



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس 30
المرحلة الثانية
التطابق بين نظرية التربية الشاملة ونظرية المعرفة الشاملة
وعلاقتهما بالطريقة والمنهج
إذا لم يجر التعليم بشروط التربية والمعرفة الشاملتين فإنه يتحول إلى أهم أدوات الطغيان الذي يحرف الكتاب[i]. وقد اعتبر القرآن الكريم النبوة مشروطة بأمرين متقدمين عليها هما الكتاب والحكم يحولان دونها والتحريف الذي يؤدي إلى العلم والعمل المحرفين من خلال تأليه الرسل خاصة ومن يدعي نيابتهم عامة:"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب (وظيفة الكتاب) وبما كنتم تدرسون (وظيفة الحكم).* ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون " (آل عمران 78-80).
نفى القرآن تأليه الوسطاء خاصة والإنسان عامة لحصر العبودية في عبادة الله وحده ذلك هو الجمع بين الكتاب والحكم في النبوة الصادقة: وذلك هو جوهر التعليم الديني بالكتاب سلطة بذاتها ودون وسيط. وهو ما يقتضي أن يكون الكتاب بذاته متضمنا لكل أبعاد المعرفة والتربية الشاملتين أعني لما يغني عن الوسطاء الذين ينسب إليهم القرآن التحريف نسبة غير عرضية بل جوهرية.
ولو كان التحريف مما يعرض للوساطة وليس هو من جوهرها لكان بالوسع الإبقاء على الوساطة مع تخليصها من علة التحريف. لذلك ألغاها القرآن بل وحرمها. ومن ثم فكل عودة إليها صريحة كانت العودة كما عند الشيعة (سلطة الأيمة ) أو متنكرة كما عند السنة (سلطة العلماء) تعد تغاضيا عن هذا التحريم أو عدم فهم لجوهر الثورة القرآنية.
وأول شروط صحة هذه النظرية أن يكون الإنسان ذا قدرة فعلية على الفهم والقراءة اللتين رأينا أن شرطهما الكتابة رسما للصورة وتسجيلا للصوت لأن ذلك هو شرط الكلام عامة ووظيفته الأساسية خاصة: التسمية. وتلك هي العلة في اعتبار الرمز القرآني مد الإنسان بالقدرة على التسمية علة ضرورية وكافية لاستخلافه في الأرض كما ورد في الرد على اعتراض الملائكة. لكن هذه القدرة لا تؤهل الإنسان للتسمية الصادقة فسحب بل هي تفتح له باب ضدها شرطا مؤسسا للفعل الحر ومن ثم للاختيار الذي هو مناط التكليف: فهو قادر على التسمية الصادقة والتسمية الكاذبة. وذلك هو منبع حريته التي تتحدد بخمسة مجالات مفتوحة:
1- أولها بين عنصري المستوى الأول (بين الصدق المعرفي والصدق الخلقي )
2- وثانيها بين عنصري المستوى الثاني (تحقق الحقيقة في ذات المدرك وتحقيقه إياها في الوجود العيني)
3- وثالثها بين المستويين ويصل هذا المستوى الثالث بالمستويين الأولين
4 - هامش الأداء الناتج عن أثر المجال الأول في المجال الثاني
5-وهامش الأداء الناتج عن اثر المجال الثاني في المجال الأول.
فتصبح هوامش حرية الإنسان ذات فروع خمسة هي هوامش المسافة التي يقطعها التنافس على القيم ومجالات التشريع وضعيا كان أو منزلا:
التقويم الذوقي
التقويم الرزقي
التقويم النظري وينبع من التقويم الذوقي ويصلح أداة في التقويمات الأخرى وخاصة في الأول منهما وهو قابل للانعكاس على ذاته فيقومها.
التقويم العملي وينبع من التقويم الرزقي ويصلح أداة في التقويمات الأخرى وخاصة في الثاني منها وهو قابل للانعاكاس على ذاته فيقومها
التقويم الوجودي وهو أصل كل التقويمات ويتعين فيها جميعا لكون مبدأ قيامها ولا تقوم إلا به سواء بقي سويا أو حرف بل هو المحدد لنوع توجهها تقديما للذوق على الرزق إذا كان سويا أو العكس إذا حرف. و هو في الحالة الأولى يغلب القانون الخلقي وفي الحالة الثانية يغلب القانون الطبيعي. لكن هذا التغليب يمكن أن يتحول إلى استثناء المغلب عليه وحصر الوجود في الغالب فيكون في الحالتين منافيا للفطرة وهو معنى الرهبانية الأخروية المعروفة في ما يسمى بالزهد المطلق في الدنيا ونفي قيمتها أو الرهبانية الدنيوية التي يمكن تعريفها قياسا على الأولى بالزهد في الأخرى ونفي قيمتها.
ولما كان كلا المستويين المضاعفين قابلا للخلط مع اليقين العفوي الغفل الناتج عن الهوى المتحكم في التنافس على القيم يصبح بادئ الرأي والعقد الغفل الانفعاليان وسوء النية والخبث القصديان متحكمة أربعتها في التعامل بين البشر فلا يتجاوز الإنسان المعنى النفسي من إدراك الحقيقة. لذلك حدد القرآن مقومات التربية الشاملة التي تخرج البشرية من هذه الوضعية باستعمال أداتين عاصمتين قدر المستطاع من الخطأ في الاجتهاد النظري والجهاد العلمي: الإيمان والتواصي بالحق في العقد والعلم والعمل الصالح والتواصي بالصبر في الشرع والعمل وذانك هما الشرطان اللذان يخرجان الإنسان من الخسر أو من الغفلة والموصلين إلى ما يتعالى على المستوى النفسي الفردي إلى المستوى المنطقي الجمعي.
وحتى نوضح هذا المعنى سنكتفي بإشارات فلسفية سريعة لدلالات الآيات السبع الأخيرة من سورة الإسراء بدءا من الآية 105. والمقصود بالإشارات الفلسفية ليس فرض مضمون فلسفي على معنى النص فنرغمه عليه لنقول هذا باطن النص وراء ظاهره. بل هو الفهم المتناسق لمعاني الآيات في ضوء كامل المقدمات التي سبق شرحها في هذه المحاولة وخاصة ما بينا في نظرية المعرفة الشاملة: نكتفي باستخراج البنية النسقية للعلاقات المنطقية بين المعاني التي تتضمنها الآيات في ضوء الرسالة التي لها ما ذكرنا من الصفات المغنية عن الوساطة لكونها الخاتمة والمكتفية بذاتها هاديا للإنسان في صلته بربه.
ولنبدأ بالآيتين: 105-106 "وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس وعلى مكث ونزلناه تنزيلا". فلا يمكن أن يكون قصد الآية الأولى أن الله يؤكد التطابق بين ما أُنزل وما نَزل. فلا أحد يتطرق إليه الشك في قدرة الله على تحقيق المطابقة بين فعله ومفعول فعله. كما لا يمكن أن يكون القصد المطابقة بين الخبر عن صفة الإنزال وصفة النازل لنفس العلة فضلا عن امتناع تكذيب المخبر في هذه الحالة.
لم يبق إلا معنى واحد هو ما تؤيده الآية الثانية: وهو أن "بالحق" الأولى تصف طريقة الإنزال و"بالحق" الثانية تصف مضمون النازل. ومعنى ذلك أن الله لا يخصص مفهوم الحق (بمعنييه المعرفي للنظر والعقيدة والخلقي للعمل والشريعة) لوصف مضمون الرسالة بل هو يصف به طريقتها في التبليغ. لذلك جاءت الآية الثانية لتصف هذه الطريقة بتعليل التفريق بضرورات التعليم:
1- لتقرأه على الناس.
2- و(لتقرأه) على مكث.
أما ونزلناه تنزيلا فهي معطوفه على فرقناه فيكون تعليلها عين تعليل التفريق: لتقرأه على الناس و( لتقرأه) على مكث. والقراءة على مكث تكون منطقيا في أحوال ثلاثة منفصلة ومجتمعة بحسب ظرف النزول: فهي متقدمة على قراءته على الناس ومصاحبة لها وتاليه عنها مع جمع المعنيين: المعنى التفريقي والمعنى التجميعي لأن كلمة القرآن تعني الجمع والقران أيضا ومن ثم فالقراءة تحليل (تفريق) وتأليف (قران) وهي لها الدلالة التي يعبر عنها الرديف الوارد في الآية: "التنزيل". فالتنزيل على النوازل تفريقا وتجميعا للقرائن النصية والعينية يثبت أن المعطوف في الآية لا يمكن ألا يضيف شيئا إلى المعنى !
فلا يمكن أن يكون القصد من التنزيل الإنزال بمعنى نزول القرآن من السماء إلى الأرض بل القصد هو تنزيل النص على النوازل أي إن كل نص من نصوص القرآن كان حدثا نصيا ملازما لـحدث تاريخي ملازمة احد أعيان "ماصدق" المعنى القرآني لمفهومه أو بصورة أدق عينا نموذجيه منه: وذلكما هما وجها المعنى الذي يكون حقيقة ذهنية في العلم وحقيقة عينية في المشار إليه في الخارج إذا نسب المعنى إلى الإنسان. لكنه يكون عند نسبته إلى الله حقيقة مطلقة لا ينفصل المفهوم منها عن الماصدق وهو ما اقتضى التفريق والتنزيل المشار إليهما في الآيتين.
وقد فهم منه أغلب الناس ما يسمى بسبب النزول مضمرين علته عند "مؤرخني" النص من العلمانيين حصرا لكلية النص في عينية السبب. أما القصد فهو مناسبته أو النازلة التي هي عين نموذجيه من تحقق معناه الذي يقبل ما لا يتناهي من التحققات لأن الأمر يتعلق بما يشبه الجدل النازل من الكلي إلى المشار إليه من أعيانه.
وفهم التنزيل بهذا المعنى يعيدنا إلى فهم التفريق. فليس هو التنجيم فحسب بل هو كذلك التمييز بين المعاني. فيكون التنجيم في النص ليس مجرد تقسيم تحكمي بل هو معبر عن تحليل للمعنى بالفرقان الذي يميز بين المعاني بحسب منطق نظرية المعرفة الشاملة ونظرية التربية الشاملة. ومن ثم فلنا أربع مستويات فرعية اثنان من التفريق واثنان من التنزيل وأصل لها جميعا لكونه شرط حصولها على أفضل الوجوه فضلا عن كونه مصدر وجودها:
1- التفريق اللفظي أو تنجيم النص.
2-والتفريق المعنوي أو التحليل العلمي والعملي لمضمون الرسالة المشروط في التنجيم التنزيلي.
3- والتنزيل المعين للمعنى المقروء في النوازل الحادثة في التاريخ الفعلي.
4- والتنزيل المعين للناس المقروء عليهم في الخطاب الدعوي.
5- والمكث فيها جميعا لكونه أصلها متقدما عليها ومصاحبا لها وتاليا بوصفه عين التفكر والتدبر الرسوليين علما وعملا لقران الكل بمعنى لتأليفه في وحدة حية وهو المعنى الأشمل لكلمة قران بمعنى تحقيق القران بين الآيات التي هي قرائن دالة على النسق الواحد وراء تشضي الوجود..
وهذا المكث هو الحيز الزماني الضروري لفعلي التواصي بالحق والتواصي بالصبر ومن ثم فهو شرط المعرفة والتربية الشاملتين. لذلك فالآيات الثلاث الموالية تبدأ بنصيحة النبي حول الموقف المعبر عن الصبر إلى حد يشبه عدم المبالاة بنتيجة الدعوة والاكتفاء بالمقابلة بين موقف المدعوين استجابوا أو لم يستجيبوا وموقف من لهم علم قبل نزول القرآن عند سماعه المقابلة التي تتواصل في الآيات الثلاث. ويمكن القول عرضا إن هذه الآية تبين أن المسلمين ليسوا محصورين بعد نزول الرسالة المحمدية في المسلمين بالمعنى الرسمي بل كل من تحركه معاني القرآن بالصورة الموصوفة في هذه الآيات مسلم أيا كان دينه الرسمي: الانتساب الرسمي إذا كان مقصورا على مجرد النسبة الجغرافية ليس هو المحدد لطبيعة العلاقة الروحية بين المؤمن وربه بل لا بد التطابق بين الحالة الفعلية لحقيقة الإسلام التي علامتها أثر معاني القرآن في النفس مع آثارها في العقد والشرع وهذا الانتساب.
ويتلو ذلك تحديد أسلوب الدعوة بالعبادة غير المنفرة. فالدعوة المعتمدة على التربية الشاملة تترك الخيار للمدعو بين عدة تصورات للذات الإلهية بحسب الصفات التي يمكن أن يسميه بها وهي كل الأسماء الحسنى التي هي عين تصورات العلاقة بين المؤمن وربه. والعبادة غير المنفرة رمز إليها بالتوسط في طبقة الكلام الصوتية. وقياسا عليها يمكن تحديد آداب الدعوة لتخليصها من المنفرات وأهمها اليوم المظهر المادي ما عاد منه إلى الطبيعة (كجمال المنظر وعذوبة الصوت) أو إلى الثقافة (هيأة الزي ونظافته والزينة المأذون بها) للداعية فضلا عن المسلك الخلقي وآداب المعاشرة ومساعدة المدعويين.
ولو نظرنا في الأسماء الحسنى لوجدناها ترد مهما تعددت إلى الصفات الذاتية الخمس التي تناسب منظومة القيم فيكون الخيار في النداء والدعاء تبشيرا بحرية السبل إلى الله وتعددها وهو ما يحدد معنى الآية 256 من البقرة المبشرة بالحرية الدينية وعلة كونها ولت آية الكرسي مباشرة. فآية الكرسي حددت ذات الله وصفاته الذاتية الخمس في علاقتها بما تمد به الإنسان:
فهي إما أسماء لوجوده (ومنها قيم الوجود)
أو لحياتة (ومنها قيم الذوق)
أو لقدرته (ومنها قيم الرزق)
أو لعلمه (ومنها قيم النظر)
أو لإرادته (ومنها قيم العمل)
وكلها سبل تؤدي ضرورة إلى الإسلام بمعنى الاعتراف بالعبودية لصاحب المدد بما يضفي على هذه القيم من القيام والقيمة استمدادا لوجود الذات البشرية وحياتها وقدرتها وعلمها وإرادتها من صفات الله بفضل النفخة التي حولت الصلصال إنسانا..
ثم تأتي غاية التربية الشاملة ببعديها النقدي والإيجابي في نفيين ونتيجة مسبوقة ثلاثتها بالحمد ومشفوعه بالتكبير: نفي مبدأ تحريف الأديان المنزلة (ابن الله سواء كان عيسى أو عزرا وهي أصل عقيدة شعب الله المختار الخرقاء) ونفي مبدأ الأديان الطبيعية ( الشريك سواء كان واحدا في المجوسية أو كثيرا في كل الأديان الطبيعية الأخرى) وإطلاق السلطان الإلهي ( ليس له ولي من الذل[ii]). فأما الحمد فهو رمز ما في الإسلام من تسليم بإرادة الخالق. وأما التكبير فهو رمز الحرية المطلقة أو العبودية لله وحده ومقتضاها الاجتهاد في العلم والجهاد في العمل. لذلك اعتبرنا الآية غاية العلاج لأنها تنتهي بتعريف بعدي الإسلام السالب والموجب:
1- فسلبا هو نقد بمعيار التصديق والهيمنة للاديان المحرفة منزلة كانت او طبيعية والتي ما تزال عندئذ موجودة في الجزيرة العربية: المسيحية واليهودية والمجوسية وكل الوثنيات.
2- وإيجابا هو إيجاب العلم والعمل بمعيار الحمد رمزا للتسليم للإرادة الإلهية (لأن الحمد يكون على الخير والشر) والتكبير الذي يعني نفي ما هو أكبر من الله ومن ثم العبودية له وحده أو الحرية المطلقة التي لا تتحقق إلا بالتربية الشاملة أو بالاجتهاد العلمي والجهاد العملي.
لم نختر سورة الإسراء لتحليل نظرية التربية الشاملة بالصدفة. فهي السورة التي تضمنت كل المعاني التي عالجناها في هذه المحاولة لكأن كل ما حصل في تاريخ الفكر البشري لتحديد مناهج الفهم والقراءة بالمعنى الذي استخرجناه من تاريخ الفكر ومن القرآن تمثل مضامين السورة فضلا عن كونها حددت صفتي القرآن من حيث هو نقد وتفكيك للتجارب الدينية السابقة بمنهج الفهم والقراءة لنصوصها التي طبق عليها غربال التصديق والهيمنة فضلا عن الدليلين المشيرين إلى الحقائق التاريخية لدور الأمة الأسمى شهادة على العالمين بالرسالة الخاتمة والدليلين المشيرين إلى اعتماد الرسالة المحمدية على إعجاز الاجتهاد والجهاد بعلم العادات والعمل بها لا على إعجاز خرق العادات:
فأما دليلا الحقائق التاريخية فهما:
1- الدليل الأول هو علاقة منزلة الإنسان المستخلف وكلية الرسالة الخاتمة.
2- الدليل الثاني الكرة الثانية في حسم الصراع الجاري حاليا مع اليهودية في صيغتها الصهيونية.
وأما دليلا اعتماد الرسالة على الجهاد والاجتهاد فهما:
3- تنبيه النبي إلى ما يمكن أن يقع فيه من خطأ التحريف لعدم العمل بقاعدة التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وهو أمر كاد يوقعه فيه أعداؤه: وهذا الإغراء قانون كلي لم يشذ عنه نبي. وهو نفسه الإغراء الذي تتعرض له أمته اليوم من أعدائها إذ يزينون لها شبها من القيم حتى تتحرف عن أسمى القيم التي هي جوهر البيان القرآني.
4- ونفي المعجزات الخارقة للعادات بحجة حاسمة هي بشرية النبي فضلا عن عدم نفع الخوارق في الإقناع بالدعوة. كما أن ذريعة التخويف لا ينبغي أن تكون من أدوات الدعوة الخاتمة لاعتمادها على تبيين الرشد من الغي بأدوات البيان العقلاني والوجداني.
5-والحجة الجامعة لكل هذه الأدلة هي ما استخرجناه من الآيات السبع الأخيرة من السورة والتي تتضمن كل هذه المعاني فروعا منها. وذلك ما كان علينا بيانه والله أعلم وهو ولي التوفيق.
كما أننا لم نختر ابن تيمية وابن خلدون ممثلين للتفسير القرآني التام بمحض الصدفة. فالتزامهما المذهبي رغم تشدده لم يمنعهما من طلب الحقيقة التي يدعونا القرآن لطلبها من موردها الفعلي قصدت من الموجودات وليس من تحليل النصوص التي تسدد المنظور ولا تمدنا بمادة العلم أو بقوانين الأشياء. لذلك كان عملهما المدخل الحقيقي إلى النقد الجذري الذي يمكن أن ينطبق عليهما هما نفسيهما والبداية الفعلية للمعرفة العلمية النظرية والعملية في تاريخنا الفكري .
فالأول أعاد النظر في الميتافيزيقا والمنطق بصورة فلسفية ذات منظور قرآني لايناقش فيها من يعلم مقتضيات هذا الوصف رغم دافعه العقدي الذي قد يخفي مضمون عمله النقدي الثوري خاصة بعد أن استحوذت على فكره حركات الغلو الأصلاني التي تعادي الفكر الفلسفي لذاته.
والثاني أعاد النظر في ما بعد التاريخ والتاريخ بصورة فلسفية ذات منظور قرآني لا يمكن أن يناقش فيها إلا جاهل بمقتضيات الوصف فضلا عن العلم بأعمال ابن خلدون خاصة بعد أن استحوذت على فكره حركات الغلو العلماني التي تعادي الفكر الديني لذاته.
وطبعا فإعادة النظر بحد ذاتها وقبل الكلام في الحلول التي قدماها تأسيس لمجال مفتوح لا يمكن لأي منهما أن يفرض عليه مضمونا معينا: كلاهما حقق ثورة شكلية مضمونها لا يقبل التحديد المسبق والنهائي لأن شكل المعرفة وعاء صوري يقبل أي مضمون في مجال النظريات عند الأول وفي مجال العمليات عند الثاني. فعندما تدحض المنطق والميتافيزيقا الأرسطيين وترفض المقابلة بين العقل والنقل بمعايير متقدمة عليهما معا هي معايير منهجية صورية خالصة (مابه نصل إلى صحيح المنقول وإلى صريح المعقول ينبغي أن يكون متقدما على المنقول والمعقول المضمونيين) وعندما تدحض التاريخ وما بعد التاريخ الافلاطونيين وترفض المقابلة بين الوجود (ما هو كائن) والشرع (ما ينبغي أن يكون) بمعايير متقدمة عليهما معا هي معايير منهجية صورية خالصة (ما به نصل إلى صحيح الحاصل وصريح الواجب ينبغي أن يكون متقدما على الحاصل والواجب المضمونيين) حتى وإن فعلت ذلك بدافع الدفاع عن مذهبك فإنك لا تستطيع أن تجعل مذهبك بديلا من شكل المنطق والميتافزيقا ومن شكل التاريخ وما بعد التاريخ الجديدين بمنظور تحديدهما الجديد بل تفتح بابا يصعب سده.
فقد بات من واجب الفكر أن يعيد بناء المنطق وما بعد المنطق والتاريخ وما بعد التاريخ بناء لا نهاية لمراجعته ما دام من طبيعة شكلية لا مضمونية وهدفه علم مناهج فهم الوجود والمعرفة في النظريات وعلم مناهج فهم القيمة والعمل في العمليات. وقياسا على ذلك حصل نفس الأمر بالنسبة إلى أصول العقيدة أو فلسفة الدين (بدلا من الكلام: ابن تيمية خاصة) وأصول الشريعة أو فلسفة التاريخ (بدلا من أصول الفقه: ابن خلدون خاصة) اللذين بات بوسع الفكر الإسلامي أن يعيدهما إلى جوهرهما المفتوح:
1- الفلسفة النظرية ببعديها المنطقي والإلهي في مجال الخلق وما يترتب على ذلك في علم مخلوقاته
2-والفلسفة العملية ببعديها التاريخي والإلهي في مجال الأمر وما يترتب على ذلك في عمل مشروعاته.
وهما مجالان مفتوحان إلى لا نهاية. ولست أعني كذلك أن ابن تيمية وابن خلدون كانا واعيين بكل أبعاد ثورتهما إذ لو كان ذلك كذلك لتحققت نهضة المسلمين منذئذ ولكان لا معنى لتواصل جهد الأجيال المتوالية لاستنباط الضمائر من خلف الستائر التي أسدلها متردم الفكر الغابر سواء كان من فكر الجدود أو من الفكر المستورد من وراء الحدود. فما هو حي ومبدع واحد في كل العصور والدهور ولا يختلف من حضارة إلى حضارة إلا بما لا دخل له في معاني العمارة. إنه ما حاول مفكرانا النفاذ إليه بكل ما أوتيا من قوة سواء كان المنطلق تقدم النظر والعقيدة في فلسفة الدين وأصول العقيدة أو كان تقدم العمل والشريعة في فلسفة التاريخ وأصول الشريعة. فالمهم في الحالتين هو النقد الجذري الموصل إلى حي السؤال الساعي إلى حي المآل والمحرر من متردم الآثار سواء كان من أصيل الأخيار أو من هجين الأشرار. لكأن ابن تيمية وابن خلدون ليسا من سلسة المراحل التي مر بها فكرنا إذ نحن ما نزال متخلفين عنهما ليس في المضامين فحسب ولا في المواقف فقط بل وحتى في فهم دور الفكر ومنهج العلاج رغم كوننا نأتي بعدهما بستة قرون !
لكن مشكل المشاكل هو أن مفكري اليوم وفقهاءه من الأصلانيين نزلوا إلى ما دون هذين الموقفين إلى حد لا يكاد يصدق دفنا للعقول في ميت الحلول التي تؤدي حتما إلى الأفول مثلهم في ذلك مثل من يبني سدودا دون مَنافس فيؤول أمر الأمة إلى النفي الدائم إلى أن يجرفها التيار فتتداوس في كوني التعافس.
فلا هم تمكنوا من تجاوز مبتذلات منطق النظر الأرسطي (مثل الكلام على العلم البرهاني عند أصحاب المشروعات الفكرية المزعومة نقدية!) ولا مبتذلات منطق العمل الأفلاطوني (مثل الكلام على التمني اللاتاريخي عند أصحاب المشروعات الفقهية المزعومة إصلاحية !) كما حطت منهما رسائل إخوان الصفاء وعممها تلاميذها الجدد من الفكر الماركسي والوضعي العربيين. ومثلهم مفكرو اليوم وقانونيوه من العلمانيين. فهم لم يتجاوزوا الفهم السطحي لقشور الحضارة الغربية التي حصروها في بعض الثمرات الدنيوية ونسوا أنها لا تستمد حيوتها إلا مما تقوم به كل حضارة مبدعة: السؤال الجذري المتعالي على ما في الوجود من القشور وما في الدنيا من البثور.
[i] بمقتضى التحريف الذي علته الأساسية هي بيع الآخرة بالدنيا:" إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم لله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم* وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتسحبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله و ما هو عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون"( آل عمران 77-78)
[ii] ونسبة الولي إلى "من الذل" توحي بالعلاقة مع "اخفض لهما جناح الذل" فيكون المقصود نفي الحدوث واثبات القدم بنفي المولودية أي أن الله لا ينفى عنه أن يكون قد ولد بفتح الواو فحسب بل وكذلك أن يكون قد ولد بضم الواو كما في الإخلاص.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام