


في ما يترتب على هذه الثورة الشعبية المباركة
أبو يعرب المرزوقي
من الخطأ الجسيم تصور هذه الحركة ذات صلة بالصدامين المتقدمين عليها أو ما يسمى بأحداث 78 وأحداث 84. فكلتا الظاهرتين هاتين مثلت صداما بين قيادات متنافسة على وراثة حكم الرئيس الراحل المرحوم الحبيب بورقيبة. أولاهما كانت بين زعامات الحزم الحاكم وزعامات الاتحاد العام التونسي للشغل والثانية بين زعامات ما بقي من الحزب الدستوري ماسكا بالبلاط. كانت هذه الأحداث أحداث قيادات سياسية عديمة الجذور الشعبية. وهي لم تكن ذات دوافع إصلاحية لتحقيق نوعين من الحاجات التي حرم منها الشعب التونسي وخاصة المهمش منه خارج مناطق النفوذ المحيطة بمن تنفذ من دوائر الحزب والاتحاد.
الحاجات التي تقيم البدن وشروط سلامته وكرامته.
الحاجات التي تقيم الروح وشروط سلامتها وكرامتها.
وإذا كان من الضروري أن نصل هذه الثورة بما تقدم عليها فينبغي أن يكون الوصل القريب بالثورة على التطرف الاشتراكي الستاليني (في ستينات القرن الماضي) فتكون هذه الثورة ثورة على التطرف الرأسمالي التاتشري وكلاهما يشارك الثاني في الحاجة إلى الاستهانة بالشعب وبحاجياته المادية والروحية. أما الوصل البعيد فهو لا يكون إلا بالثورة على الاستعمار الأجنبي ببعديه المادي والروحي الاستعمار الذي كان التسلط فيه بيد الجاليات الأجنبية فأصبح بيد من يمثلهم في الحفاظ على سلطانهم غير المباشر من النخب الفاسدة التي تتصور التحرير مجرد تعويض للاستعمار الخارجي بالاستعمار الداخلي (كما يتبين مما يسروه من غزو ثقافي أكبر علاماته الاستعاضة عن لغة الوطن بلغة المستعمر).
لم تحدث الثورة الحالية بقيادة الأحزاب المعارضة ولا بقيادة الاتحاد العام للشغل ولا بقيادة ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني ولا خاصة بما كان منها الأكثر صراخا واستحواذا على الإعلام في هذه الأيام. إنما هي ثورة على ذلك كله من أجل سد الحاجات التي ذكرنا: فاستشهاد بوعزيزي ليس ثورة على النظام السياسي وحده بل هو عبارة عن جرح عميق عاشه جميع طلبتنا الذين كانوا يتجرعون الذل في الجامعة للحصول على شهادة ظنا منهم أنها ستمكنهم من العيش الكريم فاكتشفوا في الغاية أن ذلهم لمن استعبدهم في الجامعة كان بلا فائدة لأن الشهادة لم تعد كافية للعمل بل لا بد من ذل بلا نهاية هو عين الفساد الذي عم كالسرطان إذ يبلغ مرحلة الانتشار الكلي في خلايا البدن. وتلك هي دلالة انطلاق الثورة من أقل مناطق البلاد تأثرا بالاستعمار الثقافي وخضوعا للنماذج التي يدعو إليها بعض النخب التي هي أكثر فسادا من قيادات الحزب الحاكم الذي يحاكمونه الآن.
لذلك فلا بد من تحديد مواطن الفساد التي ينبغي إصلاحها دون الإطالة في توزيع التهم مسلمين بأن الفساد قد عاث فسادا في جميع المؤسسات والتنظيمات التي سيطر عليها المفسدون سيطرة تكاد تتساوى فيها أحزاب المعارضة مع الحزب الحاكم والمنظمات الاجتماعية مع الأحزاب السياسية. كما أن الفساد قد طال كل السلطات الثلاث منفذها ومشرعها وقاضيها فضلا عن السلطتين الأخريين أعني السلطة التربوية والسلطة الثقافية-الإعلامية. لكننا مع ذلك نعتبر الجسم الاجتماعي التونسي لا يزال قادرا على التعافي ومن ثم فهو قابل للنهوض السوي إذا ما خلصنا هذه المؤسسات السياسية والاجتماعية من العوائق التي حالت دونها والقيام بوظائفها منعا للفساد وعلاجا لمشاكل البلاد والعباد. ويمكن أن نحصي المؤسسات التي ينبغي إصلاحها حتى ينصلح الشأن العام ويتم اختيار الصالح من شباب الأمة وشاباتها لتسيير شؤونها تسييرا ديموقراطيا يسعى إلى العدل والمساواة دون تسطيح يلغي الحقوق التي تشجع الكفاءات والتنافس السليم بينها من أجل رفعة الوطن:
النخبة السياسية:
لا بد من تجديدها على أساس مبدئين:
الأول ألا تنحصر في طبقة معينة.
والثاني ألا تنحصر في منطقة معينة.
ومعنى ذلك أن التوزيع العادل بين الطبقات والجهات شرط في الإصلاح. ويمكن أن يكون المنطلق تنظيم أربع مجموعات سياسية كبرى تتضمن كل واحدة منها أحزابا متقاربة إيديولوجيا: 1-مجموعة اليسار الاشتراكي 2-ومجموعة اليمين الليبرالي 3-ومجموعة القوميين 4-ومجموعة الإسلاميين. وأن تكون هذه المجموعات متساوية في حق التنظيم والاجتماع والإعلام الوطني والتمويل الرسمي لنشاطها السياسي. والمعلوم أن الحزب الحاكم يتضمن أطيافا فيها من ينتسب إلى هذه المجموعات بحيث يمكن أن يختار أفراده الانتساب إلى أي منها إذا رأوا ضرورة إلغائه من الوجود على الساحة. وهو أمر لا اعتبره ضروريا فضلا عن كونه ظالما. وعندي أن كل من استقال منه حاليا خائن مرتين:
فهو قد خان أمانة المسؤول السياسي عندما انتسب إليه دون قناعة كما يزعم الآن علما وأن لا أحد يمكن أن يصدقه. ولعل أكذب الناس سفير تونس في اليونسكو الذي سمعته خلال إلقائي بعض الدروس في باريس يتهم الحركة المباركة بكونها تابعة للقاعدة في المغرب ثم ادعي بعد يوم أنه يستقبل لأنه لا يقبل ما يحصل للشعب.
وهو قد خان الولاء للحزب الذي أوصله إلى المسؤولية الحكومية قلبا لجمازته كما يقال وميلا مع الرياح حيث تميل. وكلنا يعلم أن ابن علي لم يحكم بالحزب بل حكم بالأجهزة للقمع المادي وباليسار للقمع المعنوي سواء في مجال ما يزعم إصلاحا تربويا أو ثقافيا أو خاصة دعاية لما يسمى بالحداثة والثورة الهادئة.
وادعاء أن الحزب الذي كان حاكما فاسد لا يكفي حجة لأن ما فيه من فساد لا يخلو منه أي حزب ولا أي تنظيم وعلينا أن نترك الماضي فلا نعمم بل نقاضي بالقانون العادل الفاسدين ثم نسعى ما أمكن السعي لنعيد بناء الطبقة السياسية من جديد مستثنين منها الفاسدين في كل الأحزاب والتنظيمات وليس في الحزب الذي كان الحكم يجري باسمه.
النخبة التربوية:
لا بد من تحرير المنظومة التربوية من الرتابة والتقليد وتسلط النخب اليسارية المتطرفة التي أخضعت كل شيء للإيديولوجيا فحولت المؤسسات التربوية إلى أداة صراع عقدي بدلا من أن تكون رافعة التقدم الاقتصادي والاجتماعي ليس للأفراد فحسب بل للأمة. والحل هو في استشارة وطنية يعالج فيه الملف التربوي من منطلقين أساسيين:
كيف تكون التربية بمقتضى وظيفتها الأداتية قاطرة الإبداع العلمي والثقافي والإبداع التقني والاقتصادي حتى تحقق شروط الاستقلال الروحي والمادي.
كيف تكون التربية بمقتضى وظيفتها الغائية مهد التنشئة الاجتماعية والحضارية للإنسان التونسي الذي ينبغي أن يكون إنسانا حرا مؤمنا بقيم أمته وما فيها من كوني يسهم في شروط الأخوة البشرية ولا يذوب في النماذج الأجنبية.
النخبة الاقتصادية:
لا بد من تحرير النظام الاقتصادي من التبعية لمن استحوذ على مقدرات الدولة ولمن جعلوا الدولة تابعة له من القوى الأجنبية وذلك هو سر كل فساد طرأ على اقتصاد الأمة ونخبها الاقتصادية. وهذا أيضا يقتضي استشارة وطنية لكل النخب الاقتصادية مع ممثلين عن رأس المال والعمال وأصحاب المبادرة الاقتصادية وممثلين عن المستهلكين وعن المصلحة العامة لنفس الغايات الواردة في كلامنا على النخبة التربوية.
النخبة الثقافية:
إذا كانت النخبة الاقتصادية مدخل التبعية الممكن في مجال مصالح الأمة المادية فإن النخبة الثقافية تمثل مدخلا ممكنا في مجال مصالح الأمة الروحية. ومن ثم فدورها أخطر من دورها. فهم حماة القيم والهويات وقد يكونون حصان طروادة. لذلك فلا بد من حوار وطني شامل لكل المسهمين في الإبداع الرمزي على مثال الحوار المتعلق بالإبداع المادي. فكلا الإبداعين يمثل مادة العمران ومن ثم فهما جوهر قيامه. ولا يمكن للثورة أن تكون ثورة بحق إذا تركت هذا المجال سائبا ولم تعتبره مصدر كل القيم بما فيها منزلة القيم بمعناها الاقتصادي: إذ إن هذه القيم (التبادلية والاستعمالية) تتحدد بتلك القيم (التي لا مساومة عليها وليس مما يمكن التصرف فيه لأنها عين جوهر الإنسان وحريته لدورها في تقوم ذاته).
النخبة العامة:
أعني كبار المبدعين في أي مجال كان وخاصة كبار المبدعين لرؤى العالم والقيم الأسمى في المجال المعرفي والخلقي والجمالي وأساس كل القيم أي الإيمان بالحرية والمتعاليات المطلقة. وهذه هي النخبة التي أصبحت شبه معدومة بحكم ما أخضع له نظام الانتخاب الثقافي من سلطانين عاتيين يقتلان كل إبداع مستقل. فقد أبعدت القلة التي يمكن أن تمثل ثقافة الأمة وقيمها الإنسانية بمفعول القمعين السياسي والثقافي:
والأول يسلطه النظام السياسي وزبانيته.
والثاني بسلطة النظام الثقافي وعضاريطه.
والأول ينتخب من يبرر طغيانه ويلغي كل من عداهم حتى إن بيت الحكمة لم ينتخب مجلسها العلمي لمدة أربعة عقود بسبب السعي إلى إلغاء من تعذر إلغاؤهم دون فضيحة عالمية.
والثاني لا يقبل إلا بما يرضي أسيادهم في الساحة الثقافية الفرنسية التي يتصورونها ممثلة للكلي الإنساني ظنا منهم أن العقلية اليعقوبية يمكن أن تكون حداثة فضلا عن أن تكون فكرا عقلانيا.
المهم ألا يقطف ثمرة الثورة أعداء الثورة: فالتركيز على الحزب الحاكم مهرب وجده الفاسدون في كل المؤسسات الأخرى لتوجيه الأنظار عن الأدواء الحقيقية التي تنخر كيان التربية والثقافة والاقتصاد والمؤسسات الاجتماعية. ذلك أن الحزب الذي يتهم بكل الشرور لم يكن إلا ظرفا خاويا ويكفي أن ننظر في كل إيديولوجيي المرحلة المسماة بمرحلة التحول حتى ندرك أنهم جميعا من خارجه وأنه كان شماعة لا غير: ولعل أكبر الأدلة قفز الفئران الحاليين من السفينة إذ غرقت. وأقول هذا من منطلق المبدأ القائل: إن العلاج لا يكون إلا إذا توجه الدواء حيث يوجد الداء. والداء ليس في الحزب الذي مات منذ أكثر من أربعين سنة. توجيه الاتهام للحزب خطأ فادح يبعد الشبهات عمن حكم ابن علي بهم من المثقفين المشبوهين الذين فرضوا على الدولة والحزب طيلة العقدين الأخيرين.
ولأول مرة يمكنني أن أشير إلى أني قد استقلت منه -في شبابي-يوم سمعت شماتة المرحوم بورقيبة في العرب خلال هزيمة 67. لكني مع ذلك لا زلت أومن بأن الكثير من أبناء هذا الحزب وخاصة في مستوياته الدنيا وفي قياداته التاريخية هم أقرب إلى الشعب وطموحاته من الكثير من الذين يدعون الكلام باسمه حاليا لأنهم على الأقل بنوا الدولة الحديثة دون أن يجعلوا ذلك مستندا إلى اللقاطة الحضارية والثقافية. وعلى كل فلا يمكن لأحد أن يدعي أنه من الشرفاء وكبار الحي أحياء.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |