



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس الحادي عشر
كيف مات الفكر الديني الإسلامي وكيف يمكن إحياؤه؟
ليست أزمة الفكر الديني الإسلامي بنت اليوم بل هي مصدر الانحطاط العام الذي أصاب الحضارة الإسلامية ليس في العلوم وحدها بل وفي الأعمال والوجود الإسلاميين. وقد بدأ خطر هذا السلوك يتضح حتى لفاقدي البصائر. فالتجميد النسقي للمحرج من السؤالات آل بالأمة إلى كل النكبات فبات التغيير الوحيد الممكن هو التغيير المفروض بالقادمين على ظهور الدبابات لإلزام الأمة بالممسوخات من التغييرات التي تقضي على ما في وجود الأمة من بواقي الحصانات. لذلك فإني سأغامر وأقدم هذا العلاج الذي أحاول فيه كشف الغطاء على الداء علنا بذلك نسعى جادين إلى العلاج والشفاء قبل أن يعم البلاء فلا يبقى أمل ولا رجاء.
وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن الجامعات الإسلامية ليست متخلفة بالقياس إلى الجامعات الغربية الحالية فحسب بل هي متخلفة حتى بالقياس إلى الجامعات الإسلامية في عصور الانحطاط. فجامعة الزيتونة وجامعة الأزهر في بدايات عهد الاستعمار كانتا على الأقل تعتمدان على علماء لهم بحق جدارة حمل هذا الاسم في مجالات اختصاصهم. لكنهما الآن تكادان تخلوان من غير الطبالين للنظامين الحاكمين حتى إني رأيت بأم عيني كلية في واحدة منهما تحولت إلى إذاعة لأمجاد الحاكم فكان ذلك كافيا ليصبح المسؤول وزيرا.
علة هذا التخلف ليست معرفية فحسب بحيث يمكن أن ننسبها إلى تقصير العلماء وحدهم بل هي خلقية وينبغي أن تنسب إلى الأمة ككل. لذلك فقد صارت الجامعات الإسلامية مؤسسات تعمل في فراغ. كل المؤسسات الجامعية في العالم تؤدي وظيفتين:
الأولى هي طلب الحقيقة العلمية لذاتها في كل المجالات وليس في المعرفة الدينية وحدها لأن العلم عندما يكون لذاته يكون بالجوهر دينيا أعني لوجه الله بمعنى الحق في كل علم. ولأن المسلمين نسوا هذا المبدأ تخلفوا في كل العلوم.
والثانية هي طلبها من أجل الوظائف العمرانية التي لا تقوم من دونها وهذه أيضا ذات معنى ديني سواء مباشرة أو بصورة غير مباشرة لأن الدنيا من حيث هي مطية خدمتها خدمة للدين أيضا. ولأن المسلمين نسوا هذه القاعدة تخلفوا في كل الأعمال.
وإذا كانت الوظيفة الأولى هي التي تغذي الوظيفة الثانية بالأدوات و الحلول فإن الوظيفة الثانية هي التي تمد الوظيفة الأولى بالغايات والدوافع. لكن المؤسسات الجامعية الإسلامية فقدت الوظيفة الثانية التي آلت جميعها إلى الجامعات الحديثة ولم يبق لها منها إلا الشبائه التي تتنكر فيها محاولات الزعم بأن بعض الدول العربية والإسلامية تعمل بالشريعة وتفهم دلالات علوم الإسلام القرآنية والسنية.
وطبعا فلما كانت الغايات والدوافع شبائه فإنه لا يمكن لثمراتها أن تكون من طبيعة مخالفة. فلا تنجب الشبائة إلا شبائه الشبائه أعني اللقائط. ذلك أنه من دون أسئلة جذرية لا يمكن للأمم أن تبدع. لا يمكن لها إلا أن تتبع. فالسؤال الجذري بات كفرا كما في عهد الجاهلية ببعدي الجهل المضاد للعلم والمضاد للحلم. لذلك فإن التحريف ببعديه المادي والروحي هو السائد على أمة الإسلام رغم دينها الذي يدعوها للثورة الدائمة على البائد من العوائد: التحريف المادي زيادة في السنة أو انقاصا والتحريف المعنوي تأويلا للقرآن أوتشويها.
علل فساد المعرفة النظرية في حضارتنا
ليس الكلام في الفساد الذي طرأ على العلوم الإسلامية عامة والفكر الديني المؤسس لها خاصة بالأمر الجديد. فمشروع إحياء العلوم الذي حاول الغزالي تحقيقه يمكن أن يعد غاية مراحل الصياغة الصريحة للمسألة رغم أن الحل اقتصر عنده على فهم ضيق للعلوم من منظور أضيق هو منظور الإحياء بجذوة العاطفة الصوفية. ومع ذلك فمشروع الغزالي يتضمن بعدي كل عملية إصلاح جادة.
