقيات الشمولية رومانسية كانت أو وضعية وما أدت إليه من إديولوجيات تأليه الإنسان العلمي أو العملي أو بوصفه كليهما.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام