



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
في حماسة الشباب
أبو يعرب المرزوقي
لا يمكن أن أعيب على الشباب ما يبديه من حماسة في الرأي ولا حتى من عدم الروية في الحكم. فتلك مرحلة ما من أحد إلا وعاش شيئا منها في شبابه. لكني مع ذلك أعجب كثيرا من ظاهرة العجلة في دعوى الفهم الخاتم دعواه التي بدأت تسيطر على ساحة الفكر في المنتديات العربية. وليس من شك في أن ذلك من علامات الحيوية الفكرية التي ستينع رؤوسها فتكون مفكرين كبارا. ثلاث حالات حصلت معي بالذات لعل في حكايتها ما يفيد القارئ الكريم خاصة وقد وجدت في تأملها بعض المتعة لأنها تخص شبابا متحمسا إلى حد الجزم القاطع في أمهات المسائل بجرة قلم أيسرها. سأكتفي بالإشارة إلى أصحابها على التوالي باسم الشاب الأول فالثاني فالثالث في ترتيب معكوس لاطلاعي على ما كتبوا بدءا بآخرهم وختما بأولهم.
وما أقدمه هنا ليس هو إلا شيئا من الحيرة أمام تياسر الشباب في الكلام على أعلام الأمة (المثال الثالث) وفي علاج المسائل (المثال الثاني) وفي تحليل الخطاب (المثال الأول). فهم يحسمون الأمور بجرة قلم وببادئ الرأي ولا يلوون على شيء. لا إشكال عندهم في أي شيء: الأمور كلها بسيطة وإن لزم فتبسيطها يصبح من نعم الوضوح وتيسير التواصل. ولعل الأمر مرده إلى ما فرضته الجرائد السيارة أو المواقع الشبكية من عجلة وعدم روية. فلا الغزالي ولا ابن خلدون ولا ابن تيمية ولا أي كان يمكن أن يعتبر جديرا بأن يتهم المرء نفسه عندما لا يفهمه دع عنك المعاصرين أمثالي بل هم صاروا عند الكثير ممن لم يكد يخط حرفين المتهمين الأول حتى وصل الأمر إلى الكلام في المسائل المصيرية وكأن علاجها لم يبدأ إلا مع هؤلاء الشباب دون تاريخ أو تراكم معرفي تحقق خلال مراحل تاريخنا وبفضل ما لنا من رموز أصبحت جزءا لا يتجزأ من الثقافة الكونية.
المثال الأخير: تحليل عجيب للخطاب
ولنبدأ بآخر نص اطلعت على رأي صاحبه الحاسم. فقد رأى هذا الشاب الوسيم أن أبا يعرب في تعليقه على الأستاذ البليهي قد نهى عن خلق وأتى مثله. ألم يستبدل بالأوروبيين العرب في الاستفراد بصنع الحضارة دون سواهم؟ فهو لم يحاول أن يعدل بعض آراء الأستاذ البليهي بخصوص دور الأمم المختلفة في الحضارة الإنسانية ولم يعتذر له بحال الأمة وقصده استنهاضها ولم يبين وهمي العبقرية الغربية بمرحلتيها القديمة (بالقياس إلى المصريين والبابليين) والحديثة (بالقياس إلى العرب) اعتمادا على نصوص لم يعد أحد يشكك في مدلولها فضلا عن وجودها. إنما هو كما يصفه هذا الشاب قد وقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه الأستاذ البليهي فحصر الحضارة الإنسانية في أمة دون سواها: وطبعا فلست أعجب أن يعاب علي الغفلة عن مثل هذه اللطائف. إذ أنى لي ببصيرة تضاهي بصيرة هذا الشاب الوقادة؟
فمن تقدم على اليونان كانوا عربا لذلك نسب إليهم أبو يعرب ما نسب لدحض معجزة يونان. والغرب الحديث لم ينهل إلا من الحضارة العربية لأن بيزنطة لم تسقط في منتصف القرن الخامس عشر فضلا عن غيرها من الأمم الأخرى وعن دور الغرب اللاتيني نفسه. أليس للحجاج قواعد؟ بلى. لكنها لا تتجاوز ما يراه الشباب. ولا معنى لأن ينفي المحاجج دعوى المحاور بوجهيها:
فأن يدحض المرء ما أثبت محاوره (استفراد الغرب بالحضارة)
وأن يثبت ما نفى (للعرب سهم فيها).
يصبح وكأنه حصر الإثبات والنفي في بديل ينبغي أن يكون من جنس ما تقدم به محاوره: هذا هو المنطق الجديد الذي يحكم تحليل الخطاب. إن كون أبي يعرب قد نفى استفراد الغرب بالحضارة وأثبت للعرب سهما فيها بات يعني نفيه سهم غير العرب واستفراد العرب بالحضارة ومن ثم فهو مثل البليهي سواء بسواء: كلاهما يدعي ما أدرك خطأه صاحبنا. ولن يشفع لأبي يعرب أنه أشار إلى أن من أهم ما قام به العرب فضلا عن مبدعاتهم كان رعاية تراث غيرهم وتمكين البشرية منه بعدهم وفي عصرهم.
قد أجرم فحاول أن يبين دور العرب البارز حاليا في التصدي لدعوى الاستفراد الغربي بالقيم الإنسانية المردودة إلى تصورها الغربي. لا ينبغي أن نفهم من ذلك أن المعركة هي بين حصر الحضارة في أمة ونفي هذا الحصر بل هي حصر مضاد لها في أمة أخرى: فيكون القرآن مثلا بنفيه نظرية شعب الله المختار اليهودية لم يؤسس لنظرية المساواة بين البشر بل هو قال بنظرية شعب الله المختار العربية لمجرد أنه بين أن المسلمين حين نزول القرآن كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويجاهدون لحماية المستضعفين وحرية العبادة. لكن ما العمل مع عجلة الشباب؟ ولعل الروية آتية إن شاء الله. اللهم امنحنا شيئا مما يتوفر لدى الشباب من فطنة آمين.
المثال الثاني: فهم عجيب للمنطق
ولنثني بالمثال الثاني. وأظنه شاب هو بدوره. فقد رد بحماسة الشباب على بحث لي حول إشكالية حفظ القرآن الكريم لظنه أن تدخلي لا ناقة له ولا جمل في موضوع الحوار الذي كان مقصورا على المؤمنين بذاكرة النبي في تحقيق الحفظ ولا يتعلق الكتابة الحافظة. فأفدت من درس منطقي سهوت عنه خاصة وقد صاحبه إحالة على مؤسس العقلانية النقدية وأسلوبه في الكتابة اليسيرة. وكالحال في المثال الأول لم أقرأ النص بالصدفة بخلاف ما كان عليه الأمر في الحالة الثالثة. فالأستاذ عبد العزيز قاسم-هداه الله- بعث لي بالردين إذ هو لا يترك شاردة ولا ورادة إلا ويعتبرها زندا يستقدح بها الحجاج والجدل. وما أظنه هو صاحب الفضل في رد ممضوعاتي وفقيرتي إلي بنسب جديد صرت فيه المنسوب إليه مباشرة. فلا الأولى بقيت ممضوغات العلم الزائف ولا الثانية فقيرتي المعاجزة بل أصبحتا يعربيتين قلبا وقالبا فسبحان مقلب القلوب. أما إذا كانت النسبة من لطف المعلق وخفة روحه فجزاه الله كل خير حتى لو كانت الحسنة مترددة بين فنيات المجاملة الأدبية والكتابة الخالية من التعقيد النافل.
وليس ذلك بالغريب. فمن ييسر للناس قراءة أسلوبي المغلق لا بد مُسدٍ لي خدمة ولا يمكن أن يبخل علي بنسبة ما هو لي إلي فضلا عن كونه يساعد القراء لطرق القراءة المتأنية تفضلا عليهم لئلا يقتصروا على العناوين فلا يدرك الخفايا التي أدرك. وهل يوجد أدنى ضرر في حصر الانتباه على نصف البحث وإهمال أهم عنصرين فيه أعني ما تعلق منه بطبيعة المسألة هل هي إيمانية أم علمية وما تعلق بخصائص المعرفة التاريخية هل هي قابلة لحسم مثل هذه المسائل أم لا: المهم هو بيان غفلة الشيوع وفطنة الشباب الذين يدركون شروط عدم الخروج عن الموضوع فلا يخلطون من المسائل.
ورغم علمي بأن الله لم يرزقني بمثل نباهة الشباب فإني مضطر لبعض التعليق. فالمسألة لها صلة بحفظ القرآن. وهو أمر جلل. فيكون من المجدي السعي إلى توضيح كلامي لئلا أبقي فيه مغلقات لئلا أكلف غيري مشقة القيام به بديلا مني. وطبعا فإني كنت من الشاكرين سأكون. والقراء دون شك. ولنعد إلى المسألة. أليس من بديهيات الحجاج التسليم بهذه القاعدة:
1-إذا كانت قواعد القياس ليست تحكمية أفيمكن أن نعدم أحدا يشرح لنا الكيفية التي يمكن بها لامرئ أن يستنتج أن أبا يعرب قد نهى عن خلق وآتى مثله في مسألة "حفظ السنن لحظة تأسيسها" قياسا على التعميم العامي بالمعنى الأرسطي الذي نسبته لمن يقيس القرآن على الكتابين المتقدمين عليه في الزمان ؟
2-وبعبارة أوضح هل القول بهذه المسألة من جنس جنس القول بالتماثل بين تواريخ النصوص فيكون حكمي من جنس حكم من وصفتهم بالتعميم المخل بقواعد الكلية ؟ هل يمكن -وقد أشرت في كلامي إلى أرسطو نظريته في التعميم المشروع- أن يبين لنا أحد انطباق القياس في حدود مناطه بين لحظة تأسيس أي سنة وتاريخها كله ؟
حفظ القرآن الكريم ليس أمرا يمكن فيه التساهل. ومن ثم فهذا الكلام تتمة للأدلة التي سبق لي تقديمها. وليس من العبث إذن أن نطلب الفرق بين الحالتين لبيان أن إحداهما يمتنع أن تقاس على أخراهما كيفما قلبنا الأمر. كنت أتصور القارئ المتروي يميز سلوك الجماعة أي جماعة حفظا لسننها في لحظة التأسيس عن سلوكها في تاريخها كله حيث تتبدل الظروف وتتوالى الأجيال ويكثر الخلاف وتتعدد المحن وتتولد سنن فرعية عن السنة الأصلية فينتقل الحفظ من السنة الأصل إلى سنن فروع.
وإليك كيف ندرك الفرق بين الأمرين. فالسلوك في لحظة التأسيس يتصف بخاصيات عامة تشترك فيها كل الجماعات من حيث هي جماعات في لحظة التأسيس أيا كانت الجماعة وأيا كان مجال تكونها من حيث هي جماعة بمقتضى تلك السنن: وهو معنى حفظ السنن وإلا لما حصل التأسيس من أصله إذ معنى حصول التأسيس هو عينه معنى حفظ السنن. وفي حالة الإسلام لحظة التأسيس يمكن اعتبارها عين مدة نزول القرآن الكريم بما فيها من تنجيم ونسخ وتبديل أشار إليها القرآن نفسه بحيث إنها جزء من المقصود بالحفظ جمعا واستثناء.
أما إدعاء التماثل بين مصائر النصوص في كل تاريخها عند أصحابها بعد لحظة التأسيس فهو يعني أن السلوك متماثل في كل الحالات بصرف النظر عن اختلاف الظروف التاريخية لأحوال تلك الأمة ومآل منظومة وثائقها وتراثها. وهو أمر لا يمكن أن يدعيه إلا من لا يعلم معنى الكلي ما هو فيتصوره استقرائيا مخالفا رأي مؤسس العقلانية النقدية الذي لا يعتبر العلم مستندا إلى الاستقراء. فنحن لا نتكلم على مفهوم يتحدد بالاستقراء كالحالة في الكلام على تاريخ النصوص بل هو مفهوم يتعين بمقتضى حده أعني –وعذرا من القارئ لما قد لا يستسيغه من تدقيق يبدو من المغلقات: فالكلي هو ما يصح على الشيء كله (يشمل كل ما صدقه بمقتضى ما يمتد إليه مفهومه) من حيث هو ذلك الشيء في زمن وصفه بتلك الصفة الكلية (المفهوم) بحيث يكون الوصف جامعا مانعا (لكل أعيانه في المكان في حد زمانه ما حصل منها بالفعل أو ممكن الحصول بشرط توفر الخصائص التي يتألف منها المفهوم: الماصدق).
إن وصف الحالة الأولى مقصور على لحظة محددة (قابلة للحصر بين حد بداية وحد غاية وكلاهما ينطبق على أي سنة مؤسسة في أي جماعة) من حياة سنن أي حركة دينية كانت أو سياسية أو فكرية أو أدبية أو فنية أو حتى رياضية: أي حركة تفترض تأسيس جماعة عاقلة في أي ميدان في لحظة التأسيس التي تتكون بتكونها به وتفسد بفسادها. وهذا يصح على الجماعة التي أسستها التوراة أوالإنجيل أوالقرآن أوأي سنة دينية أخرى عند أي جماعة بشرط أن نقتصر على لحظة التأسيس التي يمكن حصرها في مدة قصيرة وهي غالبا ما لا تتجاوز الجيل.
ويمكن اعتبار لحظة التأسيس منتهية بمجرد أن تتفرع الجماعة أي بمجرد حصول تأسيس فرعي تنفصل بمقتضاه تلك الجماعة الأصلية إلى جماعات فرعية ذات سنن مختلفة باعتراف الجماعات المنفصلة بأن الفروق بين السنن بلغت الحد الذي يجعلها علل الانفصال (عتبة التمايز بين السنن): وهو ما يؤيد القاعدة لأن التمايز في السنة هو عينه شروع الحفظ في الاختلال أو في التفرع المتكثر ومن ثم في التأسيس لحفظ سننن متفرعة منافسة أو سنن متفرعة بديلة بالكلية.
لذلك قلنا إن هذا المفهوم لحفظ السنن ليس مفهوما تركيبيا فيقال عنه إنه ثمرة استقراء تام أو ناقص بل هو مفهوم تحليلي يتعين بمقتضى الحد ولا يمكن أن يكون من جنس العموم العامي بالمعنى الأرسطي: فمعنى لحظة التأسيس هو أن السنة المؤسسة هي عين لحمة المؤسسين ومن ثم فذكرها (أو حفظها وعدم نسيانها) هو عين التأسيس وعين اللاحمة بحيث يعض الجميع عليها بالنواجذ ما ظلوا جماعة واحدة. وبمجرد الشروع في التفرع تتكون السنن الأدنى شمولا فتتكون نسخ منها مختلفة. وهذا ما لم نسمع بحصوله بالنسبة إلى القرآن إلا بشكلين معلومين لمؤرخي القرآن:
الاختلاف الحاصل في الجيوش الإسلامية قبل الجمع والتوحيد.
والاختلاف الحاصل بسبب الجمع والتوحيد ومن ثم بعده.
فيكون هذان الخلافان دالين على صحة القاعدة: فلو لم يكن للناس سنن مؤسسة لما حصل الخلاف (كان الناس أمة واحدة بمعنى أنها قبل نشأة السنن لا تتفرع ويمكن لها بعد التأسيس أن تفرع تفرعا مؤديا إلى تحولها إلى مذاهب متنافية وليس بمعنى الوحدة النافية لتعدد من أجناس أخرى). ولو كانت الكتب من حيث هي سنن مؤسسة متساوية القيمة لما حصل السعي إلى التوحيد الانتقائي لذلك تحصل الصراعات المذهبية فتكون علة في الحفظ داخلية بسبب نزعة التفرع في الذات وخارجية بسبب نزعة الاختلاف بالغير. ولا نفي للتوحيد إلا بمعنى الفرق التي أسست في الحقيقة لدين آخر: فالشيعة مثلا يمكن أن تصبح دينا مختلفا تمام الاختلاف عن السنة التي تصبح دينا ممتازا عن دين الشيعة بمجرد أن تقول إن لها قرآنا مختلفا عن القرآن العثماني سواء بالنص أو حتى بمطلق الدلالة الشاملة (لاستثناء الخلافات التأويلية التي تسمح بها قواعد اللسان العربي والمنطق).
وما حصل في تاريخ توحيد النسخ أعني تحقيق التوحيد بالصورة المعلومة تاريخيا قبل حصول مثل هذا الأمر أو تجنبا لحصوله يعد المنهج العقلي المستند إلى الطريقة العلمية أعني جمع النسخ ومقارنتها والاحتكام إلى أهل العلم في المجال دون نكران ما كان موجودا من فروق كان وجودها بالمعيار العلمي دليل الوحدة الغالبة (على الاختلاف الطفيف الذي لم يتولد عنه تفرع منتج لسنن مؤسسة مختلفة) لا دليل عدمها لأنها فضلا عن ضآلتها ليست بمغيرة للكل تغييرا يفقده طبيعته العامة أعني كونه سندا كافيا لتأسيس علمي الأصول الممثلين لوظيفتي كل منظومة سنن تأسيسية للجماعات: في العقائد (المضمون العقدي) والشرائع (قوانين السلوك).
فإذا أضفنا إلى ذلك أن مؤرخي القرآن بمن فيهم المستشرقين يسلمون بهذه الحقائق حتى إن المقابلة الأساسية بين القرآن والكتابين الآخرين عند نولدكه وفريقه من بعده ترد إلى فرق أساسي وحيد هو بالمقابلة بين كون القرآن له مؤلف واحد معلوم (حسب رأيه النبي ولا يهمنا إن كان يؤمن أو لا يؤمن بألوهية المصدر القرآني) ودون في مدة محددة ومعلومة هي مدة نزول الوحي وكون الكتابين الآخرين متعددي المؤلفين ودونا في أجيال متوالية دامت قرونا.
وكما أشرنا فإن حكم الحفظ الذي يصح على لحظة التأسيس بالنسبة إلى كل السنن لا يصح على تاريخ أي سنة تاريخها كله إلا إذا توفرت شروط الكتابة الحافظة لهذه السنة: ومن حسن الصدف أن المسلمين قد عرفوا الأمرين:
فالقرآن من حيث هو سنة إلهية مؤسسة كتب مباشرة فحفظ واحدا إلا بعض الفروق التي يعترف بها علماء الإسلام.
أما السنة النبوية فلم تكتب إلا بعد أجيال فكانت جمعها محل اجتهاد لا يتوفر له ما توفر لجمع القرآن من الإجماع.
وقد كانت حال التوراة والإنجيل من جنس حال السنة النبوية عندنا وذلك بسبب عوارض تاريخية وليس بسبب خاصية ذاتية للسنن نفسها. وكان يمكن أن يحصل للقرآن وأي سنة أخرى نفس الشيء خلال التاريخ لو لم ييسر الله له ظروفا هي ربما من عناصر الحفظ الموعود أو هي في الوعي الإسلامي من مؤيدات الإيمان به: تحقق التدوين المجمع عليه ولم يطرأ على ذلك التدوين ما طرأ على تاريخ التوراة والإنجيل كما هو معلوم بحيث إن قيس القرآن عليهما فيه إهمال للظرف التاريخي المختلف:
فالتوراة دونت من البداية ثم ضاعت عدة مرات وأعيد تدوينها بعد كل نكبة حلت بأهله بالاعتماد على الذاكرة في الغالب.
والإنجيل الذي نزل تحت استعمار قاتل كان شفويا من الأصل ولنا منه عدة روايات وجميعها متأخرة الرواية والتدوين.
وتلك هي العلة في كلامي على التعميم العامي بالمعنى الأرسطي عند من يقيس القرآن على الكتابين بصورة عامة وهو ما لا يصح على لحظة التأسيس التي هي عامة ويشترك فيها كل النصوص المؤسسة في لحظات التأسيس: عدم اعتبار الظروف التاريخية المختلفة للنصوص في تاريخها كله قياس عامي واعتبارها خاضعة لنفس القاعدة في لحظة التأسيس قياس علمي لما نبين من العلل. فلحظة التأسيس يختلف حكمها عن لحظات التاريخ كله في أي ظاهرة إنسانية. ذلك ما كان عليه مدار كلامي أعني حصول التدوين بما بينته من الحجج العقلية واختلاف الحالات التاريخية المديدة بحسب اختلاف ظروف الأمم التاريخية ومصير نصوصها. فالحفظ مرهون بأمرين:
أحدهما هو لحظة التأسيس التي تحفظ بالطبع أو بمقتضى كونها لحظة تأسيس اي إن هذا المفهوم تحليلي خالص.
والثاني هو الكتابة التي تمكن من التصدي لعاديات التاريخ لأن مفعول لحظة التأسيس لا يدوم في غالب الأحيان أكثر من جيل واحد.
والمعلوم أن تاريخ أي كتاب مختلف عن تاريخ الكتب الأخرى عند أخذ هذا التاريخ ككل بخلاف الاقتصار على لحظة التأسيس: فاللحظة التأسيسية الأولى متماثلة من حيث حرص أصحابها على نصها بالنسبة إلى كل النصوص المؤسسة. كما أني لهذه العلة أشرت إلى الآية الخامسة من العلق. فالآية تقول إن الله علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم. وذلك يعني أحد أمرين:
فإما أن ما علمه الإنسان بدون قلم ليس هو ماعلمه الله إياه فيكون قد علمه غير الله بدون قلم وذلك أمر لا يعنينا هنا.
أو أنه لا يعلم إلا ما يعلمه الله والله لا يعلمه إلا بالقلم وما يعنينا من هذا التعليم هو ما يتعلق به الحفظ سواء كان متصلا بالكتابة في الفطرة أو كتابة القرآن.
فيكون ما نطلب بيانه هو المقصود في الحالتين إذا حصرنا المسألة في الكتاب (لأن الكتابة في الفطرة عند الأخذ من الظهور ليس موضوع البحث): القرآن هو ما يعلمه الله للإنسان وأياته الخمس الأولى أعلمت المسلمين من اليوم الأول أن الله علم الإنسان بالقلم ما لم يكن يعلم ومن ثم فمن اليوم الأول لنزول القرآن أصبح المسلمون يعلمون من نصهم المؤسس ضرورة استعمال القلم أعني الكتابة ولم ينتظروا المرحلة المدنية ليعلموا ذلك كما يتصور البعض.
ومعنى ذلك أن التوراة والإنجيل والقرآن وغيرها من الكتب أو السنن كانت في لحظة التأسيس محفوظة حتما أو هي اعتبرت كذلك عند أهلها وهذا هو المهم. فالحفظ كما بينت في المقال جزء من العقيدة ولا معنى للبحث فيه باعتباره حقيقة علمية فضلا عن كون الحقائق العلمية في التاريخ ممتنعة كما بينت لأنها جميعا مبينة على أمرين كلاهما مستحيل التحقق تحققا مطلقا:
شهادة الوثائق (أو الثبوت)
وتأويلها (أو الدلالة).
لكن هذا هو القسم الأول من البحث الذي ألغاه التبسيط. وهذا يهون من أجل مساعدة القراء. فالمغلقات يجدر إهمالها بقصد التبسيط تماشيا مع عصر السرعة والأكلات الجاهزة.
المثال الأخير: قدح مريب في ذمم الناس
أطلعني أحد طلبتي على كلام لشاب ثالث قد يكون دون العشرين إذا كانت صورته مزامنة لذاته-وطبعا فلست ساهيا عن كون الفضل لا ينتظر السن كما قال أحد أبطال المسرح الفرنسي الكلاسيكي-اتهمني مع الجابري بأني عميل للوهابية لأني كتبت في فكر ابن تيمية الفلسفية كتابا-ما أظنه قرأه وإلا لعلم أن أي وهابي مهما كان معتدلا لو قرأه لنتف لحيته حنقا-اتهمني بأني قد اشتراني أمراء البترودولار لأحارب المثقفين المتنورين من جنسه: ترى هل يشتم القارئ في هذا الكلام رائحة البترول أم بعض الغلو الطائفي؟
وما كنت لأعير هذا الكلام اهتماما لو بقي صاحبه عند الحد. فمثل هذا الكلام قابل للإنصات إليه لأن مثل هذه التهم ليست مما يستبعد في ثقافة قل أن يصدق الناس فيها بوجود من ليس بأجير لأن أدبنا فضلنا عن حياتنا جعلا الإبداع والعلم كلاهما تابعين لفن التكدي لدى الأمراء والأحزاب والبلاطات وحتى السفارات والجمعيات الدولية وهلم جرا من الأونجيات.
لم يكتف هذا المثقف المستنير بذلك بل هو جمع في نفس السلة الغزالي وابن تيمية معتبرا إياهما مجرد واعظين استند إليهما أبو يعرب ليخدم أمراء البترودولار الذين أصبحوا بعصا سحرية مهتمين بالفلسفة ونقد المنطق والميتافيزيقا وبنظرية اللسان وإصلاح المنهج ليحاربوا كبار المثقفين من رهط صاحبنا. لم تعد الصحافة المأجورة تكفيهم. ولا الفضائيات المأمورة. باتت الكتابات التي تتهم بالعسر والمغلقات من الأدوات التي يهاجم بها الظلام النور في عاقبة الدهور. فسبحان الله: أبستمولوجية أرسطو وإصلاح العقل وشروط نهضة العرب المسلمين قابلة للتوظيف المباشر في معارك الطوائف حول فضلات الموائد.
لسوء حظي فأنا لم ينلني الشرف فأعرف أميرا أو حتى غفيرا من ذوي السلطان-ولعل هذا المستنير الكبير سيكون وسيطي لدى واحد منهم ليهتم بشرح منطق أرسطو و جدل هيجل وميتافيزيقاهما أو بتجاوز الجوهر إلى العلاقة في النقد التيمي أو بتجاوز المقابلة بين الحقيقة والمجاز في نظرية اللسان إلخ... لأني لسوء الحظ لم أتمكن من الوسيلة وقد تجاوزت الستين ربما لأني لم أتعلم غير ذلك تاركا الخطاب الطائفي والمباشر ومن ثم الذي يصلح للاستعمال في المعارك السياسية لمن هم أكثر مني كفاءة. لكني لا أنكر أني أعرف الصلة بين البترول والدولار. فكلما حاولت ملء خزان السيارة أفرغت جيبي فأدركت أن اللتر الواحد منه يساوي دولارا في بلدي.
ولهذا وأعلم كذلك أن هذا المثقف الكبير له الحق في أن يستغني عن مزيد التعلم أو أن يسعى لمعرفة أقدار الرجال: فمن أكون لديه إذا كان شيخ الإسلام وحجته عنده مجرد واعظين لا يفهمان الشعارات التي يمكن تسميتها بقداس الأحد عند التنويريين قياسا على خطب الجمعة عند الأصوليين؟ أليس يكفي أنه قد توصل فأدرك بعد جهد جهيد من النصب بكل معانيها ليعلم أن الغزالي وابن تيمية واعظين وظلاميين؟ لم تراه يتعب نفسه لينظر وراء ما يقول فيهما وعاظ طائفته؟ وهلا يكفيه التمكن من وصف أبي يعرب بكونه عميلا للبترودولار يصارع التنويريين الذين صاروا فلاسفة بقراءة ملاحق الجرائد حتى باتت مكتبة المتفلسفين من الشباب الفاهم دون صبر على التعلم مناشير أصحاب العمائم أو البرانط مناشيرهم الإيديولوجية بعد أن تعلموا من الكنيسة القمية أو الكنيسة الفاتكانية فنيات الخلع (بمعناه في فضائح الباطنية) بالماركسية والتنويرية والليبرالية إعدادا لأرضية التبشير؟
هكذا يكون التنوير وإلا فبلاش. أمثال هذا المبدع تنويريون حتى وإن كانوا لا يكادون يفقهون العربية للاطلاع على تراثهم فضلا عن الاطلاع على تراث الآخرين ولو في الترجمات الرديئة التي حصرت الفكر الغربي في عموميات الماركسية والوجودية والوضعية والليبرالية واعترافات روسو وشطحات بعد الرومانسيين التي صار نموذجها خرافات المتصوفة في تعميم الخضوع للإمام والقطب والولي وهلم جرا من التنوير الثوري المبدع. لا حاجة للروح ولا للعقل الشعارات تكفي: لا حاجة إلى فتح كتاب مما كتب الغزالي أو ابن تيمية أو مما نقدا. لا أحد منهما يعد في تاريخ الفكر الإنساني من أعلامه مثل التنويريين المستنيرين والمثقفين الذين تسكرهم حبة زبيب.
خاتمة
ومرة أخرى فلا يسعني إلا الإعجاب بحماسة شبابنا وحيوية فكرهم. تدهشني العجلة وعدم الروية والسعي إلى التصدر لإطلاق الأحكام جزافا. لكني اعتبر ذلك فورة شباب سرعان ما تختفي فلا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس. وما أظنهم يجهلون أن أرسطو-وهو من هو-قد بقي يتعلم في أكاديمية أفلاطون-رغم كونه قد كان طبيبا وابن طبيب- بقي ثمانية عشر سنة لم يشرع إلا بعدها في تقويم فكر عصره وفكر أستاذه. لذلك كان من يعلم الجميع من هو.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام