shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

 

                الدرس 29

فنعود بذلك إلى فصل ابن سينا بين الهوية والإنية أو الماهية والوجود بشروطه. فكل الفلسفة الحديثة انبنت على هذا الفصل بعد أن جعلته فصاميا لإلغائها هذه المعاني التي أشرنا إليها المعاني التي تحقق وحدة وظيفة العقل الإنساني النظرية والعملية والذوقية عندما لا يغفل عن شرط صحة الفصل بين الصورة والمادة معرفيا والماهية والوجود وجوديا: وهذا الشرط هو عقيدة الموجود الذي تتحد فيه الهوية والإنية أو واجب الوجود بحيث إن القبول بالفصل بينهما علته القول بالدليل الوجودي الذي مفاده أن ماهية الله بمجردها تقتضي وجوده[1].

وهذا التلاحم بين وجهي النظر ووجهي العمل يجعلان الأمرين لا يقبلان التحديد إلا بالمعنى الاجتهادي والجهادي تواصيا بالحق للاول وتواصيا بالصبر للثاني. فالتعاكس بين بعدي النظر وبعدي العمل عندما نذهب بالتصور السطحي الذي قدمه كنط إلى غايته كما بينا في تحليل العلاقات بين الأبعاد يعيد التلاحم بين الملكات ويوحد مفاعليها فيلغي كل وهم للإيديوجيات النظرية والعملية وما أدت إليه من شموليات. ثم هو يرجعنا إلى الموقف الذي يتقدم فيه حدود التصوير النظري على التصوير الجمالي والجلالي وحدود التصوير العملي على التصوير الغائي العضوي والغائي الكوني فيصبح الجمال والجلال والوحدة الحية والوحدة الكونية كما تتعين في مُثل العقل والدين مثلهما التي يشرئب إليها العقل الإنساني اجتهادا والإرادة الانسانية جهادا لتأصيل الوجود الإنساني في حياة يتكامل فيها البعدان الدنيوي والأخروي فنتحرر من الثنائية المرضية التي أسس لها النقد الكنطي ولم يتمكن الجسر الذي ينسب إلى نقد ملكة الحكم من جسره لبقاء الجرف الهاري بينهما.

تلك هي العلاقات الدقيقة والعميقة التي تتألف منها نظرية "المعرفة-التربية" القرآنية التي يتأسس عليها منهج الفهم والقراءة لكل آيات الوجود نصيها وطبيعيها. وقد غفل عنها الفكر البشري قبل الإسلام ثم عاد إلى الغفلة عنها منذ أن توقف اجتهاد المسلمين وجهادهم لتحقيق شروط الرسالة. ثم تدعم النسيان منذ أن جعل الفكر الحديث تحليلات كنط علما نهائيا فبقي الفكر مترددا بين رد النظر إلى العمل في الفشتية (نسبة إلى فشت فيلسوف الذاتية المطلقة) وما تلاها من رومانسية وإيديولوجيات عملية شمولية إلى نهاية القرن المنصرم ورد العمل إلى النظر في الوضعية وما تلاها من علموية وإيديولوجيات نظرية شمولية إلى نفس الغاية. فكانت نخب المسلمين مثلها مثل جل نخب العالم ضحية هذه العودة إلى الفصام المرضي وتأليه النسبي.

ولما كانت هذه الوحدة التي أرجعناها لبعدي النظر وبعدي العمل وأصل الكل هي عينها وحدة فعل الحكم التزاما وجدانيا وفرقانيا في نفس الوقت بات دوران المعرفة والتربية كله حول تكوين هذا الفعل المضاعف من حيث هو إدراك الحق علما (صدق معرفي شرطه التواصي بالحق) وعملا (صدق خلقي شرطه التواصي بالصبر). ومن ثم فإدراك الحق يمكن تقريب معناه بالإشارة إلى معنيي الصدق المقابلين لمعنيي الكذب (أو لمفهومي الحق المقابل لمفهومي الباطل قرآنيا)[2]:

فهو فعل مشروط بالصدق المعرفي لكونه إدراكا يطابق المدرك بحسب معايير المطابقة الصورية لا المضمونية كما تتحدد في العلم الاجتهادي بعد امتناع القول بالعمل المطلق المحيط بالبعد الغيبي من كل معلوم.

وهو فعل مشروط بالصدق الخلقي لاشتراطه التعبير الصادق عن الإدراك وليس التعبير الكاذب عن الإيهام بغير ما في الوعي المدرك حتى ينطبق معيار التواصي بالحق.

ذلك أن الوصل بين الموضوع والمحمول ليس فعلا قوليا فحسب بل هو فعل وجودي يتجاوز انفصالهما المفترض في الوصل الحكمي بين التصورين (تصور الموضوع وتصور المحمول) إلى تواصلهما في وحدة القيام الفعلي لتصورات الإدراك في ذهن المدرك (وإلا لما التقيا فترابطا برباط النسبة الحكمية) ولمتعلقاتها في عين المدرَك (وإلا لكان الحكم كاذبا لعدم تصديق علاقة المحكوم به بالمحكوم له إياه ) [3]. فبمجرد الحكم بالمحمول للموضوع يبرز الوجه الثاني من الحكم الحملي وجه الجهة التي تتمثل في اعتبار العلاقة الحملية قائمة في الوجود العيني وليست مجرد حكم ذهني: لا اخبر المستمع بما يجري في قولي أو في ذهني بل بما يجري في الوجود فإذا قلت إن زيدا قتل عمروا فليس قصدي أن كلمة زيد في تلفظي قتلت كلمة عمروا فيه أو أن معنى كلمة زيد في ذهني قتل معنى عمرو فيه بل قصدي أن زيدا المشار إليه في الوجود الفعلي هو الذي قتل عمروا فيه. فيكون الحكم كل حكم بصرف النظر عن كونه نظريا فاعلا أو منفلا أو عمليا فاعلا أو منعلا ذا بعدين:

بعد أفقي يصل بين الموضوع والمحمول بالنسبة الحملية التي تؤلف الماهيات          الذهنية [4].

وبعد عمودي يصل بين القول والمقول فيه بالإثبات الوجودي الذي يحزم بقيام الإنيات الفعلي.

لذلك اعتبرنا الحكم في كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين جامعا بين وجهي الدليل الوجودي فضلا عن كون ابن تيمية يعتبر الحكم موجها دائما: أي إن نسبة المحمول إلى الموضوع ليست نسبة قولية أو ذهنية بل هي نسبة وجودية ومن ثم فالحكم يقضي بوجود المحكوم له وباتصافه الفعلي بالمحكوم به. وذلك هو الفرق بين الحكم الخبري والحكم الإنشائي. فالإنشاء بخلاف الخبر يضع جهة حصول الوجود بين قوسين فتكون موضع تمن أو ترج أو سؤال أو شرط إلخ.... وإذن فصورة الحكم الخبري هي صورة الدليل الوجودي وهي صورة كل وعي من حيث هو حكم نظري أو عملي فاعلان أو منفعلان ومادته هي مادة الدليل الوجودي وهي مضمون كل وعي بهذه المعاني الأربعة وخاصة إذا كان الحكم متكلما عن الذات الحاكمة كما في مثال الكوجتيو الذي استخرجنا منه هذا التحليل فأرجعناه إلى الدليل الوجودي مثبتين بذلك معنى: من عرف نفسه فقد عرف ربه.

وبذلك يصبح كل فعل عقلي بمجرد حصوله الواعي تحققا فعليا للدليل الوجودي إذ هو من حيث هو في مستوى الماهيات لا يقوم إلا بشرط حصول مستوى الإنيات فضلا عن كون ادراك نسبية الوجود الذاتي في كل وعي بالذات (الإنسان) الذي ينفصل فيه الإدراك (الماهية) عن المدرَك (الوجود) لإمكان كذب المدرِك لا يكون إلا متلازما مع إدراك الموجود المطلق الذي تتطابق فيه الماهية والوجود لامتناع الكذب عليه(الله): وإذن فجوهر الكذب ماهية بلا وجود ومصدره القدرة على الفصل بينهما في الذهن وهو آفة التعليم آفته التي لا يمكن التحرر منها إلا بشرطين:

1-أن يكون التعليم أقدس وظائف العمران إلى حد يلزم عنه التدخل المباشر من الله: بعث الرسل.

2- ألا يكون المشرفون عليه كنيسة تحول التعليم إلى أداة طغيان على وعي المتعلمين: نفي الكهنوت.

 


 

[1]  كل الذين لا يفهمون هذا المبدأ يزعمون أن تصور الإله في الإسلام يؤسس للسلطان المطلق ومن ثم فهم يعللون به ما يوجد في تاريخنا من طغيان. وينسون أن هذا السلطان  المطلق بوصفه صفة إلهية يفيد نفيها عمن عداه: فالعبودية لله وحده ومن ثم فهي تعني أن جميع البشر سواسية وهو معنى الاستخلاف منزلة وجودية للإنسان من حيث هو إنسان. فلا وجود في الفهم الدقيق للمعنى القرآني لهذه الصفة الإلهية لمن يمكنه أن يكون ذا سلطان مطلق روحيا كان هذا السلطان أو ماديا بل السلطان الروحي والمادي هو للجماعة بمعنى كونها صاحبة الأمر: وهو معنى "أمرهم" من أمرهم شورى بينهم. فالقصد أن الأمر كله أمرهم وأنهم يسوسونه بالتشاور المعرفي (التواصي بالحق) والعملي (التواصي بالصبر) في حدود خضوعهم للسلطان المطلق الوحيد الذي هو سلطان لله كما يدركونه بضمائرهم الدينية والخلقية.

[2]  ولنقل  لتقريب معناه إلى حقيقتها أنه مشروط كذلك بشرطين آخرين أعمق هما ما يترتب على التواصي بالصبر: فالصدق بمعنيين لا يصبح حقيقة حقا إلا إذا تحقق في صاحبه وحققه صاحبه في الوجود الفعلي. وبذلك تكون الحقيقة عين الحق الذي ينافي الباطل بكل وجوهه أقصد وجهي الكذب المعرفي أو الغش ووجهي الكذب العملي أو النفاق.

[3]  انظر تحليلنا لنقد الشعر من منظور القرآن الكريم في مقال عولمة النجومية وفصام النخب الصادر بموقع الملتقى وبموقع الوحدة الإسلامية.

[4]  والحكم بالربط الحملي لا يختلف في تؤلفه من هذين البعدين عن الأحكام الأخرى سواء كانت ربطا بين القضايا في حساب القضايا أو حساب المحمولات والعلاقات. فهي جميعا تشترك في البعدين هذين: 1- بعد الربط الأفقي بين مكونات التصور العنصري أو علاقات التصورات (=الماهية أو الحكم) 2- وبعد الربط العمودي بين تلك المربوطات وما يتصور في الوجود مقولا بها سواء كان عناصر بسيطة أو حال وقائع موضوعا للقضية بالمعنى المنطقي للكلمة ( ولا وجود لربط أفقي في مستوى الوجود لان الموجود ليس مؤلفا بل قيامه الحقيقي مشروط بعدم تألفه من موضوع ومحمول أو من مكونات حال الوقائع ). وتلازم البعدين يعني أن البعد الثاني ينفي ما يقوله البعد الأول سواء صدق أو كذب: فإذا صدق كان ذلك دليلا على أن المحكوم به جزءا لا يتجزأ من المحكوم له لا يقبل الفصل عنه إلا في الذهن فيكون التأليف ذهنيا لا وجوديا وإذا كذب كان له نفس الذلالة لأنه يعني أن الأمر كله في الذهن ليس الفصل وحده بل وكذلك النسبة.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام