shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                           في العلاقة بين الدين والعلم

                                       (2)

                    الفرع الثاني

   التحرر من المفروضات العامية للإشكالية

قبلت في القسم الأول من هذه المحاولة تعريف الأستاذ دخيل للعلم بكونه "المنهج الذي ينقل المعلومة إلى منزلة المعرفة". وكان ذلك للمساعدة على الحوار. وهو من جنس التسليم جدلا لتجنب ما قد يحول دون الحوار والانطلاق أو شقا للشعر في علاج القضايا.  ولكن لو عدنا إلى هذا التعريف وحاولنا فهم مفروضاته لوجدنا أنه يفترض الكثير مما لا دليل عليه فضلا عن كونه منافيا لما عليه الأمر في النظريات الإبستمولوجية الراهنة: 1-فهو يفترض أولا أن المعلومة تأتي قبل المعرفة 2-وهو يفترض ثانيا أن المعلومة ليست منتج العلم بل هي المعطى الذي ينطلق منه العلم 3-وهو يفترض ثالثا أن النقلة من المعطى إلى المعرفة ذات منهج واحد هو العلم 4-وهو رابعا يفترض أن العلم كله من جنس واحد موضوعه ليس من إبداعه فلا يوجد فرق بين علاقة الرياضي وعلاقة عالم الطبيعة وعلاقة عالم الاجتماع بموضوعاتهم 5-فتؤول صورته عن المعرفة العلمية أخيرا إلى تصور للعلم مستمد من فلسفة الوضعية المنطقية قبل أن يتجاوزها مؤسسوها أعني الفلسفة التي تتصور الفكر جهاز تصوير بالمعنى الذي كان وتجنشتاين قد قال به في مرحلة فكره الأولى (في التراكتاتوس).

لكن ماذا لو كانت المعرفة العلمية هي التي تبدع المعلومة لكي تصبح خطة عمل مؤجل أعني ماذا لو كانت المعرفة ليست شيئا آخر غير استراتيجيات العمل الإنساني الذي يمكن أن يبقى مجرد خطة رمزية ونظرية لا تنتقل إلى التطبيق (سيناريوهات للعمل الممكن) ويمكن أن تنتقل إليه بمقتضى الحاجة ؟ هل يمكن عندئذ أن نسلم بالتعريف الذي يقدمه المحاور أم علينا أن نقلبه رأسا على عقب قلبًا من المفروض أن يدرك معناه من يدرس علم اجتماع السياسة لسبب بسيط هو: أن سيناريوهات العمل الممكن المحيطة بالعمل الحاصل من حيث هو ممارسة سياسية فعلية هي جوهر السياسية ومن ثم فهي موضوع علم اجتماعها (وكذلك يمكن القول عن الإستراتيجية الحربية: فالحاصل من الحروب محاط بحزمة الخطط الإستراتيجية الممكنة لمجاريها المتوقعة)؟

فالعلم ليس هو المنهج الذي ينقل المعلومة إلى منزلة المعرفة بل هو الذي يضع خطة معرفية تبدع المعلومة من حيث هي ركيزة من ركائز العمل الممكن: المعلومة من أباديع العقل الإنساني Rational fictions في خطة عمل وليست من المعطيات. المعلومة ليست معطاة والخطة المعرفية إبداع إستراتيجي يحدث هذه الأباديع إحداثا ليستنطق بها الظاهرات ويشرع لها في ضوء قيم ثقافة معينة في مرحلة معينة من تطور الوعي الوعي بكل درجاته التي يحددها سلم العقد المعرفي. وقد اعتبر ابن خلدون ذلك عين الاستخلاف بمعنييه استعمارا للأرض وسلطانا عليها وعلى ما فيها بالفكر النظري (الاجتهاد) المخطط للإرادة العملية (الجهاد) فقال:

" فلا يتم فعل الإنسان في الخارج إلا بالفكر في هذه المترتبات لتوقف بعضها على بعض ثم يشرع في فعلها. وأول هذا الفكر هو المسبب الأخير. وهو آخرها في العمل. وأولها في العمل هو المسبب الأول وهو آخرها في الفكر. ولأجل الحصول على هذا الترتيب يحصل الانتظام في الأفعال البشرية...واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث بما فيه (أي الجماد والنبات والحيوان) فكان كله في طاعته وتسخره. وهذا معنى الاستخلاف المشار إليه في قوله تعالى"إني جاعل في الأرض خليفة" (البقرة 30). فهذا الفكر هو الخاصية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيته" (المقدمة-الباب السادس الفصل الحادي عشر-دار ابن حزم بيروت 2003 ص.358).

وبتبعية النظر للعمل هذه سواء كان العمل مباشرا أو غير مباشر وسواء كان بالفعل أو بالقوة وسواء كان في الحال أو في الاستقبال يكون العلم بكل أصنافه جزءا من أحد أجزاء الدين أعني العمل بدرجتيه: من حيث هو صلة الجماعة بالعالم تنظيما وعملا (موضوع علوم الطبيعة) ومن حيث هو صلة الجماعة بذاتها تنظيما وعملا (موضوع علوم التاريخ والسياسة). فيكون العمل مشروطا بكل فنون الصلة بالنظام الطبيعي (العلوم الرياضية والطبيعية والتقنيات المادية) وبكل فنون الصلة بالنظام الاجتماعي والسياسي والخلقي (العلوم اللسانية والإنسانية وكل التقنيات الرمزية).

فهذه العلوم بكل أنوعها هي أداة العمل بمستوييه ومن ثم فهي أداة التصور الجامع بينها أعني التصور الذي أخذه ابن خلدون من القرآن الكريم ليس تحكما بل لأن القرآن الكريم استمد كل حججه منه ومن شروطه بديلا صريحا ومؤكدا تأكيدا يتكرر في كل سور القرآن (وخاصة في السور التي تحدى فيها المشركون الرسول وطالبوه بمعجزات من جنس المعجزات التي يقصها القرآن حتى وصلوا إلى مطالبته بأن يدعو عليه بما يتوعدهم به) من  حجج السلطة المستندة إلى خرق العادات في الأديان الكتابية السابقة: إنه تصور الاستخلاف بمعنييه استعمارا للأرض وسلطانا عليها أي ما لا يكون ممكنا من دون الاجتهاد العلمي والجهاد العملي في الصلة بالعالم الطبيعي وبالعالم التاريخي.

وانطلقت من وصف المشكل بكونه زائفا فكان ذلك مساعدة ثانية لتيسير الحوار. وإذا كانت المساعدة الأولى تساهلا مع محاوري فإن المساعدة الثانية قد تعد تساهلا مع ذاتي.  ذلك أن اعتبار المشكل زائفا لا يلغي أهمية كونه لا يزال مشكلا مطروحا. وتكمن الأهمية في دلالة طرح هذا المشكل رغم زيفه دلالته على موقف أصحابه بصرف النظر عن العلم بطبيعة حدي العلاقة (الدين والعلم) وبطبيعة الإشكال: فهل هو مسألة إثبات كونهما أمرين مختلفين أم هو مسألة تحديد طبيعة العلاقة بين أمرين لا يقبلان الفصل رغم كونهما مختلفين لطبيعة الصلة المتينة بينهما خاصة بعد أن بينا أن علاقة الدين بالعلم في النظر من جنس علاقة الدين بالسياسة في العمل.

لذلك فلا بد من مساءلة السائلين القائلين بضرورة الفصل بين الدين والعلم لمعرفة دلالة مواقفهم بعد تصنيفها. ويمكن أن نصنف هؤلاء السائلين إلى أصحاب جنسين من المواقف كلاهما مضاعف:

الجنس الأول هو الدعوة التي تنطلق من تصور لدور الدين أو لطبيعته:

1-الفصل الأول يمكن وصفه بكونه براجماتيا: إنه الفصل العلماني المقصور على مسألة الأدوار ولا يهتم بالمفاضلة بين الدين والعلم أو بالكلام في طبيعة الدين بل يكتفي بالفصل من حيث هو إحدى نتائج الفصل بين المجالين العام والخاص.

2-الفصل الثاني يمكن وصفه بكونه وجوديا من منطلق فلسفي: إنه الفصل العلماني الملتزم بالموقف الماركسي أو العلموي الذي يهتم بالمفاضلة بين الخطابين الديني والعلمي من منطلق التنافي المطلق بين طبيعتيهما معتبرا الأول إيديولوجيا والثاني علما بالحقيقة المطلقة.