1- فهو يتضمن نقدا نسقيا للحال التي آل إليها حال العلوم الإسلامية وخاصة الفقه والكلام: كلاهما تلخص من كل طلب للحقيقة من أجل الحقيقية وتحول إلى إيديولوجيا في خدمة طائفة أو نحلة أو نظام.
2- وهو يتضمن محاولة نسقية لتقديم البديل من هذه العلوم مستندا إلى أصلين أحدهما مستمد من التصوف لإحياء الدلالات الروحية والمعاني الخلقية والثاني مستمد من الفلسفة لتقويم المناهج العلمية والطرق المنطقية.
لكن المحاولة الغزالية كانت محكومة بالفشل لعلتين:
1- الأولى هي الظن بأن الإحياء عملية متناهية تحصل مرة واحدة بضخ شحنة روحية من التصوف وآلية منهجية من الفلسفة. وهو ما جعل الدواء نفسه عين الداء لفقدانه شرط الحياة الدائمة أعني الفكر النقدي والتجربة الحية وكلاهما مشروط بالحرية الفكرية والعقدية اللتين ضمنها القرآن وحرمهما الفقهاء والمتلكلمون.
2- والثانية هي الاقتصار على العلوم الدينية ظنا أن العلوم الدنيوية ليست دينية وعلى المنظور الصوفي ظنا بأن المناظير الأخرى تخلو من المعنى الديني والحيوي. فبات الدين الذي جاء لتحقيق القيم القرآنية في التاريخ خارج التاريخ ليس بسبب فقدان الأداة فحسب (نفي العلوم المسماة دنيوية) بل وكذلك بسبب فقدان الشوق الوجودي للسعي في الدنيا من أجل الخلود الأخروي ليس بنفيها بل بامتطائها كما ينبغي الامتطاء: أعني استعمارها والاستخلاف فيها.
فالعلوم الدينية لا يمكن أن تستقيم من دون شرطها الذي هو العلم بموضوعاتها بمقتضى كونها بالضرورة علوما "مابعدية" بمعنيي المابعدية: بمعناها في الفلسفة وبمعناها في الدين. لذلك فما بعديتها مضاعفة مرتين بمقتضى كون نظرية المعرفة الإسلامية هي في نفس الوقت نظرية التربية الإسلامية كما بينا في بحث مناهج الفهم والقراءة: فهي بحث في ما بعد العالم وفي ما بعد المعلوم وفي ما بعد العلم من حيث وجه العلاقة العلمية المتجه من العالم إلى المعلوم وما بعد العلم من حيث الوجه المقابل من العلاقة أي من المعلوم إلى العالم وما بعد وحدة هذه المستويات:
1- فمن حيث هو ما بعد العالم لا يقتصر الفكر الديني الإسلامي - والمفروض أن يكون كل فكر ديني من هذا الجنس أو غايته هذا الجنس من المنظور- على شروط إمكان العارفية في ذات طالب المعرفة أو خارجها بل هو يضيف إلى ذلك ما ينتج عن اعتبار العارفية جوهر ذات طالب المعرفة من حيث هي منزلة وجودية نسميها الخلافة بدلالتيها: ائتمار بإرادة المستخلف ورعاية للأمر المستخلف فيه على علم.
2- ومن حيث هي ما بعد المعلوم لا يقتصر الفكر الديني الإسلامي على شروط إمكان المعروفية في ذات مطلوب المعرفة أو خارجها بل هو يضيف إلى ذلك ما ينتج عن اعتبار المعروفية جوهر موضوع المعرفة من حيث هو منزلة وجودية هي المسخَّرية بدلالتيها: فالموضوع آية على المستخلف وقوام للخليفة على علم. فيكون الوجود المخلوق ثمرات صفات الله.
3- ومن حيث هي ما بعد وجه علاقة العلم من العالم إلى المعلوم لا يقتصر الفكر الديني على مسألة الطريقة أو أخلاق العلاج المناسب لتعامل الذات مع الموضوع بل هو يضيف إلى ذلك ما ينتج عن اعتبار خلق العلاج جوهر الرعاية التي تصلح في الأرض: ليس الإنسان مستهلكا للكون بل مستعمر فيه.
4- ومن حيث هي ما بعد وجه علاقة العلم من المعلوم إلى العالم لا يقتصر الفكر الديني على مسألة المنهج أو فنيات العلاج المناسب لبوح الموضوع بأسراره بل هو يضيف إلى ذلك ما ينتج عن اعتبار فنيات العلاج خاضعة لجوهر الرعاية التي تحول دون الفساد في الأرض: ليس الإنسان مغتصبا للموجودات بل محاور لها.
5- ومن حيث هي وحدة الكل يكون الما بعد هو العلم العبادة التي تؤهل الإنسان لإرث الأرض والاستخلاف فيها استخلافا يحقق السكن الأخوي بين البشر في كون هم مكلفون برعايته ليس فحسب لأنه مصدر قيامهم ومحل مقامهم بل لكون تلك الرعاية هي الامتحان الحقيقي للحرية البشرية أو للأمانة التي أبت الجبال حملها وحملها الإنسان: والعبادة هنا معرفة وتربية ومن ثم فهي امتحان دائم للصفات التي ذكرنا في هذه الوجوه.
لذلك فلا بد من صياغة الأسئلة الخمسة المضاعفة التي غيبها انعدام الفكر النظري الجريء والنسقي في حضارتنا:
السؤال الأول: ما الذي جعل علم أصول الفقه ينحصر في المسألة المنهجية المتعلقة بكيفية استخراج الحكم من النص بدل البحث في أصول الحق وشروط تحقيقه المعيارية (طبيعة التشريعات الموضوعية والإجرائية) والمؤسسية (الاستقصائية والتنفيذية) الضامنة للعيش المشترك السوي بين الناس والحد من العدوان عليها بينهم لحماية الحقوق والكرامة البشرية في العمران البشري ؟ ولم صار الفقه مجرد تحيل لتطويع الأحكام الشرعية استجابة انفعالية لاستصحاب الحال الذي يفرضه-واقعا-إما طغيان الحكام أو طغيان الأمم المبدعة التي نقلدها وتأبيد سلطان الفقهاء على المؤمنين الذين حولوهم إلى عامة بمجرد أن جعلوا الحرية الفكرية والسلوكية خروجا عن الشرع فصيروا الجميع محتاجا في كل تفاصيل حياته العادية لفتاواهم ؟
السؤال الثاني: ما الذي جعل علم أصول الدين ينحصر في إيديولوجيا تؤسس للموقف الدفاعي بتمجيد نحلة أو ملة ومحاربة ما عداهما ضد الحقيقة بدل البحث في أصول الحقيقة وشروط علمها في العمران البشري؟ وكيف انحط علم أصول الدين إلى الانحصار في أصول الحكم والجدل السياسي العقيم بين الفرق والطوائف تحت مسمى علم الكلام الجديد الذي هو عنوان فريد للتقليد البليد ؟
السؤال الثالث: ما الذي جعل عمل التصوف يفقد معناه فقها للباطن الإنساني والوجودي ليتحول إلى باطنية فينقلب حزبا مؤسسا لسلطان الخرافة والتحالف بين الطغيانين الروحي (للأسطورة والسحر) والزماني (للعنف والعسف) في تاريخ حضارتنا والحضارة البشرية ؟ وكيف انحط العمل الخلقي لتربية الذات إلى دروشة جماعية هدفها الأول والأخير التخلص من الذات في حقيقة الدنيات ووهم خيال الملذات؟
السؤال الرابع: ما الذي جعل الحكمة تفقد معناها فقها للباطن الطبيعي والوجودي لتتحول إلى ظاهرية فتنقلب حزبا إيديولوجيا مؤسسا لسلطان القوة والتحالف بين الطغيان المادي (للعلم والتقنية) والزماني (الاستغلال والبوليس) في تاريخ حضارتنا والحضارة البشرية؟
السؤال الأخير: ما الذي جعل الثقافة العامة الدالة على فلسفة الأمة التاريخية تنتقل من الفعالية المبدعة علما بالاستناد إلى الاجتهاد تواصيا بالحق إلى التقليد البليد ومن الفعالية المبدعة عملا بالاستناد إلى الجهاد تواصيا بالصبر إلى استسلام الأنعام للطغيان الداخلي والخارجي فيصبح الإسلام الذي هو بالجوهر ثورة نظرية وعملية نكسة في المجالين اللذين قتلهما ما وصفنا في أسئلتنا الخمسة ؟ وكيف تحول المسلمون إلى أمة الجهل (ضد العلم بحكم سيطرة الجهل على علمائها مثلما يتبين من هذا البيان) والجاهلية (ضد الحلم بحكم سيطرة النزوات على أمرائها مثلما يتبين من طبيعة المخاطب بهذا البيان) عبر التحريف المادي (الوضع الغالب على مستعملي الحديث في معاركهم الدونكيخوتية) والتحريف المعنوي (التأويل السطحي الغالب على مستعملي القرآن في نفس المعارك) الذي فرضته النخب المتكلمة باسم الدين سلبا (العلمانيون) أو إيجابا (الأصلانيون)؟
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام