معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في معنى حماية الثورة

د. مصدق الجليدي

 

طرحت هذا السؤال في الأيام القليلة الماضية على بعض الأصدقاء الأعضاء في لجنة من لجان حماية الثورة التي بعثت في طول البلاد وعرضها وإن تحت مسميات مختلفة. فاحتار البعض في فهم الحاجة إلى طرح هذا السؤال من منطلق الشعور الخادع بوضوح هذه المسألة وبديهية معناها، واعتبره البعض الآخر مضيعة للوقت على حساب التخطيط العملي للفعل الميداني اليومي، ولم يدرك مغزاه إلا قلة قليلة من هؤلاء الأصدقاء. فأما الذين يظنون المسألة في غاية الوضوح فيلخصونها في المضي قدما في مطلب إسقاط الحكومة ومخالفة كل قراراتها وتعطيلها مهما كانت درجة صوابها، باعتبار أن ما بني على باطل- تركيبة الحكومة الحالية وخلفيتها السياسية ذات العلاقة الأكيدة بالنظام السابق ورموزه وآليات عمله- فهو باطل. فتكون المهام اليومية هي طرد كل المسؤولين الجهويين والمحليين المنصبين، من وال ومعتمد وعمدة ومدير ديوان ومدير جهوي وإمام مسجد وإمام خطيب...الخ. وأما الذين يرفعون شعار التوجه العملي وترك "المسائل النظرية" فإنهم يتقاطعون مع أصحاب التوجه السابق وربما يزيدون عليه مهام أخرى من نوع تكوين لجان تستقبل المواطنين الطالبين للشغل أو المشتكين من مظالم النظام السابق أو الداعين إلى تفعيل الهيئات والجمعيات والمنظمات المعطلة أو إلى بعث هياكل حرموا منها في النظام السابق كالدوائر البلدية أو الجمعيات الرياضية أو الثقافية أو غيرها.

        وفي الحقيقة أن كل هذه المسائل لا تمثل إلا بعض مظاهر حماية الثورة ولا تستغرق معناها الكامل، بل لا تعدو أن تكون، على أهميتها، إلا الجزء الأيسر والأبسط منها. فبالتأكيد أن الاعتراض على تنصيب ولاة تجمّعيّين خدموا النظام السابق وبعقلية هذا النظام نفسه أمر مشروع بل مطلوب وواجب، وقد شجعنا عليه وساهمنا فيه، كما شجعنا على إسقاط حكومة التجمع وحلفائها من اليسار الانتهازي – وليس كل اليسار انتهازيا- وساهمنا في زعزعة بعض أركانها-مثل وزارات السيادة- بمشاركتنا في اعتصام القصبة الشهير، كما أن التعجيل بتكوين ملفات طلبات الشغل وملفات التظلّم من الفساد وملفات بعث الجمعيات والدوائر البلدية والإسهام في حل بعض المشكلات الحيوية العاجلة باستثمار الزخم الثوري الشعبي، كل هذا أمر طيب ومشروع، ولكن مفهوم حماية الثورة مفهوم يتجاوز كل هذه الوظائف الشعبية تجاوزا لا يقل عن تجاوز مفهوم الثورة ذاته لمعنى هدم أركان النظام السابق من خلال رموزه الظاهرة، إلى السعي نحو تقويض رموزه الخفية وآلياته الخفية (المخططات المافيوية الجهنمية لمهندس انقلاب السابع من نوفمبر الهادي البكوش ومهندس الانقلاب القادم على ثورة 14 جانفي – لا سمح الله- كمال مرجان والصهاينة والاستعماريين من الفرنسيس والأمريكان وشياطين الإنس والجان)، وتجاوزه لمجرد ردة الفعل بصفة عامة على ما تأتيه هذه الحكومة المشبوهة من أعمال مستفزة لمشاعر الجماهير (الخطابات الخشبية الماقبل ثورية: الوزير المخلوع أحمد ونيس نموذجا، والتمادي في تجاهل أجندة الثورة ومعياريتها الأخلاقية السياسية في عملية اختيار الولاة والمسؤولين الجهويين...الخ) إلى الانتباه كذلك إلى ما يتجاوز هذه الحكومة ذاتها من فوضى أمنية ومؤسسية واجتماعية تتسبب فيها ميليشيات التجمع وأبناء بن علي المسلحين والمأجورين الذين يريدون الانتقام "لأبيهم" المطرود من السلطة، على حد تعبير بعضهم، وربما كذلك بقايا مليشيات الطرابلسية، وكل أصحاب المصالح غير الشرعية المهددة بفعل الثورة واستحقاقاتها. نعطي مثالا على الفوضى المؤسسية التي تتسبب فيها مختلف هذه العصابات هو تعطيلها لعملية استئناف الدروس في مختلف مستويات المؤسسة التربوية النظامية من إعداديات ومعاهد وجامعات، بإثارة الفوضى والبلبلة وترويج الإشاعات ومهاجمة بعض هذه المؤسسات. فيكون معنى من معاني حماية الثورة هنا بإقناع أبنائنا التلاميذ والطلبة بضرورة العودة إلى الدراسة والانخراط فيه بشكل عادي (انظر النداء الذي وجهته إليهم في الفايسبوك  تحت عنوان " من الثورة على الجهلوت إلى الثورة على الجهل") وذلك حتى نفند الزعم الباطل والوهم الخادع بأنه لا يمكن أن يسير شيء على ما يرام في غياب بن علي ونظامه. وقس على ذلك سائر الأعمال في مختلف المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية. أن يتحول أعضاء لجان حماية الثورة إلى هذه المؤسسات على عين المكان ويخطبوا في العاملين بها ويوزعون عليهم المناشير لتوعيتنهم بضرورة العمل على تجنيب البلاد مزيدا من الخسائر الاقتصادية تقوية لقدرتها على الاستجابة لمختلف المطالب الاجتماعية، وتنظيم حركتهم المطلبية بصيغ نقابية منظمة عوض التهديد الفوضوي بشل حركة هذه المؤسسات، هذا أيضا من مهام هذه اللجان وفيه معنى ساميا من معاني حماية الثورة من نفسها ومن أعدائها. وفي نفس السياق على لجان حماية الثورة ترشيد التوجه المطلبي الشعبي حتى ينزه عن الحسابات القبلية والجهوية والفئوية الضيقة. فهل من المعقول مثلا ما ينادي بعض أبناء الحوض المنجمي -سامحهم الله- بأن يستبقى نصف عائدات هذا الحوض لصالحه؟ ومن أين ستوفر المرافق الضرورية والبنيات التحتية للجهات التي ليس فيها لا مناجم ولا مصانع ولا فلاحة كبرى ولا سياحة؟ المفروض أن جهة قفصة على سبيل المثال تنتفع من عائدات الحوض المنجمي ومن عائدات القطب الصناعي بقابس وببنزرت وبن عروس ومن عائدات ديوان الزيت وغيرها من الموارد الاقتصادية الوطنية مثلها في ذلك مثل أي جهة، من منطلق مشاركة وعدالة اجتماعية وطنية وليس من منطلق إيثار النفس جهويا، على أن تراعى في هذه المرحلة-التي قد تطول لسنوات قادمة- ما عانته هذه الجهة والجهات المماثلة كسيدي بوزيد والقصرين وقبلي وغيرها من الجهات الداخلية من حرمان طوال فترة حكم البايات وحكم بورقيبة وبن علي. ولذا ليس من المعقول أن يقوم بعض أبناء الحوض المنجمي بقطع السكة الحديدية وتعطيل تدفق الفسفاط إلى المركب الكيمياوي بقابس حتى يستجاب للمطلب المذكور آنفا، فتخسر البلاد مآت المليارات كان بالإمكان أن يحل بها عدد لا يستهان به من مشكلات المحرومين في محتلف الجهات، لا لشيء إلا لتلبية مطلب ليس فيه مراعاة للروح الجماعية وليس فيه احترام لمبدإ الوحدة الوطنية ولمعنى الدولة الحديثة التي توزع الثروة بشكل عقلاني وعادل على كل جهات البلاد كما نأمله من الدولة التي نريد بناءها بمفعول هذه الثورة المباركة. وما ذكرناه هنا ليس إلا مثالا واحدا من بين عشرات الأمثلة على العبثية المطلبية التي برزت في بعض جهات البلاد. ويمكن أن نضيف لمزيد إيضاح فكرتنا مثالا آخر بلغنا عن إحدى معتمديات ولاية قابس التي قرر بعض مواطنيها طرد كل إطار التدريس من معلمين وأساتذة ممن ليسوا من أبناء تلك المعتمدية. وهذا لعمري أمر في غاية الخطورة ويمثل تهديدا صارخا لمعنى الوحدة الوطنية وإثارة جديدة كريهة للنعرات القبلية والجهوية النتنة المنتنة. فيكون من معاني حماية الثورة إذن، إضافة إلى معانيها السابقة، هو توعية الشعب بالكيفية المثلى لاستثمار زخمه الثوري وما حققه على أرض الواقع من افتكاك جزء هام من سلطة القرار، وتوعيته بضرورة الحفاظ على مكتسبات المجتمع التونسي والدولة التونسية من روح حديثة ونهج عقلاني في معالجة المشكلات التي تواجهه.

وبمثل هذه المبادرات التي يمكن أن تتم بالاتصال المباشر والاجتماعات أو عبر الفايسبوك أو الحوارات التلفزية –التي يجب أن تفتك فيها مساحة هامة لتبليغ صوت حماية الثورة-  أو المقالات الصحفية، نكون قد خرجنا بمعنى حماية الثورة من مجرد منطق ردة الفعل إلى منطق المبادرة، ونكون قد حمينا الثورة من أعدائها كما نكون قد حميناها من نفسها ومن أبنائها.

هذا على مستوى الجهات، أما على المستوى الوطني، فإن الثورة لن تكون فعلا ثورة إذا لم تفلح في تحقيق أمرين، هما: صياغة دستور جديد يقطع مع كل جذور الاستبداد وشروط إعادة إنتاجه وبناء نظام برلماني يقطع هو بدوره الطريق من أمام كل عودة للاستبداد الذي يؤول إليه ضرورة النظام الرئاسي في العالم العربي. فتكون حماية الثورة هنا بإحباط مخطط لجنة الإصلاح السياسي المركبة من مجموعة من الفنيين القانونيين ذوي التوجه العلماني الأصلاني الفرنكوفوني التغريبي. وبفرض مشاورات وطنية موسعة ممثلة لكل الأطراف السياسية والمدنية. وليس هنالك من شكل أرقى وأسلم لذلك من انتخاب مجلس تأسيسي يسهر على تأطير وتمثيل تلك المشاورات ديمقراطيا. فالسياسي والفكري الذي يسنده يسبق القانوني والفني وليس العكس، كما هو جار الآن باطلا. هذه هي المهمة الأسمى في نظرنا لحماية الثورة ولكنها لا تتحقق إلا إذا ما ارتقت اللجان الجهوية لحماية الثورة إلى مستوى حل خلافاتها الداخلية ثم العمل على التنسيق فيما بينها لتكوين لجنة وطنية عليا لحماية الثورة تكون مخاطبا رئيسيا لحكومة تصريف أعمال تتعاون معها على إجراء انتخابات المجلس التأسيسي، بالتوازي مع كل معاني حماية الثورة التي سبق أن شرحناها بما في ذلك تعطيل مكائد أعداء الثورة في الداخل والخارج بكل السبل الثورية الشرعية المتاحة.

أخيرا لا ندعي أننا قد ضبطنا هنا كل معني حماية الثورة، وذلك لسببين: أولهما أن هذا المعنى لا يضبط ضبطا وافيا إلا بشكل جماعي منظم، وثانيهما أن الثورة تواجهها كل يوم تحديات جديدة تتطلب التعاطي معها بكل يقظة وفطنة، وهو ما يجعل من مفهوم حماية الثورة مفهوما مفتوحا متطورا بتطور المهام التي تطرح على هذه الثورة. فلا يكون ما ذكرناه هنا إلا بعض دلالات حماية الثورة وبعض توجهاتها التي تستشف منها فلسفة الحذر الشامل الآني والاستشرافي، إزاء الآخر المعادي وإزاء الذات المخاصمة.

 "ولولا دفع الله الناس بعضهم بعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين". صدق الله العظيم. فلنحذق قانون التدافع حتى لا يدفع بنا خارج عملية بناء مستقبل ديمقراطي أصيل لوطننا العزيز.

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي