



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
الدرس الثاني عشر
كيف يؤول القرآن التجربة البشرية الثقافية
فعلم أصول الدين هو علم ما بعد العقيدة من وجه المعتقَد ومن وجه المعتقد ومن وجه التواصل بين القطبين ذهابا وإيابا ومن وجه طبيعة المنظور العقدي ما هو من حيث هو علم يفسر الظاهرة الدينية نفسها ولا يقتصر على تحديد العقائد. لذلك فهو يجيب عن هذه الأسئلة الخمسة التي تصبح متعلقة بأبعاد الظاهرة الدينية من حيث هي ظاهرة اجتماعية شاملة. ونقترح لعلاج هذه المسألة حلا عمليا يمكن من الوصل بين علم أصول الدين في معناه التقليدي (=كلام أو ثيولوجيا) وعلم الدين في معناه المعاصر (=أنثروبولوجيا الدين). ويمكن عرض هذا الحل بالصورة التالية:
المدخل الأول يمكن أن يسمى مدخل القطب الربوبي Theological pole فيكون علم الدين علم كلام نازل من علم الله إلى علم الإنسان ومترددا بينهما قطبين لفكره بوصف الدين صلة بين القطبين ومنظورا للقطبين من منطلق تجربة تؤمن بأنها تتلقى خطاب الله وأوامره مباشرة.
المدخل الثاني يمكن أن يسمى مدخل القطب الإنسي Anthropological pole فيكون علم الدين علما انسيا صاعدا من علم الإنسان إلى علم الله مترددا بين القطبين بوصف الدين صلة بين القطبين ومنظورا للقطبين ولكن من منطلق تجربة تعترف بأنها إنسانية بالأساس.
المدخل الثالث هو التردد الغالب على الوجه الأول وهو ذاهب من المدخل الأول إلى لقاء المدخل الثاني. إنه سعي صاحب المدخل الأول إلى نقد الظاهرات الدينية الحاصلة في واقع الجماعات البشرية في ضوء التصور المثالي أو النظري للدين من حيث هو نسق معتقدات. ويهدف هذا النقد إلى علاج التفتت الدائم الذي يصيب العقائد فتتفرق الجماعة الخاصة إلى نحل والبشرية إلى ملل ومحاولة الرد على ما يعتبر انحرافات عن العقائد التي استقرت. وأهم ظاهرة ينشغل بها هذا المنحي هي ظاهرة التلفيق بين الأديان والتقاليد الثقافية. ويمكن أن نسمي هذا المدخل بنزعة صفوية هدفها المحافظة على وحدة كل دين وصفائه رد فعل على التثاقف بين الأديان: إنه رد فعل منظور الثيولوجيا على منظور الأنثروبولوجيا.
المدخل الرابع هو التردد الغالب على الوجه الثاني وهو ذاهب من المدخل الثاني إلى لقاء المدخل الأول. إنه سعي صاحب المدخل الثاني إلى طلب المقومات الموحدة بين الظاهرات الدينية طلبا لما يمكن أن يسمى بالدين الكلي المتعالي على الفروق بين النحل في نفس الملة وبين الملل في الجماعة البشرية. وأهم ظاهرة ينشغل بها هذا المنحى هي ظاهرة التوحيد بين الأديان وراء التقاليد الثقافية المختلفة بوصفها تعينات لنفس الحقيقة المتعالية. ويمكن تسمية هذا المدخل بالنزعة التحررية التي تهدف إلى تجاوز الفروق الظاهرية بحثا عن الوحدة العميقة للدين عامة: إنه رد فعل منظور الأنثروبولوجيا على منظور الثيولوجيا.
المدخل الأخير هو جدلية الترددين بين المدخلين الأولين ومن ثم فهي جدلية جامعة للمداخل الأربعة كما تتبين من المدخلين الأخيرين حيث يمكن اعتبار تاريخ الظاهرات الدينية شبيها بالتاريخ الطبيعي للظاهرات الحية التي تخضع لما يشبه نظرية التطور كونا وفسادا للنظريات الدينية (المدخل الأول وتردده بين القطبين) وللتقاليد الدينية (المدخل الثاني وترده بين القطبين) تماما كما يحصل في الظاهرات الثقافية الأخرى. ويمكن اعتبار المداخل الأربعة السابقة أوجها من هذا الفن العام الذي يكون مجزوءا عندما نحصره في أحدها. ولعل أهم ما يتميز به القرآن الكريم هو تضمن المداخل الخمسة التي ظهرت منها أشكال أولية في المراحل الأولى لنشأة الفكر الديني الإسلامي ثم شيئا فشيئا وقع حصر الفكر الديني في المدخل الأول. وفي الحقيقة فإن هذه المداخل تقبل الرد إلى مفهوم الدين نفسه كما حدده القرآن الكريم:
1- فالقطب الأول يمكن اعتباره راجعا إلى الجزء التصوري من الدين ببعديه العقدي والشرعي المشعريين (مع الله) والمعامليين (بين البشر بما في ذلك مع النفس).
2- والقطب الثاني يرد إلى الجزء العملي منه بنفس البعدين المذكورين أي العقدي والشرعي المشعريين والمعامليين.
3- والجدلية النازلة هي علاقة القطب الأول بالقطب الثاني من منظور القطب الأول أو إن شئنا علاقة البعد التصوري بالبعد العملي بمنطق المحافظة على صفاء العقيدة ضد تحرر الممارسة الدينية.
4- والجدلية الصاعدة هي علاقة القطب الثاني بالقطب الأول من منظور القطب الثاني أو إن شئنا علاقة البعد العملي بالبعد التصوري بمنطق البحث عن الواحد في المتعدد.
فيكون كلا البعدين باحثا عن وحدة الدين لكن الأول بالسلب أو بالاستثناء[1] (وهو يمثل الوزع المنتظم أو القصدي أي منظومتي الدولة والتربية) والثاني بالإيجاب أو بالجمع[2] (وهو يمثل الوزع اللامنتظم أو غير القصدي أي منظومتي المجتمع والثقافة). والأبعاد الأربعة هي حيوية الدين نفسه من حيث هو ظاهرة اجتماعية شاملة Total social phenomenon بمعنى الكلمة عند Marcel Mauss ظاهرة اجتماعية شاملة في حركية دائمة هي حركية الجدلية الحية بين الوزع الخارجي والوزع الداخلي في الانتظام الذاتي للعمران البشري وفي سلوك الأفراد والجماعات. ذلك أن الدين ليس معتقدات تصورية فحسب بل هو ممارسات عملية تعد بمنظور الصفوية التصورية العقدية خروجا عن الدين أو خرافات وشعوذات شعبية. لكنها هي أهم علامات حيوية الأديان. وهي تشبه قذف الحمم في البراكين الحية ويقابلها الدين الميت الذي يتجمد كتلا حجرية كما هو شأن الحمم بعد موت البركان. وتناسب هذه المداخل أنواع الولوج إلى الظاهرة الدينية أنواعها الخمسة.
فالفكر الديني يلج الظاهرة الدينية أو ينفذ إلى الحقيقة الدينية العملية:
1- بمنظور فقهي أو
2- بمنظور صوفي.
وهو ينفذ إلى الحقيقة الدينية النظرية:
3- بمنظور كلامي أو
4- بمنظور فلسفي.
أما المنظور الجامع فهو الجدلية الواحدة الحاصلة من المناظير الأربعة السابقة.
5- منظور جامع هو عين حيوية الديني في الوجود الإنساني.
فيكون ما أشرنا إليه بهذه المناظير ليس مجرد نموذج نظري نحاول به تفسير الظاهرة الدينية بل هو حقيقة تاريخية نراها رؤية العين في كل المجتمعات البشرية. فالجدلية يمثلها عمليا التقابل بين الفقه والتصوف إذ الأول يمثل الحفظ والثاني يمثل التحرر ويمثلها نظريا التقابل بين الكلام والفلسفة والأول يمثل الحفظ والثانية التحرر. لكن الأمر ينقلب لأن تعاسر المحافظ يؤدي إلى تشضي الأمر المحفوظ الذي يتنوع إلى نحل وملل وتياسر التحرري يؤدي إلى توحيد المتنوع. فيصبح الحريص على الوحدة حرصه بإفراطه مصدرا للتعدد ويصبح الحريص على التعدد حرصه بتفريطه مصدرا للوحدة.
وقد أدى ذلك تاريخيا إلى نوع من التحالف بين الفلسفة والتصوف في ما يمكن أن نسميه المعارضة الثقافية المدافعة عن التحرر والتعدد في إطار وحدة أوسع وأكثر مرونة وإلى نوع من التحالف بين الكلام والفقه في ما يمكن أن نسميه الحكم الثقافي المدافع عن الحفظ والوحدة مع حصول النتائج العكسية التي أشرنا إليها ما يعني أن الفنون الأربعة تمثل حقيقة المداخل الأربعة التي أشرنا إليها: قطب الفلسفة وقطب التصوف يمثلان غايتين نظرية وعملية للجدلية بين القطبين (من الإنسان إلى الله) وقطب الكلام وقطب الفقه غايتين نظرية وعملية للجدلية بين القطبين (من الله إلى الإنسان). أما وحدة الكل فهي جدلية هاتين الجدليتين الرابطتين بين العناصر الأربعة وهي غيرها لانها فوقها أو هي أصلها أو هي قانونها المتحكم فيها. وذلك هو الفكر الديني أو أصول الدين. وتلك هي حبكة القرآن الكريم من حيث هو نص ديني مقدس يتضمن كل هذه الضروب من الفكر الديني.
وبهذا المعنى فإن من يبدو أكثر الناس بعدا عن الدين اليوم هم المصدر الأساسي لحيوية الفكر الديني لأنهم بنفس الرمز يعدون الحمم التي يقذف بها بركان التعبير عن التجربة الوجودية الحية وهم السيل اللاهب الذي تذيب به الحياة الروحية ما تحجر منها في من يبدو أقرب الناس إلى الدين اليوم: أعني كل الإبداع الذوقي وقيم قيمه أو الإبداع الوجودي وكل الإبداع الرزقي وقيم قيمه أو الإبداع العملي وجميعها يلتقي في محاولة الفهم والقراءة أو الإبداع المعرفي.
فيكون الصراع بين الكلام والفقه ممثلين لما تحجر من البركان الوجودي مع الفلسفة والتصوف ممثلين لما سال منه إذا فهمناها على حقيقتها في فعلها الحي وليس في ما تؤول إليه أشكالها في التدريس أو في الخطاب الرسمي عين الحيوية الروحية للأمة. وعلينا أن نستخرج منطقها لكي نحدد شروط الاستئناف المبدع في مجال الفكر الديني بل وفي كل المجالات لأن الفكر كله من حيث هو إبداع تجربة روحية ومن ثم فهو تجربة دينية بالمعنى الأسمى للدين. لذلك فنحن نعتبر ما كتبناه في بحث عولمة النجومية ومن علاج لمسألة اللادينية من جوهر العلاج لهذه المسألة بل إننا سنجعل علاج مسألة اللادينية القسم الثاني من هذا الفصل الأخير من فلسفة الدين وكأنه مسك الختام.
وقد حاولنا البحث في هذه الأسئلة جميعها في غير موضع من أعمالنا فلا فائدة من التكرار. لذلك اقتصرنا على هذا الجواب السريع علما وأن ما أصاب العلم في الحضارة الإسلامية من فساد لا يقبل العلاج في محاولة من هذا الجنس مهما حاولنا تعميقةا وإطالتها. لذلك فمن أراد أن ينظر في علاجنا المفصل لمعضلات ما أصاب العلوم الإسلامية من فساد فليعد إلى كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين وكتاب وحدة الفكرين الديني والفلسفي وكتاب تجليات الفلسفة العربية و كتاب إصلاح العقل في الفلسفة العربية.
وحتى لا تكون الإحالة غامضة سأكتفي بالإشارة إلى مورد العلاج ومبدأ الانفراج الممكنين من وجهة نظرنا بتفصيل الجواب عن السؤال الخامس والأخير. ففيه نحدد الثقافة الإسلامية كما يؤطرها نصاها بمستويي كل منهما حول محور ثابت الطبيعة ومتحرك التعين إلى حد السيلان الأبدي من حيث هو معان مقصوصة ومن حيث هو أحداث مفعولة: التاريخ الإنساني مقصوصا في القرآن ومفعولا بسعي الأمة الشاهدة.
[1] أفضل من يمثل هذا الاتجاه هو شيخ الإسلام ابن تيمية كما يتبين من معاركه ضد نظريات الكلام والفلسفة والتصوف نظرياتها التي يعتبرها جميعا انحرافات عن العقيدة الصحيحة من منظور السنة والجماعة.
[2] أفضل من يمثل هذا الاتجاه هو العلامة ابن خلدون وخاصة في القسم الثاني من الباب الأول حيث يدرس الظاهرات الدينية عامة ومنها كل ما يعد من المدخل السابق خروجا عن الدين أو تحريفا للأديان الصحيحة بالمعنى الكلامي.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام