shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                   في دلالة الـ"كش مات"

                           (2 من 3)

          شروط الموازنة وحدودها في ضوء الهوة النوعية الفاصلة

                                                             دكتور عبد الله المنصوري

سبق فبينت في قسم هذه الدراسة الأول بمسألتيه الحجج التي يستعملها مخرب الأصلين وطبيعتها وما أوصلته إليه من مآزق. فقد كان مراده أن يثبت ما يزعمه حول علمية الكلام ووظيفته الدينية بدحض ما يقول به الأستاذ أبو يعرب أعني بمجرد رد الفعل. لكنه انتهي من حيث لا يعلم إلى عكس ما سعى إليه فأيد حلا يجعله تيميا من دون شروط الفكر التيمي. وذلك أمر طبيعي. فلا وجه للمقارنة بين الأعلام والأقزام. وقد وعدت القراء بالوصل بين وصفي لخطاب الراد ولخطاب المردود عليه مع الحفاظ على الفرق الكيفي بينهما.

فوصفي  لحجج مخرب الأصلين في الأسبوع الماضي بين وهاء ما يتصوره فيها ردا على رأي الأستاذ أبي يعرب. ووصفي لعلاج أبي يعرب أعني لفلسفة الدين من منظور قرآني الوصف الذي أقدم منه موجزا فيه الأسبوع المقبل وصف لن يتوقف طيلة حياتي وفي الموجز سأبين كيف يكون نور العقل الطبيعي مطابقا لحدس الفطرة مع بيانه عرَضا علل امتناع الكلام الذي يزعمه أصحابه علم الدفاع عن العقائد الإيمانية بالحجج العقلية.

وها أنا أفي بالقسم الثاني من الوعد فأشرع في تحديد مقومي هذا الجسر الناقل من ثرثرة الكلام في أدنى مستوياته إلى البحث العلمي في تطور مؤسسة الكلام كما تعينت في تاريخ فكرنا وفي نظرية المعرفة كما تطورت في تاريخ فكرنا والفكر الإنساني عامة وما تؤديان إليه من ضرورة الاستعاضة عن علم الكلام الذي يجمع الدين والعقل على فساده بفلسفة الدين بعد أن أدرك العقل حدوده ففهم ما نبه إليه القرآن الكريم. وتقتضي المحافظة على الهوة السحيقة بين الخطابين أن يكون الوصل مؤلفا من مبدأ مركزي هو الفرق بين علم الكلام في الدين وكلام العلم فيه أعني فلسفة الدين  [1] ومن التفاتين:

التفات أول من هذا المبدأ إلى كلام العلم لبيان خصائص البديل ما هو حتى أستكمل النقلة إلى العلاج الفلسفي التام لمسائل فلسفة الدين.

التفات ثان من هذا المبدأ إلى علم الكلام لبيان القطيعة كيف حصلت ليس مع هذه الحثالة بل مع الفكر الكلامي ممثلة لعرض المرض الذي نسعى لتمريض الأمة منه.

وعندئذ لن تجدوا بعدها لمخرب الأصلين وجماعته ذكرا أصلا لأننا نكون قد بلغنا إلى مرحلة ما بعد تجاوز الـكش مات الذي تم منذ غاية القسم الأول فنبدأ البحث في فلسفة الدين من المنظور القرآني أعني البديل من علم الكلام في الأسبوع المقبل إن شاء الله. وبحثي في هذا القسم الثاني:

يلتفت إلى القسم الثاني من الدراسة ليؤسس لهذه القطيعة التي بها يبدأ أي علم مع المحاولات البدائية التي هي بالجوهر ما قبل تاريخ العلم فيبين ما غاب عن نباشي القبور  وباعثي الفتن  فنشرع في توضيح مقومات هذا المبدأ الأساسي ذي الالتفاتين والذي يهمله المتكلمون قديمهم وحديثهم.

يلتفت إلى القسم الأول من الدراسة آخر التفاتة ليبين كيف تدرجنا في القطع مع الساعين إلى بعث مومياء علم الكلام فيشرح ما حاولنا التخلص منه في علاجاتنا السابقة حتى نرفع مستوى النقاش فنعد إلى الخوض في معاني التأسيس لشروط الانتقال من علم الكلام في الدين إلى كلام العلم فيه أعني فلسفة الدين.

وسأكتفي بنص واحد عميق الدلالة انتخبه من فصل المقال لأبي الوليد ابن رشد أذكر به القراء لعل الذكرى تنفع المؤمنين بأن موقف الأستاذ أبي يعرب من المدارس الكلامية ليس بالأمر الذي ينفرد به فيفسر بتفاهة المرددين لتهمة الاستشراق أو العداء للأمة. إنه من ثابت المواقف الصادقة لعلماء الأمة الحقيقيين الذين سعوا بصدق وجد لتحقيق شروط دورها في التاريخ الكوني وهي في آن شروط الحفاظ على وحدتها ووحدة عقيدتها وشريعتها بصفائهما القرآني والسني كما عاش عليهما البناة الأوائل شرطين في وحدة أرضها وقدراتها للدفاع عنها وعن عرضها:

قال ابن رشد الحفيد الذي يجادل في علمه المتزعم البليد:" ومن قبل التأويلات والظن بأنها يجب أن يصرح بها في الشرع نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضا وبدع بعضهم بعضا وبخاصة الفاسدة منها. فأولت المعتزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وصرحوا بتأويلهم للجمهور. وكذلك فعلت الأشعرية وإن كانوا أقل تأويلا. فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق.

 وزائدا إلى هذا كله أن طرقهم التي سلكوها في إثبات تأويلاتهم ليسوا فيها مع الجمهور ولا مع الخواص لكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان وذلك يقف عليه بأدنى تأمل من عرف شرائط البرهان بل كثير من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سوفسطائية.

فإنها تجحد كثيرا من الضروريات مثل ثبوت الأعراض وتأثير الأشياء بعضها في بعض ووجود الأسباب الضرورية للمسببات والصور الجوهرية. ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة من الأشعرية كفرت من ليس يعرف وجود الباري بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم وهم الكافرون والضالون بالحقيقة"  [2] .

لكن مخربي الأصلين أعلم من ابن رشد ومن ابن تيمية: فالأول عندهم غبي والثاني عندهم مجسم. وكلاهما ربما كافر لأنه ليس قائلا بما تقول به فحول الأشعرية فضلا عما تقول به ذيولها. أما حجة الإسلام وعلامته فلهما في قولهما على الكلام تآويل لا يقبل بها إلا المساطيل [3].  ولن تجد وصفا أدق ولا بيانا أوضح للعاهات الناتجة عن الممارسات الكلامية الأساسية من وصف الغزالي[4]   الذي رد الكلام إلى مجرد "حراسة عقيدة العامة عن تشويش المبتدعة" (ص.34) تطييبا لخاطر ذوي الحول منهم والطول في عصره لكنه مثله مثل ابن رشد يعتبرهم هم المبتدعة في الحقيقة.

إنهم هم مشوشو العقائد بتآويلهم العرجاء والعمياء حتى ينتصبوا حراسا بخلاف ما دعا إليه القرآن الذي نفى الحاجة إلى الكهنوت والسلطة الوسيطة وقدم بيانا للناس معتبرا تدبره وفهمه فرض عين. ويتبين ذلك من عرض الغزالي ثمرات ممارساته الأساسية ونكيره على أصحابها أعني المناظرات والمجادلات على الأخلاق والعلوم والمجتمعات. وليس في ذلك مزيد عن تحليل الآية السابقة لو كان المتكلمون يعلمون: ففنهم ليس شيئا آخر غير تعليم المماحكة والوقاحة لأنه تعبير عن زيغ القلوب وابتغاء الفتن.

 

                                   المسألة الأولى

                         موقف أبي يعرب من علم الكلام

فرغنا من التوجه الأول منذ القسم الأول وعلينا الآن أن نبين طبيعة الهوة. فهي ليست كما قد يتوهم القارئ هوة فاصلة بيننا وبين مخربي الأصلين فضلا عن أن تكون بين أبي يعرب والمتشايخين منهم. فهم مساكين ليسوا في العير ولا في النفير بل هم ضحايا المسألة التي نعالجها بل هم من ذيول ضحاياها. كل ما في الأمر أنهم شبائه اضطررنا لتقديمهم مثالا مما تؤدي إليه ظاهرة تحريف الكلام وما يترتب عليها من عاهات في المجتمعات الإنسانية: لأننا نفسر بهده الظاهرة انحطاط الأمة مواصلين في ذلك رأي الغزالي الذي أشار لذلك بمفهوم إحياء العلوم والضمير أنها ماتت أو قتلت ورأي ابن رشد الذي اعتبر المتكلمين أصل كل الأدواء خاصة وهو كان قاب قوسين أو أدنى مما أشار إليه ابن خلدون أعني انتقال العلوم والفلسفة إلى ما وراء العدوة. الأمر إذن في فكر أستاذنا أبي يعرب يتعلق بمشكل عام في الفكر الإسلامي طلبا لفهم علل انحطاطه وشروط انبعاثه السوي. وعلينا أن نصوغ الهوة التي نعنيها الصوغ المناسب من خلال تعينها في الظاهرة الكلامية. وها أنا اقترح صوغها على النحو التالي. فأميز بين صورتي الكلام أعني:

الكلام بمقتضى حده إن صدقنا أصحابه فقبلنا بتعريفهم المبرر لوجوده والمساعد على انتقاله من الفرق الهامشية إلى تيار الأمة الأساسي باني حضارتها ومجدها اعني السنة: الاستدلال العقلي على العقائد الإيمانية.

والكلام بمقتضى وجوده الفعلي أعني حقيقته الباطنة التي تنكرت في تعريفه الظاهر لأنه لم يكن يوما مطابقا لحده الظاهر: الكلام البديل من العلم الديني لكونه بالتأويل يرد النقل إلى العقل المزعوم.

فالكلام بمقتضى حده هو الدفاع عن العقائد الإيمانية بالدليل العقلي. فلنسلم لهم بهذا الحد. فيكون عند من يقبل الكلام على وجه قبول المحظورات التي تبيحها الضرورات بشرط ألا يكون قد انحرف فاختلط بالفلسفة. وإذن فالكلام تحدّ من المتكلم لمن يشكك في العقائد الإيمانية أو علاج منه لمن يتحير فيها بالإتيان إما بما يرد علل التشكيك أو يعالج علل التشكك كذلك يراه الغزالي وابن خلدون مثلا: إنه بهذا المعنى حارس ضد التشكيك ومطبب للمتشكك. وبذلك فاستدلاله ليس لإثبات العقائد الإيمانية بل لدحض الحجج التي يأتي بها المشكك أو التي تعلل التشكك. إنه دفاع سلبي: يرد على المهاجم أو يعالج المريض لكنه ليس باني الذات ولا واضع علم الصحة.

أما الكلام بمقتضى وجوده المخالف لحده الظاهر فيزعمه أصحابه تدليلا على العقائد الإيمانية للظن بأن دحض الناقض يثبت المنقوض بحكم التعاكس التام بين المتناقضين كما تقضي بذلك طبيعة التناقض. وكان ذلك يكون صحيحا لو كان الأمر يدور في الحالتين على نفس الأمر: فشرط تطبيق عدم التناقض هو وحدة موضوع الحكمين من كل الوجوه. إما إذا اختلف الموضوع فإن تطبيق القاعدة دليل على عدم الفهم للأمر المحكوم فيه ولمبدأ عدم التناقض. ذلك أن الدليل العقلي ضد الشاك والمتشكك ليست وظيفته إثبات الأمر بل إسكات المشكك أو طمأنة المتشكك بإثبات إمكانه. وهذا وإن لم يكن كاف للدحض ولا للعلاج فهو من المسكنات لأن غاية ما يصل إليه هو ما صار يسمى رهان باسكال وهو في الحقيقة رهان الغزالي: أن يرضى الإنسان بمبادلة الوعد بالمطلق بما عنده من نسبي لا يساوي شيئا بحيث إنه إذا تحقق الوعد كان الرابح وإذا لم يتحقق لن يخسر شيئا.

 لكن إثبات الإمكان ليس كافيا لإثبات الوجود. فمن يريد أن يثبت العقائد الإيمانية بالعقل لا يكفيه أن يثبت إمكانها المجرد ليدحض به نفي إمكانها من المشكك فيها بل عليه أن يثبت وجوبها أعني أنها حقيقة ثابتة وليست مجرد حقيقة ممكنة. وهذا لو تم لكان دالا على أن العقل مغن عن الأنبياء. فيكون كل من يتوهم ذلك ممكنا قائلا بما تقول به البراهمة وهو لا يدري.

ولتجنب الاعتراف بهذا المآل ومواصلة في المغالطة الباطنية اضطر الفلاسفة ثم المعتزلة وأخيرا الأشاعرة إلى حلول ملفقة لا تسمن ولا تغني لأنها لا تتجاوز التظاهر بغير حقيقة فكرهم سواء كان التنكر قصديا أو بصورة غير واعية وخاصة في حالة الفلاسفة الذين كانوا صادقين حقا في دعواهم لأنهم كانوا يعتقدون بغفلة أن العقل قادر على تجاوز المعرفة العقلية التجريبية إلى المعرفة الميتافيزيقية فكانوا لا يرفضون التأويل بإطلاق بل بإضافة أعني التاويل الكلامي كالحال في ابن رشد بخلاف ابن تيمية الذي يرفض التأويل بإطلاق وليس بإضافة لكونه أدرك مثله مثل ابن خلدون من بعده حدود العقل.

1-فالفلاسفة عللوا الحاجة إلى الأنبياء بالحاجة إلى التعليم الجمهوري لأن العقل عندهم لا يعزب عن باله شيء ومن ثم فهم ينفون الغيب ويتصورون الوجود مطلق الشفافية للعقل.

2-والمعتزلة عللوها بحاجة السمعيات إليهم وربما بالحاجة إلى التعليم الجمهوري لكنهم لم يذهبوا إلى ما ذهب الفلاسفة ورأيي أنهم لم يفعلوا ليس لعلمهم بحدود العقل أو لتسليمهم بالغيب بل بسبب التقية الباطنية.

3-والأشعرية عللوها بحاجة أحكام التشريع إليهم وربما بالحاجة إلى التعليم الجمهوري لكنهم دون المعتزلة إقداما ومنهم من هو أقرب إلى السنة ومن من هو أقرب إلى الاعتزال بل إن بعضهم يناوس بين الموقفين خلال مراحل نضوجه الفكري.

لكنهم في الحقيقة كلهم براهمة وهم لا يعلمون. ولو نظروا في ما يترتب على الزعم بإثبات العقائد الإيمانية بالعقل لفهموا أن النتيجة هي نفي الغيب والحاجة إلى الوحي. فالزعم بأن العقل يمكن أن يثبت العقائد الإيمانية بصورة برهانية مغن وكفاية عن الأنبياء. ذلك أن عقل الفيلسوف القادر على ذلك يمكن في هذه الحالة أن يكون قادرا على التعليم الجمهوري وعقل المعتزلي قادرا على تبرير السمعيات وعقل الأشعري قادرا على وضع الشرائع. وهم في الحقيقة كذلك يفعلون ولا أحد يمكنه أن يصدق تقية القول فلا يرى الفعل.

 فللفلاسفة نظرياتهم في آراء الملل (أي في المثالات الدينية من الحقيقة الفلسفية لغاية عملية). وللمعتزلة تأويلاتهم للسمعيات لأنهم لا يقبلونها كما هي بل هم بمقتضى التنزيه المزعوم أعني التعطيل في الحقيقة يلغون منها المضمون والفاعلية التعليمية. والأشاعرة بنظرياتهم في القياس الفقهي يحققون التشريع المتخفي كما بين أستاذنا أبو يعرب في حواره مع الشيخ البوطي: لأن من شرط القياس اطراد التعليل ولا اطراد من دون ضمير التحسين والتقبيح العقلييين إذ الأحكام لو اعتقدوها توقيفية لامتنع عندهم القياس الفقهي كما فهمت الظاهرية.

إن القطيعة التي نتكلم عليها هي إذن قطيعة مع الفحول من هؤلاء وليس مع ذيول العُجُول أعني الشائخ وجوقه من المصفقين والمزغردين لتخريف الثرثارين. والقطيعة ليست بنت اليوم بل هي أمر يشق الفكر العربي الإسلامي بل والإنساني منذ بداية الفكر الديني والفلسفي كما يتضح من نص ابن رشد. فالفكر الديني أدرك حدود المعرفة العقلية التحليلية (ذات العبارة اللغوية القابلة للتحليل المنطقي) فاستكملها بالمعرفة العقلية التأويلية (التجربة الحية المعيشة التي لا تقبل التحليل المنطقي). وهذا الفصام الجوهري في الفكر الإنساني عبرت عنه عدة صيغ أهمها صيغة المقابلة التقليدية بين المعرفة الصناعية والمعرفة الذوقية إلى أن تطور الفكر الإنساني فتبين له أن المعرفة كلها صورتها عقلية ومضمونها نقلي حتما لانقسام النقل إلى نوعين:

النقل التجريبي العقلي أعني ما نستمده من المدارك الحسية وهذا هو مجال العلوم الوضعية وهو الذي لا يمكن للفكر الفلسفي أن يتجاوزه من دون أن يدعي للعقل ما ليس عنده فيكون كلامه مجرد قيس للغائب على الشاهد ومن ثم نافيا لمبدئه الأساسي: التجربة العقلية الممكنة أو المحسوسية الممكنة بلغة ابن تيمية.

والنقل التجريبي الحدسي أعني ما نستمده من المدارك الحدسية التي تتجاوز المدارك الحسية فننتقل من المحسوسية الممكنة إلى المحدوسية الممكنة. وهذا هو مجال العلوم الدينية وهو الذي لا يمكن للعقل الإنساني أن يثبت منه إلا الإمكان دون الوقوع الفعلي ولذلك فهو مجال الإيمان.

مثال ذلك أن الإنسان لا يمكنه أن يثبت بالعقل وجود ذاته ولا وجود الله ولا حتى وجود العالم الخارجي ووجود الآخرين: كل ذلك عقائد إيمانية ولا يختلف فيها إنسان عن إنسان إلا بكيفية التعبير عنها لكنها تبقى هي هي عند جميع البشر لكونها عين حد الإنسان بل هي جوهره وعين منزلته الوجودية وانطلاقا منها يأتي دور العقل في السعي ضمن هذا الإطار ليحقق شروط الاستخلاف وأداء الأمانة التي كلف بها الإنسان شاء أم أبى. كل ذلك يؤمن به الإنسان وليس له عليه دليل عقلي يثبته بل كل ما عنده هو دليل عقلي على امتناع نفي إمكانه. ومن المقابلة بين هذين النوعين من المعرفة تأتي الأديان جميعا. وهي كذلك صنفان:

الأديان الطبيعية التي تعتبر هذه الظاهرة موجودة عند الإنسان من حيث هو كائن ديني أو ميتافيزيقي بصورة عامة.

والأديان المنزلة التي تعتبر الظاهرة ذات مستويين عام وخاص والخاص هو المحتاج إلى وساطة الأنبياء بوصفهم مصطفين يحصل لهم الاتصال بالله.

والإسلام ليس من هذا النوع ولا من ذاك حصرا في أي منهما بل هو جامع بينهما. فهو يعتبر النوع الثاني موجودا فعلا وجودا مرحليا لقوله بالختم. ولذلك فوجوده ليس في قطيعة مع النوع الأول. لذلك فهو ينشأ ويتطور ثم يختم فيعود الناس إلى دين جامع بين معطيين طبيعي (الإيمان المستوحى من تدبر آيات الآفاق والأنفس أو الكون) ومنزل (الإيمان المستوحى من تدبر آيات الآيات أو القرآن الكريم والتاريخ المقدس كما يقصه). وكلاهما يشمل البشر جميعا لأن الإسلام ليس دينا يخص أمة دون أمة بل رسالة لكل الكائنات فضلا عن كل البشر. ولذلك فلا بد فيه من المعرفتين رغم تميز كل منهما بالغلبة على واحد منهما:

فالمعطى الحسي (مضمون العالم والذات من حيث هي بعضه في الأعيان وهو بعضها في الأذهان) يغلب عليه المعرفة العقلية لكنه لا يخلو من المعرفة الحدسية (بحكم  كون العالم بعض الذات في الأذهان رغم كونها بعضه في الأعيان)

والمعطي الحدسي (مضمون القرآن الكريم والذات من حيث هي بعضه) يغلب عليه المعرفة الحدسية لكنه لا يخلو من المعرفة الحسية (بحكم تعليل ذلك التعليل: فالقرآن مصدق للعلاقتين بين الوجود في الوجود الذهني والوجود العيني ومن دونه قد لا يكون الإنسان قادرا على الخروج من نفسه).

ومن دون هذا الشرط لا يمكن فهم ختم النبوة وصيرورة العلم بوجهيه فرض عين ما يعني انتهاء الوساطات لختم الرسالات ولنفي السلطة الروحية. وانتقلت المقابلة إلى شكلها الجديد منذ ابن تيمية وابن خلدون: فهي قد أصبحت تكاملا بين المعرفة الطبيعية والمعرفة الإنسانية. ويقتضي هذا التكامل تجاوز الميتافيزيقا ببعديها الطبيعي والتاريخي: فكان ابن تيمية مؤسس نظرية النظر ببعديها الوجودي والمعرفي وما يترتب عليها من فلسفة في العمل وكان ابن خلدون مؤسس نظرية العمل ببعديها الوجودي والمعرفي وما يترتب عليها من فلسفة في النظر. وفي ذلك يكمن ما يسعى الأستاذ أبو يعرب إلى إثباته دون أن يدعي أنه صاحب فضل فيه: لأن الإبداع الذي يتكلم عليه ليس من صنعه بل هو مجرد شارح له وهو قانع بهذا الدور.

وأود الآن أن أشير إلى أمرين أو ملاحظتين تساعدان على فهم هذه الإشكالية فتمكن من فهم طبيعة الفكر العلمي في المسألة الدينية أعني فلسفة الدين التي صارت ممكنة بفضل النقد الفلسفي التيمي (للميتافيزيقا الأرسطية) والخلدوني (للميتاتاريخ الأفلاطوني) استكمالا لما لم يتمكن حجة الإسلام من الذهاب به إلى أكثر مما فعل لضرورة تواصل الجهد في الأجيال المتوالية (بعد التهافت والفضائح). ونحن نقدم هاتين الملاحظتين علامة على فراغنا من الكلام على المثال الذي عرج عليه البحث في المسألة-دون أن يعوج إليه كمسائلي الرسوم (متكلمي اللاهوت) ولا كالعائجين على الخمارات (متكلمي الناسوت)-المسألة كما تعينت في ظرفنا الراهن بوصفها كما جاء في مقال أبي يعرب الأول نكوصا إلى زيغ القلوب والفتن.

                           الملاحظة الأولى

             لطيفة في معنى النقل والعقل مقومين لكل علم

ما يحيرني حقا هو ظن من لا يميز بين المعاني أن المقابلة بين النقل والعقل في نظرية المعرفة تطابق المقابلة بين النقلي والعقلي في كلامنا على العلاقة بينهما بمعناهما الاصطلاحي في الفكر العربي الإسلامي مطابقة تامة. فهي من المغلطات التي يعود إليها أهم أسباب عدم فهم المتكلمين للثورة التيمية والخلدونية وفلسفة العلم خاصة ونظرية المعرفة عامة. فهذا الخلط دليل على أن المتكلم لا يفقه معنى الأنطولوجيا الصورية و الأنطولوجيا المادية. فضلا عن الفرق بينهما. وله الحق في ذلك. فهذا عنده من المصطلحات الأجنبية وهو يرفض كل ما هو أجنبي ما لم يكن مومياء يونانية من القرن الرابع قبل الميلاد كالنظر القليل الذي يستعمله من المنطق الأرسطي. وهبك أعلمته أن أول من وضع النظرية هو ابن سينا في إلهياته وأول من فهم أبعادها المعرفية هو ابن تيمية في نقده للمنطق الأرسطي ونظريته في العلم.  فمن يتهمه حمير الكلام بالمجسم وربما بالكافر لا يمكن أن يكون من مصادرها: فذلك لن يغير من الأمر شيئا لأن الاسم صار أجنبيا بعد أن صاغه هوسرل في تمهيدات تأسيسه للفينومينولوجيا.

ذلك أن المتكلمين يظنهم المتشايخون ولما يشرعوا بعد في البحث العلمي حتى بالمعنى الرسمي للتكوين النظامي اكتشفوا كل العلوم بما في ذلك ما يمضغونه من ميت المنطق الذي تم اكتشافه في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد ثم يزايدون على أبي يعرب في الأصالة. وكل ما لم يكتشفه المتكلمون ليس علما لأنه من ثمرات الاستشراق والحرب على الإسلام التي يحميه الدجالون بالخرافات الناتجة نفسيا عن زيغ القلوب وابتغاء الفتن أعني بوضع عقائد من وهمهم بديل من عقائد القرآن الكريم الذي هو بيان للناس غني عن كل صوغ كلامي.

فـالأنطولوجيا الصورية تشمل كل قوانين المنطق الخاوية أو الصورة التي لا مضمون لها. وبها يعمل العقل سواء عند تطبيقها على مضمون معين أو عندما يريد أن يجعل الصورة الخالية نفسها موضوعا له أو حتى عندما يفترض أحد المضمونات مادته مطابقة تمام المطابقة للصورة كما في علم المقدرات الذهنية بلغة الحراني وأهمها الرياضيات الخالصة. وهذه القوانين تمثل قسما مما يسميه ابن تيمية بالمقدرات الذهنية وهو القسم الذي يؤسس أهم أقسامها أعني الرياضيات وكل المبدعات الذهنية بما في ذلك الإبداع الأدبي.

والأنطلوجيا المادية تشمل أحكام الموجودات ذاتها أو قوانينها بوصف هذه الموجودات مناطق وجودية لها ما تتمايز به من حيث المادة فيكون علمها الحقيقي مشروطا باستقرائها حتما حتى وإن اقتضى فعل الاستقراء أن يتقدم عليه تخيل قوانين قبلية تحكمها. ولذلك فإن هذا العلم الاستقرائي يبقى دائما نسقا من الفرضيات القابلة للتغير الدائم وليس لها قرار تقف عنده بحيث هي قابلة للمراجعة الدائمة لأن العلم الحقيقي في سيلان أبدي: فالاستقراء هو دائما استقراء ناقص ولا يتم إلا فرضيا بتصور الحصر مستوفيا للمحصور ومستغرقا لأفراده وهو ما لا دليل عليه إطلاقا (إلا في حالات المجموعات المتناهية بالوضع مثل الأحكام الفقهية أو النصوص القانونية).

فإذا طبقنا هذه القسمة على مسألتنا فهمنا ما بينه الأستاذ بالوضوح التام دون أن يكون لكلامه صلة بهؤلاء الأميين الذين لا يميزون بين التاريخ للكلام مع العلم أنه مومياء وبين محاولة إحياء الفتن بإعادة الشباب إلى مناخه أعني إلى مناخ تناطح الدجالين كما عليه الأمر في القرون الوسطى. وكلام الأستاذ هو ما سأتطرق إليه في القسم الأخير من هذه المحاولة. لكني  أشير من الآن إلى أن كل العلوم دينية كانت أو فلسفية ولكونها من الأنطولوجيا المادية لا من الصورية لا بد فيها من النقلي والعقلي في آن:

فمادة العلوم (=مضمونها) هي دائما نقلية سواء كانت هذه العلوم طبيعية أو شرعية.

وصورة العلوم (=شكلها) هي دائما عقلية سواء كانت العلوم شرعية أو طبيعية.

وذلك ما بينه الأستاذ بصورة موجزة في جوابه على أسئلة السيد طوقان أسئلته الثانية لأن أجوبته المستوفاة توجد في أعماله الفلسفية مثل شروط النهضة وإصلاح العقل ووحدة الفكرين. وبذلك فلا معنى لوصف العلوم الدينية بكونها نقلية والعلوم الوضعية بكونها عقلية إلا بالمعنى الاصطلاحي في تاريخ المسألة عندنا وليس في نظرية المعرفة التي يتكامل فيها المعطى المضموني للعلم وينبغي أن يكون نقليا (التجربة والوحي) في أي علم والوضع الشكلي للعلم وينبغي أن يكون عقليا (العلوم الأدوات والمنهج) في أي علم كذلك. فالنقل ذو صنفين:

النقل الشرعي أو المعطيات الشرعية أي النقل الذي مادته من الوحي أعني التجربة الروحية للأنبياء وما يأتون به من تشريعات وعقائد. وهي في متناول كل إنسان يجربها  فعلا بفضل الثقافة الدينية ومصدرها قراءة القرآن الكريم وعلومه وتدبر التجارب المعيشة الحدية التي يصفها وهو معنى دعوة القرآن للتفكر والتدبر في آيات الله فرض عين على كل إنسان من حيث هو إنسان وخاصة بعد ختم الوحي.

والنقل الوضعي أو المعطيات الوضعية أي النقل الذي مادته من مدارك العلماء التجريبيين أعني التجربة الحسية للعلماء وما يستقرئونه من نظريات وقوانين. وهي في متناول كل إنسان يجربها فعلا بفضل الثقافة العلمية ومصدرها قراءة العلوم وتدبر التجارب العلمية التي صارت أساس الحياة في العالم وهو معنى التسخير الذي يشير إليه القرآن في مفهوم الاستخلاف وما سخره لأبناء آدم لامتطاء الدنيا والعمل من أجل الآخرة.

ويكون العقل (ممثلا بما يسمى بالعلوم الأدوات وبالمنهج)  أو الصورة واحدة في كلا الصنفين من العلوم يطبقها الإنسان على المعطيات الأولى فينتج العلوم الدينية والثقافة الروحية التي يربى عليها البشر والتي كلفنا بها شهادة على العالمين وعلى المعطيات الثانية فينتج العلوم الوضعية مع استعمال علوم أدوات مختلفة جزئيا كما بين الأستاذ وهي شرط الأولى لأننا بفضلها نكون قادرين على الشهادة لأننا لا يمكن أن نكون مسموعين عندما نكون ضعفاء وهو ما يفسر مضمون آية الاستعداد التي قدمت القوة عامة على القوة العسكرية ولا قوة بدون هذه العلوم (الأنفال 60). وكل ذلك يتم بشروط تحددها خصائص المضمون حتما: فالوحي يحدد شروط علمه وحدوده وكذلك يفعل الوعي.

                                 الملاحظة الثانية

                           لطيفة  في معنى المقدمة العلمية

كل المشكل عند متعالم المبتدئين هو في عدم فهم طبيعة المقدمة العلمية ما هي وما شروطها. فالمقدمة العلمية غير المقدمة الجدلية وشروطهما مختلفة. وهي كذلك غير قواعد الاستدلال فضلا عن منهج العلاج. ومهما حاولت أن أتفهم فإني لم أستطع أن أفهم كيف يتصور الواحد من المتكلمين المقدمة العلمية قابلة لأن تكون عقلية وغير نقلية في أي علم شرعيا كان أو حتى طبيعيا. وطبعا لا يمكن أن يكون المرء مدركا حقا المقصود بالمقدمة العلمية ثم يزعم الكلام ذا مقدمات عقلية بها تتعين علميته في المسألة الدينية.

فالمقدمة العلمية بمقتضى حدها هي العبارة العلمية عن المعطيات التي تهم العلم من موضوعه سواء بالاستقراء أو بالفرض. وإذا كانت مقدمة علمية حقا فينبغي أن يتوفر فيها الشروط الثلاثة التي تنتسب بمقتضاها إلى القول العلمي كما هو معلوم حتى منذ القرن الرابع قبل الميلاد (المقالة الأولى من كتاب البرهان) أعني أن تكون مقدماته: 1- خاصة بالموضوع 2-وضرورية له 3-ومن ثم فهي كلية لكونها من مقومات ذاته (سواء كان ذلك كذلك في المنظور القديم الذي يتصور ذلك قطعيا أو في المنظور الحديث الذي يكتفي به فرضيا).

ولعلنا واجدون للمتكلمين عذرا. فهم يخلطون بين ما يجدونه من قواعد في الخطاب العلمي من حيث هو علم بصورة مرسلة والمقدمات التي يتقوم منها علم من العلوم من حيث هو هذا العلم أو ذاك على التعيين. لذلك فهم قد يتصورون قواعد الاستدلال مثلا مقدمات علمية تحدد علمية علم من العلوم على التعيين[5] .   فإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن ننبههم إلى أن قواعد الاستدلال لا تعتبر مقدمات لأنها من الانطولوجيا الصورية  كما أسلفنا فضلا عن كونها واحدة في جميع الخطابات إذا كانت علمية مع اختلاف طفيف في العلوم الأدوات كما سيجيء بيانه.

وهذه القواعد واحدة في جميع العلوم سواء كانت نقلية أو عقلية بالمعنى الاصطلاحي الذي يجعل النقلي هو العلم الذي موضوعه الشرع والعقلي هو العلم الذي موضوعه الوضع بمعنى ضميره المقابلة بين الوحي واللاوحي وليس بمعنى المعطى أي مادة العلم وموضوعه وما يضعه العقل للعلاج أي صورة العلم وعلاجه. لكن المقابلة بين النقل والعقل أعم من المقابلة بين النقلي بمعنى الوحي والعقلي بمعنى اللاوحي: فهي تعني المقابلة بين ما يعود إلى الموضوع من المعطيات التي تصاغ في المقدمات وهي معطيات مصدرها ملاحظة الموضوع دائما وهو المعنى العام من النقل ويكون إما باستقرائها إذا كان الموضوع ذا وجود في الأعيان أو بافتراضها إن كان مقصور الوجود على الأذهان كما في حال ما يسمى بالمقدرات الذهنية عند المبدع شيخ الإسلام ابن تيمية حتى لو لم يفهم إبداعه الأميون  [6]. ولذلك فقواعد القياس مثلا لا يمكن أن تكون مقدمات تتمايز بها العلوم لأنها مشتركة بينها جميعا. إنها قواعد لما يقوم به العقل من عمل على المقدمات التي هي دائما من المضمون حتما وهو إما وضعي أو شرعي. والقواعد الصورية معلومة قبل الشروع في علم الموضوع عند النظر إليها قبل ملئها بالمضمون.

وهي عندئذ لا تحتاج إلى استدلال لأنها من المواضعات (أو من الضروريات تسليما جدليا للقائلين بالبديهيات) التي ليس يمكن للعلم أن يبدأ من دونها: إنها من جنس العملة الشارطة للتعاوض في التبادل مثلها مثل آليات القيس والتعيير والوزن إلخ...وبها يقع الاستدلال وليس عليها أو منها. وحتى بهذا المعنى فإنها لا تصبح ذات أثر إلا عند التعين في مضمون معين لأن القيمة المؤثرة لا تأتيها إلا من التطابق بين الشرط القبلي والشرط البعدي أعني من مطابقة النظر القبلي المفترض عقلا للتجربة البعدية المتحققة نقلا: تماما كشروط التبادل بين العملات التي تحدد قيمها التبادلية بما تقدر به من مضامين هي مضمون الاقتصاد الحقيقي وراء حوامل القيم في التبادل الورقي.

فعندما يكتشف قابض العملة مثلا أنها لم تعد سارية أو أن قيمتها نزلت فإنه لن يقبل بها وسيطا في التعاوض إلا بهذين الاعتبارين فيرفضها إن لم تبق سارية ويعيد تقويمها إن تغيرت دلالتها من خلال تقدير قدرتها الشرائية (=في العلم القوة التفسيرية). ولو اعتبرنا هذه القوانين من حيث هي صور خالية أو قوانين منطقية خالصة مقدمات من دون فرض أصل ضمني يضعه قبليا ما يسمى بالمنطق المتعالي أصل مفاده أنها مطابقة لقوانين المضمون عند الانطلاق من شروط التجربة الممكنة ويحققه بعديا ما يسمى بـالتجربة الحاصلة بعد التحقق من الفرضيات شرطين ضامنين للمطابقة لصار مجرد التوليف بين الصور الخاوية موصلا إلى معرفة علمية.

لذلك فالقواعد لا تُستعمل مقدمات إلا بشرط هذين التحويلين القبلي (المنطق القبلي المحدد لشروط التجربة الممكنة) والبعدي (المنهج البعدي المحدد لحصول التجربة الفعلي) الضامنين لكونها قد صارت ذات مضمون وضعي أو شرعي لتكون مقدمات علمية: ومن ثم فبوسعي أن أقول- ولا أظن إبستولوجينا الأستاذ المحمودي سيعارضني في هذا الرأي رغم تطفلي فيه على ميدانه- إن كل المقدمات كلها دون استثناء مضمونية حتما أعني نقلية بمعنيي النقل من حيث هو أمر ليس من فعل العقل بل من المعطيات التي يعمل فيها سواء تصورناها قبلية أو بعدية وهي لا تكون علمية بالفعل إلا إذا جمعت بينهما لأنها بالأول وحده تكون بالقوة فحسب وبالثاني وحده قد تكون محض صدفة. وهذه المقدمات المضمونية هي إما من الوحي والتجربة الوجدانية في الدينيات أو من الوضع والتجربة الحسية في الوضعيات: إما مباشرة لأنها من المضمون المعالج في الاستدلال أو بصورة غير مباشرة بافتراض قوانين الاستدلال مجانسة لقوانين المضمون قبليا وبعديا ومن ثم بافتراضها مضمونية هي بدورها.

وكلا الأمرين ممتنع في العقائد كما هو بين لصلتها بالغيب: فما يفرضه المرء قبليا يبقى مجرد تخمين لتعذر التحقق البعدي من المفروضات إلا يوم الحساب وهو معنى كونها إيمانية. ولهذا سميت عقائد إيمانية ونسبت إلى الوحي واحتجنا فيها إلى الرسل والأنبياء: لا يستطيع المرء أن يضع قبليات عقلية ولا أن يطابقها ببعديات تجريبية ليحاكم حقائق الغيب التي لا يعلمها إلا الله ونحن نتسلمها من الصادق الأمين الذي بلغها للعالمين مع التوكيد على أنها بيان مبين لا يحتاج إلى تبيين الخراصين. لذلك فتطبيق المقدمات العقلية على الوحي كما جاء بيانه في القرآن الكريم يجعل الحاصل ما أشرنا إليه باسم الكلام التاريخي أو النصي لا الكلام العقلي مثلما يكون العلم بالطبيعة علما طبيعيا تجريبيا وليس علما عقليا خالصا (كما في الفيزياء النظرية التي تبقى مبدعات ذهنية أو مقدرات ذهنية إلى أن يتحقق الشرط الثاني أي الضمانة التجريبية لأن الشرط الأول متوفر أعني الضمانة القبلية. وذلك ممتنع في العقائد لكونها متعلقة بالغيب المحجوب حتى على الأنبياء: ما يقوله القرآن عن الله نصدقه ولا معنى لتأويله أو للبحث في المفاضلة بين التآويل لامتناع التحقق الحاسم في المفاضلة بينها).

أما القصد بالمقدمات النقلية عند الكلام على علم الكلام فهو تعيين لها بطبيعة المضمون أعني أنها المقدمات التي يكون مضمونها من المعطيات المستمدة من الوحي وليس المعطيات المستمدة من التجربة الإنسانية العادية كالحال في العلوم الطبيعية أو التاريخية مثلا. ولذلك قسم العلماء المدركين لمعنى العلم ما هو قسموا علم الكلام أو الثيولوجيا إلى صنفين:

1-الكلام النصي التاريخي ومضمونه من الوحي الذي قال الوحي نفسه إنه في متناول العقل الإنساني فيكون مادة للمعرفة اللسانية والتاريخية.

2-ثم الكلام العقلي هو ما يسمى عادة بالإلهيات الفلسفية وهو ما لا يكون ممكنا إلا بفرض العقل مغنيا عن الوحي وكافيا في معرفة ما يعتبره الصنف الأول متجاوزا للعقل.

وسأستأذن أستاذي أبا يعرب فاعتمد ترجمته وهي تحت الطبع للرسالة التي ناقشها أدموند أبسالون في جامعة بريمن بألمانيا حول مسألة غاية التأسيس وعقلانية الفلسفة حيث يورد الكاتب نموذح التفسير الذي هو جوهر العلم بالاعتماد على تعريف همبل وأبنهايم ليحدد بنيته ومقوماته: " (فـ)ـفي هذا النموذج تعين بعض شروط البداية وكذلك بعض قوانين الطبيعة التي ينبغي أن تكون مناسبة لتمكِّن بفضل اعتبار شروط البداية من استنتاج الواقعة المعروضة للتفسير وتفسرها. وخطاطة التفسير تبدو على النحو التالي:

ش1.ش.2 ....ش ك (وهذه هي شروط البداية)

(الأمر المفسِّّر)

ق1.ق2......ق ع (القوانين العامة) (ملاحظة مني وليس من النص: القوانين العامة للظاهرة المدروسة وليس قواعد الاستدلال)

ــــــــــــــــــــ

ت -وصف الظاهرات التجريبية التي تعرض للتفسير

(الأمر المفسَّر)

ولا بد لهذه الخطاطة من أربعة شروط للمطابقة مع التفسير العلمي:

القاعدة 1: لا بد أن ينتج الأمر المفسَّر من الأمر المفسِّر نتاجا منطقيا.

القاعدة 2: الأمر المفسِّر ينبغي أن يتضمن قوانين كلية تُستعمل لاستنتاج الأمر المفسَّر استعمالا فعليا.

القاعدة 3: ينبغي أن يكون الأمر المفسِّر ذا مضمون تجريبي.

القاعدة 4: مجموعة القضايا التي يتألف منها الأمر المفسِّر  ينبغي أن تكون قضايا صادقة (راجع باتش 1989 ص. 165-168).

إن خطاطة التفسير التي وضعها همبل وأبنهايم تعني أن الظاهرة المفسرة أو الواقعة تتألف من صنفين من القضايا (وهما معا تكونان الأمر المفسِّر) ينبغي أن تكون مشتقة منطقيا (استنتاجية). وهذان الصنفان يتضمنان مقدمات الظاهرة التي علينا تفسيرها (الأمر المفسَّر). وهذه المقدمات تنتسب إما إلى صنف شروط المقدم أو إلى صنف الانضواء تحت القوانين الضرورية للتفسير. وبمقتضى هذه الخطاطة فإن سؤال "لماذا حصلت هذه الظاهرة أو الواقعة؟" يجاب عليه بالصورة التالية: (حصلت الظاهرة) على أساس معطيات معينة متقدمة وبمقتضى قوانين معينة. إن التفسير الاستنتاجي القانوني يقبل التوحيد مع البرهان الاستنتاجي"[7].

فهذا النص-وهو ليس لمستشرق-يبين بوضوح تام كيف أن النص العلمي لا يتضمن قواعد القياس بل يكتفي بالمقدمات المضمونية بما في ذلك القوانين العامة التي هي صيغ علمية لما بات معلوما من المضمون وتستعمل لتوسيع نطاقها من خلال تطبيقها على الحالات الجديدة التي هي الظاهرة التي علينا تفسيرها بتلك القوانين التي تعتبر صالحة ما لم يتعذر تفسير ما جد بها وخاصة إذا كثرت الشواذ فيصبح القانون العام هو بدوره موضوع مراجعة تكون أحيانا جزئية وأحيانا كلية وخاصة عند الانتقال من برادايم سابق إلى برادايم لاحق.

لكن المتكلمين يريدون أن يؤسسوا لعلم لا ينتسب إلى أي من  صنفي العلوم التي تعتمد على النقل الوضعي أو المعطى التجريبي الحسي والنقل الشرعي أو المعطى التجريبي الحدسي فينتجون أقاويل هجينة هي خليط غير محدد النسب. وذلك هو  المزاج الفاسد الذي وصفه أستاذي المحمودي بالسيدا التي أصابت نواة الأمة الصلبة بعد القرن الثالث. وكل من قرأ تعليقات من لا لب له يفهم السخف الذي يدل عليه ظنه الأستاذ جاهلا بنشأة الكلام المنحرف ومدارسه التي يعلم الجميع أنه أدرى بدقائقها من الجماعة مجتمعة لكونه لا يكتفي بأشباه المؤرخين من يكتفون بعموميات المديح الذي من جنس كلام من لا لب له بل هو يقرأ أكبر المختصين في تاريخ المتكلمين فردا فردا ومدرسة مدرسة بلسانه (فون آس) فضلا عن فحصه المتأني لما بقي من شذرات مذكورة هنا أو هناك في كتب الملل والنحل.

وحتى نضرب مثالا يوضح القصد من المقدمات النصية التي يمكن أن تكون المعطيات أي مادة المقدمات في علم الدين التاريخي فلنفرض أننا تحررنا من الكلام وتعاملنا مع العقائد تعامل أصول الفقه مع الشرائع. فلن يكون الخلاف في علم العقائد إلا من جنس الخلاف بين المذاهب الفقهية التي ليس فيها تكفير أو تفسيق ولا تؤول إلى الحروب والفتن فتتعايش الاجتهادات التي فيها توسعة وتيسير على المؤمنين. سينتج علم عقائد يصف ما جاء في القرآن والسنة من العقائد ويفسرها للمؤمنين دون تأويل ودون تعصب أو تبادل للتهم والحروب التي وصفها ابن رشد جيد الوصف في مناهجه.

وعندئذ يكون علم التفسير كافيا ولا حاجة للكلام لا لوضع منظومات عقدية بحسب الفرق ولا لوضع أحكام التكفير والتفسيق والتمريق إلخ... من البدع التي بدأت مع الفرق التي يمدحها الشايخ بلال محتجا علينا بأهمية الكلام الاعتزالي والشيعي [8]:  فصار مجرد وجود الانحراف دليلا عنده على الأهمية. وذلك هو علم العقائد الوحيد الذي يقول به شيخ الإسلام لأن مناظراته الكلامية ليست عقائد بل دحض للموهم منها عند المتكلمين.

فإذا سمى تفسير العقائد الواردة في القرآن والسنة بلغتهما وليس بالترجمة الكلامية كلاما فهو المحمود منه. فقد نقبل به لكنه ليس كلاما بالمعنى المحرف الذي يدافع عنه هذا الرهط من المبتدئين الغافلين عن شروط العلم والدين السويين ما هي. فهو مما لا يعارضه أحد من ذوي النهى. وبه يقول ابن تيمية ولا يعترف بغيره. أما حجاجه ضد المتكلمين فهو لبيان وهاء حججهم وإلزامهم بمنطقهم حصرا لدور العقل في نفي الامتناع. وشتان بين إثبات الإمكان بمعنى نفي الامتناع  وإثبات الوجوب. ومن ثم فلا يمكن أن يفهم كلامه كما يفهمه من يدعي أنه ينوي تلقين الأستاذ دروسا في الكلام وهو ما يزال في الابتدائية: ولما يوصف بكونه زبيب حصرم يجد مساعده فرصة ليعلق على الحرمص ويثور لما يهزأ منه الراجحي حتى جعله يصبح أضحوكة كل زملائه وخاصة لما بين أن نفس التصحيف جعله يصبح جلفا بدل فجل وتصحيف موليناكس جعله يصبح ساكن يلوم أو ربما كانس بقايا النيلون (الميم في العربية غالبا ما تنقلب نونا كما في فاطنة بدل فاطمة).

 

                               المسألة الثانية

                   شرح محددات عملي وتعليل الموازنة

 

كيف تحقق هذه القطيعة بصورة حدثية بعد أن رأيناها من حيث المقومات النظرية ؟ ذلك ما قمت به في القسم الأول الذي أصفه الآن وصفا ظاهراتيا. فقد حاولت أن أكتشف في "دنكخة" مخرب الأصلين الذي وعد بأن يكون ساحقا أعماقها فبينت للجميع ضحالتها. وما أظن أحدا لم يدرك بعد  أن ما يتصوره المغرر بهم في "علم" الشائخ أقيانوسا ليس إلا ثمدا جافا أو أثر حافر ركد فيه بعض ماء آسن وفكر وخلق فاسدين دونهما ما يقول الغزالي في رابع أبواب كتاب العلم من الإحياء: ومع ذلك فقد غرق فيه لأنه كان يتصور نفسه قرشا فإذا سباحته لا تساوي قرشا. فهو ينطلق فيه مما عرف به جحا أعني قطع فرع الشجرة الذي يجلس عليه. فكل ما يقوله مفاده من دون حاجة إلى بعد نظر أو عميق تحليل نفي لفرق علمه المزعوم فرقه النوعي  [9]. فهو يخلط بين حال الكلام المتردية في  مرحلته المحرفة عندما اندمج في الفلسفة المتخلفة وطبيعته التي جعلت بعض الفحول (الأشعري بعد القطيعة مع الاعتزال والغزالي وابن خلدون مثلا) يقبلون به حصرا في الدور الدفاعي على العقائد الإيمانية.

وقد بينت أن مخرب الأصلين يجهل أننا نعلم مقتل الأدعياء كامنا في ما يحفون به أنفسهم من غباء يتصورونه دهاء: لذلك فأنت تراه يترامى حيث تحف به المهالك من كل جانب. فالدعي عندما يريد أن يبهر من حوله بمعرفة ما يزال في مرحلتها الابتدائية-وسيبقى فيها دائم الدهر لأنه صار زبيبا ولما يحصرم-يلجأ مثل سحرة الشعوب البدائية وكهانها إلى ترديد جمل لا يفهمها هو نفسه. وعندئذ يتصور الغُفًَلُ ممن حوله أنه علاَّمة عصره وخاصة إذا بدأ يدندن ببعض المصطلحات الفلسفية غير المفهومة ويرائي بمظاهر التقوى الموهومة. والعلامة التي لا تكذب هي أن المخرب لا يرى: مثلا أن الفرق النوعي بين الفلسفة والكلام هو ما ينفيه بكل ما يدعيه في ما يزعمه هجوما ساحقا على الأستاذ.

ولا أظن أحدا يجهل أن ذلك هو دأب المخرب كما فعل في كلامه على الوجود أو في كلامه على أخطاء ابن تيمية المنطقية أو على الكوجيتو الديكارتي أو كما شبع تخريفا في هدية العيد التي هي الشهادة الكافية على ما قال الغزالي في أخلاق المجادلة: فحتى العيد لم ينسه بعض حقده رغم كونه نساء. كما أن الجميع لاحظوا أن الجوق يصدح دائما من بعده بالتهليل والتكبير المصحوبين بزغاريد "أنفال" التي لم نعد نسمع زغاريدها. ونحن نطلب لها العافية إن كانت متوعكة نطلبه لذاتها ولئلا يبقى الموقع من دون زغاريد.

وحتى الشويخ جلال "ذو الشناب المحفف " فإن تعليقاته التصفيقية صارت أندر من الكبريت الأحمر فتصورناه بدأ يتعفف رغم تهنئته المخرب أخيرا بما يزعمه هدية وهي لا تدل إلا على حقد شايخه الأسود وحسده الآكل لأحشائه حتى إنه لم يفارقه يوم العيد: لعل "خادم طلبة الجهل" فهم أن كثرة التصفيق تنسي شيخه الحذر الواجب فيهمل أهم أسس الفكر أعني تناسق الاستدلالات ووحدة الخطاب في وجهيهما المتعلق بالمادة المحللة (هنا أفكار أبي يعرب المنقودة) والمتعلق بنهج التحليل (هنا أفكار الشيخ الناقدة). لكنه مضطر للتصفيق لعلمه بإدمان المخرب عليه لعدم ثقته في نفسه وبحاجته الدائمة للمنشطات أعني التصفيق والزغاريد ككل متزعم متخلف على من ينبغي أن يكون أكثر تخلفا منه لطرده كل النبهاء -وإذا استطاع للتنكيل بهم كما فعل كل المخربين من متزعمي العرب-خوفا على زعامته.

كما أردت أن أأكد لصديق لم يربطني به سابق معرفة أن نداءه الأخير مسموع عندنا وأننا من البداية عملنا بما جاء فيه. لكن المخرب أهاج أزلامه وأحدهم يدعي أنه تلميذ المرزوقي مع فراس وآخرين لكي يسيئوا إلا الأستاذ وما هو بموليهم التفاتا. فأراد بعضنا أن يكيل للمخرب وأزلامه الصاع صاعين دون فقدان روح الفكاهة لتنسيب الأشياء. وذلك لأننا نقدر ما أشار إليه أستاذي المحمودي من صفات يتصف بها البعض من أمثالك وما نبهت إليه فراسة الأستاذ المرزوقي من البداية: لم نكن نريد أن نعمم بل استثنينا دائما من نعتبرهم نبهاء ونجباء في الموقع وتصورناهم داعين لعلاج الأمور بصورة حضارية. فلم يسمع لهم أحد بل نهروهم وطردوهم وأرعبوهم بالتهديد والوعيد حتى وإن لم يتوقفوا عن الترديد بشهادات زور أن حرية الفكر في الموقع لم تبلغ إليها السويد.

وليعلم أخونا صهيب أن زميلي قد شرعا بعد في ما دعا إليه من العودة إلى الأسلوب الهادئ حتى قبل دعوته الكريمة والنبيلة. وها أنا قد حاولت أن أفعل هنا مثلهما وإن بأسلوب آخر قد تعد فيه صرامة الدحض أكثر إيلاما من مزاح أخينا الراجحي. ورغم أني لم ينلي بعد شرف اللقاء بالأخ صهيب أو التراسل معه فإني قد تابعت مداخلاته السابقة وكلمته الأخيرة التي أوردها في بحثي تكريما لنظرته الثاقبة [10]  لأني أشهد أنه فضلا عن سعيه الجاد في طلب العلم قد برهن على حيازته لرفعة خلقية جعلته من اليوم الأول ينأى بنفسه عن المهاترات رغم أن المسألة كلها بدأت يوم نشر هو بنفسه مقال الأستاذ في موقع الأصلين.

وما أظنه كان يفعل لو وجد في كلام أبي يعرب مسا بشيخه أو تعديا على أحد لأن الكلام كان مداره دور الكلام عامة وليس خاصا بموقع الأصلين حتى وإن كان المخاطب المعين الشيخ هو الشيخ فودة بسبب مسألتين تعنيان الأستاذ بالعين وبشروط آداب التعليق. والشيخ نفسه قد شهد بأن تنجيمه وخط الرمل مكناه قبل حصول ما حصل بآماد من أن يتوقع للأستاذ كل الشرور وأعلم بتنبؤاته حلقته الضيقة الذين أيدوا الواقعة. ومن ثم فموقفه السلبي سابق حتى على نشر المقال. وقد عزمت وعلى الله توكلت لأبين بالتحليل العلمي الموضوعي دون سواه خلو جعبة الشيخ حتى من أدنى شروط الكلام في علم الكلام فضلا عن الكلام في فلسفة الدين التي هي البديل الحقيقي من التعاقل الكلامي. فلعل ذلك يدعوه على الأقل في حديث النفس حتى وإن لم تكن له الشجاعة الكافية لاعتراف بأنه لا يزال شديد البعد عن عما يدعيه.

حاولت ألا يبدر مني أي لفظ يقابل ما جاء في كلامه في حق أستاذنا أبي يعرب. ولن يحتاج أستاذي المحمودي لمنازلته فضلا عن الأستاذ أبي يعرب نفسه. سأنازله أنا مع العياذ بالله من الأنائية والأنانية على ما اعترف به من بضاعة مزجاة في علوم الملة فضلا عن أن كلامي لن يكون في علوم الملة بل في العلم من حيث هو علم سواء كان مضمونه مليا أو كونيا.

ولم يكن قصدي الرد على السباب بالسباب بل كفيت الجميع بيان أمية الشيخ وغفلته بالاقتصار على مسألة واحدة هي أم المسائل في حججه التي رد بها على ما يتصور نفسه قد فهم من حجج أبي يعرب أعني المسألة التي جاءت في سابعة مسلسله بمراحلها الثلاث[11] .  فهي الفرصة بينت فيها أنه بما حصل له في ما يدعيه دحضا لأقوال الأستاذ يتنكر حتى لحد العلم الذي يزعم نفسه شيخا فيه ولا يعي فيم يتكلم لأنه لا يميز حتى بين المقدمات التي تميز علم عن علم والقواعد التي يعمل بها العقل على موضوع العلم فيظنها من المقدمات التي يتكلم عليها أبو يعرب.

فما يغلب على خطاب الشيخ يجعله ليس بوسعه أن يفعل شيئا آخر لأنه هو نفسه ضحية ما نبهنا إليه. ولذلك فهو عندنا معذور: فتلك هي طبيعة الفكر الكلامي فلا يمكن إلا أن يكون حربا كلامية موضوعها التنابز بالألقاب التكفير المتبادل إلى يوم الدين لأن المتكلمين يرفضون معاندين شرطي الاستثناء من الخسر فيظلون فيه أبد الآبدين. ولو كنت أعلم أن الشيخ يمكن أن يضيف ما يتدارك به ما حصل في هذه الفروع الثلاثة من سابعة حلقاته لانتظرته حتى يفرغ جعبته فينهي مسلسله بكل حلقاته وتراقيمه.

لكن ذلك أمر لا يحتاجه من يتعامل مع من يغلب عليهم الاندفاع الأهوج الذي هو خاصية الفكر الكلامي عامة والمبتدئين فيه خاصة وبصورة أخص إذا كانوا يريدون أن يظهروا بمظهر من بلغ ذروة العلم ولما يتجاوزوا المرحلة الابتدائية. ألا ترون أن أبلد تابعيه لا يتورع عن الزعم  بأنه أعلم من علامة الإسلام في هذا الجيل قصدت الشيخ القرضاوي ؟  ألا ترى متنمرا آخر يزعم العلم بالفقه وأصوله أكثر من مفتي مصر الشيخ جمعه حفظه الله بل يستعد لجولات مع أبي يعرب ومن معه ليعلمهم الفهم فيصبحوا تلاميذ مثله لشايخ دايخ يردون علمه من كل فج عميق ولو راجلين أو على ظهر حمار كما يفعل؟

ومهما بلغ الاستخفاف بجدية المعرفة فإنه لا يمكن لأحد أن يصل به إلى الحد الذي لا يمكن تأويله إلا في ضوء فن الأطفال الغالب على من بقي من هذه الجماعة عامة وعلى شيخها خاصة أعني التفنن في تلوين الأوراق بغير ذوق والتفوه بأي كلام دون روية ولا حساب. لذلك فلن تجد في متواليته التي وصلت إلى رقم سبعة إلا المضمون  الأجوف لحصتيها الأوليين اللتين أمدتانا بكل ما يلزم لإثبات صحة ما سبق أن قاله الأستاذ المرزوقي عن التعاقل وما قاله الأستاذ المحمودي عن العقلية الكلامية لتأتي الثالثة فتبين أنه قد أنهى الحفل الذي قام به بلال كما شرح الصديق  ابن إبراهيم.

ولا أظن القارئ سيستغرب لو قلت له إني لم أحتج إلى طويل تمعن في ما تقدم على سابعة حلقات مسلسله أو إلى طول انتظار ما سيتلوها فليس يمكن أن يوجد في كلامه مزيد معلومات أو دقيق ترتيب منطقي يمكن أن يفيدا أنه يبني ما يقول على إستراتيجية خطاب لها بنية منطقية ودلالة معرفية: بل إن أقصى ما يمكن أن يضيفه هو التوكيد على فنيات الاتهام والتنديد بالمستشرقين والعلمانيين والمتغربين إلخ... مما لم يعد يجديه نفعا خاصة وهو قد بدأ بأضدادها مثل الوهابية والتيمية إلخ..

 فليلون  الشايخ كلامه كما يريد. وليتلون كما يشاء. وليشف غليله بسب أبي يعرب كما يعن له. فسبابه لا يدل إلا على فقدان الحيلة والحجة ثم إن مجيء المذمة منه دليل على كمال الأستاذ. والكمال لله وحده. فليخلط فكره بفكر أركون أو أي يكون. المرزوقي لن يرد عليه أبدا. وأي تلميذ من تلاميذه  يمكن أن يكون كفيلا بما لو اجتمع كل متكلمي الموقعين لما وجدوا منفذا يجعل لكلامهم وقعا مقنعا للقراء. وقد ندبت نفسي لذلك وعلى الله التكلان[12] .

وليعلم الشايخ أخيرا أن أبا يعرب لا يستحي أن يتعلم من أي كان: فهو ينتظر بفارغ الصبر درسه الذي وعد به ليعلمه فكر ابن تيمية من الطبعة الجديدة والقديمة للكتاب الذي كان يجهل وجوده فعلمه إياه مستشار الشيخ الفلسفي. وليته يفهم دلالة ألا يكون ابن تيمية عند الأستاذ آراءه في المسائل التي تعنيه أعني مسائل العقيدة التي ينسبها إليه الشايخ والتي هي من خصوصياته فضلا عن كونها ليست مما يمكن أن يكون موضوعا لعلم: فأبو يعرب لا يهمه من ابن تيمية ومن أي مفكر عربي أو غربي إلا ما يهم الفكر أعني علاج القضايا الفلسفية المطروحة وليس المواقف الشخصية للمفكر كعقيدته أو سلوكه. فليبحث في كتب الطبقات عن مثل هذه الخرافات.

إنما ذلك من أمورهم الخاصة التي لا تعنينا. ولسنا ممن يفتش في الضمائر وما انتسب أي منا إلى محاكم التفتيش ليهتم بمثل هذه الأمور. أبو يعرب لا يعنيه إذا كان ابن تيمية مثله مثل أفلاطون غريب الأطوار في حياته الشخصية والعاطفية مثلا فضلا عن غرابته في حماسته العقدية والتزاماته التاريخية وتشدداته الفقهية. كل ذلك ليس مما يهتم به الأستاذ إلا في حدود ما يمكنه من تحرير المؤمنين ممن يهتمون بذلك بوصفهم أوصياء عليهم ووسطاء بينهم وبين ربهم.

وزبدة القول إن الشايخ قد ادعى فهم كلام أبي يعرب على وجهه الصحيح وقدرته على دحضه. فبينا أن من لا نظام لحجاجه كيف له أن يدرك النظام في حجاج غيره فيفهمه فضلا عن أن يدرك المفارقة الأساسية التي تنبني عليها مغالطة الفكر الكلامي بصورة عامة والتي حصل الاتفاق على طبيعتها بين ابن رشد وابن تيمية ممثلين لذروة الفكر الفلسفي والفكر الديني الإسلاميين حتى وإن اختلف مدلولها وتعليلها [13]:  كيف لفن من شروط مطابقته لحده أن يكون موضوعه العقائد الإيمانية- أي ما هو بمقتضى تحديده الذاتي لطبيعة مصدره (الوحي) ومن ثم فهو بالجوهر نقلي وليس عقليا- ثم تكون مقدماته عقلية في حين أن المقدمات ينبغي أن تكون ذاتية للموضوع حتى تكون علمية؟

والعجب كل العجب ممن لا يفهم مثل هذا الكلام ثم يواصل ما يدعيه في ردوده على أبي يعرب.  فينبغي أن يكون بين خليتين:

فإما أنه لا يعي ما يقول فلا يدري ما حقيقة موضوع علمه فضلا عن العلم عامة ما دام لا يفهم أن طبيعية المقدمات العلمية هي ما كان ذاتيا لموضوع العلم وضروريا له وكليا  بالنسبة إليه ولا يكون كذلك ما لم يكن من خاصياته المقومة ومتصفا بصفاته.

أو هو يخلط بين الإلهيات الفلسفية وعلم الكلام الذي يتصوره يبقى علما دينيا رغم تحريف الفكر الديني الناتج عن هذا الخلط. وذلك أمر قد حصل فعلا خلال تطور الفكر الكلامي كما بين ابن خلدون عندما أكد أن مسائل الكلام اختلطت بمسائل الفلسفة ففسد الفنان.

 والمعلوم أن ابن خلدون الذي كان من شبابه المبكر على اطلاع واسع على الكلام عامة وعلى كلام الرزاي خاصة (إذ إن أول بحث علمي قام به كان لباب المحصل) وأنه يؤرخ لاكتمال هذا التحريف إلى تدرج تاريخي حدد معالمه وشروطه واعتبره قد بلغ الغاية عند الرازي بوعي ثم صار دون وعي فنا لا يميز أصحابه بين الفنين اللذين قضى كل منهما على الأخر كما بين ذلك الأستاذ في غير موضع وذكر به في جوابه الأخير على الأستاذ طوقان [14].  وهذا الكلام طبعا لا يعني أن ابن خلدون يحمل الرازي مسؤولية ما حصل  فضلا عن كونه طبعا لم يقل ذلك صراحة ولم يحدد علة حصول الفساد: لكننا يمكن أن ندعي أن العلة هي استكمال عملية الخلط مباشرة بعد الرازي بسبب قانون التأويل الذي يرد كل ما لا يوافق العقل من النقل إليه بالتأويل. فيكون الرازي الغاية التي تحققت فيها أداة الإفساد لأنها ألغت كل ما به يتعالة النقلي على العقلي برده إليه ردا تحكميا أساسه ما حرمته الآية السابعة من آل عمران. فلم يبق وجود النقلي في الكلام إلا كما عرفناه: أي ورقة التوت التي تخفي عورة الباطنية في زيغ القلوب وابتغاء الفتنة. وذلك ما كان علينا بيانه.

 

 

                                        الخاتمة

 

أراد أخي الراجحي بكاريكاتوره أن ينسّب الأمور ويهدئ من روع الجماعة وأن يحد خاصة من تخويفهم الناس مما يمكن أن يخطر ببالهم من تصورات لا تستقر حول ما هوَّسوهم بهم من قضايا عقدية ما أتى الله بها من سلطان. فكل التخريف حول الكرسي والعرش والصعود والنزول والتجسيم واللاتجسيم وزيارة الأولياء والقبور إلخ... ليست تمثلاتها من المسائل التي يمكن للقضاء العقلي ولا النقلي أن يحسم فيها فضلا عن أن يجعلها الرب الرحيم معيارا للتقويم يوم الحساب إلا في رأي عديمي الألباب. فتحويل الأدعياء إياها إلى عقائد يقتتل الناس بسببها ليهملوا ما أمروا به فلا يحققوا الأمانة التي كلفوا بها كخلفاء تحقيقها بشروطها أعني علم الآفاق (علوم الطبيعة) وعلم الأنفس (علوم الإنسان) هو المشكل: إنه علة انحطاط الأمة وتحولها إلى فريسة لكل مفترس.

فليس تعدد التمثلات حولها إذا حصل بالأمر الذي يمكن أن يعتبر في الموازنة بين كتابي اليمين والشمال بل الفتن التي تنتج عن تحويل التأويلات الوهمية إلى عقائد إلزامية هو الذي يجعلها مصدر كل الجرائم في حق الدين والدنيا. وما تجريم التمثلات من حيث هي حديث النفوس إلا لتسليط استبداد الوسطاء بين الله والمؤمنين أعني الطاغوت الذي يمثل الكفر به مقدمة للإيمان الصادق. فالله أعلمنا في قرآنه العزيز أنه لن يحاسب المؤمنين إلا على أعمالهم وليس على ما يدور في أنفسهم من تمثلات لا يقر لها قرار بحكم طبيعة الفكر الإنساني الذي يعجز عن تصور الله ذاتا وصفات.

يكفي الإنسان إيمانه بوجوده والعمل بشرعه تسليما بعدله وبقضائه وقدره. لكن المتكلمين وضعوا أصناما تصورية وجعلوها معتقدات بديلة من البيان القرآني متناسين سماحة الدين ويسره فباتوا يحملون الناس ما لا طاقة لهم إذ يشترطون علمهم سبيلا وحيدة للعقد الصحيح. وما ذلك إلا ليحققوا الشرط الضروري والكافي ليكونوا وسطاء لا غناء عنهم بين المؤمنين وبين رسالة ربهم إليهم: فيعيدوا ما حرر القرآن منه ضمائر المؤمنين أعني الكهنوت والسلطان الروحي الوسيط والذي ينتهي حتما إلى جعل الناس بعضه للبعض أربابا كما صرحت بذلك آي آل عمران.

لذلك فقد رأيت أن الأوان قد حان لأن افرغ أنا بدوري مما شرعت فيه لإخراج شيخ الموقع بنفسه من الحلبة نهائيا بكش مات نهائي حتى وإن كنت أعلم أن العناد الكلامي لا علاج له في الكلام اللساني. لكنه في الكلام النفسي (واعتذر عن استعمال تمييز لا أقول به لكن الشايخ يقول به) سيدرك حقيقة هذه النهاية المرة. ولعل ذلك يمكنه من الشروع في تطبيق ما دعا إليه الأخ الفاضل صهيب فيتخلص بعض الشباب من إيدس الكلام الذي تبين أن عودته المدمرة بدأت تشغلهم بما يؤفغن الشعوب ويصومل الأوطان.

تبين للقارئ الكريم في القسم الأول من البحث أن الفراغ من حجاج شايخ الموقعين المتهافت قد تم بأسرع مما تتصور الجماعة بحيث إن الكش مات قد تم في القسم الأول: وذلك لأنه كما علّم مساعديه يتميز بخاصية تجعله عونا لخصيمه كما يتبين من فروع سابعته بأثافيها الثلاث وبمسك الختام (المرحلة الرابعة من الحلقة السابعة)  [15].  ولما كان الشيخ قد "جمع وقصر" في استعداده كأنه على سفر وكان قد استند إلى الإلهام وليس إلى العقل لأن العقل يقتضي الروية الطويلة في أي مسألة جزئية ناهيك إذا كان الأمر متعلقا بما وعد به فإن ما بدر منه كان زبدا أو غثاء لا معنى له ولا طعم.

وما كنت لأكتب حرفا واحدا لو كان الأمر مقصورا عليه  إذ كان يمكن أن يقال له بلغة مساعد الحمام في تونس "إللي شاح يلبس". إنما الكلام موجه لغيره لعل البعض يتخلصوا من دجل الفرقة كلها فيعودوا إلى ما دعاهم إليه القرآن الكريم أي البحث بأنفسهم بالتفكر والنظر في الآفاق والأنفس لتحقيق شروط الاستخلاف. فالله ذاته استثنى في قرآنه الكريم من همومنا البحث في الذات والصفات وكل ما يرد علمه إلى الغيب الذي استأثر به رب العزة. ويكفي جملة واحدة لبيان أنه كش مات: لا يمكن للكلام أن تكون مقدماته عقلية ويكون علما لموضوع ذي وجود حقيقي  [16] فضلا عما يترتب من نفي الفرق النوعي بين الكلام والفلسفة على مثل هذا التخريف الذي لم يعد يقول به أحد في العالم بعد أن فهمنا دلالة الآية السابعة من آل عمران ودلالة الفكر النقدي في مراحله الأولى وبعد اكتماله وتجاوز ذاته بنقد النقد عودة لمعنى نفس الآية المعجزة.

 

[1]  

وليس لقولنا هذا علاقة بموقف الفلسفة الإسلامية التقليدي أعني الموقف الذي يعيب على المتكلمين مجرد التصريح بالتأويل أو بكون تأويلهم ليس علميا بل نحن نرفض التأويل من أصله لأننا لا نعتقد أن ما يتجاوز الدلالة اللغوية لآي القرآن يعلمه أحد غير الله نفسه إن صح أن للآي معنى آخر غير الذي أراد الله أن يبينه للناس في سماه بينا لهم بنص القرآن الكريم. لكننا نوافق ابن رشد مثلا في ما عدا نفي هذين الوهمين الفلسفيين: الظن بأن التأويل ممكن وبأنهم يملكون تأويلا علميا للقرآن الكريم.  وإذن فكلامنا على كلام العلم لا يعني إلا العلم النصي والتاريخي بآليات فهم النصوص التي ترفض التأويل وتكتفي بآليات الدلالة اللسانية التي لا تسمى تأويلا إلا إذا استعملت لفرض نظرة مسبقة على القرآن حتى يوافق هذه الرؤية كما يفعل الزمخشري لقراءة القرآن في ضوء التصورات الاعتزالية. وما نوافق  عليه ابن رشد هو ما به برر الأستاذ أبو يعرب ضرورة التصدي لبعث الفتن وصراع الفرق الناتج عن صيغ العقائد المزعومة مطابقة لما قصده الله ولما صار غير ما يفهم من نص أراده الله بيانا للناس فجعلوه ألغازا لا يفهمها إلا هم باعتبارهم خاصة لنا نحن العامة.

[2]

 انظر ابن رشد مناهج الأدلة  تحقيق مصطفى عبد الجواد عمران المطبعة العربية  ط.3 القاهرة 1968. ص.33-34.

[3]

 كتأويلات صاحب المقال الذي نشره موقع الفلسفة من منطلق حربة التعبير وتعدد الآراء. فبدل الاكتفاء بعلاج موضوعه ولو بما توخاه من نهج أعني بطريقة القرون الوسطى التي تكتفي بعرض المحفوظات حوله إلى مرافعة هزيلة على مواقف شيخه ومهاترة فاقدة للحياء ضد من لا يوافقه وهو لا يدري أنه يتعسف على النصوص بقصد أو بغير فهم فيجعل الكلام أكثر من كونه كما عرفه ابن خلدون مجرد دفاع عن العقائد الإيمانية وليس دليلا عليها فضلا عن أن يكون قادرا على البرهان على شيء.

[4]

 انظر الغزالي الباب الرابع من كتاب العلم من إحياء علوم الدين تحقيق زين الدين العراقي دار الكتب العلمية بيروت 1986 ص.  55 وما بعدها.

[5]

 وحتى يدرك القارئ سخافة هذا الرأي فليتصور قواعد النحو العربي مثلا مقوما من مقومات أي خطاب يقدمه حول موضوع معينا من حيث هو خبر عن ذلك الموضوع. فمن يتصور قواعد السلامة النحوية للخطاب التي هي ضرورية في كل خطاب من مقومات علم الكلام من حيث هو علم كلام مثلا وليس من حيث هو مجرد خطاب يكون فعلا من الأغبياء. وكذلك الشأن بالنسبة إلى قواعد السلامة المنطقية: فهي ليست من المقدمات المقومة وليست حتى مقدمات بل هي قواعد بناء الخطاب لا غير وهي من ما بعد القول عند التصريح بها.

[6]

  وفي الحقيقة فإن العلم هو دائما مزيج بين هذين النوعين من المعطيات: فهو نسق من التقديرات الذهنية أعني من الموجودات الفرضية التي توضع مطابقة مطلق المطابقة لحدودها النظرية فتكون مبدعات عقلية خالصة تستعمل شبكة لتحصيل المعطيات المستقرأة حتى تنتظم بمقتضاها ويقع بشيء من التدرج الجدلي مراجعة الصورة بالمادة والمادة بالصورة في توجه دائم نحو ما يقترب من المطابقة بينهما وقد لا تحصل أصلا. وهذا أمر كان ابن تيمية شديد الوعي به وهو بهذا الوعي النظري كان شديد القرب من نظرية المعرفة الأكثر حداثة. وليس هنا محل تحليل ذلك ومن أراد مزيد التوضيح فليعد إلى إصلاح العقل لأستاذنا أبي يعرب (نشر مركز دراسات الوحدة العربية سلسلة الرسائل عدد 25).

[7]

 ص. 151  Das Problem der Letzbegruendung und die Rationalitaet der Philosophie

[8]

  لو كان الكلام على علم الكلام كلام تأريخ لما وجد أدنى إشكال مع الجماعة. فهم ليسوا مؤرخي كلام فضلا عن كونهم ليسوا علماء تاريخ فضلا عن علم تاريخ الفكر. المشكل معهم هو أنهم يتصورون أنفسهم علماء كلام ويريدون بعث موميات المسائل الكلامية وتكوين الفرق وما بينها من فتن. ويكفي أن تتجول في المواقع والصراع بينها لتعلم أنهم عادوا بالأمة ما تصورناها تحررت منه خلال قرني النهضة بعد هدأة عصر الانحطاط الناتج عما ترتب على الحروب والفتن. وبهذا المعنى فقصد الأستاذ أبو يعرب لما قارن ما يفعلون بمن يتصور نفسه فلكيا ببعث فلك بطليموس. لكن أبا يعرب لا يرفض التاريخ لعلم الفلك ونظرياته المتوالية مما كان مجرد أساطير إلى المتوالية من محاولات الصوغ العلمي للظاهرات الفلكية. ونفس الموقف نفقه من علم الكلام. فمن حيث هو مرحلة من مراحل الفكر الديني المنحرف لا نرى بأسا في التاريخ له. ما لا نقبله هو بعثه ليكون ممارسة تعيد إليها فتن الفرق والصراع بينها في أمور يستحيل فيها الحسم العلمي فتؤدي إلى الحسم الحربي بين الفرق كما نراه يحدث الآن في جل أقطار دار الإسلام.

[9]

 انظر الملاحظتين اللتين ختمت بهما المسألة الثانية من القسم الأول استعدادا للقسم الأخير.

 

[10]

 

 يوم 28 نوفمبر 2008 نداء الأخ صهيب: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين وبعد، فقد اطلعت على ما كتبه الدكتور المحمودي في مقاله الأخير، و إني إذ شكره على حسن ظنه و مدحه لي - دون أن أقضي في صدق ذلك - إلا أني جد متعجب مما آلت إليه أحوال إخواني و أصحابي في كلا الموقعين و المنتديين فما أرى هذا البحث مفض إلى فائدة دينية أو دنيوية - على حد تعبير الإمام الفخر -أعلى الله مقامه و نور مرقده- أثناء مناظرته مع المسعودي، تلك المناظرة التي ما زلت تتقول فيها على الإمام الأقاويل - و ما أرى طريقة النقاش و الحوار هذه بين كلا الموقعين بالتي هي أحسن، و ما أراها ستفضي إلى حل لهذه المباحث العلمية  إني جد متألم من الكلمات التي يتبادلها كلا الطرفان و إني جد متعجب من الأستاذ المرزوقي و ممن معه إذ ما يتهمون به غيرهم قد وقعوا في مثله وأكثر وأعظم. هل ترون أن هذه المسائل التي نتناقش فيها تحل بهذه الطريقة، أم تعتقدون أننا سنصل إلى ما نريد -إن كان نبيلا- بهذه الطريقة. أنا أرى أن نتوقف قليلا عن هذه الاتهامات بالباطنية و العمالة و السخافة و الهبل و العهر الجنسي ...إلخ - مما تنفطر له قلوب الباحثين عن الحق - وغير ذلك مما رأيته ولم أفرح به ولم أسرَّ له لا والله، فقد كنت أتوقع أن يسير النقاش في طريق آخر. فأقترح أن نتوقف جميعا عن النقاش في هذه المسائل بعض الوقت، بارك الله بكم، ونعطي جميعا لأنفسنا وقتا لنعيد ترتيب أفكارنا، ولا أمانع أن نعيد الكلام في هذه المواضيع وفي غيرها ولكن بأسلوب آخر لائق بأهل الإسلام. أقول هذا القول بغض النظر عن المخطئ أصلا والمصيب في الطريقة وفي المعاني التي قيلت و لا يستلزم كلامي هذا التسوية بين كلا الطرفين و هذا معلوم للقاصي و الداني من أصحابي في هذه البلاد و من مطالعي هذا المنتدى الكريم.  و الله تعالى أعلم وأحكم بالصواب و إليه المرجع و المآب.

[11]

 المرحلة الرابعة بتاريخ 2008.12.02 تكرار للمراحل السابقة. وهي هذر لا معنى له لأنه يحاول فيها أن يكرر ما يدعيه من أن الأستاذ يحدد أجوبته دون روية وبالمناسبات مثله فيتناقض ويغير اللاحق منها بردوده هو أو غيره على السابق لكأنها أمرا يقدمه ارتجالا للرد عليه وليست ثمرات بناء شاهق بدأ ملامحه تتحدد خلال عقود. والغريب أنه يعترف بذلك عندما يعتبر ما يحصل في فكر المرزوقي خلق وهمي ينمو ثم يصبح أشباحا يراها المرزوقي حقائق فيصدقها وتنمو معه: فهي إذن أوهام قديمة وسابقة على تخريفه وليس ردود فعل عليه وعلى جماعته. أما كونها أوهاما أو حقائق فهذا أمر آخر يعلمه من يفهم في الفكر والفلسفة وليس المبتدئون من ماضغي الكلام الميت. ومن لا يستحي فيزعم مناطحة كبار الفلاسفة القدامى والمحدثين وهو أمي كيف يمكن للمرزوقي أو غيره أن يقنعه بشيء ؟

[12]

  وليس في قولي هذا ولا في ما أفعل استهانة بغيري أيا كان مستواه إذ كما رأى القراء قد أخذت كل كلام الرجل مأخذ الجد وأحلله التحليل الذي لن يترك له أي مهرب فيزعم أننا نطيل بلا تحليل ونستعمل البلاغيات بلا تدليل. والمعلوم أنه لا أستاذي ولا أنا ممن يحتاج إلى تزكية النفس إلا إذا كان ذلك بمعنى التزكية الحقيقي أي تطهيرها من شوائب الدجل والدخل: فالنفس بحاجة إلى التزكية أكثر من المال حتى تطهر.

إنما علة قولي هي أني خبرت هذا الشيخ وفريقه وتابعت إستراتيجياتهم المزعومة تعليما عقليا وكلاما فلسفيا يدندنون به أمام شباب متشوق للتقرب من دينيه ولا يعلم أنهم يبعدونه عنه بل يخرجونهم منه بكلام لا أساس عقلي له ولا نقلي. وأهم ما استنتجته كما بينته من كلام شيخهم هذا الذي يزعمه ردا على المرزوقي هو أنهم لا يستطيعون بناء أي استدلال عقلي قابل لأي تناسق منطقي طويل النفس فلا يتهافت بهبة نسيم مهما كانت خفيفة. سبب قولي هذا هو ما خبرته من هذه الجماعة مجزاة البضاعة وما أبينه اليوم بيانا شافيا إن شاء الله.

فهم لم يتعلموا إلا ترديد ما حفظوا من المتون الموميائية دون فهم. وكل هذه العيطة والزيطة التي تضمنتها ثلاث وجوه من الحلقة السابعة لا تتجاوز الجملة الأولى من الملل والنحل في الكلام على البراهميين لتأسيس الرد على قول المرزوقي إن الكلام لا يكون كلاما إلا إذا كانت مقدماته نقلية لأنه لو اكتفي بالمقدمات العقلية لكان العقل يكفي دليلا على وجود الله ولانتفت الحاجة إلا الأنبياء.

[13]

 كما هو بين لكل من اطلع على تعليقات ابن تيمية على مناهج الأدلة. ولنشرح الفرق في الدلالة والتعليل. فما دلالة الموقفين المتحدين من التأويل الكلامي. فكلاهما ينفي علمية الكلام ويعيب عليه التأويل. لكن ابن رشد يتصور التأويل الفلسفي ممكنا ويعتبره برهانيا وهو من ثم لا يرفض التأويل عامة بل التأويل الكلامي ويرفض كذلك التصريح بالتأويل أي إنه يقول بنظرية المثالات لكنه يلطفها لأنه يعتبر الأدلة القرآنية جامعة بين العامي والخاصي لأنها تتضمن ما يدل الخاصي على التأويل الأسلم. أما ابن تيمية فيرفض التأويل عامة ولا يعتقد أن العقل سواء كان كلاميا أو فلسفيا يمكن أن يتجاوز الشهادة إلى الغيب فيستطيع أن يثبت بالبرهان ما لو كان البرهان عليه بالعقل ممكنا لكان الوحي سدى. وقد ظن من لا يفهم اللطائف أن ابن تيمية يثبت العقائد بالعقل وهو محض افتراء. فهو يثبت بالعقل إمكانها لا وجوبها. وإثبات إمكانها نفي لمن ينفيها لا غير وليس علما بها. وكل عقائد ابن تيمية نقلية شاهده الإيجابي فيها النصان القرآن والسنة لا غير.

[14]

 لذلك فيا خادم طلبة الجهل لا تهنئ زعيمك لأن هديته العيدية مضروبة ككل ما يزعمه علما. إنها خالية من أهم ما في فكر ابن خلدون من فائدة: الضرب صفحا عن كل تكالم إلى يوم الدين لأنه انتقل من علم الكلام إلى كلام العلم بالفعل وليس بالقول فحسب.

 

 

[15]

 لو صبر الشيخ قليلا فقرأ جواب الأستاذ على أسئلة السيد طوقان الثانية لما كتب حرفا مما كتب لأن كل حججه التي وردت في مراحل حلقته السابعة أربعتها علتها أنه ينطلق من فهوم عجولة كعادته وليس من تمعن نظري له دعائم محددة يمكن أن يقال عنها إنها نظريات معرفية تميز بين النقلي والعقلي وتفهم معنى الفرق النوعي بين الفلسفي والكلامي. والعجيب أنه لم يطلع على الفرق بين الكلام التاريخي والكلام العقلي كما حدده العارفون بالفلسفة وبالكلام رغم أن ذلك وقع تبيينه بدقة تامة في دروس فلسفة الدين للأستاذ وهو معلوم عند كل من له اطلاع على الفكر القديم والوسيط والحديث وحتى ما بعد الحديث ممن يتصدون لنهضة الأمة بالشروط المطلوبة وليس بردود الفعل المعطوبة.

[16]

 أنظر الملاحظتين اللتين ختمت بهما المسالة الثانية من القسم الأول استعدادا للقسم الثالث.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام