
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
في نقد المنطق التقليدي
عبد الرحمن كاظم زيارة**
تصدير..
في دراستنا الاخيرة للمنطق والتي وضعناها في كتابنا الجديد " مبادئ المنطق الموحد" وجدنا ان الناحية اللغوية مسؤولة عن الكثير من السقطات العلمية في المنطق التقليدي . فاللغة هي الوعاء للفكر، والتفكير يستند الى الوعي ، ولايكون الوعي صائبا مالم تكن اللغة غنية غنىً كافيا لاستيعاب كل فكرة ،ومفهوم ، ومصداق .. وان يكون بناؤها بناءا منطقيا . ان المنطق الرياضياتي حيّد هذه الناحية اللغوية باعتماده الرمز بديلا عن المفردة اللغوية ،ولهذا التحييد خطورته بمكان اصبح المنطق منتجا في معظم نواحي الحياة ومنها التطبيقات التكنولوجية والكهربائية والهندسية ..وغيرها. ولابد من الاشارة هنا الى ان مصادر المنطق التقليدي وهو المنطق الارسطي كما هو معروف نقل الى العربية من قبل اناس ليسوا عرب ، فكانت ترجمتهم لاتخلو من اعتلال منطقي وهونتيجة طبيعية لسطوة اللسان الاعجمي على تفكيرهم وهم يترجمون ارسطو . ومعروف ان بين اللغة العربية والمنطق مشابهة ومناسبة بحيث لايمكن لاحدهما ان ينفك عن الآخر .. وسنترك الكلام في العلاقة بين اللغة والمنطق الى مساهمة مستقلة في وقت آخر .. ولنشرع بملاحظاتنا النقدية للمنطق التقليدي.وسوف لن أشير الى مصادر الامثلة والمقولات في عرض الملاحظات النقدية لسبب بسيط ان الغالبية العظمى لكتب المنطق التقليدي هي نسخ متكررة لكتاب واحد ، ويصل التناص بينها الى حد جملة القاعدة والمثل ،فكلها ترد بالالفاظ ذاتها ، فلاتجد كتابين مختلفين الا في التوسع والاختصار .
(1) كم القضايا
يُعرّف "كم القضية " بأنه عدد أفراد الموضوع وينقسم الى : كم كلي ، وكم جزئي . فالكم الكلي يعبر عنه بالفاظ مثل : كل ، جميع ، ... اما الكم الجزئي فيعبرعنه بلفظة" بعض " في الاغلب لتعني الواحد . وهذا أمر مسلم به بقدر تعلق الامر بالفاظ الكم ؛ الكلي والجزئي .نحو (كل إنسان حيوان ) قضية كلية ، و( بعض المعدن ذهب ) قضية جزئية . ويتداخل كم القضية تداخلا مشوشا مع مفهومين آخرين هما : الكلي ، والجزئي . فالمفهوم الكلي له اكثر من مصداق ، اما المفهوم الجزئي فليس له اكثر من مصداق . والمصداق هو الموجود خارج ذهن الانسان . ومصدر التشويش هو في مفهوم الجزئي الاضافي الذي يقع بين المفهوم الكلي والمفهوم الجزئي . فالمفهوم الجزئي يمثل تلفيقا لتبديد الحيرة بين اعتبار مفهوم ما جزئيا بالنسبة الى مفهوم كلي فوقه ، واعتباره مفهوما جزئيا اضافيا بالنسبة الى مفهوم جزئي ادنى منه. ولانريد هنا إيراد الدفوعات التي يقدمها مروجوا المنطق التقليدي بالتمسك بهذه المفاهيم وكأنها مقدسة ، لأنها غير نافعة وغير صائبة ايضا . فليس من التبرير العلمي القول ان " القلم " مفهوم جزئي تارة ، ومفهوم كلي تارة أخرى ، ففي التارة الاخرى هو جزئي اضافي .
وما دمنا نتكلم عن أفراد الموضوع في القضية ، فأننا ببساطة يمكن ان ننحي جانبا المفهوم الكلي والمفهوم الجزئي ونركز اهتمامنا على انتماء الموضوع للمحمول . فالقضية تكون صادقة اذا كان الموضوع ينتمي الى المحمول . بمعنى ان الموضوع عنصرا في المحمول ، وبهذا يكون المحمول المجموعة الكلية(= الشاملة ) بالنسبة للموضوع . مثلا لدينا مجموعة المعادن التالية : الذهب ، الفضة ، الحديد ، الالمنيوم .فهذه عناصر (=افراد) تنتمي الى المحمول الذي هو " المعدن" والمعدن هو المجموعة الكلية . فنقول : الذهب معدن . الحديد معدن . وهكذا .كما يمكن ان يكون الموضوع " مجموعة جزئية " من المحمول . بمعنى ان المجموعةالجزئية محتواة في المحمول ، كقولنا ( الذهب والفضة معادن ) . وبطريقة اوضح لو صنفنا المعادن الى : فلزات ولافلزات وسردنا عناصر كل صنف ، فنضع الفلزات في هيئة مجموعة بسرد عناصرها ونقول عنها انها معادن ، بمعنى انها محتواة في المعادن ،وبكلمات أخرى نقول انها مجموعة جزئية من المعادن .
ولاتتيح لنا تقنيات موقع الحوار المتمدن ادوات تسمح لنا بكتابةالرموز او الاشكال التوضيحية لكي نوضح ذلك للقارئ الكريم .
ويظهر الاعتلال المنطقي لـ "كم" القضايا في المنطق التقليدي في القضايا السالبة ... حيث تقسم القضايا باعتبار " كيف " القضية الى موجبة وسالبة . فالموجبة ماكان محمولها يثبت لموضوعها ، وفي السالبة يرتفع هذا الثبوت . وتعرّف القضية السالبة بأنها مسلوبة الحمل وتكتب عادة مثلاعلى النحو ( الانسان ليس بنبات ). ونحن نقبل تعريف القضية السالبة على انها " سلب الحمل " كما ترد في كتب المنطق التقليدي ،لأنها تتفق مع اللسان العربي تماما ، كما تتفق مع الترميزات اذا اردنا اعتماد الرموز في تصنيف انواع القضايا ، وهوبشكل ما يتفق مع الصيغ الرياضياتية المعتمدة في المنطق الرياضياتي . ولكن التعبير عن القضايا السالبة المكممة في الامثلة على القضايا في المنطق التقليدي فيه تنكر ونكوص عن تعريف القضية السالبة . فالتعريف أياه تجده عند عرض حيثيات ونواحي القضية الحملية . فمثلا يعبرون عن القضية الكلية السالبة بوضع اداة السلب امام " كم القضية " وليس أمام المحمول كما هو في الحملية . ويضربون مثلا شائعا عندهم وهو ( لاشئ من الانسان بنبات) حيث يعتبرون اللفظ " لاشئ" دالا على القضية السالبة الكلية ، وهذا خطأ فادح للاسباب التالية :
ـ ان شئ تشير الى المفرد وهو ليس بكلي .
ـ ان السلب لم يقع على المحمول وهذا يخالف تعريف القضية السالبة .
ان الصيغة الصحيحة للقضية الكلية السالبة يجب ان تكون ( كل انسان ليس بنبات ) فهذه كلية سالبة ، لسلب محمولها عن موضوعها : سلب النبات عن الانسان ، اي انهما متباينان لاعلاقة انتماء او لاعلاقة احتواء ، او لاعلاقة انتماء بعض دون بعض بينهما .
ولحل هذا المشكل نقول ان سلب القضية يتطلب بالواجب سلب الحمل ،ما يعني وجود اداة السلب أمام المحمول ، فاذا اردنا تحويل القضية الكلية الموجبة ( كل انسان حي)الى قضية سالبة فهذا يعني وجود العبارة ( ... ليس بحي ) وهذا السلب يتطلب تغيير الكم فتكون القضية ( ليس بعض الانسان ليس حي ) بمعنى لايوجد انسان ولو واحد له هذه الصفة : لاحي . وهي قضية سالبة جزئية : سالبة لأن وضع اداة السلب " ليس" كان أمام المحمول . وجزئية لأن " بعض" لفظ يدل على الكم الجزئي .مع ملاحظة امكانية كتابة القضية السالبة ولاسباب لغوية على النحو (ليس بعض الانسان بلاحي ) .ولندع الان الفرق بين ( ليس حي ) التي تشير الى القضية السالبة و( لاحي) التي تشير الى القضية المعدولة المحمول الى مطالعة أخرى من هذه الملاحظات .
لنعد الى القضية ( لاشئ من الانسان بنبات) .. التي يعدها مروجو المنطق التقليدي بأنها وما كانت على شاكلتها كلية سالبة ونسأل عن أصل القضية ، وأصلها يجب ان يكون صائبا وهي (كل انسان ليس بنبات ) فكيف يكون سلبها ؟ يكون ( بعض الانسان نبات ) وهي خاطئة .واذا كان الاصل هو ( كل انسان نبات ) فهي خاطئة فسلبها يعيدها الى الصواب لتكون ( بعض الانسان ليس بنبات) . ومن هذه المفارقات يظهر لنا الاعتلال المنطقي لهذا المثال وسواه من الامثلة المماثلة، والتي :
ـ تنقلب على تعريف القضية السالبة .
ـ تفتعل نسبة بين الموضوع والمحمول ليس لها وجود ، فتسلبها .
ونجد ان قواعد القياس التي ترد في كتب المنطق التقليدي تقوم في معظمها على هذا الاعتلال ، لذا لايمكن تقبلها .وسيأتي في مطالعة أخرى .
ودون الخوض في احكام مسبقة على التجربة لنكتب امثلة حسية لتمهد الى الاحكام والقواعد ذات الصلة بسلب القضايا المكممة :
ـ ( كل انسان حيوان ) كلية موجبة .
ـ ( كل انسان ليس بجماد) كلية سالبة.
_ ( بعض الغزال حيوان) جزئية موجبة .
ـ ( بعض الغزال ليس بطائر) جزئية سالبة .
لذلك ان الصياغة الصائبة للقضية ( لاشئ من الانسان بنبات ) نكتبها بالصورة ( بعض الانسان ليس بنبات ) فهي ليست إلا ّ جزئية سالبة .
ولكن القضية ( لاشئ من الانسان بنبات ) قضية صائبة فكيف يجري تصنيفها باعتبار الكيف والكم ؟
سنجيب عن هذا السؤال باختصار وكالتالي : ان القضية المذكورة منفية ، ونفي المسورات له قواعد ومبرهنات اثبتناها في كتابنا المذكور ، فالقضية اياها في صيغتها المذكورة هي " لحظة " صيرورة لابد ان تؤول الى صيغة مستقرة . فثمة فرق كبير بين سلب القضية المكممة ونفيها .
(2) السلب والعدول وغياب النفي
تقسم القضايا الحملية باعتبار تحصيل طرف او عدوله الى محصلة ومعدولة . وان التحصيل والعدول حالات لكل من الموضوع والمحمول .وعندما يكون طرف ما من القضية " محصلا " فهو يدل على شئ موجود ، أما عندما يكون الطرف معدولا ، فمعنى ذلك دخول حرف السلب على وجه يكون جزءا من الطرف المعدول ، وو يدل ايضا على وجود شئ بصورةمعدول. نحو " لا إنسان بنبات " قضية معدولة الموضوع ومحصلة المحمول . و( لا إنسان لاحي ) معدولة الطرفين. و( الانسان لاجماد) محصلة الموضوع ومعدولة المحمول . ويهمنا هنا بعد هذه التوطئة التعريفية للعدول ، هو الفرق بين القضية السالبة والقضية المعدولة المحمول .
عادة تستخدم الاداة ( ليس) في القضايا السالبة ، وتستخدم كلا من ( لا) و(غير ) في عدول طرف القضية . وكل الادوات المذكورة هي ادوات سلب بحسب المنطق التقليدي . وهذا أمر فيه نظر كما سنرى . فلوكانت هذه الادوات هي ادوات سلب فما الذي يوجب وجود العدول أصلا ، خاصة عندما تكون القضية الحملية معدولة المحمول ؟ وما الذي يوجب الفرق بينهما ؟ .
ان تصنيف القضايا الى محصلة ومعدولة في تقديرنا هوتصنيف لادوات السلب المذكورة ، وهو تصنيف لغوي محض لايتمخض عنه فرق منطقي . ومع ذلك يصر مروجو المنطق التقليدي على وجود الفرق بين الاثنين من جهة المعنى فأن المقصود بالقضية السالبة هي القضية المسلوبة المحمول نحو ( بعض الانسان ليس بكاتب) .اما القضية المعدولة المحمول فتعني حمل السلب على وجه يكون فيه السلب جزء من المحمول . نحو ( بعض الانسان لاكاتب) . ولو دققنا بالفرق بين (ليس بكاتب) و( لاكاتب) من حيث القيمة المنطقية فلانجد فرقا ، ولكن لو أعدنا التدقيق من حيث تصنيف الانسان على مبدأ للتصنيف أساسه ( كاتب ) فنجد ان المحمول بوصفه مجموعة شاملة يحتوي مجموعتين جزئيتين : الكتّاب ، واللاكتّاب . و( ليس كاتب ) تكافئ ( لاكاتب) ، كما في المثال . إلا ان هذا التكافؤ يسقط في أمثلة حسية أخرى ، نحو ( طلبة هذا الصف غير ناجحين) معدولة المحمول ما يعني ان الطلبة قد جرى تصنيفهم الى ناجحين وغير ناجحين ولكن سلب القضية في المثال لايؤدي الى ( طلبة هذا الصف ناجحون ) فقد يكون غير الناجح مكملا أو راسبا . وعلى هذا فأن معدولة المحمول لاتتكافئ مع السالبة دائما وباعتبار السالبة محمولها مسلوب .
ان مفهوم ( المعدولة ) يحيلنا الى مفهوم يغيب عن المنطق التقليدي وهو مفهوم ( الاتمام) وهي عملية أحادية تنتج متممها دائما . فمتمم ( اللاحي) هو ( الحي) . ومتمم(الانسان ) هو(اللا إنسان ) وبالعكس . والخلاصة ان العدول تصنيف لغوي وليس منطقي .
يساق فرق آخر بين المعدولة المحمول والسالبة وهو وضع ما يسمى بـ ( الرابطة ) في القضية الحملية . ويقصد بالرابطة الضمير المستتر (هو) ، وهو أمر طارئ على اللغة العربية قال به من يكتب في اللغة العربية ويفكر بغيرها . نحو ( الحديد معدن ) فتقدير الرابطة فيها كما يرد في المنطق التقليدي ( الحديد ـ هو ـ معدن )، وهذا ليس بالتقدير اللغوي الصائب ولا هو بالتقدير المنطقي الصائب . أما من الناحية اللغوية لايستخدم الضمير هو في مثل هذه الحالات كما هو معروف ، ومن الناحية المنطقية فهذا التقدير يتناقض مع قانون الهوية وهواحد قوانين الفكر الثلاثة التي يستند اليها علم المنطق منذ أرسطو . فالقول ( ب هو ب ) أي أن هوية الشئ هو الشئ ذاته . ويتضمن هذا التعريف : المساواة والتطابق من كل الوجوه . الامر الذي يصطدم مع القول (الحديد هو معدن ) لانتفاءالمساواة بين الموضوع والمحمول ، بل القول الصائب يتخذ احد الاشكال التالية : ( الحديد معدن من المعادن ) ، ( الحديد ينتمي الى المعدن ) ، ( الحديد عنصر في المعدن ) .
ويترتب على ما يُدّعى أنه رابطة في القضية الحملية ، خطأ آخر وهو أختلاف ( وضع ) الرابطة بالنسبة لاداة السلب في معدولة المحمول والسالبة . فيقولون أن ( المعدولة تجعل الرابطة فيها قبل حرف السلب لتدل على حمل السلب ) نحو ( بعض الانسان هو لا نبات ) ،( والسالبة تجعل الرابطة فيها بعد حرف السلب لتدل على سلب الحمل ) نحو ( بعض الانسان ليس هو نبات ) . ان الرابطة " هو" لاموضع لها في المعالجات المنطقية، فالفرق المساق على هذا النحو ملفق بطريقة غير منتجة وينم عن اعتلال في وعي اللغة .
ان هذا الاعتلال اضطر بعض الكتاب الى القول في مباحث النقض بأن ( الموجبة المعدولة المحمول تُحوّل الى سالبة محصلة المحمول .. لأن مؤداهما واحد.. وان سلب السلب إيجاب ..) ! وقد توصلوا الى هذا النتيجة عندما شرعوا ببرهان قواعد النقض وهذا أمر نوافق عليه لاسباب منطقية أخرى غير التي تذكر في المنطق التقليدي وهي اسباب ممتحنة في المنطق الرياضياتي . إذن مالداعي المنطقي لمبحث العدول اصلا ؟ .
اننا بهذه الملاحظة لانطالب برفع عبارات من قبيل " لا إنسان .." و" ... لامعدن " واضرابها من الامثلة التي تساق في المنطق . ولكن نلفت الانظار الى أن العدول هو أمر لغوي محض ، وبذات الوقت أمر يتعلق بتصنيف المجموعات وتكون معالجته عبر عملية الاتمام كما قلنا .
مرة أخرى يثير غياب مبحث النفي والاكتفاء بمبحث السلب في المنطق التقليدي إشكالات عديدة ، تظهر جلية في القضايا المسوّرة ، اي القضية التي تظهر فيها لاالفاظ الكم ( الكم هو سور القضية ) .
ان نفي القضية المسورة يؤدي الى تغيير السور ويغير كيف القضية ، والعدول هو تعبير لغوي آخر للسلب . هذا ما نعتقده ،وهذا ما اثبتناه في محله .لذا فأن :
ـ نفي القضية الكلية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئية الموجبة .
ـ نفي القضية الكلية السالبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الجزئية السالبة . (ههنا لدينا ثلاثة عمليات : النفي، السلب ، العدول) .
ـ نفي القضية الجزئية الموجبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية الموجبة .
ـ نفي القضية الجزئية السالبة المعدولة المحمول يكافئ القضية الكلية السالبة .
ان عملية النفي لاتحوّل عدول الموضوع الى موضوع محصل، وهكذا يمكن الاستمرار في استخراج بقية القضايا المسورة في احوالها الاخرى ..
(3) النسبة
تطرقنا الى مبحث النسبة في مطالعة سابقة ، من منطلق تقديرها اللفظي في المنطق التقليدي بالضمير المستتر (هو ) . وقلنا ان ذلك يتنافى وقانون الهوية (ب هي ب)، بينما المراد في القضية الحملية إن ( ب هو حـ ) ، فلايصح عندئذ القول ان النسبة بين الموضوع والمحمول في القضية الحملية تعني ( ان هذا هو ذاك) في الايجاب و( ان هذا ليس ذاك ) في السلب .
وفي هذه المطالعة نتناول ( النسبة ) من منطلقات أخرى يعتمدها المنطق التقليدي ، بالنقد والتقريض والتقويم . إذ وجدنا ان مفهوم النسبة غير محدد وفيه من الارباك الذي يضيع المقصود منها على وجه الدقة .
ان تعريف النسبة بين طرفي الحملية بأنه (( إتحاد الطرفين )) يلزم عنه تطابق الطرفين. فكيف يكون التطابق بين الغزال والحيوان ؟ وبأي معنى يكونا متحدين ؟ فإذا كان القصد من اتحادهما اشتراكهما في التقسيم أو في الصفة أو في الخاصة فهذا لايعني التطابق ، كما أنه لايعني الاتحاد . ذلك ان الاتحاد عملية ينتج عنها ضم عناصر او مجاميع الى بعضها لتكون مجموعة أخرى . فالغزال فرد ينتمي الى جنس الحيوان ، فأين الاتحاد هنا . ولكن لو صنفنا الحيوان الى : يبيض وآخر يلد ، فهذان عنصران ينتج عن اتحادهما مجموعة الحيوان الشاملة لكلا الصنفين . والامر كذلك اذا ما اعتبرنا الصنفين هما مجموعتين جزئيتين وان اتحادهما يشكل مجموعة اشمل هي مجموعة الحيوان . ونخلص الى ان تعريف النسبة بين الموضوع والمحمول على أنه اتحاد لهما يتضمن تصييرهما طرفا واحدا وبالتالي فأن النسبة تنتفي بينهما . وثمة بديل يلغي هذا الاعتلال سنوضحه في هذه المطالعة.
ويرد مبحث النسبة في المنطق ضمن مباحث المفاهيم الكلية على اعتبار (( أن النسبة تكون بين مفهومين كليين )) . ولقد علمنا ان المفهوم الكلي ما كان يصدق على كثيرين ، وليس كذلك الجزئي فهو لايصدق على كثيرين بل يصدق على فرد لا أكثر . فلو دققنا الصلة بين تعريف المفهوم الكلي ووضع النسبة بين مفهومين كليين من ناحية ، وبين وضع النسبة بين مفهومين كليين و القضية الجزئية المقيدة بتعريف السور الجزئي والمفهوم الجزئي لظهرت تناقضات كثيرة . منها ان وضع النسبة المذكور يعني ارتفاع النسبة بين المفهوم الجزئي والمفهوم الكلي إذا وُضِعا بصفة طرفين في قضية حملية ، نحو ( زيد إنسان) فأن زيدا (جزئي) و(إنسان) كلي ومع ذلك فالنسبة قائمة بين زيد والانسان . ثم أن النسبة في القضية الحملية الموجبة والصادقة تفصح عن((ثبوت شئ لشئ )) كثبوت ( الانسان) لـ (زيد) ، بمعنى ان زيد الفرد الجزئي ينتمي الى المجموعة الكلية(= الشاملة ) التي هي ( الانسان) .
يحدد المنطق التقليدي ثلاثة نسب تتفق ومقولة(( ثبوت شئ لشئ)) ضمن مباحث الكلي وهي :
1ـ نسبةالمساواة : نحو المساواة بين ( الانسان ) و(البشر) ،والمساواة بين ( الانسان) و(الناطق). حيث ان المفهومين المتساويين لهما ذات المصاديق ،وان افرادهما غير مختلفي العدد .مثلا (الانسان ناطق) فعدد الانسان يساوي عدد ما هو ناطق . وبكلمات أخرى ان (الانسان ناطق) و( الناطق إنسان) .
2ـ نسبة العموم والخصوص مطلقا : فبالمقارنة بين ( العراق ) و(البلدان العربية ) ، نجد ان العراق ( أخص مطلقا) نسبة الى البلدان العربية التي هي ( أعم مطلقا) ، لذلك أن النسبة بين الموضوع والمحمول في القضية ( العراق بلد عربي) هي نسبة العموم والخصوص مطلقا .
ان مصطلحي ( الاخص مطلقا) و( الاعم مطلقا) يمكن معالجة ما فيهما من نحت غريب ونأيهما عن اللفظ الصائب والدلالة المباشرة ، بإبدالهما بالاصطلاح على الحالين فيهما ...وهما نسبة الموضوع الى المحمول ،ونسبة المحمول الى الموضوع .
ففي الاولى اذا كان الموضوع فردا من افراد المحمول فالنسبة هي ( علاقة الانتماء) او الوجود بنفس المعنى فالانسان موجود (=ينتمي) في المجموعة الشاملة التي هي مثلا " حي " فعند القول (الانسان كائن حي) نسبنا الانسان بصفته احد الكائنات الى الكائنات الحية . بمعنى ان الانسان ينتمي الى الكائنات الحية . هذا إذا واذا فقط وضعنا الانسان عنصرا في مجموعة أشمل هي الكائنات الحية التي تضم النبات والحيوانت الاليفة والحيوانات البرية والحيوانات المجهرية وكل الحيوانات التي تتنفس وتنمو وتتغذى وتتكاثر . واما اذا كان الموضوع هو مجموعة تضم عناصر معينة تعيينا جيدا وهي جزء من مجموعة أشمل فنسبة الموضوع الى المحمول هي ( علاقة المجموعة الجزئية ) فنقول مثلا ( مجموعة الزواحف مجموعة جزئية من الكائنات الحية) .
اما في الثانية فأن العلاقة تكون ( علاقة الاحتواء) وهي تفصح عن نسبة المحمول الى الموضوع فهذه النسبة في القضية ( الانسان حيوان) حيث ان (الحيوان يحتوي الانسان) ، بمعنى ان الحيوان مجموعة شاملة تضم في عضويتها الانسان ،ولايمتنع بالضرورة ان تحتوي كائنات أخرى .
ان مفهوم المجموعة يقدم معالجات لكثير من الاعتلال المنطقي في المنطق التقليدي . وأن المجموعة بمفهومها العام تضم أفرادا او عناصر لها خاصة او صفة مميزة تشترك بها كل العناصر ،الا انها مختلفة في ناحيةاو في وجه من الوجوه كمجموعة الزهور { القرنفل ، الجوري ، الياسمين ، ...} فكل زهرة من هذه الزهور عنصر في المجموعة وان وجود الزهرة المعينة فيها يبرره اختلافها مع الزهور الاخرى : ( القرنفل زهرة) ، ( الياسمين زهرة ) ، ...
3 ـ نسبة العموم والخصوص من وجه : وهي نسبة بين المفهومين اللذين يشتركان في عدد معين من المصاديق ، ويفترقان في مصاديق أخرى ...ان النسبتين المتقدمتين " المساواة والعموم والخصوص مطلقا" تشترك في خاصة واحدة وهي أن كل افراد الموضوع موجودة في المحمول. وفي هذه النسبة الامر مختلف فثمة أفراد للموضوع موجودة في المحمول ، وأخرى غير موجودة فيه . كالنسبة بين الطير والابيض .. الطير مفهوم كلي يضم في مجموعته " كل الطيور" ، و" الابيض" مفهوم كلي " يضم في مجموعته "كل الاشياء ذات اللون الابيض " . في هذه النسبة كما وجدنا يجب ان يكون الموضوع مسورا بالسور الجزئي فلايصح القول (الطائر أسود) لأن ذلك يدخل في علم السامع ان كل الطيور سوداء وهي ليست كذلك سوى الغراب فهوطائر أسود ، وثمة طيور بيضاء ، ومتعددة الالوان ، وترابية اللون ، وغيرها .
إذن إن هذه النسبة تصح بين مفهومين خارج ارتباطهما في القضية الحملية وليس فيها .ونضيف ان هذه النسبة لاتصح في القضية الحملية المجردة من السور وينبغي ان تكون في " الجزئية الموجبة" ، نحو ( بعض الطير أسود) إشارة الى الغراب . ( بعض الزهور أبيض) إشارة الى زهرة بيضاء كالقرنفل . ولقد تولينا معالجة منطقية لهذه النسبة باستخدام مفهوم المجموعة ودالة الانتماء . وخلاصتها : نحدد اولا العناصر غير المشتركة بين الموضوع والمحمول ، مثل ( الاحمر ) و(الزهرة) ولو على مستوى التصور ونحصر ،من ثم، العناصر المشتركة فتكون لدينا نسبة واضحة هي ( نسبة التقاطع) ومجموعة التقاطع بين الموضوع ( الزهرة) والمحمول ( الاحمر) هي مجموعة كل العناصر المشتركة بينهما فتكون : مجموعة الزهور الحمراء .(بعض الورد الجوري أحمر.
واللافت أن مروجي المنطق التقليدي يفتعلون وجود النسبة المقدرة ( هو ) في القضية الحملية مثل ( الانسان حيوان )، فيقدّرون شئ غير موجود فيقولون ( الانسان هو حيوان) ،وبنفس الوقت يتغاضون عن أدوات صريحة في المنطوقات مثل " أو" ، " و" وغيرهما فهم يغضون طرف البحث عن خطورة الاداة الشرطية " اذا .. فأن " فينحوها عن التحليل والاعتبار المنطقيين.نحو ( إذا أشرقت الشمس فأن النهار موجود) فيعتقدون بأزائها ان النسبة هي التصاحب مثلا . أي بطريقتهم هذه " يظهرون " ما يعتقدون أنهم باطن ، وينحون ظاهرا بينـّا فيغطسون به الى النسيان والتغاضي .(4) القضية الشرطية وتقسيماتها
تُقسّم القضايا في المنطق التقليدي ابتداءا الى : حملية وشرطية ، وسنتاول في هذه المطالعة (القضية الشرطية) في المنطق المذكور .. فالشرطية ( تتألف من طرفين هما قضيتان بالاصل ) والقضيتان كل منهما مركب تام كما هو معروف . ويضربون أمثلة في الشرطية ،منها :
( إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود ) , و( اللفظ أما أن يكون مفردا أو مركب ) .
فالقضية الاولى في الاصل قضيتان : ( أشرقت الشمس ) و ( النهار موجود ) . والقضية الثانية في الاصل قضيتان : ( هذا اللفظ مفرد ) و( هذا اللفظ مركب) . ولكن لنلاحظ فرقا جوهريا بين القضيتين : فالاولى وردت فيها الاداة ( اذا .. فأن ) والثانية وردت فيها الاداة (أما .. أو ) . إن هذا الفرق لم يخضعه المنطق التقليدي للدرس ولم يعده أساسا لتقسيم القضايا ، وراح ينقب عن ما يسميه ( النسبة ) بين طرفي الشرطية ، وهي نسبة مؤوّلة ومقدرة، أصطلح عليها بـ ( نسبة الاحوال والازمان ) وهي كما ترى ليست مما يمكن تحديده بدقة بمكان يسمح باستخراج قواعد عامة . ويظهر ذلك جليا في تعريف الشرطية ، فيعرفونها بأنها ( ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية وأخرى أو لاوجودها ) . فكيف يتم تأليف الشرطية اذا لم يكن بين اطرافها نسبة . أن التعبير ( لاوجودها) ينطوي على تلفيق تحصيل النسبة بتصييرها معدولة ، وبأعتبار ان الشئ المعدول موجود لأن السلب جزءا منه وليس سلبا له ، وهذا لايستقيم . والنسبة التي يعنونها ويصطلحوا عليها بـ ( نسبة الاحوال والازمان ) هي الرابطة بين القضيتين المؤلفتين للشرطية ، فكيف إذن تتألف النسبة من (لاوجودها) ؟ خاصة وان النسبة بينهما ليست الاتحاد كما تقدم الكلام عنها في مطالعة سابقة ، لأن ( لا اتحاد بين القضايا ) .ان ( لاوجود ) النسبة لايعني (التباين ) لأن التباين يكون بين الموضوع والمحمول إن لم ينتمي الموضوع للمحمول ، وبالتباين تكون القضية خاطئة . ولنصطلح اصطلاح ( القضية البسيطة ) ، والتي تعني القضية التي لايمكن تحليلها الى قضيتين ومنها القضية الحملية ، والقضية السالبة . ووفقا للاصطلاح تكون القضية الحملية ؛ قضية بسيطة موجبة وهي صادقة حسب تعريف الحملية ، والقضية السالبة هي قضية بسيطة قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة . ونقول طالما ان النسبة ( لاموجودة ) بين القضيتين البسيطتين في الشرطية فهي ليست شرطية . وعلى هذا يجب البحث عن اساس آخر نستطيع معه تمييز الشرطية عن غيرها ، سواء كانت سالبة أم موجبة ، صادقة أم كاذبة .
تقسم الشرطية بدورها الى : متصلة ومنفصلة ، وهذا التقسيم يتخذ من ( نسبة الاحوال والازمان ) أساسا له ..
ـ المتصلة تكون فيها النسبة بين القضيتين البسيطتين هي ( تعليق احداهما على الاخرى ) ومثالها ( اذا أشرقت الشمس فأن النهار موجود) . و( ليس اذا كان الانسان نماما كان أمينا ) . في الاولى حسب التعريف ان النسبة موجودة وهي التعليق ، اما في الثانية فيعدونها غير موجودة ( لاموجودة) بسبب دخول اداة النفي عليها ( ليس) . وهذا ينطوي على خلل واضح لجهة تصور النسبة ففي القضية الثانية النسبة موجودة ، وهي هنا بمعنى الرابطة ، وإلا فسينفرط عقد القضية الشرطية ويتحلل تأليفها الى القضيتين البسيطتين المؤلفتين لها . ان دخول اداة النفي ( ليس ) على الشرطية يغير في بنية القضية الشرطية ، وهذا التغير سيحولها الى قضية من نوع آخر . وسيأتي الكلام في ذلك .
ـ المنفصلة تكون فيها النسبة بين القضيتين البسيطتين ( الانفصال والعناد) . ومثالها ( اللفظ اما أن يكون مفردا أو مركبا ) و( ليس الانسان اما ان يكون كاتبا أو شاعرا) وملاحظاتنا هنا هي ذاتها التي اثبتناها في مناقشة المتصلة . وسنناقش هذا القسم وتعريفه من ناحية مدى صحة اعتباره ( قضية شرطية) ؛فنقول أن هذا القسم لايعد قضية شرطية بأي حال من الاحوال ، لارتفاع اداة الشرط فيها وهي ( اذا .. فأن ) او احدى الصيغ المكافئة لها منطقيا ولغويا . كما أن الاداة الموجودة في امثلة هذا القسم هي ( أما .. أو ..) وشتان بين الاداتين ، من حيث معناهما ، وفواعلهما المنطقية . أضف الى ذلك ان القضية الشرطية التي تحتوي اداة الشرط ( اذا .. فأن ..) يتميز فيها الطرفان تبعا لوضعهما في القضية : فالاول يسمى (مقدم ) والثاني ( تالي) . ولايمكن إبدال المقدم بالتالي ، كما لايجوز العكس في الشرطية .
ان البنية المنطقية للشرطية هي ( اذا كانت ب متحققة فأن حـ متحققة ) ، فالمقدم " ب " شرط للتالي " حـ" . ولكن البنية المنطقية للمنفصلة هي مختلفة البناء تماما وصيغتها العامة (أما أن يتحقق ب أو يتحقق حـ ) او بصيغة مكافئة ( ب أو حـ ) . فأين الشرط هنا ؟ نتفق بأن البنية المنطقية ( ب أو حـ) تكون منفصلة بمعنى تعاند تحقق كلا من " ب " و" حـ" في وقت او حال واحد . نحو ( العدد 4 زوج أو فرد) فلاتصدق إلا اذا تحققت (العدد 4 زوج) إذ لايمكن ان يكون العدد 4 زوج وفرد معا ، فهي تصدق فقط في حالة ان احد الطرفين فقط يكون صادقا . ولكن القضية ( قام علي أو جاء زيد ) ليست منفصلة بالرغم من الاداة الموجودة في القضية هي ذاتها الموجودة في مثال المنفصلة المتقدم ( أو ) ، فهذه تفيد ( التخيير ) إذ لايتنافى قيام علي مع مجئ زيد .فهي تصدق عندما يتحقق الطرفان وعندما يتحقق احدهما دون الاخر . لذلك أن القضايا التي فيها الاداة ( أما .. أو .. ) ليست قضية شرطية .
والخلاصة أن القضية التي لها البنية ( اذا كان ب فأن حـ ) فهي قضية شرطية .وان القضية التي لها البنية ( أما ب أو حـ ) فهي قضية ليست شرطية وانما تُقسم بحسب ( تنافي أو عدم تنافي ) تحقق الطرفين : فإن كان تحققهما متنافيان فهي (منفصلة )، للتعاند الذي بين طرفيها . وان كان تححقهما يجتمعان فهي ( مفصلة ) للتخيير الذي بين طرفيها وامكان اجتماعهما.
وعلى هذا ان ( نسبة الاحوال والازمان ) التي يقول بها المنطق التقليدي ، فهي مفيدة فقط في تقدير قيمة الحقيقة للقضية : صادقة أو كاذبة .ومعروف ان المنطق التقليدي يهتم بتقسيمات القضايا الصادقة دون غيرها ولايدخل في مباحثه احتمالات الصدق والكذب لأنه لايتعامل مع ( البنى المنطقية) التي هي كالقوالب المتمايزة والتي يمكن بمحاكاتها تبني القضايا . بمعنى ان البنية المنطقية هي صيغة عامة ومجردة، اما القضية فهي مثال حسي .
ان مبحث القضية الشرطية من المباحث المرتبكة في المنطق التقليدي ، وفيها من التعقيد ما يبعد التقعيد عن جادة الصواب . فلنتأمل هذا النص المقتبس من أحد كتب المنطق التقليدي الاكثر رواجا وشيوعا . يقول النص ( وليس من حق أطراف المنفصلة أن تسمى مقدما وتاليا، لأنها " غير متميزة بالطبع " كالمتصلة ، فأن لك ان تجعل أيا شئت منها مقدما وتاليا ، ولايتفاوت المعنى فيها ، ولكن سميت بذلك فعلى " نحو العطف " على المتصلة تبعا لها ، كما سميت السالبة باسم الموجبة الحملية او المتصلة او المنفصلة ) انتهى الاقتباس . وملاحظاتنا على النص هي :
1ـ اذا كان ليس من حق اطراف المنفصلة ان تسمى مقدما وتاليا فكيف إذن تسمى القضية المؤلفة منهما قضية شرطية ؟ اليس هذا تناقض وارباك ؟ ان القضية الشرطية تستمد صفتها هذه من إمكان تمييز طرفيها الى مقدم وتالي ، واذا كان الطرفان لايتميزان هكذا فهي ليست شرطية أبدا . وان لم يكونا متميزين بهذا النحو فمن أين جاءت صفتها الشرطية ؟
2ـ ليس من الجائز ان نسمي القضية السالبة بـ " القضية الحملية السالبة " عطفا على الموجبة الحملية، ذلك ان السالبة هي سلب الحمل كما جاء في تعريفها، والحملية هي حملية لأنها موجبة وبدون الايجاب ليست بحملية .. فكيف إذن الاحتجاج بالجواز المعطوف على قاعدة معطوفة هي الاخرى ؟ وكأن قائل النص يجوّز استبدال القمر بالشمس لعطف الاول على الثاني بواسطة النور المنبعث من القمر المعطوف على الضياء المرسل من الشمس . إذن ليس من الجائز ان نطلق على السالبة" حملية سالبة " لأن القول بحمليتها يعني ثبوت المحمول للموضوع والسالبة تسلب هذا الثبوت فتحيلها الى " ليست حملية" . وكذلك الامر في المنفصلة ، فما دامت غير متميزة الاطراف الى مقدم وتالي فهذا يعني أن الاصطلاحين غير موافقين لوضع طرفيهما ، وبالتالي فهي ليست شرطية .
3ـ ان تجويز اعتبار اي من طرفي القضية المنفصلة مقدم ، والآخر تالي بحجة عدم تغيير المعنى ، يخرج القضية عن كونها شرطية . لأن عدم تغيير المعنى بسبب تبديل الطرفين : التالي بالمقدم والمقدم بالتالي ، يوّلد اعتلالا منطقيا في المنطقية ، إن أريد بها الشرطية . ومن المعروف ان كل قضية شرطية ليست إبدالية وهذه قاعدة ، يجب ان تسري على كل قضية شرطية دون استثناء . وليس من الصحيح القول ان لكل قاعدة استثناء ، فالقاعدة التي تسقط في مثل ولو واحد لايصح اطلاق اصطلاح قاعدة عليها . ان القاعدة والقانون صيغ عامة لاتقبل الاستثناء.
مثلا القضية الشرطية ( اذا ارتفعت درجة حرارة الحديد تمدد ) لايصح فيها إبدال المقدم بالتالي فالقضية ( اذا تمدد الحديد ارتفعت درجة حرارته ) قضية خاطئة .
والخلاصة الاجمالية : إن ما يميز القضية الشرطية عن سواها هي وجود الاداة الشرطية ( اذا كان .. فأن .. ) فهذه الاداة تميز المقدم والتالي ، بترتيبهما فالمقدم طرف أول والتالي طرف ثان. ولا موضع لنسبة الاحوال والازمان في الشرطية ، وهي ليست بالاساس الصائب للتقسيم او لتصنيف الشرطية . وترد أداة الشرط بصيغ مكافئة أخرى نحو ( بما أن .. فأن .. ) ، ( طالما كان ..فأن ..) ، ( كلما .. فأن ..) ...
وان ( نفي الشرطية ) ترتب عليه تغيرات تطال أداة الشرط وكيف الطرفين اواحدهما ، نحو (اذا جاء زيد نبدأ بالعمل ) وطرفاها : المقدم ( جاء زيد ) وتاليها ( بدأنا بالعمل) . وان نفيها يكون : ليس ( اذا جاء زيد نبدأ بالعمل ) وهذه تؤول منطقيا الى ( لم يأت زيد أو لم نبدأ بالعمل ) ولك ان تقدر الآن فيما اذا كان مجئ زيد والبدأ بالعمل متلازمين اومتنافيين وعلى هذا تستخرج قيمة القضية : صادقة او كاذبة . ومثال آخر ( اذا كان العدد 4 زوج فأنه عدد طبيعي ) والنفي يكون ( العدد 4 ليس زوجا أو العدد 4 عددا طبيعيا ) فأن كون العدد 4 زوجا لايتنافى مع كونه عددا طبيعيا ،لذلك لوصدق أحد الطرفين من المنفية فهي صادقة ، وصدقهما معا يجعلها صادقة أيضا ، وليس كذلك التنافي فصدق المتنافيين معا مرتفع .
(5) القضايا المنحرفة
تعد القضية منحرفة بحسب المنطق التقليدي ( اذا انحرفت عن استعمالها الطبيعي ووضعها المنطقي) ، وحددوا مواضع المنحرفات في القضايا الحملية والقضايا الشرطية وكما يلي ..
(اولا) انحراف القضية الحملية :
ويأتي من ( إقتران سور القضية بالمحمول ) والاستعمال الطبيعي هو (إقتران السور بالموضوع ) . وهذا لانخالفه ، فالسور قرينة للموضوع . ويضربون مثلا في هذا النوع من الانحراف نحو (الانسان بعض الحيوان) . ووجه الانحراف أن السور " بعض" اقترن بالمحمول " الحيوان " والمُدّعى ان الاستعمال الطبيعي يجب ان يكون ( بعض الحيوان إنسان ).
ونسأل هنا : هل ثمة ضرورة ملزمة بإعتبار الطرف الاول في الحملية المسورة " موضوعا" ،والطرف الثاني منها " محمولا " ؟ أم أن المعيار في الاصطلاح على الطرفين هو أقتران لفظ السور فقط ؟
وجوابا عن هذا التساؤل نقول ؛ نعم ان الامر "المعتاد " هو أن الطرف الاول موضوعا والثاني محمولا في القضية الحملية . ولكن هذا الترتيب ليس ملزما ، طالما يمكن الاستدلال على الموضوع من قرينة السور.فالمثال ( الانسان بعض الحيوان) تتألف من الموضوع " الحيوان " لأنه مقترن بالسور ، وهو هنا سور جزئي ، و" الانسان" محمولا . وهذا من شأن اللغة . أما من حيث وضعها المنطقي فأن صيغتها المذكورة لاتخرجها من كونها مركبا تاما . بمعنى ان ( الانسان بعض الحيوان) مركبا تاما وهذا كاف لعدها قضية قابلة للحكم صدقا او كذبا ، والقضية اياها صادقة . إن ترتيبها مشابه تماما لتقديم الخبر على المبتدأ في اللغة ، فيصح القول " موضوعها متأخر" و" محمولها متقدم " . فالقضيتان في المثال متكافئتان ، بمعنى كلاهما صادق ، وهذا دليل آخر على أن استعمالها طبيعي ، وهو استعمال لغوي كما لايخفى . وان وضعها منطقي للسبب المذكور.
ان القضيتين المتكافئتين لهما القيمة ذاتها : اما كلاهما صادق او كلاهما كاذب ، بشرط ان يكون لهما الاطراف ذاتها . فليس كل قضيتين صادقتين او كاذبتين متكافئتان .
ولابد ان نستعمل في هذا الموضع مفهوم " الإبدال " .. ونقصد به تبديل طرفي القضية ، أحدهما في محل الآخر ، وليس هذا من شأن العكس المستوي كما سيتضح . فنقول ان القضية الحملية بأنها إبدالية اذا أمكن إبدال طرفيها احدهما في محل الآخر ، وحافظت على صدقها او حافظت على كذبها . وواضح ان القضية الاصل والقضية المبدلة الطرفين متكافئتان . لذلك فأن القضية (الانسان بعض الحيوان) صادقة بصدق المبدلة ( بعض الحيوان إنسان) وليس باعتبارآخر .
ليست كل القضايا الحملية إبدالية ، فأن الخاصة الابدالية قد تتوافر اوقد لاتتوافر في القضية تبعا لكل من : السوروالكيف والنسبة بين الموضوع والمحمول بوصفهما مفهومين كليين.ويمكنوضع حالات الابدال كما يلي :
أ ـ فاذا لم تكن القضية الحملية مسورة وان الموضوع جزء من المحمول نحو ( الانسان حيوان) فأن القضية ليست إبدالية لأن ( الحيوان إنسان ) خاطئة بينما الاصل صادق ، فيسقط شرط الخاصة الابدالية وهو التكافؤ .
ب ـ واذا كان سور القضية الموجبة جزئي ، والموضوع يساوي المحمول ، او الموضوع جزء من المحمول فالخاصة الابدالية متوافرة فيها .
نحو ( الانسان بعض الناطق ) صادقة ، ( بعض الانسان ناطق ) صادقة . ( إبدالية)
و ( الانسان بعض الحيوان ) صادقة ، ( بعض الحيوان إنسان ) صادقة . (إبدالية).
جـ ـ واذا كان السور كلي و كانت النسبة بين الكليين ؛ الموضوع والمحمول التساوي فأن الخاصة الإبدالية متحققة. نحو :
( كل انسان ناطق ) صادقة ، ( الناطق كل الانسان) صادقة .(إبدالية )
أو ( كل ناطق انسان) صداقة ، ( الانسان كل الناطق) صادقة . (إبدالية)
د ـ واذا كان السور كلي والنسبة بين الموضوع والمحمول هي نسبة الجزء الى الكل فلا وجود لخاصةالإبدال . نحو :
( كل انسان حيوان ) صادقة ، ( الحيوان كل الانسان ) كاذبة . ( ليست إبدالية ) .
وهكذا يمكن سرد الحالات السالبة المماثلة من حيث السور والنسبة . وان الاحتكام للذائقة والسليقة اللغوية العربية وفصاحة اللغة والالمام بالبلاغة يغني عن كل هذه التعقيدات .
وننوه هنا إننا لانقول بضرورة تسوير المحمول وإن كان ذلك ممكنا ، وهذا مبحث ليس هذا محله. ومطالعتنا انصبت في تقديم وتأخير طرفي الحملية .
(ثانيا ) إنحراف القضية الشرطية :
ويكون عندما ( تخلو الشرطية عن أدوات الاتصال والعناد فتكون بصورة حملية وهي في قوة الشرطية ) . وقبل مباشرة ملاحظة هذا النوع من الانحراف المُدّعى في الشرطية ،لابد من القول ان المنطق التقليدي لم يعنى بـ "أدوات الربط " ، ولم نعرف عن أية ادوات يشير اليها نص التعريف . فأدوات الربط كلها مقدرة بالنسبة بين اطراف الحملية ، وبين اطراف الشرطية ـ الشرطية وفق المنطق التقليدي ـ فيضربون مثلا القضية الشرطية المنحرفة
ـ ( لاتكون الشمس طالعة أو يكون النهار موجودا ) فهي في قوة المتصلة ، واصلها ( كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا ) .
ونقول ، في تعبير " في قوة المتصلة " يكمن التصويب . أن القضية الاصل عندنا هي قضية شرطية وليست متصلة ، لأن القضية المتصلة تتميز بوجود اداة الاتصال " و" . بمعنى ان الشرطية لاتقسم الى متصلة ومنفصلة كما دللنا على ذلك. فالقضية الاصل تتألف من قضيتين باداة الشرط " كلما كان ... كان .. " وصيغتها العامة " اذا ب فأن حـ" . وهذه الصيغة تكافئ الصيغة " ليس ب أو حـ " ، حيث ان الاداة " أو " اتفاقية ، فلايمتنع تحقق الطرفين بوجودها ، وانها تصدق بصدق احد الاطراف في الاقل ، كما تصدق بصدق الطرفين . فأذن القضية التي لها الصيغة " اذا ب فأن حـ " تكافئ القضية التي لها الصيغة " ليس ب أو حـ " . وعلى العموم اذا كان طرفا الشرطية ، المقدم والتالي غير متنافيين فهي صادقة ، وبالتالي من الصائبة يكون تحويلها بنفي المقدم وابقاء كيف التالي على حاله وربطهما باداةالربط " او ـ الاتفاقية " . فليس إذن ثمة انحراف لامن حيث الاستعمال الطبيعي ، ولا من حيث الوضع المنطقي.
ـ ( لايجتمع المال إلا من شح او حرام ) فأنها في قوة المنفصلة والاصل ( اما ان يجتمع المال من شح او من حرام ).
ونقول اذا كان المقصود بالانفصال التخيير ، بمعنى جواز اجتماع تحقق الطرفين " الشح" و"الحرام" ولا تناف بينهما فهو تقدير صائب في التحليل المنطقي ، اما اذا كان التنافي فهذا ليس بالتقدير الصائب . ان ما يدّعى ان المثال المذكور قضية منحرفة ، فيه نظر أيضا لأنها من الاستعمال الطبيعي ، وهو دارج في اللغة الفصحى ، وانها قابلة للحكم بصدقها او كذبها . كما ان وجود اداة الاستثناء ليس لها مكان في الوضع المنطقي ، فهو استثناء تبع النفي . فلو قلت (لايجتمع المال من شح أو حرام ) فسيكون لها مكافئ هو ( لايجمع المال من شح (و) لايجمع المال من حرام) وبالصيغة المعتادة ( لايجمع مال من شح ولايجمع من حرام ) . فأين الانحراف هنا؟ .
والخلاصة : ان حالات الانحراف المدعاة في المنطق التقليدي ، والمذكورة بعيدة عن الانحراف من حيث الاستعمال اللغوي والوضع المنطقي .
(6) النقض
النقض من المباحث الشائكة في المنطق التقليدي ، وهذا يفسر عزوف الكثير من المؤلفين عن تناوله في مؤلفاتهم . ويلحق مبحث النقض بمبحث العكوس لسبب لانراه وجيها ، وهو أن كلا من العكوس والنقض طريقتان لاستخراج قضية صادقة من قضية صادقة هي الاخرى ، وهو سبب غير كاف لأنهما ليس الطريقتان الوحيدتان التي تستخرج بهما القضايا الصادقة على تقديرصدق قضية أخرى . وثمة سبب آخر يدعونا الى عدم الموافقة على اعتبار النقض ملحقا بالعكوس بنوعيه : العكس المستوي ، وعكس النقيض ،هو أن العكوس تتضمن تبديل طرفي القضية ببعضهما ليكون موضوع القضية الاصل محمولا في القضية المستخرجة ، وليكون محمول الاصل موضوعا للمستخرجة ، وليس كذلك النقض ، إذ ليس فيه هذا التبديل .
ولانعثر على تعريف محدد لمفهوم " النقض" في المنطق التقليدي ، ليقول لنا : ما هو ، وماذا يعني ؟ سوى أن الامثلة المُساقة فيه تبين أن الطرف المنقوض معدولا . فبين مصطلح " النقض" وتطبيقه بصورة الطرف المعدول يحصل التداخل واللاتعيين . حيث ان القضيتين المتناقضتين قضيتان مختلفتان في : الكم والكيف والقيمة . فالكلية الموجبة تتناقض مع الجزئية السالبة ، و الكلية السالبة تتناقض مع الموجبة السالبة . ولاستخراج نقضة القضية يتم بنفيها لاسلبها ، إذ من شأن " النفي" أن يغير الكيف والكم والقيمة . نحو نفي القضية الكلية الموجبة ( كل ب حـ) هو ليس (كل ب حـ) وتكافئ ( بعض ب ليس حـ) ، وهكذا . ولكن عندما يتم نقض طرف دون آخر من القضية ، او نقض طرفيها معا ، لاينتج تناقضا مع القضية الاصل اذا ما تم إجراء تغيرات ضرورية ، او ملزمة لبقاء الصدق على تقدير صدق الاصل . فالنقض من الناحية الاجرائية يتم بخطوات معاكسة لخطوات عملية نقض القضية ككل بالنفي . والمسألة في كل هذا تتمثل فيما يبدو انه مشتركا بين استخراج النقيضة بنفي القضية ، واستخراج المنقوضة الطرف او المنقوضة الطرفين . والمشترك الذي نوهنا عنه هو ان فواعل نقض القضية على كم وكيف القضية وقيمتها ، هي ذاتها فواعل النقض عندما يقع على طرف دون آخر ، او عندما يقع على الطرفين معا بدأ ً.ونعلم ان " نقيضة " قضية ما تختلف مع الاصل في الكيف ، بينما عندما يتم نقض طرف معين من القضية لايجعله مختلفا في الكيف ، لأن الكيف هو كيف القضية وليس لكل طرف كيف مستقل عن كيف القضية . لذلك ما يعتقد أنه مشتركا لأول وهلة هو في الحقيقة ليس مشتركا للسبب المذكور .لذلك أن الاصطلاح على مبحث النقض بأنه " نقض" ليس دقيقا ، لارتفاع صلته بالتناقض . والبديل هو " المتمم " أو " المعدول " بنفس المعنى . نحو القسمة الحاصرة للكائنات الى : حية وغير حية ، فأن واحد القسمين متمم للآخر ، وان اتحادهما يؤلف المجموعة الشاملة وهي الكائنات . واكمالا لعملية الاصطلاح فأن المصطلح يكون " تميم " المحمول ، او تميم الموضوع أو التتميم التام . ومتممة المحمول ومتممة الموضوع .
ولأن المصطلح المقترح غير متداول فأننا نواصل ملاحظاتنا باعتماد المصطلح القديم " النقض" على أن نفهم بأنه ليس النفي كما هو في نقض القضية ككل ، بل إبدال الطرف في القضية بالطرف المعدول ، والطرف المعدول هو متمم الطرف الاصل . وأن نقض طرف يعني جعله معدولا .
وجدير بالذكر أن نقض القضية الذي ينتج عنه قضية متناقضة مع القضية الاصل ، ونقض طرف فيها كلاهما يؤديان الى رفع النسبة بين الموضوع والمحمول . إلا ان مبحث " النقض" معني باستخراج قضية صادقة على تقدير صدق الاصل ، فيلزم عن ذلك إجراء تغير في كل من الكيف او الكم او احداهما مع بقاء الصدق .
النقض على ثلاث : منقوضة المحمول ، ومنقوضة الموضوع ، والمنقوضة نقضا تاما ـ أي بنقض الطرفين معا ـ وقد وضع المنطق التقليدي قاعدتين للنقض : قاعدة نقض المحمول ، وقاعدة النقض التام ونقض الموضوع . فالاول يلزم عنه تغيير الكيف دون الكم . اما الثاني " النقض التام " فيلزم عنه تغيير الكم دون الكيف . والثالث " نقض الموضوع " فيلزم عنهما تغيير الكم والكيف معا . فلا ضرورة لجعل النقضين " التام " و" نقض " الموضوع طالما ان التغيرات اللازمة بسبب النقض مختلفة .
ويمكن وعي قواعد النقض على أنها جواب لـ ( ما الذي يتغير اذا نقض طرف او طرفا القضية لإبقاء القضية على قيمة الاصل وهي الصدق ؟) . ومن هذا المنطلق سنعيد قراءة تلك القواعد ومناقشتها سالكين طريقة جديدة في برهان قواعد مباحث النقض ، وهي طريقة " الارتداد " ، بسياقها التراجعي . كما سيتضح .
وسنعتبر " ب " موضوع القضية ، و "حـ" محمولها ، ونقض الموضوع ( " لا " ب ) أو ("غير" ب ) ، ونقض المحمول ( " لا" حـ) أو ( " غير " حـ) . ويمكن كتابةهذه الرموز بدون الاقواس الصغيرة المزدوجة اذا لم ثمة التباس .
(أولا ) منقوضة المحمول ..
المدّعى ( أن القضية تحوّل بنقض محمولها ، ببقاء موضوعها على حاله ، وتغيير الكيف ، وبقاء الكم ) .
(أ) الموجبة الكلية تحوّل بنقض محمولها الى سالبة كلية .
بفرض ان الكلية الموجبة ( كل ب حـ ) صادقة فأن نقض محمولها دون إجراء تغيرات ملازمة يجعلها كاذبة لارتفاع النسبة بين الموضوع والمحمول ،أي ان ( كل ب لا حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . ولكي النسبة بين الموضوع ( كل ب) والمحمول المعدول ( لا حـ ) يجب سلب المحمول المعدول فتكون القضية ( كل ب ليس لا حـ ) كلية سالبة ، وصادقة . نحو ( كل غزال حيوان ) تكافئ ( كل غزال ليس بلا حيوان ) فهذه كلية سالبة . أن وقوع اداتي السلب ( ليس ولا ) بهذه الصورة المتعاقبة يعني الاثبات ، لأن سلب السلب إثبات ، وبصورة عامة " نفي النفي إثبات " . وبطريق آخروباستخدام قاعدة نفي النفي المذكورة ، نقول : لاستخراج القضية منقوضة المحمول صادقة على تقدير الاصل ننقض الاصل مرتين : النقض الاول يحول الكلية الى جزئية منقوضة المحمول ، ومنقوضة المحمول تكافئ السالبة ، لأن العدول والسلب مؤداهما واحد فتكون بالصورة (بعض ب لاحـ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . والنقض الثاني للقضية يحول القضية الى كلية سالبة معدولة المحمول (كل ب ليس لا حـ) .
فالقضية ( كل غزال انسان ) تحول بالنقض الاول الى ( بعض الغزال لاحيوان) وبالنقض الثاني (كل غزال ليس بلاحيوان) .
وهنا لابد من ملاحظتين : الاولى ان تجاور اداتي السلب وتعاقبهما على النحو في الصيغة العامة وفي المثال يفيد انتفائهما وبالتالي يمكن رفعهما فتعود القضية الى اصلها في أول مرة . وحيث ان مطلوبنا قضية منقوضة المحمول فلا يجب تفعيل هذا التعاقب . اما الملاحظة الثانية اننا لانعد القضية ( لاشئ من الانسان بلاحيوان ) واضرابها كلية سالبة لاسباب ذكرناه مفصلا في مطالعة سابقة من ملاحظاتنا النقدية .
(ب) الموجبة الجزئية تحوّل بنقض محمولها الى جزئية سالبة .
اذا صدقت ( بعض ب حـ ) فأن ( بعض ب غيرحـ ) كاذبة لارتفاع النسبة بين الموضوع والمحمول على تقدير ثبوتها في الاصل . وبطريقة الارتداد نسلب المحمول المنقوض فتعود النسبة بين الطرفين فتكون القضية المنقوضة المحمول ( بعض ب ليس غير حـ ) . نحو ( بعض الانسان كاتب ) تكافئ ( بعض الانسان ليس غير كاتب ) صادقة على تقدير صدق الاصل . وبطريقة نفي النفي : النفي الاول ينتج ( كل ب لا حـ ) والثاني ينتج ( بعض ب ليس بلا حـ ) .
نحو ( بعض الذهب معدن ) ،تتناقض معها بالنقض ( = النفي ) الاول ( كل ذهب لامعدن ) وبالنقض الثاني (بعض الذهب ليس لامعدن ) صادقة لنفس السبب .
مع ملاحظة ان حرفي العدول " لا" و "غير " لهما مؤدى واحد ، ولايختلفان بالاعتبار المنطقي ، الا انهما مختلفان بالاعتبار اللغوي .
ولقد لفت نظرنا المثال ( ليس كل حيوان لا إنسان ) الوارد في احد مؤلفات المنطق التقليدي على أنه يمثل قضية منقوضة المحمول " جزئية سالبة " ، والاصل هو ( بعض الحيوان انسان) ! فهل أخطأ المؤلف ؟ كلا ، لم يخطأ . وقد توصل الى المثال بطريق الحدس ، لأن نقض المحمول تطلب تغيير السور من جزئية الى كلية ، ثم اردف القضية ككل بالنقض ، إلا انه لم يفعّل النقض الاخير لتكون القضية بصورتها النهائية ( بعض الحيوان ليس بلا إنسان ) . رحم الله تعالى ((الشيخ محمد رضا المظفر)) إذ كان أفضل من ألـّف في المنطق التقليدي في عصره ، ولم يقترب من علو علمه أحد بعد في المنطق التقليدي ، فلقد شذب المنطق واضاف اليه اساليب برهانية تنم عن عقلية علمية متقدمة . والى اليوم يعد كتابه الشهير في المنطق أفضل وأدق المصادر في علم المنطق .
(ح) الكلية السالبة تحوّل بنقض محمولها الى كلية موجبة .
وعلى فرض ان القضية ( كل ب ليس حـ ) صادقة ، فهذا يعني ان النسبة بين الموضوع (ب) والمحمول ( حـ) التباين وأن السلب جعلها صادقة .فبنقض محمولها تكون ( كل ب ليس بلا حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . وبالارتداد تكون ( كل ب ليس ليس بلا حـ ) وهذه تكون بالصورة ( كل ب لاحـ ) كلية موجبة منقوضة المحمول وصادقة . وان التعاقب في ادوات السلب ( ليس ليس لا ) يكافئ (لا ) .
نحو ( كل انسان ليس بجماد ) تحول بنقض محمولها الى ( كل انسان لاجماد) . وهذا مثال جيد على أن السلب والعدول مؤداهما واحد .
وبطريق قاعدة نفي النفي اثبات ننقض السالبة الكلية نقضا اولا فتكون ( بعض ب ليس لا حـ ) ، فنردفها بنقض ثان فتكون ( كل ب ليس ليس لا حـ ) وهي ( كل ب لاحـ ) .
نحو ( كل شجرة صفصاف ليست مثمرة ) فبالنقض الاول تكون ( بعض شجر الصفاف ليست غيرمثمرة ) وبالنقض الثاني ( كل شجرة صفاف ليس ليست غير مثمرة ) وهذه تكون (كل شجرة صفاف غير مثمرة ) كلية موجبة منقوضة المحمول .
وخلاصة البحث في منقوضة المحمول ثمة طريقان جديدان لاستخراجها صادقة على تقدير الاصل وهي طريقتنا التي اسميناها " الارتداد " واستخدامنا الاستخدام الجديد لقاعدة نفي النفي .
(د) الجزئية السالبة تحوّل بنقض محمولها جزئية موجبة .
فلتكن ( بعض ب ليس حـ) جزئية سالبة وصادقة ، حيث ان النسبة بين الموضوع والمحمول التباين ، وان سلب المحمول في الاصل أعاد اليها الثبوت ،أي ثبوت الموضوع الى المحمول ولهذا صدقت. ومعنى ( بعض ب ليس حـ) هو وجود عنصر مثل " ب" لاينتمي الى حـ ، او غير موجود في " حـ" بنفس المعنى . ان نقض محمولها فقط دون إجراء ما يلزم من تغيرات يجعلها كاذبة ، أي ان ( بعض ب ليس غير حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل ، فبالارتداد ولكي تعود النسبة الى نصابها بسلب المحمول المنقوض ( ليس غير حـ ) ليكون ( ليس ليس غير حـ ) والناتج هو (بعض ب غيرحـ ) جزئية موجبة منقوضة المحمول وصادقة على تقدير الاصل . نحو ( بعض الانسان ليس بكاتب) فبنقض محمولها تكون (بعض الانسان غير كاتب ) .
وعلى نحو آخر ، وباستخدام قاعدة النفي النفي .. فالبنقض الاول للقضية الاصل تكون (كل ب حـ ) كاذبة لأنها متناقضة مع الاصل ، ثم بالنقض الثاني تكون ( بعض ب غير حـ ) . ومعلوم ان النقض سواء كان أول أو ثان يعني سلب الحمل وتغيير الكم ، وحيث ان سلب الحمل وعدوله متكافئان ، ومطلوبنا هو منقوضة المحمول ، بمعنى معدولة المحمول فأنّا نختار معدولة المحمول لدلالتها على نقض المحمول . نحو ( بعض الانسان ليس بكاتب ) ، بالنقض الاول للقضية تكون ( كل انسان ليس ليس بكاتب) ، أي ( كل انسان كاتب ) خاطئة بسبب التناقض مع الاصل ، ثم بنقضها ثانية فتكون ( بعض الانسان غير كاتب ) صادقة .
(ثانيا) منقوضة الموضوع ..
المدّعى ( أن القضية تحوّل بنقض موضوعها ، ببقاء محمولها على حاله ، وتغيير الكيف ، وتغييرالكم ) و( لاينقض بهذا النقض إلا الكليتان) .
وقبل مناقشة تطبيق القاعدة على المحصورات الاربعة ، لابد من ملاحظة حقيقة أن الموضوع في المسورة يُقرن بالسور (=الكم) ، فأي تغيير فيه يشمل جزئيه : الكم ولفظ الموضوع .وهذا التوضيح غير متوفر في المنطق التقليدي ونحن نثبته هنا . ان نقض الموضوع ( كل ب ..) ينتج ( بعض لا ب .. ) ، ومثل ذلك ان نقض الموضوع ( بعض ب ..) ينتج ( كل لا ب ...) ، وهذا بديهي . على ان هذا النوع من النقض ليس نقضا للقضية ككل ابتداءا ، بل نقض ينصب على الموضوع بدأ ً ، ثم يتحرى عن التغير اللازم لهذا النقض ، وحيث أن القاعدة تنص على شرط بقاء المحمول على حاله ، بمعنى لايصيبه العدول بالنقض او سواه ، فلم تبقى من التغيرات سوى التغير في كيف القضية . ان اختلاف القضيتين في الكيف والكم ليس بكاف لتناقضهما ، فالنظر الى اختلاف حال موضوعها او محمولها في الاصل وتغيرهما في القضية المُحوّلة ينحي نسبة التناقض بينهما ، لأن التغير المشار اليه كما تنص على ذلك قاعدة نقض الموضوع يبقيهما صادقتين .
(أ) الموجبة الكلية تحوّل بنقض موضوعها الى جزئية سالبة .
بفرض ان ( كل ب حـ ) صادقة فأن نقض موضوعها ( بعض لاب حـ ) يجعلها كاذبة لارتفاع النسبة بين الطرفين ، حيث ان ( كل ب) موجود في ( حـ ) ، فهذا يعني ان (بعض لا ب ) غير موجود في ( حـ ) . ولاعادة نسبة ثبوت الموضوع ( بعض لا ب) الى المحمول ( حـ ) لابد من سلب المحمول فتكون القضية ( بعض لاب ليس حـ ) وهي جزئية سالبب ،صادقة على تقدير صدق الاصل . فالارتداد هنا وقع على المحمول فيسلبه. نحو ( كل عدد طبيعي موجب ) صادقة فتحوّل بنقض موضوعها الى ( بعض العدد اللاطبيعي ليس بموجب) صادقة أيضا .
(ب) الكلية السالبة تحوّل بنقض موضوعها الى جزئية موجبة .
فالقضية ( كل ب ليس حـ ) إن كانت صادقة فأن القضية ( بعض لاب ليس ليس حـ ) ويتعاقب السلب ينتج (بعض لاب حـ ) . نحو ( كل حديد ليس بذهب) تكافئ بنقض موضوعها ( بعض اللاحديد ذهب ) . وبكلمات اخرى ان الموضوع في الاصلية لاينتمي الى المحمول ، وهذا معنى سلب الحمل ، أي أن ( كل ب ) غير موجودة في ( حـ ) ، ولكن (بعض لاب) أيضا غير موجودة في ( حـ ) ، لأن (بعض لاب ) جزء من ( كل لاب) فاذا لم ينتمي الكل الى (حـ ) فأن بعضه لاينتمي اليه أيضا .
(ح) استثناء الجزئيتين من القاعدة .
اما لماذا لايمكن استخراج منقوضة الموضوع صادقة على تقدير صدق الاصل من الجزئية الموجبة ( بعض ب حـ ) فبنقض المحمول تكون ( بعض لا ب حـ ) كاذبة على تقدير صدق الاصل ،وباستغراق نقض الموضع للسور تكون ( كل لا ب حـ ) ايضا كاذبة ، لأن لايمكن حصر ( لا ب ) حتى نتصور انتماءه اووجوده في ( حـ ) . كما أن ( كل لاب ليس حـ ) خاطئة لنفس السبب . وبالمثل نقول من ( بعض ب ليس حـ ) لايمكن استخراج منقوضة الموضوع صادقة على تقدير الاصل . هنا في منقوضة الموضوع لاموضع لقاعدة نفي النفي . لأن نقض القضية ككل من شأن ان يغير السور ولا ينقض الموضوع .
(ثالثا) النقض التام ..
المدّعى ( أن القضية تحوّل بنقض طرفيها ، وبقاء الكيف ، وتغييرالكم ) و( لاينقض بهذا النقض إلا الكليتان) .
ولنسأل :
ـ ما هو السبب الذي يبقي الكيف على حاله ، ويغير الكم في هذا النقض ؟
ـ وهل أن الابقاء على الكيف وتغيير الكم هو حصيلة لقاعدتي نقض المحمول ونقض الموضوع؟
ـ وهل يمكن التدرج في الوصول الى نتيجة هذا النقض باستيفاء شروط النقضين الاخرين ؟
وفي الحقيقة ان الاسئلة الثلاثة هي صور مختلفة لسؤال واحد . فالاجابة عن احدهما ، تمثل اجابة عن الآخرين .
ان نقض المحمول يغير الكيف دون الكم ، بينما نقض الموضوع يغير الكيف والكم فينتج منقوضة نقضا تاما بتغيير الكم فقط دون الكيف .
فالنقض الاول ( نقض المحول ) ، ينتج عنه تغيير الكيف دون الكم .
والنقض الثاني( نقض الموضوع ) هو نقض موضوع ناتج النقض الاول فيعود بالكيف الى الاصل قبل النقض الاول ، ويغير الكم .
والناتج عن النقضين المتعاقبين ، هومنقوضة الطرفين مع تغيير الكم دون الكيف .
(أ) الكلية الموجبة تحوّل بالنقض التام الى جزئية موجبة .
لتكن الكلية الموجبة ( كل ب حـ ) صادقة ، فهذا يعني ان كل افراد ( ب) موجودة في (حـ) . وللحصول على المنقوضة نقضا تاما صادقة على تقدير صدق الاصل ، نتدرج في النقض باستخدام القاعدتين الاخريين . فبنقض المحمول تكون ( كل ب ليس لا حـ ) صادقة ، وبنقض الموضوع تكون ( بعض لاب لاحـ ) فهذا نقض التام للاصل .وهي صادقة على تقدير الاصل .
نحو ( كل فضة معدن ) فتحوّل بالنقض التام الى ( بعض اللافضة لامعدن ) .
(ب) الكلية السالبة تحوّل بالنقض التام الى جزئية سالبة .
فلتكن الكلية السالبة ( كل ب ليس حـ ) صادقة ، فبنقض محمولها تحول الى ( كل ب لا حـ ) كلية موجبة منقوضة المحمول. وبنقض موضوعها تحوّل الى ( بعض لا ب ليس لا حـ ) فهذه صادقة على تقدير الاصل . نحو (كل حديد ليس بذهب ) صادقة ، وبنقض محمولها تحول الى ( كل حديد لاذهب) ، وبنقض موضوعا تحول الى (بعض اللاحديد ليس لاذهب ) .
(ح) استثناء الجزئيتان من قاعدةالنقض التام .
نحو ( بعض الحيوان ليس انسان ) جزئية سالبة لاتحول بالنقض التام لأن ( كل لاحيوان ليس لا انسان ) كاذبة على تقدير صدق الاصل . وكذلك في الجزئية الموجبة ، نحو ( بعض الطائر أبيض ) صادقة ونقضها التام( كل لاطائر ليس بلاأبيض ) كاذبة ، حيث ان ( اللاطائر ) في سبيل المثال يشمل الثوب الاسود وهو (لاابيض ) . ان القاعدة تسقط عندما تكون النسبة نسبة الخصوص والعموم من وجه بحسب تعبير المنطق التقليدي ، ونسميها متممة الفرق التناظري
ـــــــــــ
(*) لايسمح باعادة نشر مقالات ودراسات الكاتب من قبل الصحف والمجلات والدوريات الا بموافقته المسبقة .
** كاتب وباحث عراقي