


في المواطنة
بقلم منوبي غباش
يحتلّ مفهوم المواطنة مكانة مركزيّة في الفلسفة السياسية ,فهو يمثّل مدار تحليلات الفكر الفلسفي السياسي قديما وحديثا.ولعلّ ما يدعو إلى التفكير في مسألة المواطنة ليس المشكلات النظريّة فقط بل أيضا الإحراجات العمليّة في الواقع الراهن حيث نجد في أحيان كثيرة الإستبداد يبرّر باسم الديمقراطية كما نرى حقوق الأفراد والشعوب تنتهك باسم المواطنة المحليّة أو العالميّة. قد يكون من الضروري إعادة النظر في المفاهيم التي تأسّس عليها الفكر السياسي الحديث, لا من أجل تأصيلها فحسب بل أيضا من أجل البحث عن حلول لمشكلات الوجود السياسي الفعلية. فما هي المواطنة الحقيقيّة؟وهل للمواطنة قيمة وصفيّة و تفسيريّة أم أنّ قيمتها تقويميّة و معياريّة؟
ينبغي ان نلاحظ انّ مفهوم المواطنة يستعمل في الفكر السياسي و في الفلسفة السياسية كما يستخدم في العلوم السياسية التي تمّ التواضع على اعتبارها علوما اجتماعية وصفية ولكن بحسب دلالات مختلفة وملتبسة. في هذا الإستخدام المتنوع يمكننا أن نجد مبرّرا لألتباس المفهوم. و مع ذلك علينا ان نسعى إلى تحديد دلالته او (دلالاته) لأنّ ذلك هو شرط التفكير في أهمّ مشكلات الإجتماع السياسي.
تحيل المواطنة إلى نمط من انماط الوجود الإجتماعي تنظّمه قوانين تمّ الإتفاق عليها بين مجموعة بشريّة معيّنة. وهذه القوانين هي التي تضمن للافراد جميعا حقوقا وحريّات وتمنع كل انحراف للسلطة من شأنه أن يحوّلها إلى تسلّط. والمواطنة, ولعلّ هذا هو الأهم,تدلّ على المواطن والمواطنين الذين يديرون شؤونهم معا بطريقة تكون فيها العدالة والمساواة مكفولتين.هذا يسمح لنا بالقول إن المواطن هو الفرد الذي يشارك في الشأن العامّ من منطلق الحريّة و الإستقلاليّة و تلك المشاركة نطلق عليها حريّة سياسيّة. أساس المواطنة إذن هو الحريّة بما هي حقّ الفرد في الإختيار وفي أن لا يمنعه احد من ان يقوم بما شاء من أفعال. تحيل المواطنة إلى وجود فضاء عامّ,يتميّز عن الفضاء الخاص باعتباره مجال الأفكار والتطلّعات و الميولات الخاصّة بالفرد. غير أن الفضاء الأول لا يلغي الثاني. يعود هذا المعنى إلى الفلسفة اليونانية,فقد تداول الرواقيّون مفهوم "المواطن العالمي" كما جسّد سقراط حالة المواطن الذي هو فرد ملتزم بقوانين دولته. ولعلّنا نجد لدى أرسطو الصياغة الأوضح لتعريف المواطن حيث يقول في كتاب "السياسيّات":«الذي يدعى مواطنا على الأخصّ من يشترك في مناصب الدولة»[1].
تتحدّد دلالة المواطنة بالنظر إلى مجموعة من المعاني الأخرى المرتبطة بها لعلّ أهمها معنى الدولة . تدلّ الدولة على مجموعة الأجهزة و المؤسسات التي تمارس السيادة من خلالها. والسيادة هي السلطة الأصلية التي عنها تنبثق السلطات الأخرى.السيادة هي السلطة العامّة المشروعة التي تعمل من خلال مؤسّسات الدولة و أجهزتها المختلفة. المعنى الآخر الملازم لمفهوم المواطنة هو الديمقراطية, وهي الحالة التي تكون فيها السيادة للمواطنين كافّة دون تمييز بينهم على أساس المولد أو الثروة أو القدرة[2]. وهكذا يمكن تعريف المواطن بأنه الفرد الذي يتمتع بحقوق سياسية في ظلّ دولة ديمقراطيّة.
إن ما ورد سابقا لا يعني أن مفهوم المواطنة قد تحدّد بما يكفي من الوضوح. فالقول بأنّ المواطن هو من يشارك في الشؤون العامّة من منطلق الحريّة الفرديّة لا يوضّح تماما من هو المواطن.ثمّة أسئلة يجب تقديم أجوبة عنها مثل: ما هي شروط المشاركة في الشأن العامّ؟و كيف تتمّ؟ كيف يمكن التوفيق بين المصلحة الخاصة للمواطن باعتباره فردا تحرّكه الأهواء و الميولات الشخصيّة و المصلحة العامّة؟ كيف يشارك المواطن في الأمور العامّة ويخضع لقوانين الدولة و يبقى,في نفس الوقت, حرّا؟ لقد عبّر أرسطو عن هذا الإلتباس بالقول:«يتّضح لنا أنّه ينبغي قبل كل شيئ أن نبحث عن المواطن. إن الدولة جماعة مواطنين, و من ثمّ علينا أن نستقصي من يجب أن ندعوه مواطنا و من هو المواطن إذ يكثر أن يكون المواطن موضوع جدل»[3].هناك اختلاف بين دلالة معنى المواطنة في الحكم الشعبي ودلالته في حكم الأغلبيّة. ففي إطار حكم الأغلبيّة ليس من الضروري أن يؤخذ قرار كلّ المواطنين بعين الإعتبار, إذ يتمّ الإكتفاء بما تتفق عليه الأغلبية. و هذا يعني أنّ هناك عدد من المواطنين لا تحضى اختياراتهم وقراراتهم بأيّ اعتبار من قبل السلطة العامة. و اما في الحكم الشعبيّ فالأمر يختلف, ذلك ان كل الأفراد-المواطنين المكوّنين للشعب أو للجماعة السياسية يشاركون فعليّا في إدارة الشأن العام. هذا المعنى هو ما يسمّى في الفكر السياسي المعاصر بالديمقراطيّة المباشرة. يقول أرسطو:«ندعو مواطن دولةمن له في تلك الدولة حقّ الإشتراك في في السلطة الإستشاريّة و في السلطة القضائيّة. و الدولة جماعة تألّفت من أمثال هذا الشخص»[4]. تقوم المواطنة في تصوّر أرسطو على فكرة المشاركة فالمواطن عنده هو من «يشترك في القضاء و السلطة» و النظام السياسي ليس «سوى شركة و لذا وجب ضرورة أن تهدف فضيلة المواطن إلى النظام السياسي». إنّ النظام السياسي و الوجود المدني ليس اختيارا فرديّا عقلانيّا كما هو الأمر لدى فلاسفة العقد الإجتماعي ولكنه غاية الوجود الفردي. وبعبارة أخرى لا توجد الدولة من أجل الفرد بل يوجد الفرد من اجل الدولة. ذلك هو معنى الخاصيّة الطبيعية للوجود السياسي. إن المدينة (الدولة) ليست اصطناعا ولكنها ظاهرة طبيعية أو واقعة طبيعية. بحسب التصوّر الأرسطي لا تمثل الديمقراطية شرطا ضروريّا للمواطنة, إذ يمكن للأفراد,في ظلّ حكم أرستقراطي أو ملكي أن يشاركوا بشكل ما في «مناصب الدولة». و من المعروف أنّ هذا الموقف يتعارض مع موقف اسبينوزا الذي يرى انّ النظام الديمقراطي هو النظام الكفيل بحماية الحقوق الطبيعية للأفراد[5]. «في الدولة الديمقراطية (وهي أقرب نظم الحكم إلى حالة الطبيعية) بيّنّا-يقول اسبينوزا- أن جميع الناس يتفقون على العمل بإرادة مشتركة ولكنهم لايتفقون على ان يبدوا آراءهم او يفكّروا بطريقة واحدة»[6]. إذا كانت حاجة الناس إلى الإجتماع هي التي تجعلهم مواطنين,في رأي أرسطو,بمعنى ان المواطنة نتيجة للمدنيّة الطبيعية فإن المواطنة في نظر اسبينوزا تتأسس على الحقوق الطبيعيّة للأفراد. إنّ شرط تجسُّد تلك الحقوق وخاصة حق التفكير والتعبير أي حقّ الحريّة السياسية لا يتعيّن إلاّ في إطار النظام الديمقراطي[7].
لا يبتعد جون لوك كثيرا عن تصور اسبينوزا الذي يجمع بين المواطنة و الحقوق الطبيعية. فقد أكّد في «رسالتين في الحكم المدني» على ان وظيفة الدولة و النظام السياسي هي حماية حقوق الأفراد: حق الحياة و حق الملكيّة و حق الحريّة. و هكذا تكتسب السلطة مشروعيتها من ضمانها و رعايتها لتلك الحقوق. بحسب هذا التصوّر اعتبر لو ك أنّ نظام الأغلبية هو شكل الحكم الأمثل لحماية حقوق الأفراد و حقوق الشعب. إن نظرية الحق الطبيعي,عند لوك,هي التي تفسر تفضيله للّليبرالية السياسية ولليبرالية اقتصادية إلى حدّ ما.
يمكن القول إن المواطنة تقوم على فكرتين أساسيتين هما االفرديّة و الإجتماعية. وبالفعل تقال المواطنة على فرد حرّ يتمتع بحقوق و يتميّز بقدرته على وضع أهداف و متابعة اختيارات يشارك الآخرين من أجل تحقيقها. تدلّ المواطنة على العلاقة بين الفرد و المجتمع, بين الفرد والدولة, علاقة تحدّدها القوانين. و هكذا لا يمكن ان تكون السلطة السياسية حكما أو مُلكا فوق القوانين. المواطنة إذن مشاركة أو تشارك بين مواطنين أحرار يطلبون غايات مشتركة.
يمكننا أن نتتبع حركة المفهوم في مجالات مختلفة,حيث تكون له في كل مجال وظيفة مخصوصة. يستعمل مفهوم المواطنة في العلوم السياسية سواء لدراسة ظواهر سياسية في إطار نظام ديمقراطي كصراع الأحزاب و الإقتراع و سن القوانين...إلخ,أو كذلك لدراسة أنظمة غير ديمقراطية أي لا يتمتع فيها الأفراد بحقوق المواطنة. في العلوم السياسية تعتبر المواطنة واقعا أو معطى بالإمكان وصفه وتحديده بالنظر إلى القاعدة المحددة للسلوك السياسي باعتباره سلوكا بشريّا خاضعا لدوافع يكون دائما بالإمكان إبرازها. و في هذا السياق يقرّ البعض بأنه بالإمكان توقع ردّات فعل المواطن إزاء البرامج السياسية المقترحة او إزاء السياسات المتّبعة. لمفهوم المواطنة المستخدم في العلوم السياسية قيمة وصفيّة و تفسيرية. ولكن المواطنة تستخدم في الخطاب السياسي أو السياسويّ,الخطاب الذي ينتجه الحاكم و يوظّفه من أجل توطيد حكمه. إنّ صاحب السلطة يقدّم نفسه كمواطن ,وهو بالتأكيد على صفته تلك,(مواطن اختارته أغلبية المواطنين)يطلب ثقة و دعم المحكومين. تفهم المواطنة ,بهذا المعنى,باعتبارها علاقة ثقة بين الحاكم والمحكوم: الطرفان ملزمان بالعمل من أجل تحقيق المصلحة العامّة ولبلوغ ذلك الهدف يتوجّب عليهما احترام القوانين المدنيّة. لقد أكد جون لوك,بصفة خاصة,على علاقة الثقة هذه و اعتبرها شرطا ضروريا لصلاح الحكم[8].
ولكن خطاب المواطنة-وهو أداة بين يدي من يحكم و يحقّ له هو وحده أن ينتجه ويستعمله-قد يخفي مصالحا ذاتية وأهدافا خاصة. يتعلق الأمر هنا باستخدام إيديولوجي لمفهوم المواطنة قد يحقق أحيانا فائدة ما ولكنّه لا يعطي مشروعيّة سياسية. إن الإيديولوجيا,بما شكل من أشكال التخيُّل الإجتماعي يمارس وظيفة على مستويات ثلاثة يحدّدها ريكور كالتالي:الأوّل يتمثل في تشويه الواقع وذلك من خلال صنع صور مشوّهة تخفي حقيقته.الثاني يتمثل في تبرير السلطة السياسية القائمة بواسطة خطاب معيّن من شأنه ان يحلّ محل الإكراه والقوّة. يمكن أن نذكر فنّ الخطابة على سبيل المثال:«لقد كانت العلاقة بين السيطرة السياسية وبين فنّ الخطابة معروفة منذ القديم. و لبس هناك من شكّ في أنّ أفلاطون كان أول من أبرز أنّ وجود الإستبداد السياسي يحتاج ضرورة إلى رجل يتقن فنّ الخطابة,فلا تتمكن القوّة الماديّة من النجاح دون اللجوء إلى إقناع الأفراد بواسطة خطباء المجالس العمومية»[9].و امّا المستوى الثالث للإيديولوجيا فهو يتمثّل في وظيفة الإدماج الإجتماعي,فكل منظومة إيديولوجيّة إنّما يكون من بين أهدافها توفير عناصر هوية جماعة معينة بحيث تبقى موحّدة و متماسكة عبر استحضار أحداث مؤسًسة وتكون تلك الأحداث بدورها مكوّنة للذاكرة الجماعيّة.
الدلالة الإيديولوجية للمواطنة هي إذن دلالة سلبية,بمعنى أن توظيفها إنما يدلّ على انعدامها,فعلى ىسبيل المثال يؤدي التلاعب بإرادات الناخبين في الأنظمة الديمقراطية،عبر الخداع وتقديم الوعود و إثارة مشاعر الخوف وغير ذلك من الحيل،إلى إفراغ المواطنة من معناها الحقيقي. وهكذا تتحول الديمقراطية إلى مجموعة آليّات إجرائيّة لممارسة السلطة لا يكون فيها المواطن فاعلا بل منفعلا. يرمي الفيلسوف إلي التأسيس لنمط من الوجود البشري يكون فيه الإنسان كائنا حرّا و متمتعا بحقوق هو بها جدير. و لهذا فإنّه لا ينظر إلى المواطنة كمجرّد ظاهرة سياسية بل إنّه يبحث في حقيقتها في سياق بحثه في طبيعة الوجود الإنساني و في شروط الإجتماع المدني و السياسي.
أدرج فلاسفة العقد الإجتماعي المواطنة،باعتبارها جملة الحقوق السياسية،ضمن نظريّة الحقوق الطبيعيّة: يستمدّ الفرد حقوقا ذاتيّة من طبيعته كإنسان[10] وهو، لذلك،ليس مدينا في التمتّع بها لأيّة سلطة بشريّة كانت أو فوق بشريّة.إنّ الإقرار بحقوق المواطنة يعني ضمنيّا رفض السلطة المطلقة. كل سلطة هي سلطة محدودة أي أن نفوذها و تأثيرها لا يمتدّ إلى أبعد ممّا تسمح به القوانين التي تعبّر عن الإرادة العامّة. و هكذا لا يمكن للسلطة السياسية أن تنتهك حقوق الأفراد بطريقة عشوائيّة وذلك لأنّ تلك السلطة تخضع للسلطة التشريعية التي تعتبر، لدى فلاسفة العقد الإجتماعي،السلطة العليا في الدولة.هكذا تكون المواطنة حصيلة تعاقد اجتماعي، هو في حقيقته فعل تأسيسي،يخرج بمقتضاه الأفراد من فوضى حالة الطبيعة إلى الحالة المدنيّة-السياسية حيث يتفاعل الأفراد فيما بينهم باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.يمكن أن نقول إذن إن المواطنة تتأصل ضمن مرجعيّة الحق الطبيعي وهي المرجعية التي انبنت عليها نظريّة العقد الإجتماعي التي تنتسب إليها الديمقراطية المعاصرة. كيف نفهم المواطنة ضمن الأفق الفكري الذي تتحدّد فيه الحقوق الفرديّة كنتيجة للممارسة التاريخيّة؟ و إذا اعتبرنا حقوق الإنسان حقوقا تاريخيّة فهل تكون المواطنة مجرّد حقّ سياسيّ من بين حقوق أخرى؟
أكّد ماركس على البعد الإيديولوجي لمفهوم المواطنة. و قد كان نقده للمفهوم مندرجا ضمن نقده للمجتمع البورجوازي بصفة عامة و لمفهوم حقوق الإنسان بصفة خاصّة،وهو يقول في هذا السياق:«يجري التمييز بين حقوق الإنسان و حقوق المواطن. من هو هذا الإنسان المتميّز عن المواطن؟إنّه ليس إلاّ عضو المجتمع البورجوازي. و لماذا يسمّى عضو المجتمع البورجوازي "ٍإنسانا"،إنسانا و حسب،و لماذا تسمى حقوقه حقوق الإنسان؟بماذا يفسّر هذا الواقع؟بالعلاقة بين الدولة السياسية و المجتمع البورجوازي،بجوهر التحرّر السياسي»[11]. عضو المجتمع البورجوازي،الذي تنطبق عليه حقوق الإنسان،هو في نظر ماركس الفرد الأناني المنفصل عن المجتمع،ذاك الذي توجّهه أهواؤه ومصالحه الخاصّة،وما الآخرون و المجتمع،بالنسبة إليه،إلاّ وسائل من أجل إشباع الأهواء وتحقيق المصالح. فحقّ الملكيّة مثلا هو«حقّ الإنسان في التمتّع بثروته والتصرّف بها وفق مشيئته دون الإهتمام بسائر الناس و بصورة مستقلّة عن المجتمع،إنه الحق في الأنانيّة. و هذه الحرية الفردية،مع تطبيقها،هي التي تؤلف أساس المجتمع البورجوازي...»[12]
إن الإنسان من حيث هو عضو المجتمع البورجوازي يختلف عن الإنسان السياسي أي عن المواطن الذي ليس إلاّ تجريدا:«فالإنسان، كما هو، عضو المجتمع البورجوازي هو معتبر بمثابة الإنسان بالمعنى الدقيق للكلمة. الإنسان يتعارض مع المواطن،ذلك لأنه الإنسان في وجوده المباشر المحسوس و الفردي،في حين أن الإنسان السياسي ليس إلاّ الإنسان المجرّد،المصطنع،الإنسان من حيث هو شخص رمزي،معنوي. و الإنسان الحقيقي لا يُتعرّف إليه إلاّ في شكل الفرد الأناني،و الإنسان الواقعي في شكل في شكل المواطن المجرّد»[13]. لا يحيل مفهوم المواطن إذن إلى إنسان حقيقي يتحكم بالفعل في وجوده المادّي بل يدل على صورة مجردة مصطنعة من أجل إخفاء حقيقة الوجود السياسي الذي يعكس عدم المساواة على الصعيد الإجتماعي و الإقتصادي.
إذا أردنا الإحتفاظ بمفهوم المواطنة فلعله لا مفرّ من المطابقة بين البورجوازي و المواطن: المواطن هو الفرد المشارك في السلطة السياسية بالنظر إلى كونه مالكا.فالملكية هي تجعله حرّا و مستقلاّ عن إرادة الآخرين. ولكن هذه المطابقة قد تفقد أهميتها إذا أخذنا في الإعتبار الفصل القائم اليوم بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة و الحقوق الإقتصادية و الإجتماعية من جهة أخرى.المواطن اليوم هو الفرد الذي يتمتع بحقوق سياسية تكفلها القوانين بغضّ النظر عن مكانته الإجتماعية و الإقتصادية. في الديمقراطية المعاصرة ينظر إلى الأفراد باعتبارهم ناخبين لا باعتبارهم مالكين.
في واقع الهيمنة السياسية في المجتمعات المنغلقة وفي ظلّ التلاعب بإرادات الناخبين وتزييف تتطلعاتهم في الأنظمة المسمّاة ديمقراطية ثمّة إمكانية لأن يلعب مفهوم المواطنة دورا نقديّا اساسيّا:المواطن الحقيقي هو الإنسان الحرّ الذي يتحكّم في مصيره بنفسه. هو من يختار حكّمه و يعزلهم. وهكذا لا و جود للمواطن كفرد منعزل. المواطن الحقيقي جزء من مجتمع مدنيّ تحركه المصلحة العامة و هو دائما مستعدّ لمواجهة انحراف السلطة السياسية.
يمكن للخطاب الفلسفي أن يمارس النقد على الخطاب السياسوي و ذلك بقلب الحجة التي يستعملها هذا الأخير:المواطنة لا تعني المشاركة السياسية و إدارة الشأن العام.فكثيرا ما يستخدم اختيار الأغلبية كمطية للوصول إلى السلطة العليا بهدف تحقيق مصالح خاصة. لقد بين طوكفيل أن الديمقراطية لا تحول دون الإستبداد. ولعلّ أسوأ أنواع الإستبداد هو الملتحف بلحاف الديمقراطيّة.
إذا كانت الديمقراطية في دلالتها الحقيقية ممارسة للحريّات السياسية وانخراطا في الشأن العام،فإنها لا تخلو من بعد معياريّ.تحقق المواطنة يعني أن تتكرّس الحقوق الطبيعيّة للفرد أي حق الحياة و الحرية و الكرامة والعدالة...الخ .إنّ المواطنة لا تتحقق إلاّ في ظلّ النظام الديمقراطي،النظام الذي تكون فيه الإرادة العامة هي منبع التشريع و تكون فيه المصلحة العامة المحددة للقوانين وللممارسة السلطوية.ولكن السؤال الأساسي الذي لا نكفّ عن طرحه بعد روسّو هو:كيف يمكن إيجاد ديمقراطيّة حقيقية؟ إنها شيء منشود،مثل أعلى للوجود السياسي.تحيل الديمقراطية إلى المساواة والعدالة و النظام وهي قيم أبعد ما تكون عن ملاءمة نزوعات البشر و ميولاتهم الأنانية. لهذا يقول روسّو:«لو وجد شعب من الآلهة لحكم نفسه ديمقراطيّا.إنّ حكومة كاملة لا تلائم البشر». [14]هكذا يقف منظّر الحكم الديمقراطي على استحالة الديمقراطية وبالتالي على استحالة المواطنة.
ليست المواطنة مفهوما علميّا للوصف والتفسير ولكنه مفهوم فلسفي يستخدم لتحليل الواقع المدني والسياسي كما يمكن أن يكون أداة للنقد.
[1] -أرسطو،السياسيات،اللجنة الدولية لترجمة الروائع،بيروت،1980
[2] -لالند،معجم المصطلحات الفنية و النقدية (المواطنة).
[3] - أرسطو،السياسيات.
[4] - نفس المصدر.
[5]- اسبينوزا،رسالة في اللاهوت واالسياسة،ترجمة حسن حنفي،القاهرة، 1971،ص.382
[6]- نفس المصدر.
-[7] يشير اسبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة الى ان الديمقراطية هي الحالة الاصلية للعلاقات بين الناس. وهو عندما يتحدث عن الملكية فمن اجل اثبات ان الحكم الملكي يقوم على الخداع و التضليل باسم الدين و هو يكرس عبوديتهم بواسطة الخوف و يوهمهم بان تلك العبودية هي طريق خلاصهم. انظر:فرنسوا مورو،اسبينوزا و السبينوزية،ترجمة جورج كتوره،الكتاب الجديد،بيروت ،ص.104،2008
[8] -جون لوك،الرسالة الثانية في الحكم المدني،ترجمة ماجد فخري،اللجنة الدولية لترجمة الروائع،بيروت،1971ص.38
-[9] بول ريكور،الخيال الإجتماعي ومسألة الإيديولوجيا و اليوطوبيا،ترجمة منصف عبد الحق،مجلة الفكر العربي المعاصر،العدد66-67،1989
[10] -إنّ ردّ الحقوق الطبيعية إلى الطبيعة البشرية يعني ردّها إلى اللّه.هذه الحقوق ليست هبة من البشر ولذلك فلا تنازل عنها وكل انتهاك لها يعدّ خرقا لقانون الطبيعة الذي يتطابق مع قانون الله كما أكّد لوك على ذلك.يقول روسّو:«لن أقف عند البحث في أنّ الحريّة،إذا كانت أشرف خصائص الإنسان،فانّه يعدّ تشويها للطبيعة و انحطاطا إلى مستوى البهائم عبيد الغريزة وإهانة لباري وجوده أن يتنازل هذا الإنسان دون تحفظ عن أثمن نعم ربّه لكي يطيع سيّدا ضاريا أحمق و أن يرضخ لارتكاب جميع الجرائم التي ينهاه عنها خالقه. بل أليس ممّا يثير سخط باريه أن يرى أجمل ما صنعت يداه، لا ملوّث الشرف فحسب بل مهلكا متلاشى؟ ثمّ إني سأهمل رأي الحجّة ″باربيراك″ الذي صرّح بوضوح نقلا عن لوك بأن لا أحد يستطيع أن يبيع حريّته لأحد يخضع معه لسلطة استبدادية تلعب به على هواها«لأن معنى هذا،على حدّ قوله،أنه يبيع حياته التي ليست ملكا له»،و إنما أسأل فقط: بأي حق استطاع أولئك الذين لم يخشوا أن يذلّوا أنفسهم إلى هذا الحدّ أن يخضعوا ذريّتهم إلى مثل هذا النشاز و أن يتنازلوا بالنيابة عنهم عن مقتنى لم يتّصل بتلك الذريّة عن طريق سخائهم،مقتنى تصبح الحياة بدونه عبئا ثقيلا على جميع الذين هم أهل للحياة», أصل التفاوت بين البشر ، ترجمة بولس غانم،بيروت ، 1972 ص.103
[11]- كارل ماركس،المسألة اليهودية،مكتبة الجيل،بيروت،ص.40
11[12]- نفس المرجع
12نفس المرجع
روسو-[14]،في الغقد الإجتماعي،الكتاب3 الفصل 4
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2010 |
فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي