



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس 31
الدرس الأخير للسنة الأكاديمية 2008-2009
نختم البحث بالكلام في دلالة اختيار الشعب العربي لحمل الرسالة الخاتمة بداية عند نزول القرآن بلسانهم وفيهم واستئنافا عند دوران الصراع العالمي بينها وبين تحريف الأديان المنزلة بعد أن بلغ غايته (الصهيونية والمسيحية المتصهينة هما جوهر التحريف الذي عناه القرآن في آل عمران خاصة) وجاهلية الأديان الطبيعية بعد أن بلغ غايته (الطبعانية الذوقية أو الفن الاباحي والطبعانية المعرفية أو مابعد الحداثة هما جوهر الجاهلية التي عناها القرآن في آل عمران خاصة كذلك) لاجتماع مقومات الحضارة المادية والرمزية الأساسية في أرضهم.
وحتى وإن لم أكن ممن لا ينفي الصدف في التاريخ فإني اعتبر نزول القرآن على عربي ووقوع أحداثه التأسيسية في الجزيرة العربية ثم الشروع في معارك الاستئناف الحاسمة فيها لم يكن ذلك كله من الصدف بل هو لحكمة بينة جوهرها وحقيقتها بيان فساد المعتقدات التي وصفنا في صفات السلوب التي حددها ابن حزم: نفي الحقيقة وجودا وعلما أو حصر علمها في المعرفة التحليلية أو حصرها في بعض الشعوب خطابا دون بعض أو حصر الاصطفاء الرسولي في قوم دون قوم.
فتكليف أمة بادية ذات خصوصيات تاريخية شبه مطلقة الانعزال برسالة كونية متقدمة على إمكاناتها ودوران معارك الكون الأساسية حاليا حول محاولات استئنافها دورها التاريخي المطابق للرسالة الخاتمة رغم ما هي عليه من ضعف مادي يبدوان منافيين للحكمة ومنطق الأشياء. لكن ذلك يمكن أن يكون دليلا على أفضل الحكم في كلتا الحالتين:
في النشأة الأولى التي بدأت من نزول الرسالة إلى الشروع في تحسس أسباب الانحطاط.
في النشأة الثانية من هذا الشروع إلى كل المستقبل الذي نحاول تبين ملامحه الأساسية.
وكلتا النشأتين تحددان شروط قيام الأمة بدورها الكوني من حيث هي شاهدة ومن ثم ساعية إلى التذكير الدائم بمضمونات الرسالة لئلا يكون الختم نهاية التبليغ المشروط في التكليف فضلا عن الجزاء بل نهاية الأعذار لمن يرفض فهم الأسرار في قراءة آيات الخلق والأمر ليكون من الأبرار. وسنبين ذلك في هذه الخاتمة من وجهين هما عين دلالة النشأتين وكلاهما مضاعف:
وجه الحكمة الأول:
1- فأما الفرع الأول من النشأة الأولى فهو حكمة البداوة: ففيها يكون الإنسان أقرب ما يكون من الفطرة خاصة إذا لم تكن بداوة نكوص بل بداوة أصلية لم تتل انحطاط حضارة سابقة لأن هذه البداوة الثانية أفسد حتى من الانحطاط الحضاري لأنها عين تحلل كل المعاني الإنسانية والنكوص إلى الحيوانية المحض. ولما كان الدين الإسلامي مبدؤه الأساسي هو الفطرة ومحاولة إبراز الديني في كل الأديان ما كان منها طبيعيا وما كان منزلا فإن هذه البيئة هي أفضل الشروط لمثل هذه الرسالة.
2-وأما الفرع الثاني من وجه الحكمة الأول- وهو الأبعد غورا- فيتعلق بقانون الحفظ والتجاوز الحضاري: فلو كان الشعب الذي بعث فيه محمد ذا حضارة متفوقة على من حولها من الشعوب التي ستفتح أرضها ويهديها الله إلى الإسلام لكان أول عمل يقوم به العرب محو حضاراتهم وتعويضها بما يتصورونه حضارة أرقى كما تفعل أمم أوروبا في دعواها القيام برسالة التحضير.
لكن العرب لحسن حظ البشرية لم يكن لهم ما يفوقون به غيرهم من الشعوب التي أسلمت غير ما سيحققونه بفضل ثورة القرآن الكريم رغم تخريف بعض القوميين والقطريين (مثل النعرات الفرعونية والبابلية والفينيقية والقرطاجنية التي هي حضارات ماتت وتجاوزتها الحضارات التي كانت قائمة في ما صار دار الإسلام) ممن لا يميز بين البحث التاريخي في الإحاثيات الحضارية وعمل التاريخ المعتمد على ما بقي منها حيا وفاعلا. وحتى آداب العرب التي باتوا يفاخرون بها فأغلبها من صنع هذه المفاخرة بعد اكتشاف ما للأمم الأخرى من آداب يمكن أن تبزهم بها. وبهذا المعنى فإن ما كان يمكن أن يتميز به العرب من منجزات حضارية كان يمكن أن يكون بديلا مما يوجد عند الأمم الأخرى فيؤدي إلى نزعة التهديم الحضاري والاستبدال بدل الموقف الإسلامي المعتمد على مبدأ التصديق والهيمنة .
وجه الحكمة الثاني:
1- وفرعه الأول هو طبيعة المادة التي طورتها الـثورة القرآنية فأعطت العرب فرصتين بمنظورها النقدي: فرصة الاستفادة من تراث ليس عندهم منه بديل وفرصة إمدادهم بغربال يحرر التراث الإنساني السابق من الشوائب المنافية للكونية بمعياري النقد اللذين حددهما القرآن غربال التصديق والهيمنة. فتكون الوضعية والظرفية اللتين اختيرتا منطلقا للرسالة هما بدورهما لا يمكن أن تعملا موضوعيا واضطرارا إلا بهذين المعيارين مع السنن الحضارية الأربع التي كانت تحيط بهم في الرقعة التي أصبحت بالتدريج ما نسميه اليوم الوطن العربي من المحيط إلى الخليج:
1- السنن اليهودية- المسيحية التي نبعت من هذه المنطقة,
2- السنن اليونانية-اللاتينية التي استقرت فيها بعد استعمارها كامل المشرق والمغرب العربيين,
3- السنن الفارسية الهندية بنفس التعليل,
4- سنن الثقافات المحلية التي هي بقايا الحضارات المتقدمة على هذين الاستعمارين والتي انصهر أرقى ما فيها (التراث الشرقي القديم) في السنن الثلاث الأولى.
أما الصورة التي عملت بها الثورة القرآنية أعني موقف التصديق والهيمنة الذي غربل ناتج هذه السنن بفضل غربال الثورة الإسلامية المضاعف وإضافاتها. فهو بذلك كان المنبع الذي صدرت عنه مقومات الحضارة التي لا تزال معين الوجدان البشري إلى يومنا هذا رغم ما شابه من مكدرات حاولنا وصفها في السلوب الأربعة. ومبدأ عمل الغربال الإسلامي بسيط ومعلوم لكونه جوهر ما حصل في تاريخهم الفعلي:
فالجماعة الإسلامية تواصل ما تحكم بصدقه من منطلق هيمنتها الروحية بالمعنى الخلقي السامي. ولعل أفضل رمزين لتحقيق التجاوز نحو الكلية التي لم تتحقق بسبب التقابل بين ما توصل إليه فكر الدين المنزل الأسمى (الكلام الديني ببعديه الموسوي والعيسوي)[i] وما توصل إليه فكر الدين الطبيعي الأرقى (الكلام الفلسفي ببعديه الأفلاطوني والارسطي)[ii] وهما الرمزان اللذان كانا مؤذنين بختم الوحي:
1- رمز "إينما تولوا فثم وجه الله ونتيجته أن الارض كلها صارت مصلى للمسلمين" ما يعني أن القبلة من حيث هي توجه معين في المكان والمسجد من حيث هو حيز معين منه ليسا إلا من ضرورات تحييز العبادة الدنيوي وليسا من جوهرها.
2- ورمز جمع الحج بين بعض طقوس الدين الطبيعي غير المنافي للفطرة السليمة وبعض طقوس الدين المنزل غير المنافي للدين الطبيعي. لذلك فكل المخرفين بالكلام عن التنافس بين القبلتين وعن الابعاد الوثنية في الحج من أحمرة العلمانيين التي ليس من العجب ألا تفهم الطابع الثوري لهذين الرمزين.
2-وفرعه الثاني هو جعل التاريخ الإسلامي نفسه جهد تحقيق شروط القيام بالرسالة على أحسن وجوهها. فلا يكفي القيام الرمزي للرسالة في نصي القرآن والحديث بل لا بد من أن يعاني المسلمون في التاريخ الفعلي كل المحاولات الممكنة عقلا لتجريب كيفيات الأداء في حدودها القصوى ليكون تاريخهم الفعلي مثل نصهم وكأنه ملخص التاريخ البشري. فالقرآن يقص التاريخ البشري في محاولاته وصل نفسه بالمتعالي الديني وعلى المسلمين أن يعيشوه ليكونوا في الحال التي ينبغي أن يبدأ فيها التطابق الفعلي بين التصور والفعل أو ما في فلسفة الدين (نظرية الوجود ونظرية الإنسان القرآنيتين) وما في التاريخ (التحقيق الفعلي للقيم الكونية كما حددها القرآن): ومعنى ذلك أن القرون الإسلامية التي مرت كلها ليست إلا هذه التجارب التي حققت شروط الاستئناف الحالي وان هذا الاستئناف ينبغي أن يكون في لحظة الكونية الفعلية ( العولمة ) والتي تكون بؤرة الصراع الكوني فيها حول الإسلام ذاته الذي بات يعتبر العائق الوحيد المتبقي أمام الجبروت الذي اعتبر الكفر به شرط الإيمان.
وقد اجتمعت كل عوامل معادلة تصنيف الأديان البحزمية (نسبة إلى ابن حزم) في وعي المسلمين من أدنى درجاته العامية إلى أرقاها الخاصية فانحصر الصراع الكوني في صراعاتها الأربعة بين نخب الأمة نفسها وبينها وبين نخب العالم كلها:
1- القول بالحقيقة ونفيها
2- والقول بالوحي ونفيه
3- والقول بالكونية الدينية للمخاطبين ونفيها
4- والقول بالكونية الدينية للمرسلين ونفيها.
فهل يمكن أن يكون هذا كله من الصدف؟ لكن كيف يمكن أن تفهم عندئذ أنك إذا جمعت السلوب وجدت من هم حرب على المسلمين: إنهم بالضرورة سفسطائيو العصر نفيا للكلي العقلي (نسبوية الذريعية هي عين ما بعد الحداثة) ونفاة حقيقة الأديان السماوية الموظفون لها سياسيا ( المسيحية الصهيونية) ونفاة كلية المخاطبين (اليهودية المطابقة للصهيونية من البدء ) ونفاة كلية الرسل ( نظرية شعب الله المختار): وبذلك نجد أن الصفتين الأوليين تعينان الأمريكان والصفتين الثانيتين تعينان الاسرائليين؟ وإذا جمعت الموجبات فإنك واجد لا محالة المنزلة التي بشر بها المسلمون والتي تجعلهم هدف الحرب ممن تحدد بالسلوب المنزلة التي تكلفهم بأن يكونوا شهداء على الناس في القول بالحقيقة وبالوحي وبكلية المخاطبين وبكلية الرسل وذلك هو الختم الذي يؤهلهم للشهادة ؟
فالوجهان بفرعيهما يتحدان في واقعة تاريخية لا جدال فيها وهي أن النشأة الثانية (الصحوة) مثل النشأة الأولى بصدد الحدوث في إطار صراع دولي حول الخيارات الكبرى المتعلقة بأصناف القيم الخمسة ما جعل المسلمين في دوامة الصراع الدولي الذي أسهموا في تحرير البشرية من قطبيه المستعمرين لدارهم:
تحريرهم من سلطان فارس الطاغوتي في بداية النشأة الأولى وعلى بيزنطة في غايتها.
تحريرهم من سلطان الاستعمار القديم في بداية النشأة الثانية والتصدي الحالي للاستعمار الجديد.
لسنا ممن يقول بتكرار التاريخ نفسه. لكننا ننفي أن يكون التاريخ مطلق التجدد: ففيه بعض البنى الثابتة. وغايتنا الإستراتيجية هي التحرر من بعض الثوابت القاتلة للإبقاء على المحيي منها. علينا أن نحول دون سعينا إلى التحرر من الاستعمار الجديد والتحول إلى غاية للنشأة الثانية تعلما من التجربة السابقة حتى لا نقع بوقوع العدو الذي نصارع. لكن "طلبنة"[iii] المقاومات الإسلامية يكاد يعيدنا إليها: ينبغي أن يدار الصراع بصورة تضمن الخروج منتصرين بخلاف ما حصل في المرة السابقة التي ربحنا فيها المعركة سلبا فقط إذ أنهينا الطاغوتين ووقعنا بوقوعهما.
علينا أن نأتي على طاغوتي العصر دون الوقوع معهما. ينبغي أن نجعلهما تابعين حضاريا بافتكاك مشعل الحضارة الإنسانية منهما لأن ذلك هو النصر الحقيقي. لا ننسى أننا أسقطنا بيزنطة وأخرجنا الصليبيين لكن الأوروبيين أخذوا منا مشعل الإبداع الحضاري فكان انتصارنا مقصورا على الوجه السلبي من النصر في الحرب. وعلينا أن نحول دون تكرار ذلك مرة أخرى. أنهينا الاستعمار القديم. ونحن بصدد التحرر من الاستعمار الحديث بدءا بالاتحاد السوفياتي الذي كان لنا الدور الرئيسي في القضاء عليه وختما بأمريكا التي نحن في حرب معها الآن. وقد بدأت تظهر فيها أعراض الإعياء عليها بل هي شرعت في الترنح. لكن الخوف هو أن نكون حطب هذه الحرب وذبيحة العرس لمن يتربص بنا وبها معا فلا نستفيد نحن شيئا بل نحقق السانحة للأقطاب الأربعة المحيطة بدار الإسلام فتلتهمها وهي ثخين: الصين والهند وروسا وأوروبا الموحدة. وذلك ما كان علينا بيانه C.Q.F.D.!
فقد ساعدنا أوروبا اللاتينية في القضاء على بيزنطة وانتهى دورنا حضارة مبدعة مع انتهاء هذه المهمة لنلقي بالمشعل إلى أوروبا اللاتينية وسقطنا في سبات شتوي دام إلى العصور الحديثة.
ونحن الآن نساعد نفس أوروبا في القضاء على سلطان أمريكا والخوف أن ينتهي شروعنا في الاستئناف مع انتهاء هذه المهمة. ولا ينبغي أن نقع في نفس الفخ فننسى الأقطاب المتربصة بنا لكونها محيطة بالعالم الإسلامي.
لكن ما فائدة البيان إذا لم تتلقه آذان يحركها الوجدان ويهديها الجنان ؟ فقد يغمره النسي والنسيان بعد أن فقد العربان كل إرادة وفرقان فصاروا صما بكما عميا وطرشان فلا يميزون بين طلب الحقيقة والكفران !؟ وإذا كان التململ أمام الفكر الفلسفي الذي يطلب شروط التعامل الفاعل مع ظرفيات التاريخ وشروط التأثير على مجراه غير غافل عن حصوله ولا عن علل حصوله في اللقاء الأول بالفكر الفلسفي فإنه اليوم يبدو قد عاد بنا إلى بدايته وكأن كل ما حصل بعده لم يبق أثرا في وعينا التاريخي. ولعل السبب أن صيغ الوعي بالعلل الحقيقية كانت عرجاء. فقد صاغ عباره شروطه المعرفية الغزالي وصاغ عبارة شروطه العقدية ابن خلدون.
ثم اكتمل سوء الفهم بما غلب على فكرنا المعاصر من فهم رديء لمحاولات ابن تيمية. فأسلوب الفتاوى الجدالي وصراع الفتوة المغالي حالا دون الكثير تجاوز القشور من جوهر فكرته إلى نواة البذور في معنى ثورته[iv]. لذلك تراكمت الأدواء ولم يطلب أحد جوهر الدواء. ذلك أن شرط الأول كان غاية التململ غير المدرك لعلة توقف الإبداع المعرفي في الحضارة الإسلامية: أصبحت التجارب النظرية من المحرمات. وكان شرط الثاني غاية التململ غير المدرك لعلة توقف الإبداع العقدي فيها: أصبحت التجارب الوجودية من المحرمات. وإذن فالصيغتان عرجاوان لنفس العلة.
فالغزالي يشترط في الرد على الفلاسفة العلم بفلسفتهم مثلهم أو أكثر. والعلة هي هذا الضمير "هم" الذي نسبت إليه الفلسفة. فما ظلت الفلسفة أمرا أجنبيا عن الحضارة الإسلامية التي يمكن التعبير عنها بضمير "نحن" فإن التفسلف عند أهلها لن يتجاوز رد الفعل. لن يصبح الفكر مبدعا للنظريات إذا كانت النظريات تعد كفرا. لم ينظر الغزالي إلى المسألة من وجه الشرط الموجب للعلاج. لا يمكن أن تقاوم ما ترفضه من الفكر الفلسفي-لا الفكر الفلسفي إذ ليس من فكر ممكن من دون شيء ما منه إذا لم يكن القصد شكله المعهود بل ما يعنيه ابن خلدون أعني المعرفة الحاصلة عن التجربة الكونية والعلم بقوانين الطبيعة والتاريخ- إذا لم يكن فكرك فلسفيا بذاته ومن إبداع حضارتك وليس فلسفة مستعارة من أصحاب الفكر الفلسفي الذين يعدون غيرا للرد عليهم. ومن ثم فعلى الأمة أن يكون لها فكر فلسفي بكل معاني الكلمة أقصد كل العلوم الكونية والشرعية بما يصاحب ذلك من تجارب عقلية جريئة تلامس اللامعقول. فلا يمكن لاي تفلسف جدي أن يحصل من دونها لكون التفلسف فعلا من القوة الثانية بالنسبة إليها بحثا في أصولها وموضوعاتها ومناهجها وثمراتها النظرية والعملية ومن ثم طلبا للأسس النظرية أو نظرية المعرفة والوجود وللأسس العملية أو نظرية العمل والقيمة.
وابن خلدون يشترط لتعلم الفلسفة وممارستها ما يعتبره دارئا لأخطارها -وليس في الرد عليها وهذا هو التقدم الحاصل بين العصرين إذ لم تعد الفلسفة أمرا أجنبيا ينبغي الرد عليه بل هي أصبحت أمرا أهليا لا يخلو منه عمران من المنظور الخلدوني يقع التحرز من ممارسته بالحذر العقدي- أن يكون المرء متشبعا بالثقافة الدينية. وهنا أيضا نعود إلى نفس النسبة الاستلابية والوصاية الفقهية. فالفكر الفلسفي والفكر الديني اعتبرا متخارجين بل ومتعاديين بإطلاق وأرجع تواليهما الضروري في التكوين التربوي إلى علل عقدية بدل إرجاعه إلى مراحل النضوج الفكري في العملية التربوية. وكان من المفروض ألا يغفل ابن خلدون عن كون كل فكر فلسفي ومن حيث هو فلسفي بالذات ديني لمجرد كونه طلبا للحقيقة أولا ولكون الحقيقة التي يطلبها متعلقة بالمقومات الجوهرية للوجود عامة ولوجود الإنسان خاصة.
فماذا يبقى من الدين إذا اعتبرنا هذه المضمونات أجنبية عنه فنسبناها إلى الفلسفة من دونه ؟ لا يبقى إلى التحكم الفقهي ! وإلى ذلك دون سواه رد فكر ابن تيمية في الفهم السطحي الذي كان في نسبته إلى التيمية من جنس نسبة الستالينية إلى الاشتراكية. وكان من المفروض أن يتكلم ابن خلدون عن الأسلوب النقدي في الفكر الفلسفي الذي ينبغي أن يكون مشروطا بتعلم الفنون التي سيطبق عليها والأدوات التي سيستعملها في التطبيق قبل الحرية المطلقة في التطبيق كما تقتضي ذلك نظريته التحررية في التربية. لكن إذا اشترطنا ذلك بمعنى التوالي المطلق الذي يلغي ممارسة النقد خلال المراحل الأولى من التعلم بات فهم نصوص القرآن مستحيلا وأصبح التعلم ممكنا من دون ممارسة الفكر النقدي المتساوق مع كل مراحله كما تعرفه نظرية "المعرفة-التربية" القرآنية التي حددنا في الفصل الأخير من البحث.
فهو ليس كما صوره الفقهاء دعوة إلى العقد الأعمى أو إلى إيمان العجائز كما يزعم بعض علماء الكلام المعتبرين قد تابوا (وهو يذكر بما يسمى اليوم بتوبة الفنانات واعتزالهن الفن الذي حوله جهل الفقهاء بالمعاني السامية للفن وكونه أهم مقومات الحياة الروحية حوله إلى جرم ينب[1]غي التوبة منه واعتزاله !) بل هو من سورة الفاتحة إلى سورة الناس نقد في نقد لعقد العجائز الذي لا يتميز عن الوسواس. لذلك يكثر القرآن من الحوافز إلى دائم السؤال الوجودي وواجب الفهم لا مجرد البحث الجائز!
[i] وهذا هو الذي طبق عليه القرآن نفسه غربال التصديق والهمينة بأخلاق التواصي بالحق والتواصي بالصبر من منظور كلية الرسالة الخاتمة المذكرة بكلية كل الرسالات التي فقدت كليتها بمفعول التحريف ما يجعل كل القائلين بالخصوصية الإسلامية محرفين للإسلام كما بينا في تعليقنا على بعض تخاريف أصحاب المشروعات الضبابية.
[ii] وهذا هو ما تحقق عليه تطبيق غربال التصديق والهيمنة بالتدريج في الفكر الإسلامي محاكاة للتطبيق القرآني بالنسبة إلى الفكر الديني المنزل إلى أن اكتمل في عمل ابن تيمية وابن خلدون. وإذا كان التطبيق الأول مما لا يمكن لأحد أن يشكك فيه لأنه صريح بل هو عين المشروع القرآني الذي لأجله أمكن لنا أن نصفه بكونه بالأساس مشروعا نقيا وتفكيكيا فإن العلمية الثانية هي التي قل أن يدركها العجلى من المتطلفين على الفكر عامة وعلى الفكر الفلسفي خاصة.
[iii] نشتق هذا المصدر من كلمة "طالبان" الأفغانية ونعني بها ظاهرتين خطيرتين قد تفسدان الصحوة: 1- الخلط بين تقاليد البداوة الأفغانية والخليجية وقيم الإسلام 2- والخلط بين الجهاد وفوضي أمراء الحرب الأفغانيين. وما يخيفني تجربتان إحداهما رأينا بعد نتائجها المدمرة في الجزائر والثانية بصدد الحدوث في فلسطين والعراق وهي تهدد كل النهضة والصحوة بما لا تحمد عقباه. فذلك مدمر بوجهين: فهو يؤدي إلى اليأس من كل الحلول النظرية ذات النسيج الفلسفي المتين عدى ما يقدمه الخارجون عن الإسلام من العلمانيين القادمين مع جيش الاستعمار من محاولات أشبه برسائل أخوان الصفاء الدالة على فساد المزاج ونقص المنطق أو بصورة أدق على سوء الهضم المؤدي إلى التقيؤ الرمزي المسمى فكرا وهو دون أساطير الأولين. ثم هو يؤدي إلى امتناع كل محكومية للشعب العربي ومن ثم إلى صوملة الوطن الفعلية التي نراها شرعت في نخر كيان الدول القطرية. وكان يمكن أن يكون ذلك بداية توحيد بالفوضى المبدعة: لكن ذلك كان يكون كذلك لو كان وراءه حركات سياسية تقود تيارات شعبية قوية لها مثل هذه الإستراتيجية. لكن الموجود هو تيارات فاشية تعتمد على عقلية الانقلابات العسكرية التي يعلم الجميع أنها لا يمكن أن تتحقق إلا بمساعدة المخابرات الاستعمارية.. أما والفكر شبه منعدم أما والمقاومة تتبدى فإن العاقبة تبدو مخيفة.
[iv] انظر أبو يعرب المرزوقي فكر ابن تيمية الإصلاحي صدر في مجلة التجديد التابعة للجامعة العالمية الإسلامية عدد ربيع 2002. وقد نشر المقال في العديد من المواقع الالكترونية والمجلات العربية بعد ذلك. والغريب الغفلة عن كون ثورة ابن تيمية التي أنهت الميتافيزيقا اليونانية بوجهيها الأرسطي والأفلاطوني مستمدة من الفهم العميق للآيات 67-71 من سورة البقرة حول التلكؤ في ذبح البقرة. فالأجوبة الثلاثة التي أوحى الله بها لموسى ليرد بها على سؤال "ما هي" مرتين وسؤال "ما" مرة واحدة يعد- إذا ترجمناه بمصطلح الفلسفة اليونانية- تعريفا بالأعراض لا بالمقومات. ذلك هو مصدر نفي ابن تيمية المقابلة بين الذاتي والعرضي نفيه الذي نعتبره أكبر ثورة في تاريخ العلم الإنسان منذ تأسيس الفلسفة اليونانية إلى اليوم. ومن هنا كذلك قوله إن الماهية مجرد اسم يحد الشيء ويشير إليه في الوجود العيني لتمييزه عن غيره دون أن يفيد جوهر الشيء أو حقيقته إلخ... من مصطلحات الفلاسفة. وهذا الأمر الذي اعتبره فلاسفتنا في تبعيتهم للفكر اليوناني القديم خروجا عن العقل بين تقدم العقل البشري أنه عين العقل لأن حقائق الأشياء في ذاتها ليست مطلوب العلم فضلا عن كونها لا يعلمها إلا الله. إنما هدف العلم الاجتهاد لتنظيم الأشياء ومعرفة قوانين التعامل معها لا غير. وعندما يحاول العلم الإنساني السمو إلى ما يعلو ذلك فإنه يصبح عبادة غايتها تذوق أثر سنن الله في الكون والامر: فيكون علما دينيا ذوقيا يشرئب إلى المتعاليات التي لا تعلم بل تحرر من الفناء وتحرك نحو البقاء. لكن الأدهى أن بعض مفكرينا من ذوي المشاريع الرنانة لا يزالون يعتقدون العلم الإنساني إدراكا للجواهر وإلا لما قابلوا بكل سطوة وسلطان بين البرهان والبيان الذي وضعوه في أدنى درجات السلم دون العرفان !
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام