


في أهمية المعارك القيمية الصادق أصحابها
أبو يعرب المرزوقي
ليس المشكل مع القائلين بالعلمانية ناتجا عن قولهم بها. فهذا من حقهم الذي لا ينازع فيه إلا من كان ينفي حرية الفكر والمعتقد: وذلك لا يمكن أن يقول به مسلم من حيث المبدأ (في نصوصه المقدسة قرآنا وسنة) وكذلك من حيث التاريخ (إذا ما استثنينا بعض المراحل التي يصفها المسلم نفسه بكونها مراحل انحطاط). كما أن المشكل ليس في حرية تعبيرهم عن هذا الحق بالقول والفعل السلمي. فالسعي للحصول على حقهم هذا بكل وسائل التعبير السلمية ينبغي أن يكون مضمونا في أي دستور يراعي قيم الحداثة الأصيلة التي لا خوف منها على قيم القرآن.
فحرية التعبير التي هي في جوهرها وسطى درجات التعبير عن الحرية (باللسان في ما يسمى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشاركة في الحياة العامة لكون الجميع راعيا لنظام الشأن العام ورعية له) - إذ يتقدم عليها ما لا يمكن منعه أعني حرية الفكر في الباطن (بالقلب في نفس النظام) ويتأخر عنها ما قد يتحول إلى عنف (باليد) إذا لم يكن علنيا أعني حق التغيير بالأفعال وليس بالقلب ولا بالأقوال وحدها. وهذه الأفعال هي بدورها يمكن أن تبقى في الحد السلمي من درجات هذا العمل: كالتظاهر والاعتصام والعصيان المدني. و إذا لم يوجد ذلك لم يبق حائل دون انقلاب منع التعبير عن الحرية إلى فتنة داخلية وحرب أهلية: لذلك فإني أرى أن ما يجري في تونس منذ الثورة إذا وقفنا عند هذا الحد ينبغي أن يعتبر من علامات الصحة الروحية. ذلك أن المعارك القيمية هي المحدد الوحيد لحياة الضمائر والعقول في كل أمة ناهضة.
ما ينبغي تفاديه هو التحديث المستبد
ما المشكل إذن مع القائلين بالعلمانية في بلادنا ؟ إنه عدم اعترافهم بأنهم أقلية تسعى إلى التحديث الفوقي الذي نرى أصحابه مستعدين للتحالف مع الاستبداد والفساد لفرض معتقداتهم على الأغلبية متوخين في ذلك طرقا تتنافي مع ما يزعمون الدفاع عنه من القيم. وهذه الطرق يمكن حصرها في طرق ثلاث هي جوهر التزييف النسقي لكل حياة روحية صادق أصحابها في الغايات والوسائل:
1-تزييف آليات حسم المعارك القيمية في المستوى الثقافي:
وأبرز هذه الطرق طريقة التزييف البين لآليات حسم المعارك القيمية التي لا يخلو منها عمران في مجال المعركة الرمزية (ما يسميه ابن خلدون مستوى تنازل الجماعى من أجل التآنس في العمران ويسميه الفلاسفة اجتماع الكمال وهو المستوى الذي يضفي المعنى على ما دونه أعني مستوى التنازل لسد الحاجات ويسميه الفلاسفة اجتماع الضرورة) كما يتبين من الاستحواذ بغير وجه حق على الساحة الثقافة والتربوية ومعهما الإعلام: فهم يمنعون التعبير الحر على من سواهم ويعملون كل ما يستطيعون لخلق نجوم كاذبة في كل مجالات الإنتاج الرمزي فيفسدون الحياة الفكرية والروحية للأمة.
وبين أنهم لا يستمدون هذا السلطان الرمزي في المجتمعات الإسلامية من قيمة ما ينتجونه فكريا أو إبداعيا بل من لعبة الوساطة التسويقية للأنظمة الدكتاتورية لدى رأي حماتهم العام من القوى الاستعمارية الغربية. لذلك تجدهم يسيسون كل شيء ويمركسونه بأسوأ معاني المركسة التي صارت لبرلة: فهم مرهوبو الجانب من النظم العربية ليس لوزنهم الشعبي بالمعنى الديموقراطي ولا لوزنهم الإبداعي بالمعنى النخبوي.
إنما العلة هي وظيفة التوسط التمويهي في الإعلام دون سواها لخوف الحكام من أن يفضحوهم لدى رأي حماتهم العام فيعروهم. لذلك فترضية لهم يترك لهم الحبل على الغارب في هذين المجالين. سيطروا على التربية والثقافة والإعلام من دون تربية ولا ثقافة ولا إعلام بل كلها تحولت إلى أدوات أيديولوجية لإنتاج النخب الزائفة التي تتمعش من اللعب على الحبال لا غير.
تزييف آليات حسم المعارك القيمية في المستوى السياسي:
ثم يلي هذا المستوى الأول مستوى ثان من التزييف البين لحسم المعارك الديموقراطية في مجال المعركة السياسية إذ يعتبرون الشعوب غير جديرة بالاحترام لأنها ليست لها ثقافة ديموقراطية. ومن ثم فتصويتها لا معنى له. وتزييفه عندهم مشروع: ومن ثم فمعارضتهم ليست معارضة بالمعنى السياسي للأنظمة الدكتاتورية بل هي معارضة بالمعنى الثقافي لخيارات شعبهم القيمية. إنهم يطلقون قيمهم التي يعتبرونها حقائق نهائية ويريدون للشعب أن يؤمن بها رغم أنفه وأن يعيش بمقتضاها فيكون نسخة منهم لأن ما يؤمن به من قيم هي عندهم غير جديرة بالوجود فضلا عن استئهال الدفاع عنها.
ومن ثم فهم يعتبرون الشعب ومعتقداته العدو الأول والأخير فلا يعارضون الحكام المستبدين بل يعارضون الشعب ويحالفون الحكام المستبدين لعلمهم أنهم لا يمكن أن يكون لهم وزن انتخابي مؤثر من دون سند الحكام والعسكر, ولعل نموذجهما الأفصح هو الحلف الصريح والعلني في الأحزاب القومية العربية وفي تركيا الكمالية: لذلك لم يتحقق زرع قيم الحداثة السوية ورعايتها الرعاية التي تمكن لها فتوفق بينها وبين قيم الأمة ولذلك فهؤلاء التحديثيون ليسوا أعداء الشعب فحسب بل هم أعداء الحداثة الحقة لأنهم وظفوا قشورها ليكون لهم دور مع الأنظمة الاستبدادية فلم تكن قيمه للتحرير بل جعلوها للاستعباد.
أما لعبة الانتساب إلى المعارضة بين الحين والآخر فهي لرفع مقدار السهم في الوظيفة الأولى. لذلك تراهم بمجرد الوصول إلى المشاركة في الحكم -كما حدث في عهد ابن علي الذي لم يحكم بنخب الحزب كما يتصور البعض بل بهذه النخبة التي خانت قيم الحداثة واليسار ووظفتها لتحتل مواقع في الدولة والإدارة وكل دواليب الفساد–يتنازلون عن كل معارضة. وهذا هو الأمر الذي يفهمنا شيئا عجبا: كيف عارضوا الدكتاتور المثقف وحالفوا الدكتاتور الأمي لو لم يكن التعليل الوحيد هو أن الأول كان في غنى عن وساطتهم فعادوه والثاني احتاج إليها فأيدوه أعني حاجته لوصفناه بكونه التزييف الثقافي المنتج للنجوم الكذوبة؟
تزييف آليات الحسم القيمي في المستوى الإجرائي سعيا للتزييفين السابقين:
وثالث أنواع التزييف القيمي وهو المعد للأولين بداية والساعي للمحافظ عليهما غاية- ويكون في حالات جزر قوتهم كما في حالة حصول الوعي بألاعيبهم خلال لحظات الثورة الشعبية أكثرها حمقا ووقاحة- هو ما نشهده الآن من مناورات وألاعيب مضحكة وسخيفة تدل على فراغ الوطاب واليأس في هذه الحالة من تزييف الانتخابات بعد حصولها فسعوا لعمل المستحيل لتزييفها قبله. فما نراه يحصل مع اللجان الثلاث وذروتها مملثة بهيئة الدفاع المزعوم عن الثورة يبين بصورة ليس أبين منها بيان أن هذه النخب تريد أن تفرض إرادة الأقلية على الأغلبية بالتحالف مع بقايا النظام وحماته من القوة الاستعمارية السابقة. المعركة إذن ليست بحق معركة قيمي صادقة. وهي لو كانت كذلك لما أنكرناها لأن هذا النوع من المعارك ملازمة لكل حياة جماعية يوجد فيها من يريد أن يحيا حياته الخاصة بكل حرية ودون سلطان للجماعة عليه تقيد ضميره وسلوكه بما لا يؤمن به من قيم مع التسليم بان هذه القيم الشخصية التي ينبغي ألا تفرض على المجال العام وليس العكس.
فالمناورات الصبيانية –من دون براءة الأطفال لأن قرون أغلبهم شابت في التحيل وانتحال صفة العلماء والمناضلين- التي من جنس تعيين مجلس دستوري غير معلن لإفراغ المجلس الدستوري المعلن (كسوة خروتشاف الثانية بلغة الضامر رئيس الحكومة الذي قضى بأنه لا يزل له لسان) لا يمكن أن تصدر عن قوم صادقين ولا عن حكمة ودهاء سياسيين. فهذا النوع من المناورات يمكن أن يمر في لحظات الغفلة. أما بعد الثورة فهو فعل انتحاري دون شك.
ذلك أنه لا يختلف في شيء عن الفنيات البدائية التي عاينتهم يستعملونها دائما لتزييف الانتخابات في كل المنظمات المجتمعية مثل النقابات. فكل شيء يحددوه قبل الاجتماعات الرسمية في اجتماعات مناورة غالبا ما تكون بالتعاون مع النظام الحاكم في كواليسه بحيث تحسم المعارك قبل القدوم إلى المضمار فيسوفون إلى أن يرحل كل الأفاضل الذين يعيفونهم الأمر ثم يصوتون بمن بقي في الجلسة أعني جماعتهم لا غير وهم في الأغلب لا عمل لهم إلا إهمال عملهم للفراغ إلى هذه المناورات. لكن الشعب الآن عامة وشبابه فتياته وفتيانه خاصة لن يترك لهم المجال لمثل هذه المناورات التي لن تطول لأن نظام الاستبداد والفساد الذي كان يعولهم لم يعد موجودا أو هو لم يبق منه إلا أذيال ستنشف عروقها بعد قص رأسها: لن يترك الشباب لهم الساحة ومن ثم فهذا الرهان خاسر ولن يبقى في هذه الهيئة إلا هم ولكن لن يقبل منها شيء ومن ثم فقراراتها لن تأتيهم إلا بخفي حنين.
إن المعارك القيمية بمستوياتها الثلاثة التي وصفنا تعد من علامات الصحة في المجتمعات السوية عندما تجري بين نخب صادقة تحررت من الطحالب التي أنتجها النظام الفاسد والفاتيكان وحزب مارشي وحواشي جونداليزا رايس أعني كل الذين ليس لهم من اختصاص إلا انتحال صفة العلماء والعلم منهم براء وصفة المبدعين والإبداع منهم براء وصفة المعارض والمعارضة منهم براء وصفة المناضل المجتمعي والنضال منهم براء. كل دعاواهم ولا واحدة منها تنطلي على أحد بعد أن تمكنت النخب الأصيلة من هذه المجالات جميعا بجدارة واستحقاق. فهي لم تبق متروكة لهم يمرحون فيها ويسرحون لم يعد الأصيل منحصرا كما كان في عصر الانحطاط في الحفاظ على العبادات وإهمال المعاملات: فصف الحداثة انتقل من المتكلمين بشعاراتها دون حقائقها إلى غيرهم من نخب الأمة التي تريد حقائق الحداثة النابعة من الأصالة, ذلك أن الخلاف القيمي لم يعد صراعا بين حداثة وأصالة بل هو صار خلافا بين الحداثة الأصيلة والحداثة اللقيطة.
إن الفكر العلمي الحديث لم يعد لهذه النخبة المتحالفة مع الاستبداد والفساد بل التي أوجدها الاستبداد والفساد لم يعد لها منه نصيب. فكل من ادعى منهم ذلك يعلم جل طلبتهم أنهم أفرغ من فؤاد موسى وأن شهرتهم مجرد شائعة ليس لها من علة إلا الآليتين التاليتين:
أولا: تبادل الضيافات على نفقة الدولة مع أساتذة سواح من الجامعات الغربية في غياب أنتاج علمي يعتد به حتى صارت الجامعات التونسية أضحوكة العصر فلم تعد قابلة للمقارنة إلا مع جامعات العالم أقل بلاد العالم تقدما.
ثانيا: التساند والتسويق المتبادل بين دجالي الساحة الفكرية التونسية وأحيانا العربية بعد أن أصبح لهم نواد مشتركة بتمويل بعض المتثاقفين من سراق أموال شعوبهم.
لذلك فليس من الصدفة أن يكون جل أساتذة الكليات العلمية أقل دعوى من جل أساتذة الكليات الأدبية. ولعل في ذلك معيار يميز الأصيل من اللقيط فكريا وعلميا.
والفكر الديني لم يعد لهم فيه نصيب كذلك بل إن زعماءهم في هذا المجال كذابين على الجميع يدعون معرفة بعلوم ولغات هم ـأجهل الناس بها بل وحتى باللغة التي هم منتسبون إلى أقسامها. لذلك فليس لهم من هم إلا تفريخ أسراب من الدجالين بل إن مجرد ادعاء العلم بكل ما يشيرون إليه سندا لما يزعمون الكلام فيه من علامات كذبهم ودعاواهم الزائفة. وما تحدثت مع أحد من هؤلاء الزعماء في ما لي به بعض معرفة إلا ووجدته دجالا من الطراز الأول لا يكاد ما يمضغه من المعارف والأفكار يتجاوز عناوين بعض الكتب التي لعله لم يفهمها أو لم يفتحها في حياته لأنها مكتوبة بلغات أوهم الناس بمعرفته لها فإذا به لا يعرف منها حتى الأبجدية.
والفكر الأدبي والنقدي لا تسمع من أدعيائه إلا جعجعة دون طحين إلا بالمعنى العامي التونسي. ذلك أن الأغراض النقدية الأدبية التي يمضغونها لا تكون ذات معنى إلا في مجتمعاتها حيث تقارب إبداعها من حياتها وحياتها من إبداعها بحيث يكون ضمير الشعب وممارسته متلاصقين إلى حد يصبح فيه النقد الأدبي والثقافي معبرين عن وعي حقيقي وليس عن وعي زائف ذاتي بوعي حقيقي أجنبي. فيكون الناقد الأدبي هنا يتكلم في ما يتكلم فيه الناقد الأدبي هناك. ومن ثم في لا يعيش ما يفكر فيه ولا يفكر في ما يعيش: وهو من ثم كاذب وذو وعي زائف.
وذلك لعمري عين الكذب الذي لا يلائم قيمة الصدق في النقد والتعبير الأدبيين. وبدلا من فهم ما يجري في حياة شعوبهم الروحية ليعبروا عنه وينقدوا أشكال التعبير عنه يريدون أن يغيروها بدلا من يحللوها عملا بمبدأ ماركس القائل يكفي تأويلا وعلينا بالتغيير: لذلك فهم بمقتضى المبدأ والجوهر لا يمكن أن يكون ديموقراطييين. فالديموقراطي بمقتضى حده هو الذي يمثل حقائق المعارك القيمية في لحظة الوعي التي عليها شعبه. إنما هم هم يريدون من الشعب أن يتحرر من وعيه الصادق بوعي زائف فيحاكي ما لا يحس أي وعي أسيادهم.
وحاصل القول إن حقهم في العيش كما يريدون لا يجادل فيه أحد ولا حتى حقهم في السعي للإقناع بما يؤمنون به دون تزييف وتحالف مع الاستبداد والفساد الداخلي والخارجي. لكن أن يتحولوا إلى مصدر التزييف النسقي لكل شيء حتى يفرضوا معتقداتهم زاعمين أنهم ينادون بالحرية والديموقراطية مع الاعتماد على الدكتاتورية لفرض آرائهم فذلك ما لا يمكن أن يمر بعد الثورة. ذلك أن من ثار على الدكتاتورية لا يمكن أن يرفض المعارك النزيهة في المجال القيمي لكنه لا يمكن أن يقبل بأن يصبح من تحالف من الاستبداد والفساد ليس لخطأ في التقدير فحسب بل لأن ذلك هو عين ما يؤول إليه تصوره للحداثة لا يقبل أن يصبح من هم من جنسه هم المقوم الأساسي في الهيئة التي تزعم حامية الثورة وساعية لتحقيق أهدافها: فثورته ثورة على الاستبداد والفساد والتزييف الذي زينهما من قبل من تحالف مع الدكتاتورية ضد الشعب لاحتقاره إياه واحتقار خياراته القيمية إلى حد اعتباره مشروعا أن يفرض عليه خيارات الأقلية التي تتصور معتقداتها حقائق مطلقة فذلك هو المشكل وليس العلمانية في ذاتها ولا حتى اللادينية.
والمعلوم أن المسلم العادي كان يمكن-لولا تطرف هؤلاء التحديثيين الذي ولد رد فعل متطرف من جنس فعلهم-أن يبقى كما كان لا تهزه المعارك القيمية والتعددية الدينية والمذهبية حتى إنك تجد في نفس الدولة ما لا يمكن أن تجده حتى في الغرب التعددية القانونية بحيث إن المواطن يمكن أن يختار نظامه القانوني من بين عدة مذاهب فقهية. المسلم العادي يؤمن بصورة عفوية بأنه لا يكون مسلما إلا إذا آمن بكل الأنبياء وبكل الكتب. أما السعي إلى إطلاق عقيدته ومحاولة فرضها على غيره فقد نتج عن رد فعل على التحديث المستبد أو هو من بقايا مراحل الانحطاط في تاريخه بدليل ما كان موجودا في السابق حيث ظلت الأقليات الدينية موجودة في كل البلاد الإسلامية من جميع الأديان منزلة كانت أو غير منزلة في كل تاريخ الأمة.
لكن الأمر في أوروبا إلى عهد قريب هو بخلاف ذلك. فمعظم بلاد أوروبا لا تزال من الرافضين للتعدد الثقافي والإثني: إنها لا تؤمن إلا بالواحدية المطلقة التي من جنس واحدية علمانيينا المزعومين نفيا لتعدد الأنظمة القيمية وتساويها في الوظيفة الرمزية. ولعل أكبر طُرف هؤلاء المتناورين أنهم يريدون لقيم الدين الإسلامي ألا تكون إلا من خصوص الحياة الفردية فلا تشمل الحياة العامة. لكنهم يريدون لقيمهم أن تكون أساس الحياة العامة في حين أنها هي التي ينبغي أن تكون من خصوصيات الحياة الفردية لأنها قيم الأقلية فضلا عن كونها تحول دون الحياة العامة السوية: فحرية التصرف في سلوكيات البدن (كالعري) والعقل (كالسكر) يمكن أن يكون مطلق الحرية في خاصة المرء لكنه لا يمكن أن يكون مطلقها في المجال العام. وهي أمور بدأ الغرب نفسه يدركها: فلما أدرك أن الخمر والتبغ وهما يبدوان من الحرية الفردية التي عمت المجال العام ينبغي أن يردا إلى المجال الخاص وأن يحرما في المجال العام. وسيدرك ذلك بالنسبة إلى اللباس في المجال العام فيضبط العري مثلا.
أصحابنا التقدميون لايهمهم ما قامت الثورة من أجله أعني تحرير الأمة من التزييفات الثلاث التي وصفنا لتحقيق كرامة الإنسان السياسية والتربوية والاقتصادية والثقافية بحيث يصبح مواطنا في دولة حرة مستقلة تدين بما اختارت وتتلكم بما تعتبره لسانها القومي. كل ما يعتبرونه من أولى الأوليات هو المطالبة مثلا بحق علنية الشذوذ في جل المجالات القيمية. ولا يعتبرون ذلك انتقالا من الخاص (ليس أخص من الشذوذ حتى لو كانا لا ننفي أنه ظاهرة طبيعية لا يخلو منها عمران) إلى العام (جعله رسميا بعقود رسمية ورفضه أيضا أمر طبيعي لا يخلو منه عمران).
إنهم يريدون لمعتقد الأغلبية أن يقتصر على البيت بما في ذلك قيم القرآن والمصحف الذي ادعى البعض أنه ينبغي أن يبقى في البيت حتى تخرج كتبهم المقدسة إلى الشارع لتحكمه. وسيأتي يوم -بل لعله قد أتى- يطالب فيه الواحد منهم بجعل المساجد بكماء بمقتضى مبدأ الفصل بين الدولة والدين إذ الممارسة الدينية أمرا خاصا. لكن الحانات والستريبتيزات التي يمثلها العري العام باسم السياحة والخلاعة ينبغي أن تكون من الأمور العامة ولا يمكن لأي إنسان أن يتكلم فيها إلا إذا كان ظلاميا حسب المتناورين الذي لا يندى لهم جبين إذ حالفوا ابن علي وبزوا عتاة الحزب في تزيين استبداده وفساده بل إن المبجلات منهم الموسوما بـ"الشخصيات الوطنية" في هيئة حماية الثورة كن تطالبنه بمزيد الاستبداد حبا في حقوق المرأة التي يريدون تحريرها مما تؤمن به ليستعبدوها بما يؤمن به. وما ذلك بالغريب فحكيمهم رحمه الله كان يعيب على بورقيبة في كتابه عن الإسلام والحرية أنه لم يكن علمانيا بالحد الكافي أي لم يكن استئصاليا مثله.
وإذ أكتب كل ما أكتب منذ عقود فضلا عما أباشره حاليا بصورة شبه يومية من أجل الثورة فإنما القصد منه شهادة للتاريخ وعمل بمبدأ فرض العين في العناية بالشأن العام على الأقل بأضعف الإيمان (في القلب وفي القول لأن الفعل المباشر لم يعد مناسبا لسني حتى وإن كان من يكبرني بما يقرب من عقدين يتصدى لأثقل المسؤوليات في جل البلاد العربية), وليهنأ الجميع فليس عندي أدنى نية في منافسة أي من هؤلاء في ما يسعون إليه من مجد زائف فضلا عن الجري وراء الكراسي التي أعافها عيفي لأصحابها وفضلا عن كوني ولله الحمد غنيا بالمعنيين (روحيا وماديا) عما يجعل النخب تتكالب عليها مهما ادعت من حب لخدمة الصالح العام.
وختاما فإني أومن بهاتين الحجتين في تقويمي للمناخ الخلقي السائد في أبطال المعترك السياسي المتلاعبين بأهداف الثورة:
فلما كان من الصعب أن أصدق أن كل هذا الزحام على السياسة علته الحرص على المصلحة الوطنية فإني أكاد لا أصدق أحدا ممن يزيفون أيا من هذه المستويات التي وصفت ثم يدعي الإخلاص للوطن أو للقيم. فالمعلوم أن المسؤولية السياسة الصادقة ليس أعسر منها ولا أثقل: إنها مما تنوء به الجبال فكيف بالرجال ولا حاجة للكلام على أشباههم في جميع هذه الأحوال التي وصفت.
ولما كان الإقبال على المتاعب ليس من فترة الإنسان فإن جل الساعين إلى الحكم أو المعارضة لا يمكن إلا أن يكونوا مدفوعين إليهما بدواعي قل أن تكون بريئة وأقلها الطمع في الإثراء السريع الذي عممه نظام الاستبداد والفساد: فالتجربة العربية خلال العقود الموالية للاستقلال بينت أن التبرجز العربي كان ثمرة جاه الحكم الناتج عن "التكنبيص" والانقلابات أعني عن البطالة والتحيل بخلاف الحالة الأوروبية حيث كان جاه الحكم ثمرة التبرجز الناتج عن العمل والإنتاج.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |