shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

                     

                في دلالات سجون الاستعمار الغربي

                           سجن أبو غريب نموذجا

 

                                                 أبو يعرب المرزوقي

لست ممن يصدق بمسلمات التحليل النفسي بنوعيه الفردي وتطبيقاته على الجماعات (مدرسة فرويد وما تفرع عنها من مذاهب وآراء) ولا الجمعي وتطبيقاته على الأفراد (مدرسة يونج وما تفرع عنها من مذاهب وآراء) فضلا عن التحليل النفسي الميتافيزيقي المستند إلي أرواح الشعوب أو أشواق الحياة العمياء تعويضا لعقد النقص والفناء (مدرسة أدلار وما تفرع عنها من مذاهب وآراء). فقد بين تقدم علوم الأحياء أن جل التفسيرات النفسية للأمراض الذهنية أوهام تعوض الجهل بعللها العضوية ما يجعل أغلب الخطابات التحليلية من جنس تعاويذ السحرة والدجالين في المجتمعات البدائية.

ومع ذلك فلا بأس من استعمال النظريات النفسية الغربية لتحليل سلوك من يؤمن بها منهم جمعيا كان أو فرديا خاصة إذا بلغ إيمانهم بها حد العصاب بل وحد الذهان من أمراض الأنفس والأبدان فصار للمحللين عند الأمريكان المنزلة التي توليها الشعوب البدائية للسحرة والمنجمين وكل الدجالين الذين يدعون فهم الغيب والتأثير فيه: والسحر مثله مثل المعتقدات لا يؤثر إلا في من يصدق بتأثيره. ويمكن لعلاجنا أن يجري علي مستويين:

الأول هو التعليل الظاهر الذي يفسر به العدو نفسه سلوكه الشاذ مع المسلمين جماعة وأفرادا.

والثاني هو التعليل الباطن الذي يمكن أن نستخرجه من تعليله الظاهر إذا طبقنا علم النفس التحليلي علي القائلين بنظرياته إلي حد العبادة لفهم السلوك الشاذ جماعة وأفرادا كما تعين في فضيحة أبو غريب نموذجا من سجون الاستعمار الغربي ومن تأثر بمعاملاته من نوابهم في العالم الثالث.

وبذلك تكون محاولتنا مؤلفة من مسألتين كلتاهما مضاعفة:

مستوي التعليل الظاهر لسلوك الأمريكان في العراق جماعة وأفرادا (ويمكن أن يقاس عليه سلوك الإسرائيليين في فلسطين).

ومستوي التعليل الباطن لهذا السلوك جماعة وأفرادا لبيان ما تترجم عنه من أمراض نفسية واجتماعية عند السجانين.

                         مقدمتان لا بد منهما

ولكن قبل البحث في المسألتين لا بد من التنبيه إلى مقدمتين ينساهما الجميع فيقصر الكلام علي ما جري في أبو غريب:

فأما المقدمة الأولي فهي أن كل التعذيب الجاري في كل السجون العربية والإسلامية ينتسب إلي السياسة الأمريكية بصورة إيجابية لأنه في خدمتها علنيا أو بصورة خفية. فكل الذين يخدمون سياسة أمريكا إيجابا أعني بالاندراج فيها تقوم زبانيتهم بما يغني زبانية أمريكا عن القيام به لتحقيق شروط بقائهم في خدمتها وقد تتدخل هي أو من يقوم مقامها عندما يغلبهم طوفان الثورة الشعبية كما حدث في الانقلاب على الانتخابات في الجزائر.

فالجميع يعلم أن التعذيب مسلط علي كل الذين لا يمكن أن يقبلوا بانتهاك أمريكا وحليفتها إسرائيل لأرضنا وعرضنا ومن ثم كل الذين ينبغي منعهم من الوصول إلي الحكم بكل الوسائل. ومن ثم فكل الأنظمة المتحالفة مع أمريكا تغنيها عن أبو غريب بما هو أبشع منه وتجد في الصحافة الغربية من يلمع صورتها بحجة أنها تحرر المرأة أو تحدث المؤسسات على الورق. ومن ثم فحتى إذا لم تكن اليد أمريكية كما في أبو غريب فإن الإرادة أمريكية فضلا عن الأهداف.

وحتى في أبو غريب فإن اليد ليست أمريكية بالمعني الدقيق للكلمة. فالمعذبون ورئيس العمليات علي الأرض سانشيز والقائد الأعلى في المنطقة أبو زيد فضلا عن مباشري التعذيب مرتزقة من الحالمين بالصيرورة أمريكان وهم من الواردين غير البيض الذين يعتبرون أنفسهم الوحيدين الأمريكان ومن عداهم دخيل. وهؤلاء نوعان إما ما يؤلف اسمه من مفردات جرمانية مثل الذئب الماكر (فولف ـ فيتز) أو المقامر الغشاش (رامس ـ فيلد) أو مثل رجل السلم بالاسم والذي جل أحلامه صياغة لطيفة لغايات الصهيونية البعيدة (فريد ـ من) فضلا عن الأسماء الدالة علي المهن المتعلقة بالأحجار الكريمة كالصائغ (غولد ـ سميث وجولد ـ شتاين) الخ... وهؤلاء هم القليل القليل الذين يعتبرهم بيض الأمريكان أمريكان. إنهم أولئك الذين يخططون ويحركون عن بعد فقط. وهم إما جرمان أو عبران أعني أعدى أعداء الإنسان في كل مكان كما بات مفضوحا في الإدارة الحالية التي هي من الصهاينة والشكل الأخير من النازية الجامعة بين الصهيونية والمسيحية المحرفة بل أكثر من ذلك.

 فالأمر لا يقتصر علي الوطن العربي ودار الإسلام. فكل تعذيب يجري في كل سجون العالم دون استثناء أوروبا التي كانت خلال الحرب الباردة مثلها مثل العالم الثالث خاضعة لهذه السياسة الأمريكية بصورة صريحة أو خفية. ويكفي أن نذكر بما حدث في أوروبا الغربية التي بنيت فيها الإستراتيجية الأمريكية علي التحالف بين الثالوث المدنس أي المافيا والفاتيكان والاستعلامات الأمريكية لمحاربة الأحزاب اليسارية الأوروبية أو ما حدث في التشيلي وأغلب بلاد أمريكا اللاتينية وإفريقيا وجنوب شرق آسيا. فكل الأنظمة الدكتاتورية في هذه البلاد يعمل سجانوها لحساب الولايات المتحدة. وبذلك يمكن لأمريكا أن تجمع بين القول المعسول حول الديموقراطية وحقوق الإنسان والفعل المرذول بالسجون التي تسلب الإنسان إنسانيته في عالم كله أبو غريب يستحيون نساءه ورجاله بسلب عرضه وماله.

أما الأمر الثاني فهو خدمة السياسة الأمريكية سلبا. فالأنظمة المعارضة لأمريكا تحاول أن تحمي نفسها من العملاء ومن اندساس أعوان الاستعمار  وخدمته في المجتمع المدني وفي دوائر تحديد الرأي العام بمستوياته الخمسة الذوقي (في مجال الإبداع وفيه أخطر عملاء الغرب في حربه الثقافية) والرزقي (في مجال الاقتصاد وقليل منه ليس عميلا لأمريكا) والنظري (في مجال البحث العلمي والجامعات وأغلبهم يستمد اعتراف الغرب به من محاربة الإسلام) والعملي (في مجال السياسة الحاكم منها والمعارض وكلهم هو حيث هو برضي الغرب عنه) والوجودي (في مجال الفكر الديني والفلسفي وهؤلاء لم يبق لهم إلا الكلام) فتضطر أحيانا إلى ما يتجاوز الحد الذي ينقلب إلي الضد. ففي كل هذه المجالات يؤدي الخوف غير الحكيم من سياسة أمريكا إلي ما يخدمها سلبا لأن كل التحوط ينتهي إلي خنق المجتمع بأبعاده التي ذكرنا فيصبح سهل الابتلاع ويتحول الدواء إلي أكبر الأدواء.

وهذا ما حدث في كل الأنظمة التي سقطت لاعتمادها علي فنون للحماية فنون العدوان دونها ضررا لمصالح الأمة. يكفي مثالا لذلك ما جري في عهد عبد الناصر أو في عهد صدام حسين في الوطن العربي أو ما يجري في كوبا وكوريا الشمالية. ولعل من أهم أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي فشل هذه الإستراتيجية التحوطية التي أفقدت المجتمع المدني كل فاعلية ذاتية لحماية ذاته لفرط التحكم في حركته باسم التحوط من التدخل الأجنبي. فسخف حرب الاتحاد السوفياتي على الأديان ودور اليهود في روسيا ودور بابا الفاتيكان في محمياته الأوروبية كان من الأسباب الرئيسية في التعجيل بسقوطه.

                  نهاية استعباد العالمين على أيدي المسلمين

وإذا كان الأمر كله بوجهيه الموجب والسالب قد بلغ ذروته الصريحة عندنا فإن نهايته ستكون بمشيئة الله وحوله في الوطن العربي. ذلك أن كل الخطط الأمريكية والإسرائيلية باتت مفضوحة إلى حد بلغ فيه التحدي إلي صريح التعدي احتقارا لشأن العرب الذين باتوا نهبة لكل من هب ودب. ومن ثم فإن المخلصين من العرب والمسلمين يعلمون أنها حرب الوجود التي تحسم الصراع الذي بدأ بين الحضارتين منذ شروعنا في إصلاح التحريف التوراتي كما تبين ذلك سورة آل عمران. فتأسيس الطاغوت الكوني وصل إلي حد تأليه أحد أبناء الشعب المختار للسواد علي البشر: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله بل كونوا ربانيين بما كنتم تعملون الكتاب وبما كنتم تدرسون" <آل عمران 79>

كل من يؤمن بأن هذه الأمة حملها الله رسالة الشهادة على العالمين سيكون من الحريصين علي تحرير البشرية من شر البرية. وطبعا فتحميلنا هذه الرسالة يقتضي أن يصل الداء الكوني عندنا إلى الذروة بمن يحمله منهم وبمن صار مثلهم منا حتى يكون علاجه على أيدي الخيرين منا  من آمن بقيم القرآن وسعى إلى تحقيقها علاجا حاسما يقضي علي تعينيه الخبيثين بمعني الخبث وصفا للأورام السرطانية:

التعين الذي يدعي تمثيل قوته المادية القصوي (أمريكا) بمشروعيه الصريحين: الجغرافي السياسيي (الشرق الأوسط الكبير المزعوم) والحضاري الرمزي (الإصلاح الديموقراطي المزعوم>.

والتعين الذي يدعي تمثيل قوته الروحية القصوي (إسرائيل) بمشروعيه الصريحين: الجغرافي السياسي (إسرائيل الكبري) والحضاري الرمزي (تحقيق السلطان الاندساسي في الحضارة العربية الإسلامية نظيرا لما حققوه في الحضارة الغربية).

ومن ثم فليس من الصدفة التاريخية أن يجتمع التعينان وأن يكون مشروعهما صريحا ومفضوحا غنيا عن التدرق وراء مغريات تمويهية في المعركة الحاسمة عندنا إذ حتى الخونة من النخب علمانية كانت أو أصلانية فإنها تعلن أنها لا تصدق دعاوي أمريكا لعلنا نصدقهم في سعيهم للبرهان علي استقلالهم. أمريكا تعلن صراحة أنها تريد إعادة تشكيل الخارطة السياسية والحضارية للمنطقة وشرط ذلك كما هو معلوم القضاء على قيم القرآن الكونية. وإسرائيل جهزت نفسها لكي تكون القوة الوحيدة التي يمكن أن تفعل بعد أن قضوا على العراق وألهو السعودية بخلافات الأسرة الحاكمة ومصر بخبز شعبها اليومي.

ومثلما كانت بداية أسطورتهما منهما (من العراق وفلسطين) كما يؤكد علي ذلك تعليل إيجاد الأولى بأسطورة الأرض الموعودة الجديدة وتعليل استئناف الثانية بأسطورة الأرض الموعودة التليدة فإن نهايتهما ستكون فيهما إن نحن أدركنا منزلتنا في المعادلة الكونية وأحسنا تحريك الأحداث التاريخية بحسب معانيها لئلا نبقى كما نحن الآن مقتصرين علي تخبط ردود الأفعال الناتجة عن الفوضى الروحية وانعدام الرؤية ذات الأفق المبين خاصة بعد أن نبغ من بيننا من يريد أن يعيد الجدل البيزنطي الذي فتتت الأمة ليعيدها إلى العلوم الزائفة التي قلمت أظافرها فحالت دونها وحماية البيضة فضلا عن السعي إلى نشر القيم القرآنية بأدواتها وأسبابها:

فالحرب الكونية مع أمريكا وإسرائيل لن تحسم الحسم الحقيقي

إلا إذا تحملنا مسؤولية حسم الحرب الأهلية الداخلية مع عملائهما.

 فهم منبثون في كل أرجاء الوطن وكل من يمثل إرادة التحرر من أبناء الشعب العربي روادا للأمة الإسلامية في كل المعمورة. وقد نذرت نفسي لمهمة التفحص المكين لهذا الأفق المبين حتى نخرج من التخبط في وحل الطين: ذلك أن الأمة لا يمكن أن تفوز إذا ظلت غافلة عن دلالة الرموز التي تصلها بمقومات الرسالة الكونية التي من دونها لا معني لوجودها إلا إذا سلمنا القياد لأرذل العباد الذين قضوا علي خير ما في البلاد من أجل تحويلها إلي خدمة كراسي دليلة تخدم الأوغاد خدمة يورثونها أبناءهم والأحفاد.

                        المستوي الأول: التعليل الظاهر

ولنبدأ بما أعلن عنه العدو المريض نفسه لتفسير سلوكه مع المسلمين. فهو يعتمد علي فكرتين أعلنهما صراحة:

حكم عام على الحضارة العربية الإسلامية التي يعتبرها حضارة العنف لتشويه ما عرفت به شعوبه من إباء للضيم حتى إنها اليوم  تمثل الأمة المقاومة الوحيدة للاستعمار والعبودية الحديثة التي تسمى العولمة وكلتاهما تحققان تمسيح قيم الإنسانية وتهويدها.

وما ينسبه إلى لمقاومة من إرهاب ليشوه مفهوم الجهاد أساس الحرية في النظرة الإسلامية بل هو أساس ما صار يسمى بواجب التدخل لحماية الكرامة الإنسانية لأن الإسلام لم يبرر الجهاد إلا بعلتين: منع من يمنع الحرية الدينية وحماية المستضعفين.

فكيف يمكن أن نفهم هاتين الفكرتين الآن بما هما معبرتان عن أعماق نفس الذات القائلة بهما <الاستعمار الغربي وأذياله منا> لا نفس الموضوع الموصوف بهما <مقاومي الاستعمار الغربي منا وأحرار الغرب> وقصد هذه الذات من استعمالهما في حربها على المسلمين جماعة وأفرادا؟ أليس في ذلك دلالة مضاعفة على الجهل بالحضارة العربية الإسلامية وبمحركات أصحابها العميقة وعلى الإسقاط علما بديلا كما هو الشأن عند كل من يجهل شيئا فيقيسه على نفسه؟

                                أولا: الجهل

ولنسأل أولا عن مصدر الجهل الغربي بالحضارة العربية الإسلامية ما أصله؟ الأصل هو خطط الكنيسة الخفية في حربها على الإسلام منذ بداية القرون الوسطي وهي خطط لا تزال سارية المفعول وقد استعملها الاستعمار الغربي في هجومه الاستعماري علينا أولا ثم في عملية دفاعه خلال انهزامه في حروب التحرير التي أخرجته من أرضنا وساعدت على إرجاعه إلي حجمه الطبيعي: فرنسا وانكلترا خاصة وهما قد أصبحتا بلدين متوسطي الحجم ولم يبق لهما من وهم الإمبراطورية إلا الذكرى المرة والعلة في أفولهما هي المقاومة العربية خاصة والإسلامية عامة. خمس حروب هي إذن ما يفسر وصف المسلمين بالعدوانية والإرهاب:

حروب الفتح

وحروب الصليب

وحروب الاسترداد

وحروب الاستعمار

وحروب التحرير العربية الإسلامية.

وكل التاريخ الغربي الحديث كان ولا يزال متأثرا بهذه الخطط التي لا تريد أن تعترف بالإصلاح المحمدي للتحريف الذي أدخلوه على الرسالات المتقدمة عليه تأليها لشعب يزعم نفسها مختارا ثم تأليها لأحد أنبيائه لاستعباد من عداهم وذلك هو الطاغوت الذي اشترط القرآن الكفر به في الإيمان الصادق. وحتى اكتشاف أمريكا وجزائر جنوب شرقي آسيا واستراليا فإنه كان جزءا من خطة التصدي للإصلاح الإسلامي بسياسة للإحاطة به من أطرافه بعد الفشل في التصدي له في أرضه كما تفعل أمريكا الآن توسيعا للحلف الأطلسي وتحالفا مع المحيطين به مثل الهند والصين وروسيا وأوروبا.

ومع ذلك فإن الحقيقة التاريخية تبين لكل من يريد أن يعلم الحقيقة دون خطط شيطانية تشوهها أن ما حدث في هذه الحروب كلها كان فيه سلوك المسلمين دائما أكثر إنسانية وحضارية من سلوك المسيحيين. فمن أين أتي إذن وصف المسلمين بالعنف والإرهاب؟ أليس هو في الحقيقة من جنس كلام أمريكا وإسرائيل حاليا على الإرهاب الإسلامي: يهجمون علي المسلمين في عقر دارهم ويقولون إنهم لا يستعملون العنف إلا للدفاع عن النفس ويصفون الدفاع عن دارهم بكونه عنفا وإرهابا. إذا قتل المستعمر الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية سمي ضحية للإرهاب الفلسطيني وإذا قتل الفلسطيني في أرضه سمي إرهابيا خلص الإسرائيلي المتحضر الحضارة منه ممثلا للبربرية. ونفس ذلك يقال عن الأمريكي في أي أرض حل بها غازيا. وليكن مثالنا حروب الفتح أولا ثم الحروب الدينية الداخلية ثانيا:

 فبالنسبة إلى حروب الفتح يكفي أن تقارن فتح المسلمين بعربهم وبربرهم للأندلس وفتح الاسبان أولا والانجليز من بعدهم لأمريكا. نحن لم نفن أي شعب ولم نلغ من الوجود لا الشعوب ولا الحضارات ولا اللغات بل بالعكس تعايشنا مع الجميع وحققنا مطلوب آية التعارف. فكان الإسلام اليوم دين جميع الأجناس دون وصاية عليهم لأن العرب ليسوا في نسبتهم إلي الإسلام مثل اليهود في نسبتهم إلي المسيحية التي بلغ الوهم بأكبر فلاسفتها قصدت باسكال في رسائله الرعوية إلي حد التكذيب برسالة محمد (صلعم) لمجرد كونه ليس يهوديا.

أما هم فقد أفنوا الشعوب والثقافات واللغات (المسلمون بقوا في الهند مئات السنين ولم يقتلوا تعدده اللغوي والثقافي والانجليز في أقل من قرن قضوا مع النخب الخائنة علي هذه الثروة تماما كما يفعلون مع أنواع النبات والحيوان في المعمورة. ونفس الأمر يمكن أن يقال عن ثقافات إفريقيا ولغاتها) وبقيادة قساوسة الكنيسة ليأخذوا أرضهم وثرواتهم. ومع ذلك ما زالوا يدعون أن الإسلام انتشر بالسيف والمسيحية بالحب. اي حب يجعل قساوسته يتساءلون هل صاحب الجلد الأحمر والأسود والأصفر له روح أم لا سؤالا لا تجده عندنا حتى عن الكلاب والقطط؟

أما بالنسبة إلي الحروب الدينية الداخلية فيكفي أن نقارن الحروب الدينية بين السنة والشيعة والحروب بين الكاثوليك والبروتستنت مثلا. فالمعلوم أن الخلافين متناظران مع التعاكس في الترتيب الزماني للتماثل بين سنتنا وبروتستنتهم وشيعتنا وكاثوليكهم. هل سمع أحد بحرب بين السنة والشيعة دامت مائة سنة؟ ثم عن حرب بينهم دامت ثلاثين سنة؟ ثم عن حرب بينهم ما تزال جارية منذ قرون كما في ايرلندا؟ ثم هل يمكن أن نتحدث عن حروب قادها العرب والمسلمون أودت بحياة مائة مليون خمسهم من الروس؟ أو حرب قادها العرب والمسلمون استعملت فيها الأسلحة النووية ليس ضد الجيش المعادي بل ضد مدينتين آهلتين بالسكان المسالمين؟ ثم بحرب الانتقام الانكليزية ضد مدن ألمانيا حتى بعد هزيمة جيش هتلر؟

أي كلام عن العنف والعدوان والإرهاب ينبس به أصحاب هذا السلوك؟ كيف يحق لمسيخ قلب الأسد <بلار أو بلا-إير؟> أن يتحدث عن الحرب بين الحضارة والبربرية ولم ير الناس في حياتهم أكثر بربرية من الشعب الذي يقبل بأن يحكمه كذاب مثله ما يزال يؤمن بالإسرائيليات التي اشربها في صباه وعاش عليها في منفاه متسكعا في شوارع باريس؟ والحقيقة أن للظاهرة تفسيرين لا ثالث لهما:

التفسير الأول هو هزيمة الغرب  النكراء في كل هذه الحروب جميعا بخلاف ما يبدو في الظاهر. ولست أتحدث عن الهزيمة العسكرية فحسب بل وكذلك الهزيمة الخلقية. كل حروب الإنسان الأبيض انتهت إلى بداية نهايته مهما حاول من تنويع للحل التكنولوجي تعويضا للفشل البيولوجي . فهم اليوم أقلية حتى في أرضهم فضلا عن الشيخوخة الغالبة على السكان الشيخوخة التي صار مؤشر التكاثر فيها سلبيا منذ عقود. لن ينجيهم تركيب الأعضاء ولا تخصيب الخلايا إذا عقمت الخصايا. كل عنصري من البيض لم يفهم بعد أن العنصرية قد أصابتهم بالداء القاتل الذي ليس منه مخرج. فالحاجة الملحة للاختلاط السريع وغير المتدرج بالشعوب الأخرى على الأقل للبقاء العضوي فضلا عن البقاء الحضاري بخلاف الاختلاط المتدرج ينتهي إلى ما حصل في جنوب إفريقيا. كل بلاد الغرب الأبيض إذا كانت عنصرية سيحصل لها ما حصل في جنوب إفريقيا. ستكون أقلية تبتلعها الأعراق الأخرى التي لم يفنها وهم الصفاء العنصري.

والتفسير الثاني لعل الناس لا يصدقونه بيسر وخاصة العلمانيون الذين أكثرهم من الأغبياء المنبهرين بالغرب وهم أجهل خلق الله بثقافته: إنه هزيمة الغرب الحضارية. فالحضارة الغربية تبدو أنجح الحضارات إذا احتكمنا إلى التاريخ القصير. لكن الإنسان الأبيض منذ أن تغلب عليه المنظور العنصري فشل في إيجاد حضارة تخصه تماما كما فشل اليهود. فكلاهما آمن بعقيدة رفض الآخر وتحصن بالعنصرية التي أدت إلي فقره البيولوجي والحضاري. لذلك فالتعدد الثقافي والعرقي اللذان حاولت الحضارة الغربية رفضهما سينتهيان إلي إغراقها في طوفان يلغي كل خصوصية بحكم الفشل البيولوجي الذي أشرنا إليه.

ولا يتصورن أحد أننا نتكلم عن الكم قبالة الكيف بحيث يتصور أن الغرب انهزم كميا لكنه منتصر كيفيا. كلا وألف كلا. الغرب العنصري انهزم كميا وكيفيا. ولن يبقي منه إلا غير العنصري. فكيف الكم الجم أكبر من كل كيف إذا كان بكمه دون كم الكيف الأول: مهما كان إبداع اليهود فإن عدد المبدعين في الحضارات الأربع الكبرى الحالية (الإسلامية والصينية والهندية وأمريكا اللاتينية) الذين هم من مستواهم بل وأفضل منهم في كل أصناف الإبداع (بما في ذلك الإبداع العلمي) يفوق عدد اليهود وعنصريي البيض كلهم بأغبيائهم وأذكيائهم. كل ما في الأمر هو عدم استفاقة اليهود وعنصريي البيض من أوهامهم. فلنتركهم يحلمون.

لذلك فإن حضارة الغرب بخلاف ما يتصور من لا يفهم التاريخ البطيء ـ الذي هو التاريخ الوحيد المفيد في معرفة آثار الشعوب ـ وبخلاف مزاعم العنصريين ليست إلا مجرد مصب للحضارات السابقة الميت منها والحي ولم تبدع شيئا يذكر عدا التهديم بمعنييه:

تهديم الطبيعة (العالم المادي: يكفي عدد الأنواع النباتية والحيوانية التي أفنوها) لما عرفوا به من نهم استهلاكي يجعل الفرد الواحد منهم يحتاج إلى ما يغذي قبيلة.

وتهديم الحضارة (العالم الرمزي أو الحضارات التي أبدعها الإنسان: يكفي عدد اللغات التي قتلوها) وأنماط العيش التي هي تجارب إنسانية ثرية أزالوها بالتنميط.

فمصدر الأديان من الشرقين الأقصى (الأديان الطبيعية) والأدنى (الأديان المنزلة). ولن نطيل في هذا المصدر الأول لأنه لا أحد يشكك فيه ومن ثم فلا حاجة للدليل بخلاف المصدرين الثانيين. ومصدر العلوم من الشرق الأوسط والغرب الأوسط (لم يكن أحد من كبار مفكري اليونان يعتبرها أوروبية). وتكفينا هنا شهادة أرسطو. فهو قد قسم أخلاق الشعوب إلى ثلاثة أصناف:  1-الصنف الأول يمثل له بالصينيين الذين ينسب إليهم الذكاء والجبن 2-والصنف الثاني بالأوروبيين الذين ينسب إليهم الشجاعة والغباء 3-والصنف الثالث باليونان الذين يعتبرهم صنفا ثالثا يجمع بين ذكاء الصينيين وشجاعة الأوروبيين. وهو بالطبع يقصد بهذا الصنف الثالث كل أهل الشرق الأوسط لاعترافه بدور حضاراته السابقة والمعاصرة للحضارة اليونانية. فمصدر العلم اليوناني وخاصة الرياضيات يعود تأسيسه النظري إلي رجال الدين المصريين والعراقيين وإلي التنظيم السياسي الذي أوجد نخبة متفرغة للبحث العلمي.

والمعلوم أن نشر المعارف اليوم صار من أيسر الأمور وأن السبق مؤقت وكل الشعوب ستكون قادرة علي المعجزات بمجرد أن تفهم النخب شروط تحقيقها النظرية والعملية ما قرب منها وما بعد كما نحاول في علاجنا لقضايا الأمة المصيرية.
ومصدر الفنون إبداعا رمزيا (كل الفنون المعبرة بالعبارة الرمزية) وألعابا (كل الفنون المعبرة بالإشارة الحركية) كلها مستوردة من الشعوب المستعمرة والمستعبدة وخاصة ما تعلق منها بأرقاها لكونه ليس إلا تطبيقا للعلوم شكلا وللأديان مضمونا وكلاهما كما أسلفنا من الشرق والغرب الأدنيين اللذين لا يمكن أن يعدا غربيين إلا عند من يوهم الناس بأن اليونان من الغرب. الغرب من اليونان لكن اليونان ليست من الغرب. ونسبته إليها من جنس نسبته إلى الهند عند كلامه عن اللغة الأوروبية الهندية. إذ المنطق أن يعود الفرع إلي الأصل لا العكس. والأصل هنا لم يستمد مقوماته من الفرع: كل مقومات الحضارة اليونانية شرقية بما في ذلك العلوم والأساطير فضلا عن الحروف والمؤسسات رغم وهم المصدقين بتزكية الغربيين الحاليين لأنفسهم تزكية يحاولون بها التغطية عن فشلهم الحضاري.

أما التفسير الثاني فهو الإسقاط الذي يمثل العلم البديل عند المهزوم الذليل. كل من يتصور الإسرائيليين والأمريكان منتصرين لم يفهم معني النصر. فهم منهزمون روحيا وعسكريا. روحيا نراهم يبنون كل وجودهم علي أساطير التوراة. وعسكريا نراهم يعتمدون علي ما لا يمكن أن يحقق انتصار أبدا: الآلة والمرتزقة. فهاتان الأداتان فاعليتهما في الظاهر تدل علي عجز أصحابهما الباطن. فالآلة علامة علي الجبن وكلفتها الاقتصادية تلغي فاعليتها التقنية. ذلك أن الدبابة التي تكلف ملايين الدولارات يكفي للقضاء عليها رجل واحد مؤمن لا يريد من الحرب قتل الأبرياء بقنبلة المدن بل فقط منع العدو من الجريمة تكفيه دراجة نارية سرعتها أضعاف سرعة الدبابة وقدرتها الفتاكة كافية لتفجيرها. والمرتزق يرتزق ليحيا بأجره المقرر لذلك فهدفه ليس القتال بل تجنب الموت للاستمتاع بما نال من مال. لذلك فلا يمكن للمرتزق أن يربح حربا أبدا إلا ضد مرتزق من جنسه. أما أن يربح حربا ضد مؤمن بحق فهذا من رابع المستحيلات. وكل الإمبراطوريات انهارت بمجرد أن تفرغ أهلها لحياة وتركوا الدفاع للمرتزقة. فالمرتزق لا يقاتل في الخارج بل يفتك الحكم في الداخل لأن ذلك يحقق له الربح دون خطر الموت.

                       ثانيا: الإسقاط علما بديلا.

وبذلك يتبين أن الأمر كله يعود إلى الإسقاط. الأمريكي والإسرائيلي يقوم بعملية إسقاط مضاعف: استبطان للخارج في الداخل وإسقاط للداخل علي الخارج. فهو يسقط علي عدوه شناعات الآلة والمرتزقة الذين يعتمد عليهم في حربه عليه ويسقط علي نفسه فضائل العدو الذي هزمه حتي يزكي نفسه. فيدعي أنه يدافع عن الحق في حين أنه يأتي إلي أرض الغير ليفتكها مؤسسا حقه المزعوم علي أساطير الأولين. ثم هو ينسب إلي العدو فضائع الآلة الحربية والمرتزقة الذين يقتلون ذبابة بدبابة فيهدمون مدينة كاملة لئلا يموت الجبناء المختفون وراء الدبابات القاصفة والطيارات العاصفة. لكن ذلك كله يذوب بمجرد أن ينتقل العدو إلي تحقيق القيام الفعلي للحضارة: أعني النجاح العضوي والنجاح الثقافي. وفيهما تكمن علامات الفشل الغربي المطلق إذا قيس بالحضارات السابقة بشرط النظر إلى الأمر بمعيار التاريخ المديد والبطيء.

ولست أقول هذا من باب التفاؤل مما يحدث بعد أن بدأ يحدث بل إني قد قلته قبل أن يحدث شيء. تحليل المعطيات الموضوعية والتاريخ البطيء يبين أن الأمور ينبغي أن يكون مآلها ما وصفت. ذلك ما كتبت يوم سقوط بغداد في مقالتين حول النصر لا ريب فيه وحول أوهام القوة الأمريكية. لكن من لا يقرأ ليس العرب وحدهم فالغرب أيضا لا يقرأ. نخب أمريكا لم تعد تقرأ لا المكتوب ولا العواقب. فلتبق في عماها وسنري النتائج. لكننا لسنا من الغباء بحيث يلهينا غباء الأمريكان والإسرائيليين عن الخطر الحقيقي الذي يتهددنا بضربيه:

 من الداخل أعني الطابع المغشوش للنهضة والصحوة وأبرز ممثليهما ما أطلقنا عليه اسم الأصلانية العلمانية والأصلانية الدينية.

ومن الخارح أعني الكماشة المحيطة بدار الإسلامي أعني قطبي الشرق المقبلين (الصين والهند) وقطبي الغرب المقبلين (أوروبا الغربية وروسيا).

فهؤلاء أكثر حاجة لما في أرض الإسلام من أمريكا. وهم أقرب إلينا منها جغرافيا ومن ثم فعدم الاستعداد لهذين الخطرين سيكون النكبة الحقيقية: الاستعداد بمعنييه أعني شروط المسالمة التي قد تغني عن المحاربة إذا لم تلغها من حساب الممكنات. أما أمريكا وإسرائيل فأمرهما هين.

                      المستوي الثاني: التعليل الباطن

والتعليل الباطن يعتمد هو أيضا علي فكرتين برزتا في طبيعة الفنيات المستعملة للتغلب علي إرادة السجناء في شجون إفغانستان وغوانتانامو والعراق: حكم عام حول محركات الإنسان المسلم العميقة حصرا إياها في بعض الأحكام المسبقة حول أهمية الجنس عنده وحصر المسألة في الحرب علي الفحولة العربية.  وطبعا لن نطيل القول في أهمية الجنس عند العرب والمسلمين. فهذا دليل علي صحة فطرتهم وثورة القرآن الكبرى: تحرير الجنس من عقدة الخطيئة المسيحية واعتباره من نعم الله على الإنسان بل هي الجزاء الأوفي للمقربين إذ هي تحقيق وحدة النفس الواحدة التي تعود إلى ربها وهي مطمئنة. واستنقاص هذه الأهمية واعتبار الجنس جريمة إلي حد بناء كل الحضارة علي أسطورة الخطيئة أمر لحسن الحظ تحررت منه حضارتنا لأنها اعتبرت أسطورة الخطيئة من ثمرات التحريف الديني إذ إن القرآن برأ حواء ولم يعتبر وجود آدم في الدنيا عقابا بل هو امتحان لأهلية الاستخلاف ما دام الله قد جعل آدم خليفة قبل حصول ما يعتبره التحريف خطيئة فضلا عن كون حجة الملائكة في تجريم آدم رفضها النص القرآني واعتبره مجتبي. لذلك حرم القرآن الرهبانية وحلل الطلاق ليمكن النساء من التعدد المتوالي الذي مكن الرجال منه في شكله المتساوق لتحرر الجنس الرجالي من خلط الأنساب الممكن بالنسبة إلي المرأة فضلا عن كون نبينا جعل حب النساء في منزلة حب الصلاة.

نحن أمة سوية نعترف بأهمية ما هو حقا مهم. ما يهمنا هنا هو فنيات الحرب علي الفحولة العربية علام يدل؟ لكي نجيب عن ذلك سنبحث أمرين لفهم الآليات النفسية التي جعلت الأمريكان يفكرون بهذه الصورة. وسيكون الأدب الأمريكي والسينما الأمريكية مصدرنا الأساسي:

أليس الجنس والعنف السهمين الحاملتين لوقع المفعول السينمائي عندهم ؟ وهل يوجد غيرهما في كل إبداعهم الرمزي الذي هو تلويث البيئة الرمزية كما تلوث صناعاتهم البيئة  الطبيعية؟

ثم أليس معين المضامين يعود إلي غرضين لا ثالث لهما: فمن الإسرائيليات يستمد الأمريكان أسطرة ماضيهم لتأسيس إفناء الشعوب بغزو المعمورة من أجل الأرض الموعودة ومنها يستمدون أسطرة مستقبلهم لغزو الكون من أجل إنجاء الشعب المختار خارج المعمورة.

لذلك فكل فنهم معبر عن ضرورة التهديم لإخلاء العالم من كل من لا ينتسب إلى الشعب المختار بأداتين هما الجنس وغايته البرنوغرافيا والعنف وغايته الحرب النووية. لكن الجميع يعلم أن الأدب غالبا ما يعبر عن المفقود الذي يتحول إلى منشود بديل من الموجود حتى في شكله الأكثر واقعية. فالهوس الجنسي من علامات كون المرء عنينا. العاجز الجنسي هو الذي يغزو فكره الهوس الجنسي. وكذلك شأن الشعب الأمريكي الذي صار مهوسا بالجنس. فالإنسان الأبيض الذي يقصر الأمريكية على نفسه ويعتبر الآخرين دخلاء صار سلوكه سلوك الأخصياء تماما كما تفعل جماعة لوبان <زعيم العنصريين الفرنسيين>. فهؤلا يتصورون المشي المرح في المهرجانات الخطابية وتمويهات بعض بقايا المرتزقة الأجانب المتجنسين بما يزينون أبدانهم من وشم دالين علي الرجولة والفحولة. لكنهم في سرهم يتهامسون في ما بينهم بما فعله بنسائهم العمال العرب الذين يعتبرونهم قد أكلوا خبزهم وناموا مع نسائهم وشغلوا محالهم فقلبوا الآية ليصبح من كانوا مستعمَرين فاعلين بعد أن كانوا منفعلين!

وليس ذلك إلا لأن الشيخوخة قد أصابت الإنسان الأبيض المريض بالعنصرية تماما كما يقع للأسرة التي تؤمن بالتزاوج الداخلي حفاظا علي النقاوة العرقية والثروة المادية. فهي تنتهي بإيولوجيا علي مدي ليس بالبعيد. ولنأت إلي الأدب الأمريكي:

 فمن مــــنا ينســـي قصــة قتل الطـــائر الساخر هاربر لي Harper Lee, To Kill a Mockingbird؟ أليست كل الجرائم التي تصفها من منطلق التعبير عن العجز الجنسي قبالة إنسان أسود اتهموه بمجامعة إمرأة بيضاء؟

ثم من منا ينسي رواية المحبوب للكاتبة الســـوداء الحائزة علي نوبل للأدب توني موريسون Tony Morrison, Beloved أليســت أغلب السلوكات تقبل التفسير بغيرة الإنسان الأبيض من فحولة الإنسان الأسود؟ ثم ألا يكفي ما نراه في أوساط الموسيقي الأمريكية حيث تتساقط البيضاوات علي الفحول السود تساقط الذباب علي بقايا الكلاب!

                            الخاتمة

وخاتمة القول فإن ماحدث في أبو غريب مثالا لسلوك الأمريكان ليس دالا على علم عميق بالنفسية العربية بل هو مجرد ظهور لبعض أعراض النفس الأمريكية التي تعاني من أمراض حضارية وروحية علينا أن ننحي منها الإنسانية بمن فيهم زعيمي العنصرية الجامعة بين الصهيونية والنازية كما يفيد اسماهما: صاحب مكر الذئب:Wolfewietz  وبائع الخردة بنطق السين شينا أو المقامر الغشاش بنطقها عربيا Rams(h)field.

وبخلاف مزاعم حطب جهنم كما يفيد اسمه <بوش> ما حدث في أبو غريب دليل علي خصائص نفسية العنصريين من بيضان أمريكا نفسيتهم التي لم تنتظر ما يحدث في العراق لتعبر عن نفسها فهي سارية المفعول في أمريكا نفسها ليس فقط في غلو الماضي العنصري مع سودانها بل وكذلك اليوم في كل سجونها وأحياء مدنها. وما استعملوه في فنيات الاستنطاق لا يدل إلا علي ما يعانون منه من أمراض نفسية أسقطوه علينا متصورين ذلك علما عميقا بالنفس العربية وبالثقافة الإسلامية حتى إن غباوات برنار لويس باتت تعتبر عندهم علما بالحضارة الإسلامية.

لذلك فليس من المزاح في شيء إذا قلنا إن نظرات شبه المرأة التي نشروا صورتها أولي بها أن تدل علي دهشتها أمام القضبان العربية منها علي سلطة سجان أو ذكاء باحث عن استعمال العلم بالنفس العربية للعلم بأسرار الثوار. فنظرة واحدة لنظراتها تبين أنها لم تكن تعذب المسجونين بل كانت تتعذب من الحرمان الذي تعبر عنها شرارات الشهوة في تحديق عينيها وفي هستيرية تكشيرها الحيواني. كل ما في الأمر أن البرنوغرافيا لم تبق في سجن أبو غريب مجرد صور لأجراء لهم قضبان صناعية بل كانت مناظر حقيقية لقضبان فولاذية لأنها عربية رغم كونها ليست صناعية بل هي عربية طبيعية لم تفسدها أمراض الحضارة الأمريكية وطالما حلم بها نساؤهم ورجالهم. ولعل زوجها نفسه كان يتعذب. فرغم تمييل قبعته الدال علي مظاهر الرجولة تدل هيأته بما عليها سمات المأبونيته علي الشهوة الانفعالية. ومن أدرانا فقد يكون ممن ينتظر الترخيص في الزواج اللواطي ليخلص من شبه المرأة التي يعاشرها.

ومن أدراني فلعل الصور أهملت المهم. فمن الصعب أن يتصور المرء المصور قد حرم نفسه مما أراد المحافظة علي ذكراه. ولا شك أن الكثير من المسجونين قد نالوا الوتر من الكثير من السجانين من دون شك. وسيبين التاريخ أن الهزيمة الأمريكية التي توقعتها والتي ستكون أكبر نصر للعرب والمسلمين في التاريخ المعاصر لا تقتصر علي ساحة القتال.

 لكننا في تحليلنا لآليات النفس الجماعية والفردية عندنا وعند أعدائنا لا نغفل عن كون البشر متماثلين في الجملة وعن كون أحداث التاريخ البشري متماثلة من حيث أساسها الطبيعي ولا تختلف إلا بالعرضيات الثقافية التي تفسر ما يخرج عن الفطرة أعني غير الطبيعي من السلوك الإنساني السوي خلافا لما صار يقول به أصحاب الموقـــــف التاريخاني نفيا منهم لكل كلي طبيعي ودعــوي بأن كل شيء من العرضيات الثقافية. وكل غلو في المقابلة بيننا وبينهم مجرد فن جدلي لرد دعاوي الأعداء لتحييد الحرب الرمزية علي النفس العربية وليس ادعاء لصفات يتجاوز بها المسلمون الفطرة البشرية. فالإسلام يؤمن بفطرة الله التي فطر الناس عليها ولا يميز بين البشر إلا بالأعمال.