الجنس الثاني هو الدعوة التي تنطلق من تصور لدور العلم أو لطبيعته:

1-الفصل الأول يمكن وصفه بكونه براجماتيا: إنه الفصل المقصور على مسألة الأدوار ولا يهتم بالمفاضلة بين الدين والعلم أو بالكلام في طبيعة العلم بل يكتفي بالفصل من حيث هو إحدى نتائج الفصل بين الكلي والجزئي من  أفعال الإنسان.

2-الفصل الثاني يمكن وصفه بكونه وجوديا من منطلق ديني: إنه الفصل الثيوقراطي الملتزم بالموقف الصوفي عامة وبالموقف البابوي أو الإمامي خاصة وهو فصل يستند إلى المفاضلة بين الخطابين الديني والعلمي من منطلق التنافي المطلق بين طبيعتيهما معتبرا الأول علما لدنيا بالغيب والثاني شبه علم.

وأهم عناصر هذا التصنيف هي بيان موطن الإشكال الذي يعنينا كمسلمين. إنه كامن في الفصلين الثانيين من جنسي المواقف لأن أصحابهما يشنان حربا شعواء على الإسلام والمسلمين. فهما يبدوان متنافيين لأن ما يقوله أحدهما عن الدين يقوله الثاني عن العلم والعكس بالعكس. لكنهما في الحقيقة موقفان متضامنان ومن طبيعة واحدة تجعلهما متحدين في الحرب على الإسلام. فلا يختلف بينهما إلا المنطلق واتجاه المفاضلة. فلا شك أن الحسم في الفصل المطلق بين حدي العلاقة مشترك بينهما وهو بخلاف ما يتصور من لا ينظر إلى ما يجري فعلا من حلف بينهما لا يدرك أنهما يمثلان التقاء الضدين وخاصة عند الحاجة إلى التصدي للموقفين الأولين: لأنهما يستندان إلى فصل مطلق بين ضربين من إدراك الحقيقة مع زعمها قابلة للإدراك المطلق بالعلم اللدني المزعوم عند الثاني وبالعلم الوضعي المزعوم عند الأول.

أما الموقفان الأولان فطابعهما الذريعي أو البراغماتي يجعل الخلاف بينهما يدور حول طبيعة المبرر الملجئ إلى الفصل العملي لا المبدئي. وهما أقل عداوة لحل القرآن رغم تخلصه من مبررات موقفيهما. فالأول يقابل بين الدين والعلم على الأساس المقابلة بين مجال الحياة الخاصة ومجال الحياة العامة كما يحصل في العلمانية السياسية غير المغالية. والثاني يقابل بينهما على أساس المقابلة بين ما يشمل كل أوجه الحياة وما يقتصر على البعد الذريعي والتقني منها. فيكون هذان الموقفان أقل عداء للإسلام بل قد يشعر من لا يدقق أنهما قريبان جدا من موقفه خاصة إذا نظرنا إليه بعين الفكر السني.

وحتى نحدد الموقف القرآني من المسألة أعني الموقف الذي يعتبر المسألة زائفة من الأصل فلا بد من تمييزه عن هذه المواقف الأربعة لأنه يختلف عنها جميعا رغم ما قد يجده المتعجلون من أوجه شبه مع هذين الأخيرين لانطلاقهم من زعمي وحدة الدين ووحدة العلم. ذلك أن الأديان ليست واحدة. والعلوم كذلك ليست واحدة. وقد عالجنا هاتين المسألتين في المحاولة السابقة فلا حاجة إلى العودة.

ولنبدأ بالفرق بين موقف القرآن والموقفين المعاديين للإسلام أعني الموقف الأصولي العلماني (الفصل المطلق والحقيقة المطلقة من منطلق  العلم العلموي) والموقف الأصولي الأصلاني (الفصل المطلق والحقيقة المطلقة من منطلق العلم اللدني). فهما يشتركان في القول بالفصل المطلق بين الدين والعلم مع اعتبار احدهما علما بالحقيقة المطلقة والثاني وهما أو شبه علم. ذلك أن نسبة الماركسي والعلموي القائلين بالعلم المطلق إلى الدين هي عينها نسبة المتصوف والبابوي والإمامي القائلين بالعلم اللدني إلى العلم: الدين إيديولوجيا عند الأولين والعلم شبه من المعرفة عند الثانين.

القرآن الكريم قد خلصنا من هذين الوهمين بصورة صريحة لا لبس فيها بل هو اعتبرهما من علامات المرض النفسي كما هو بين من الآية السابعة من آل عمران. فهو ينفي أن يكون للإنسان القدرة على العلم المطلق فحررنا بذلك وفي نفس الوقت من الوهم العلماني الأصولي ومن الوهم الأصلاني الأصولي. لا يمكن للإنسان أن يعلم الغيب لا بالعقل ولا بالنقل وإذن فلا وجود لعلم لدني وهو من أهام المتصوفة والبابوية والإمامية. فلا يكون العلم إلا اجتهاديا وخاصة بعد ختم الوحي.

والقرآن بهذا الموقف من العلم العقلي الذي لا يتجاوز الاجتهاد ومن العلم اللدني الذي لا يمكن أن يدرك الغيب يبدو وكأنه قد قرب من الموقفين الأولين من الجنسين أعني من الذريعية الناتجة عن العلمانية السياسية والعلمانية المعرفية. لكن هذا القرب أيضا من أوهام المتعجلين. فهو يرفض الفصل الناتج عن الموقف الناتج عن المقابلة بين العام والخاص والفصل الناتج عن المقابلة بين الكل بالجزء. ذلك أنه ليس صحيحا أن الدين من خاصيات الفرد وأن العلم ليس منها. فكلاهما ينتسبان إلى العام والخاص وكلاهما جزئي وكلي: العام والخاص والكلي والجزئي متداخلان. ففضلا عن كون أخص الخاص له وجه عام هو نظام التجاور بين الخصوصيات في الجماعة وعن كون أعم العموميات له وجه خاص هو تصور الأشخاص له فإن العالم له دين حتى بالسلب والمتدين له علم حتى بالسلب أعني أنهما لا يمكن ألا يكون لهما موقف من الحد الثاني بما لهما من الحد الأول حتى لو كان جهلا أو لا علما أو كفرا أو لا دينا.

لذلك فإن موقف القرآن يمكن أن نعتبره صنفا آخر فريد نوعه. والمقام لا يتسع للخوض في بيان خصائص فرادته ومقوماتها لذلك فسنكتفي بتمييزه عما يمكن أن يتصور معبرا عنه من المواقف المتكلمة باسمه. فينبغي أن نفهم علل التصورات الخاطئة التي تسود الساحة حول علاقة الدين الإسلامي بالعلم في الاتجاه المقابل أعني خلطا بينهما بديلا من الفصل للتضامن بين هذين الموقفين.  وأولى هذه العلل فرادة هذا الصنف: فهو عصي عن التحديد لعسر تمييزه عما ميز نفسه عنه فظن أنه يخلطها به.

فالقرآن يتكلم على وحدة الأديان الكتابية ففهم بمنطق ويل للمصلين. ظنه الكثير واحدا منها في واقعها وليس في واجبها. ينسى هؤلاء أنه يتميز عنها بردها إلى ذاته من حيث هي أصل كل دين فلا تكون منتسبة إلى نفس الشجرة التي تتحد فيها الأديان إلا بهذا الشرط. الأديان الكتابية تكون واحدة إذا كانت كما ينبغي لها أن تكون: فكل الأديان الكتابية كان ينبغي أن تكون إسلاما لو كانت حقا دينا غير محرف لأن الدين السوي عند الله هو الإسلام حيث لا نتخذ بعضنا بعضا أربابا وحيث لا يتأله الأنبياء ولا تتفاضل الناس إلا بالتقوى ولا توجد سلطة روحية تزعم التوسط بين الله وعباده ولا يزعم أحد العلم بالغيب. لذلك فهو قد ميز بين مثالها الذي هو الإسلام وتاريخها الفعلي الذي هو تحريف مثالها. والتحريف يتعلق بأمرين:

الأول هو تحولها إلى أديان قومية بدل من أن تكون دينا للإنسان من حيث هو إنسان من حيث حصر المخاطبين في أمة بعينها حتى إن المسيح قال للمرأة غير اليهودية التي أتته ليرشدها إنه أتى لنعاج بني إسرائيل الضالة ولا يمكن أن يعطي غذاء البشر للكلاب. فكان إصلاح القرآن للتحريف تحرير الخطاب الرسالي من التوجه إلى جماعة دون جماعة بل هو متوجه للإنسان من حيث هو المستخلف في الأرض.

الثاني تحويل الاتصال بالمطلق إلى حكر على أمة دون كل غيرها من البشر ومن ثم حصر المبلغين في شعب معين حتى إن أهم حجة يحتج بها باسكال ضد نبوة محمد هي أنه ليس يهوديا وقبل ذلك فلعل أهم عقبة اعترضت الدعوة المحمدية الحكم المسبق في الجزيرة العربية بأن النبوة حكر على اليهود. وكان إصلاح القرآن للتحريف تحرير الاتصال بالمطلق من الانحصار في جماعة دون جماعة بل إن لكل أمة رسولا بلسانها.  ولهذه العلة كان نص القرآن ذا مستويين:

التفكيك النقدي للنصوص السابقة لتخليصها من هذين التحريفين اللذين يجعلان الناس متخذين بعضهم البعض أربابا في العلم والعمل.

ثم تأسيس الإصلاح الذي يعيد الدين إلى طبيعته الكونية فيكون اجتهادا أو تواصيا بالحق وجهادا أو تواصيا بالصبر.

 فتعود الرسالة إلى جوهرها ويكون التبليغ من حظ كل البشر مثلما أن الخطاب موجه إليهم جميعا. ومن ثم تصبح الدعوة الدينية مستندة إلى الحجاج الديني لا إلى المعجزات أو الكرامات أو العلم اللدني. فتحصل بذلك الكونية ويصبح الختم أمرا وجيها خاصة إذا كان الأساس الوحيد للخطاب هو التوجه إلى الإنسان من حيث هو إنسان ناطق حصرا للإعجاز في شروط الإقناع بالحجة العقلية مع العقلاء وليس بالمعجزات الخارقة لمجرى العادات والتي تولد الحيرة لا الإقناع وهي كما يقول القرآن إنما كانت للتخويف لا للتعليم الروحي. فالحجاج الديني في القرآن لم يعد مستندا إلى حجة السلطة والمعجزات التي تخرق العادات بل هو بات مستندا إلى سلطان الحجة ودلالة النظام وانتظام العادات في الآفاق وفي الأنفس.

لذلك فإني لا أفهم كيف يمكن للأستاذ دخيل أن يتصور الأديان واحدة. وكان ينبغي بهذا المنطق أن يعتبر كل الخطابات المعرفية واحدة فتكون الخرافة والسحر والتنجيم علوما عنده؟! وكل من قارن الكتب الدينية يعلم أن نسبة القرآن إلى الكتب الأخرى هي بالذات نسبة المعرفة العلمية التي تعلم حدود العلم إلى الخرافة والسحر والتنجيم والميتافيزيقا التي لا تعلم حدود العلم ما هي فلا تميز بين ما ينتسب إلى قدرة العقل الإنساني وما يتجاوزها.

وإذا كان القرآن يرشدنا إلى أن المعرفة الإنسانية لا يمكن أن تكون متجاوزة للعلم الاجتهادي بالشاهد وكان لا يستثني الأنبياء أنفسهم من عدم العلم  بالغيب وكانوا يعلمون أنه لا ينبغي لهم أن يدعو الإعجاز بخرق العادات فيدعوا بتدبر نظام الكون والتاريخ فإن زعم الوحدة بين الأديان بمعنى تساويها في منظورها إلى المعرفة الإنسانية فيه الكثير من التجني على فرادة القرآن الكريم. وكان يمكن أن يكون مثل هذا الموقف مفهوما حتى لو لم يكن مقبولا لو صحبه تأسيس من جنس التأسيس الصوفي على وحدة الوجود الحاتمية سواء في شكله الخالص أو في شكله البهائي.

لكن القول بوحدة الأديان-عند حصرها في الأديان الكتابية- هو على الأرجح إن لم يكن على التحقيق انخداع بخرافة الأسرة الإبراهيمية في اتجاهها المعكوس أعني عند فهمها بمنظور غير قرآني. فالكتابان الآخران لا يعدان منتسبين إلى الأسرة الإبراهيمية إلا بشرط التخلص من التحريفين المشار إليهما لأنهما بسببهما خرجا من الأسرة الإبراهيمية.  فإبراهيم عليه السلام يقول بالتوحيد المطلق بالمعاني التالية: 1-توحيد المرسِل (الله) 2-وتوحيد الرسالة (الدين) 3-وتوحيد المرسَل إليه (الإنسانية) 4-وتوحيد شروط التفاهم (سلطة الحجة العقلية) 5-وغاية العلاقة كلها (تحقيق الاستخلاف على أفضل الوجوه بمعنى جعل البشر كلهم أحرارا لا معبود لهم غير الله).

ومن لا يدرك هذه الحقيقة يكون كمن ينظر إلى القرآن إما بعين محرفي معنى الإبراهيمية أو بعين نفاة المصدر الإلهي للقرآن ومن ثم فهم من القائلين بتساوي كل الأديان من حيث هي منتج ثقافي بالمعنى الانثربولوجي لكلمة دين طبيعي. وطبعا فهذا الموقف لا غبار عليه فلسفيا لأن الحكم الفقهي والعقدي ليس مطلوبنا في هذه المحاولة فضلا عن كونه ليس من اختصاصنا. لكن المطلوب هو الشجاعة الأدبية للقول به والتسليم بأن التمييز بين الأديان السماوية والأديان الطبيعية هو بدوره تمييز ثقافي ولا دلالة وجودية له إلا عند أصحابه من المؤمنين به.

وطبعا فلست ممن ينفي حق القائلين بهذه النظرة من حيث هي فرضية عمل للبحث العلمي. لكنها ينبغي أن تبقى فرضية عمل وألا تتحول إلى معتقد متنكر في شكل حقيقة علمية مزعومة. إنها فرضية تتنكر في شكل الاعتقاد بأن الدين لا يعبر عن حقيقة وراء المعتقدات التي في أذهان المعتقدين أي إن الحقائق الروحية ليست ذات وجود قائم بذاته بل هي من إنتاج الوعي الإنساني. وهذا الموقف يمكن أن يكون مقبولا كمعتقد لكنه ليس حقيقة علمية. فمن جنس هذا الرأي الظن بأن العالم الطبيعي أيضا لا وجود له وراء مداركنا الحسية وليس له من وجود عدا ما يوجد فيه كما يقول بعض فلاسفة الانجليز في القرن الثامن عشر. فيكون كلا الموقفين أمام معضلة ليس لها من حل: هل الإنسان الذي لا يوجد العالم الطبيعي والعالم الروحي إلا في ذهنه هو بدوره لا يوجد إلا في ذهن نفسه أم إن له وجودا في الأعيان ؟ وبذلك نعود إلى كوجيتو ديكارت منطلقا لإثبات وجود الله والعالم الروحي قبل إثبات وجود جسده والعالم الطبيعي.

ولنعد إلى مسألتنا: كيف حرفت نظرة القرآن إلى علاقة الدين بالعلم فأدت إلى مسألة المطابقة أو التنافي بينهما ؟ ففضلا عن العسر الذي تتصف به فرادة الموقف القرآني كانت مواقف الفكر الإسلامي الذي غلب عليها رد الفعل قد حالت دون النفاذ إليه. فسلطان الأصناف الأربعة من المواقف التي أوردناها جعل الفكر الإسلامي مقصورا دوره على تعريف ذاته برد الفعل عليها بدلا من الانطلاق من الفعل الموجب واستخراج نظرته من القرآن ذاته. وقد ساد هذا الموقف السلبي على الفكر الإسلامي منذ المنطلق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (مناقشات عبده) لكونه انطلق من الرد على العلموية والوضعية وبعض بقايا الهيجلية.  ولعل الرد على الموقف الأصولي الماركسي الذي يرد الدين إلى الإيديولوجيا والموقف الأصولي العلموي الذي يرده إلى الخرافة هو المصدر الأول والأخير لخرافة الإعجاز العلمي في القرآن الخرافة التي يزعم أصحابها أن القرآن كتاب علمي يحسم مسائل معرفية في ظاهرات العالم والتاريخ.

وهم يتصورون ذلك أمرا يرفع من شأن القرآن حتى إنك قد تسمع أحد الدجالين يزعم أنه قد أدخل الآلاف إلى الإسلام بهذه الحجة الواهية رغم أننا لم نسمع بأي انجاز علمي اكتشفه قبل غيره عدا مماحكات لغوية لتفسير بعض الآيات القرآنية في غير وجهها متناسيا أن القرآن نهى عن تأويل المتشابه سواء كان في الخبري أو في الإنشائي من الدين ! لم يدركوا أن في ذلك حطا من القرآن إلى المعرفة التاريخية التي تتغير وتتطور فينزلون به من منزلة الخطاب المحدد للشروط المثلى التي تجعل الاستخلاف الإنساني في استعمار الأرض يتحقق على أفضل الوجوه إلى منزلة إحدى أدوات هذا الاستخلاف أعني العلم من حيث هو أداته الرمزية بالنظريات العلمية وأداته الفعلية بالتقنيات العملية: إنهم يحطون الغايات إلى منزلة الأدوات وبدلا من رفع الأدوات بجعلها مناسبة للغايات ليكون الاجتهاد الإنساني مستنيرا بالهدي القرآني يعكسون فيجعلون القرآن الكريم تابعا للاجتهاد الإنساني.

وقد سبق لحجة الإسلام أن عالج هذه القضية في إحدى مقدمات تهافت الفلاسفة فقال قولته الشهيرة التي ميز فيها بين مطلوب الدين ومطلوب العلم في المعرفة عامة.  فقد ضرب مثالين يقربان معنى علاقة مطلوب المعرفة الدينية ومطلوب علم الفلك في معرفة العالم. فالدين يطلب الدليل على كون العالم مخلوقا لله ولا ينشغل بجزئيات قوانين العالم لأنها مطلوب العلم من حيث هو معرفة بآليات عمل المخلوق لمحاكاته في تعامله معه أداة للعمل من حيث هو شرط التكيف مع المحيط الطبيعي والتاريخي. فأما المثال الأول فهو العلاقة بين العلم بمخلوقية الرمانة والعلم بعدد حبات الرمانة. وأما المثال الثاني فهو العلم بمخلوقية البصلة والعلم بعدد طبقاتها.

وقد قاس أبو حامد ذلك بالنظريات الفلكية حول مكونات المجرة الشمسية في الفلك البطليموسي الذي تصوره فلاسفة عصره ومتصوفوه علما مطلقا فأولوا القرآن في ضوئه بمنطق الإعجاز العلمي الساذج بحيث إن كل التعامقات التي ينسبها المتفاقهون في الفلسفة والتصوف تعود إلى موازيات ساذجة بين فلك بطليموس وعلم نفس أرسطو وبعض التأويلات التحكمية لآيات القرآن الكريم في ما يسمى بالفتوحات الوجدانية المزعومة. فالعلم بمخلوقية الموجودات علم ديني (وفلسفي) والعلم بمكوناتها من حيث كمياتها وكيفياتها وبصورة عامة بقوانينها المعينة سواء تعلقت بالحبات أو بالطبقات علم وضعي (قابل لأن يكون أداة في الدين وفي الفلسفة). والعلم بالمخلوقية له مستويان أحدهما مشترك بين الدين والعلم والثاني خاص بالدين:

المستوى الأول: فإذا أخذنا المخلوقية بمعنى ما يدل عليها أي كون الشيء ليس وليد الصدفة فحسب حتى وإن كان لا يستثنيها بل فيه شيء من خطة منتظمة قابلة للمعرفة العقلية كان ذلك أمرا مشتركا بين العلم والدين لأن العلم من شروطه لأن يفترض في موضوعه نظاما ما هو مطلوبه في بحثه عن القوانين سواء كان ذلك مجرد فرضية عمل أو بلغ مستوى العقد الجازم. وحتى الفرضية فإنها لمجرد انتقالها من مجرد التخمين إلى خطة للعمل تكون قد أصبحت ذات منزلة تحددها درجة من درجات العقد المعرفي Epistemic status يعتد به إلى حد الاستناد إليه في الخطة البحثية التي يتبعها كل علم إنساني موثوق به.

المستوى الثاني:  وإذا أخذنا المخلوقية بمعنى الدلالة على ما وراءها من سلطان حكيم وعلى ما يمكن أن ينبني عليها من فعل خير كان ذلك خاصا بالدين وهو معين التدبر الديني والأدلة الدعوية في الإسلام الأدلة البديل من المعجزات بمعنى خرق العادات. وهذا هو الوجه المشترك مع الفلسفة بمعناها التقليدي عندما كانت تبحث في الأدلة على وجود الله في علم الكلام العقلي وفي المسائل العملية في علم الشرائع للمدن الفاضلة. وهذا الأمر لم تتخل عنه الفلسفة إلا بعد تخليها عن شكلها النسقي الأخير عند  تجاوز الكنطية والمثالية الألمانية. ذلك هو رأيي في هذا الحوار الشيق. والله أعلم.