
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
في أسس إستراتيجية العرب السلمية
ودلالة حط المتعنترين من شأنها
(أولى ثلاث حلقات من المسألة الثالثة)
د. عبد الله الراجحي
14 أفريل 2009
تمهيد
حللنا أولا عينة من تفكير الأستاذ هيكل الاستراتيجي ممثلة بفهمه لجريمة إسرائيل في غزة وتأويلاته لتصرف القيادات التي تتهم بالعمالة (القسم الأول من البحث موقع الفلسفة ). وتكلمنا ثانيا على ما تفيده دعوته إلى الحلف مع إيران من سوء فهم لمعنى القوة الناعمة ومقومات قوة الأمم (القسم الثاني منه موقع الفلسفة ). وها نحن نتكلم ثالثا على أسس الخيار الاستراتيجي العربي خيار السلم (القسم الثالث منه موقع الفلسفة ) ودلالة حط المتعنترين من شأنها قبل أن نعالج المسألتين الأخيرتين ليتم ما وعدنا به: فكيف نفهم هذا الخيار ولم هو الخيار الوحيد المحقق لغايات الأمة القريب منها والبعيد؟
لكن هذه المسألة ملازمة لما يحول دونها وأداء دورها المستهدف: فديماغوجيا المتعنترين تجعلها مجرد استسلام وهروب من المعركة لتحط من شأن أصحابها وتواصل الإبقاء على العرب خارج التاريخ الحديث. وهذا الحائل يقتضي أن نفهم دلالة الحط من شأن هذه الأسس عند من يدعون ممانعة بديلا هي في الحقيقة بسبب غفلة أصحابها أفضل طريقة لمنع النهضة وتحقيق ما يسعى إليه العدو.
والهدف في كلتا الحالتين في المسألة الأساسية وفي ما يلازمها من عوائق هو أن نعالجها في ثلاثة فصول نجيب فيها عن الأسئلة التالية:
الفصل الأول: التشخيص المضاعف وله وجهان
1-ما طبيعة الحاجة العربية للإستراتيجية السلمية؟
2-وكيف تلغي هذه الإستراتيجية مقومي القوة الإسرائلية؟
الفصل الثاني: العلاج المضاعف وله وجهان
3- كيف تجمع الإستراتيجية السلمية بين شروط المقاومة والقيام: أعني ما شروط التصدي للعدو الظرفي (إسرائيل) وللعدو البنيوي (علل الضعف)؟
4- وكيف تمكن هذه الإستراتيجية من تحقيق ثمرات المطاولة بعد تحقيق شرط الانتقال من المناجزة إليها؟
الفصل الرئيس يعالج غفلة هيكل ومن يحلل الأمور بمنطقه عن معنى الإستراتيجية العربية.
5-وكيف نعلل ما ندعيه من تحالف جوهري بين إسرائيل وإيران أي ما العلل التي تجعل كلا العدوين لا يريد للعرب تحقيق ما أشرنا إليه في المسألة الثانية بوجهيها سلبا أو كيف يرد تحقيقه الأمور إلى نصابها فيحصل العرب على القوة الحقيقية فتصبح الأمة العربية مركز القوة العالمية التي تعيد إلى العالم توازنه أعني الأمة الإسلامية برسالتها التي كانت ولا تزال أول رسالة تجعل التسامح بين الأديان (الستة) شرط الوجود السلمي بين البشر ومن ثم تحقيق الأمر بالتعارف بينهم؟
وبذلك فإن المسألة الثالثة من بحثنا هي بدورها مؤلفة من عدة قضايا معقدة كما يتبين من هذه الخطة. ونعالجها على ثلاثة مراحل متوالية أولها يعالج التشخيص بوجهيه والثاني العلاج بوجهيه والأخير لأصل كل المسائل أو أمها. ونبدأ بمشيئة الله بالفصل الأول.
الفصل الأول: التشخيص المضاعف وله وجهان
1-ما طبيعة الحاجة العربية للإستراتيجية السلمية؟
2-وكيف تلغي هذه الإستراتيجية مقومي القوة الإسرائلية؟
من اليسير أن نبين وهاء كل ما يعيبه هيكل على القادة العرب المتهمين بالاعتدال-وقد صار بعض السخفاء يتمالحون فيصفونه بالاعتلال أعني أولئك الأميين الذين يدعون في الإستراتيجية علما لا يتجاوز قرع الطبل الإيراني في فضائية الجزيرة-وما يثمنه من سلوك القيادات المفاخرين بالممانعة. وعلينا أن نبين الأمرين التاليين:
الأول: فظن هؤلاء أن إستراتيجية السلم التي تبناها العرب خطأ وليست هي أقوى الأسلحة ضد إسرائيل دليل الجهل المطلق بمقومات القوة الحقيقية فضلا عن عدم فهم العصر والتوازنات الحائلة دون العرب وتحقيق أهدافهم بخطة أخرى. وهذه الخطة البديل عند أمراء المليشيات الدينية هي في الحقيقة من جنس ما كان يدعيه أمراء المليشيات اليسارية العربية في نهاية الحرب الباردة الذي كان يعتبر تحرير القدس يمر من الاستيلاء على عمان ولم يكن يدري أن ذلك لم تم لحقق لإسرائيل سياسة الوطن البديل.
والثاني: وظن السوء بالخطة العربية هو عين الأمر الذي جعل أصحاب الممانعة يحولونها إلى ذروة البلاهة التي يحقق سياسة العدو كما يتبين من طبيعة الانتصارات التي يشنفون بها آذان الجماهير ويملأون بها الفضاء الإعلامي الذي تحول إلى جو خانق من الدعاية والديماغوجية في فضائيات أحزاب الله وعلى رأسها الجزيرة التي لا تتكلم على المقاومة الحقيقية التي هزمت أمريكا في العالم كله وليس في الوطن العربي وحده إلا لتلصق بها تهمة الإرهاب.
فأقصى ما يحققونه من انتصارت هو ما يفاخرون به ليلا نهارا أعني تحويل المعركة التاريخية إلى مسألة صفقات متوالية بين المخابرات الغربية أو العربية والمخابرات الإسرائيلية وهي صفقات جميعها ذات طابع شكلي تقدم للعدو فرصة تحقيق مشروعه طويل النفس مقابل انتصارات وهمية للمتعنترين أعني إغراق الأمة في القشور وتمكين الدبلوماسية الإسرائيلية بتواطؤ الدبلوماسية الغربية التام معها من أن تنجز خطة الخداع المطلق للعالم بفضل المتعنترين الذين يوطدون دعاية إسرائيل حول الخطر المحدق بها من كل جانب.
وهكذا فالمتذاكون من صف الممانعة المزعوم تحولوا من حيث لا يعلمون إلى أكبر أدوات الدعاية لحجج إسرائيل وخططها بعيدة المدى ومن ثم إلى ذروة الغباء في تاريخنا السياسي:
فأولا تعد الأمور التي من جنس ما يسمى بصفقات تبادل الأسرى علامة على احتقار العرب لأنفسهم ودليل الاعتراف القاطع بقيمة العدو الرفيعة كما يتبين من مبادلة رفاة الجندي الإسرائيلي بمئات الأسرى العرب
وثانيا يعتبر هذا النوع من الصفقات دليلا على جعل التاريخ رهن الخطة الإسرائيلية في تلهية العرب بالشكليات والقشور خلال تحقيق خطة السيطرة على كل الأرض مع منع العرب من الفراغ لما هو أهم أعني تحقيق شروط القوة الفعلية التي تلغي شرطي القوة الإسرائيلية من الأصل: القوة الرمزية (دورها في الروحانية الغربية الحديثة) والقوة المادية (دورها في الإمبراطورية الاستعمارية أيا كانت).
وقبل أن أبحث في سبل الخروج من هذه الدوامة التي أدخلنا فيها المتعنتر من صف الممانعة أعني قبل أن نسأل أنفسنا هذين السؤالين اللذين ليس منهما بد:
1-ما طبيعة الحاجة العربية للإستراتيجية السلمية؟ أو كيف يمكن للعرب أن يتجاوزوا أسباب الضعف التي هي سر قوة إسرائيل بالإضافة إلى علاقتها معنا فضلا عن سرها بالإضافة إلى الغرب؟
2-وكيف تلغي هذه الإستراتيجية مقومي القوة الإسرائلية؟ أو ما سر التأثير الذي لإسرائيل في الغرب بوجهيه الرمزي والمادي ومن ثم ما العامل الثاني الذي يفاقم ضعفنا أمام إسرائيل؟
أريد أن أعبر عن الضجر الذي أشعر به كلما استمعت إلى هؤلاء المتعنترين يتفاقهون في توصيف الصراع توصيفا يفترض أن غيرهم غبي أو غافل عما يتصورونها علما لدنيا بالحقائق المزوعون فيتكلمون على الحقوق التاريخية متناسين أن لا معنى لها بمقتضى التاريخ نفسه إذا لم يكن للمحتجين بها غيرها من أدوات جعلها تصبح حوزا. فالحق الأعزل لا معنى له إلا في اليتوبيات. لذلك فكل ما يرددونه مما يتصورون علما أو تذكيرا بالحقائق لا يجهلها أحد ولا يتجاهلها. والفرق هو البحث عن الجمع بين الحق وشروطه المحققة للحوز فعلا وبكلفة إستراتيجية لا تجعل النهاية أسوأ من البداية. فكلنا يعلم أن إسرائيل تأسست على سلب الحقوق ولا أحد أن القانون الدولي مزدوج المعايير وأن العالم خاضع لشريعة الغاب وأن السياسة لا تحكمها إلا المصالح والعاجل منها على وجه الخصوص إلخ...
كل ذلك استغباء للآخرين وهو من ثم من الأدلة على غباء صاحبه إذا كان يتصوره علة كافية لنيل الحقوق ولتغيير حقيقي في مجرى أحداث التاريخ الفعلي أو حتى الرمزي. إنه كلام لا معنى له والسكوت في هذه الحالة أفضل منه وخاصة إذا كان دالا على العمل الهادئ من أجل تغيير شروط المعادلة. فليس القصد تقديم محاضرات حول ما ينبغي أن يكون. فلو لم يكن الكائن على الحال التي هو عليها لكان البحث الإستراتيجي في شروط الفعل المؤثر عديم المعنى: ذلك أننا نبحث المسائل الإستراتيجية لانتخاب أفضل الطرق في علاج هذه الأمور . ومن ثم فكل تعالم حولها هو من نافل القول لأننا لسنا في معرض الكلام على الحقائق بل في معرض علاج الأدواء التي تنتج ما حولوه بغبائهم إلى حقوق للعدو لا تقبل النقاش لأن الأمر لا يتعلق بالحقيقة بصورة مجردة بل بالحقيقة كما تبدو في عصر الصورة وفن التأثير الرمزي.
ويتمثل غباء هؤلاء المتطفلون على الإستراتيجية في كونهم لا يفهمون أن دعاية إسرائيل بالكلام على الخطر المحيق بها (كذبة أولى) الخطر الذي يدعمون وهمه ليلا نهارا حتى جعلوه يبدو حقيقة لا شك فيها أن هذه الدعاية تلغي كل كلام على الحقوق لأنها تقنع أي إنسان بوجاهة ما تفعله إسرائيل مهما كان همجيا لأنه يبدو دفاعا عن النفس من أجل ضمان بقاء شعبها في الوجود (كذبة ثانية): من يقبل أن تفني الجماعات البربرية بقية ضعيفة من الشعب المختار (كذبة ثالثة) الذي كادت النازية أن تفنيه (كذبة رابعة) شعب ممثل للحضارة الغربية والديموقراطية (كذبة أخيرة) تحيط بها مئآت الملايين من المتعطشين لشرب الدم ولا ينفكون يرقصون رقصة الهنود الحمر لسلخ جلدة رأسه ؟
ولأعد الآن إلى سؤالينا اللذين يتبين من خلالهما دقيق التبين أن مسألة تشخيص الأدواء التي علينا علاجها تدور حول سؤال مضاعف:
1-ما الذي ينبغي أن نفعل إيجابيا لنربي قوتنا أعني ما لا يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها فضلا عن كونه لا يتعلق مباشرة القوة العسكرية بل بشروطها غير المباشرة أعني التنمية بكل وجوهها
2-وما الذي ينبغي أن نفعل سلبيا لنحد من عوامل قوة إسرائيل المتناسبة عكسا مع قوتنا؟ ولماذا يشترط كلا الفعلين إستراتيجية السلم حلا وحيدا دون أن يعني ذلك عدم العمل بآية الاستعداد (الأنفال 60) الاستعداد للحرب استعدادا قد يغني عنها ؟
وسأسمح لنفسي فأبدأ البحث في المسألة بهذه الملاحظة المبدئية البينة بذاتها حول أمرين بالغي الأهمية:
فأما أولهما فيخص الخطة التي يمكن أن نشل بها عامل القوة المباشرة عند العدو: هل يجهل كل المحللين التلفزيين المتفاقهين البداهة التي مفادها أن كل دولة يتقوم وجودها بالحرب الدائمة يمكن أن تفقد مبدأ وجودها ذاته بمجرد أن ينجح المتصدي لها في فينقلها من حالة حرب المناجزة إلى حالة حرب المطاولة بحيث يجعلها في لا سلم ولا حرب ويمنعها من خوض أي حرب حقيقية ؟ فمن له شروط الاستعداد الحربي وهو في حالة التوتر التام (إسرائيل) يفقد طاقته بالتدريج بسبب عدم استعمالها فتتفتت عصابينه بطول المدة ومن يسعى إلى هذه الشروط وهو في حالة الارتخاء التام (العرب) تنمو طاقته بالتدريج بسبب الاستعمال المتدرج ويمكن أن تتمن عصابينه بطول المدة: وذلك هو معنى حرب المطاولة التي من مهام الإستراتيجية المدركة لمحددات الصراع منعها من التحول إلى حرب مناجزة للمدة الكافية للاستعداد.
وأما الثاني فهو عكس الأول ويخص طبيعة الخطة التي يلهينا بها العدو عن تحقيق شروط قوتنا غير المباشرة فيحول دوننا والإبقاء على ظرف المطاولة لينقل المعركة إلى المناجزة: هل يجهل هذا الرهط من المحللين والمنظرين والثورويين أن الدولة غير النامية لا يمكن أن تحقق شروط النمو خاصة إذا كانت فقيرة مع الدخول في معركة التسابق التسليحي الحديث فضلا عن القدرة على الصراع مع الكبار من دون شروطه ؟ يكفي أن نقارن ما حدث في تجربة محمد علي وعبد الناصر وصدام حسين بما حدث في تجربة عماليق الشرق الأقصى وحتى نموره. فهؤلاء ناوروا ما أمكنت المناورة لتجنب الصدام حتى يفرغوا لتحقيق شروط القوة اللامباشرة. لذلك فالعدو يفعل كل ما يريد ليعيد المعركة إلى حرب المناجزة حتى يحسمها بضربة قاضية تربحه نصف قرن.
فإذا حلنا دون الشرط الثاني وحققنا الشرط الأول حققنا فرصة الشروع في الجهاد الحقيقي على الجبهات الشارطة للقيام فنزيل أسباب ضعف الأمة ما قد يجعلها بذلك غنية عن محاربة العدو المتطفل على قوى العصر دون أن يكون ذا قوة ذاتية أعني دأب بني إسرائيل الذين يتطفلون على قوة العصر الغالبة ليمتصوا دمها موهمين قياداتها أنهم في خدمتها: وذلك هو الهدف الجوهري من إستراتيجية السلم العربية وهي إستراتيجية لا تتنافي مع المقاومة بكل أصنافها بشرط أن تبقى في إطار هذه الإستراتيجية على الأقل في خطابها. لعمري فمن يسمع هؤلاء المنظرين الغافلين لا يمكن إلا أن يستنتج أنهم لم يدرسوا قط التناسب بين الحاجات ونوع الحرب الذي تستعمله الأمة: ولو اطلعوا على الفرق الذي أشار إليه ابن خلدون عندما ميز بين حرب المطاولة وحرب المناجزة لتوقفوا عن ثرثرتهم فاستراحوا وأراحوا.
ولعل أفضل الأمثلة الجامعة بين التجربتين هو التجربة الأوروبية: فبعد أن رأوا ما يمكن أن يوصل إليه مواصلة سياسة القوى العظمى من دون شروطها في الحرب العالمية الثانية ها نحن نراهم يسعون إلى تحقيق هذا الشروط قبل العودة إلى الدور الكوني للقوة العظمى. فخضوع أوروبا للاستعمارين الروسي والأمريكي خلال نصف قرن لم يمنع قادتها في المستويات السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية من مواصلة السعي نحو شروط القيام المستقل حتى صارت أوروبا اليوم أولى القوى العالمية وهي قريبا ستكون القطب العالمي الأول.
ولنعد الآن إلى سؤالينا الجوهريين في هذه المسألة الأولى بادئين بأولهما: فما طبيعة الحاجة العربية للإستراتيجية السلمية؟ أو كيف يمكن للعرب أن يتجاوزوا أسباب الضعف التي هي سر قوة إسرائيل بالإضافة إلى علاقتها معنا فضلا عن سرها بالإضافة إلى الغرب؟ فالحاجة الأكثر إلحاحا بالنسبة إلى العرب هي تحقيق التنمية بكل أبعادها وهي قابلة للحصر بالاعتماد على نظرية ابن خلدون كما شرحها الأستاذ أبو يعرب:
1-تنمية مادة العمران ذات بعدين مادي ورمزي: فهي تقتضي ماديا الإصلاح الاقتصادي ورمزيا الإصلاح الثقافي. وكلاهما مستحيل في عصر العماليق بالنسبة إلى أي قطر عربي منفرد فضلا عما يقتضيه من مدة لا تقل عن القيس بالقرون إذا سلمنا بالإمكان. ففضلا عن كونهما يشترطان التمكن المبدع في كل العلوم الطبيعية والإنسانية فإنهما مستحيلان من دون حجم قابل للتنافس مع القوى المسيطرة على السوق العالمية في المجالين المادي الاقتصادي والرمزي الثقافي.
2-تنمية صورة العمران ذات بعدين كذلك مادي ورمزي: فهي تقتضي ماديا الإصلاح السياسي (أجهزة الحكم ومؤسسات الدولة) ورمزيا الإصلاح التربوي (أجهزة التعليم ومؤسسات التربية). وكلاهما مستحيل من دون شروط استقلال الإرادة الوطنية. وهذا الاستقلال ممتنع على الدويلات التي لا يعدل دخلها القومي الخام ميزانية شركة متوسطة في دولة متوسطة في العالم المتقدم. وبذلك يتبين للعيان أن الفراغ لهذه المهام لا يمكن أن يترك مجالا للدخول في صراعات
تلك هي الشروط التي يمكن تحقيقها من تجاوز أسباب الضعف: التنمية القطرية ضرورية لعلتين (عدم حصر التنمية في المركز وتحقيق الديموقراطية) لكنها غير كافية لفقدان الحجم بالقياس إلى تحديات التنمية بصرف النظر عن الصراع وبالقياس إلى الصراع.
بعد أن جرب العرب بالتجارب الأربع الفاشلة اثنتان تعتمدان التوحيد بالقوة واثنتان تقتصران على الانكماش القطري أليس من الواجب أن يشرعوا في الإستراتيجية الوحيدة الممكنة والتي مكنت كل الأمم التي مرت بتجارب مماثلة لتحقيق الوحدة من النجاح؟ فما من أمة توجد في ظرف الأمة العربية من دون العلاقة مع قوة إمبراطورية تجد من مصلحتها تحقيق وحدة مجال عملها. فلنذكر ما لا يزال محفوظا في الذاكرة الحديثة أعني توحيد ألمانيا وإيطاليا والهند والصين وأوروبا:
فألمانيا ما كانت للتتحد لولا حروب نابليون التي زعزعت أركان الإمارات الألمانية فمكنت بروسيا من جمع الشعب بفضل العمل على إحياء النخوة القومية.
وإيطاليا ما كانت للتتحد لولا حروب نابليون الأول سلبا وسياسة نابليون الثالث إيجابا لتحقيق التوازن مع ألمانيا مع حيوية العامل القومي في تلك اللحظة التاريخية.والهند هل كان يمكن أن تخرج من مئات الإمارات ومئات اللغات والثقافات لولا الاستعمار الانجليزي ؟
والصين هل كان تشانكاي تشاك بمساعدة الولايات المتحدة ثم ماو بمساعدة الاتحاد السوفياتي ثانيا هل كانا يحققان تحقيق الوحدة لعالم لا يكاد عدد لغاته يحصى وتعدده الثقافي والإثني ؟
وأوروبا أخيرا هل كان يمكن أن تخرج من الصراعات التي لم تتوقف منذ القرون الوسطى إلى الحربين الكونيتين لولا الإمبراطوريتين الأمريكية والسوفياتية.
فلم يتصور العرب أنفسهم قادرين على أن يتصرفوا وكأن التاريخ خال من كل سننن فيصبح محمد علي أو عبد الناصر أو صدام حسين يتصرف تصرف القوة العظمى بإمكانات لا تعدل ما يتوفر لبلدية في مدينة متوسطة من مدن الدول المتوسطة فضلا عن المدن الإمبراطورية ؟
وبعد فلنمر إلى الوجه الثاني من المسألة الأولى: كيف تلغي هذه الإستراتيجية مقومي القوة الإسرائلية؟ أو ما سر التأثير الذي لإسرائيل في الغرب بوجهيه الرمزي والمادي ومن ثم ما العامل الثاني الذي يفاقم ضعفنا أمام إسرائيل؟ سبق فبينا أن أنور السادات الذي يتهمه سخفاء القوميين والإسلاميين بالخيانة أدرك طبيعة هذين المقومين فقضى عليهما نهائيا بخطته التي أخرجت العرب من طور رد الفعل:
فقد كان البادئ بالحرب فأفقد إسرائيل سر القوة المادية أعني المبادرة بالحروب العسكرية الخاطفة
وكان البادئ بوضع إستراتيجية السلم فأفقدها سر القوة الرمزية أعني المبادرة بالحروب الدعائية الخاطفة.
والمعلوم أن السلاح الثاني هو أمضى أسلحتها لأنه هو الذي يضمن لها تكفل الغرب بأن يجلها بمفردها أقوى من كل العرب مجتمعين بل وحتى من كل المسلمين مجتمعين. فالنسبة العددية المهولة بينها وبيننا تجعل النخب الغربية –بصورة مفهومة حقا-مقتنعة بأن إسرائيل في خطر ماحق وأنها من ثم يحق لها أن تحقق ما يسمى بالحرز المطلق أو القوة الذرية مع الإبقاء على المسلمين جميعا منزوعي السلاح لضمان بقاء إسرائيل.
وبذلك يتبين أن قوة إسرائيل المادية علتها قوة حجتها الرمزية: شعب ضعيف هو بقية باقية من الهولوكوست يحيط به همج يفوق عددهم ثلاثمائة مليون ويسندهم مليار من البشر يريدون أن يقضوا عليها. فمن يمكن أن يخطر بباله أن إسرائيل لو فقدت التفوق التسليحي يمكن أن تبقى يوما واحدا حتى لو كان الهجوم عليها ممن حولها مقصورا على المقاليع ؟ وما بالك إذا صرت تسمع ليلا نهارا المليشيات الغبية تدعو بالويل والثبور وفضائع الأمور بكلامها السخيف عما تنوي فعله بإسرائيل التي سيمحقونها بما لم يصنعوه بعد من الأسلحة؟ من بعد سماع صراخهم ونباحهم سيتركهم ينمون وهم قبل أن يصلوا إلى ما يمكن أن يهدد ذبابة لا ينفكون يهددون العالم كله بالتخريف والشماريخ التي تلقى هنا وهناك في الأدغال والصحاري حتى ولو أدى ذلك إلى القضاء النهائي على كل شروط التنمية والنهوض الحضاري فيتصومل العالم الإسلامي ويتأفغن ؟
إن فيضان الكأس يجعلني أصدع بهذه الحقائق المرة للتاريخ وحتى يفهم الدجالون أن بناء الأمم ليس لعب أطفال ولا هو مجرد كلام عما ينبغي بل هو بالضرورة تعامل مع الموجود بكل مايقتضيه التخطيط البعيد لشروط القوة. ذلك ما احاول مواصلة الكلام فيه خلال الحلقات الموالية إن شاء الله. وفوق كل ذي علم عليم.
ملاحظة عارضة يفرضها الظرف
ولأختم هذه المسألة بملاحظة عارضة أجعلها ضميمة متعلقة بمسألة الفتنة المذهبية التي يحاول أعداء الأمة الخارجيين والداخليين توظيفها لإفساد سعي المسلمين للتحرر: فبصرف عن النظر عن كل الأدلة المادية القاطعة عن النشاط التبشيري الشيعي في عالم الإسلام السني من جاكرتا إلى المغرب وبصرف النظر عما نبه إليه بعض النبهاء من المفكرين لعل أولهم كان أبا يعرب منذ مقامه في ماليزيا فإن كل خطاب حزب الله خاصة والحركات الشيعية عامة يركز بصورة صريحة لا لبس فيها في كل المناسبات المآتمية واستعراضات المليشيات الفاشية التي يعدونها في كل مكان من أرض الإسلام على دور تاريخهم الدرامي الذي أسس لظاهرة الإرهاب والاغتيالات السياسية (الحركات الباطنية) في حضارتنا دوره في تحديد سلوكياتهم الانتقامية من السنة فضلا عن التاريخ الأسود للتحالف مع كل الغزاة لدار الإسلام خلال كل العصور من الغزو الصليبي إلى الغزو المغولي إلى الغزو الأمريكي.
والمعلوم أن كل استراتيجي مهما قل علمه يدرك أن العدو الداخلي في كل جماعة أخطر ألف مرة من العدو الخارجي لأن الثاني يتوسل الأول في كل أعماله الاندساسية والنفسية لإضعافك من الداخل وتخريب صفك ومن ثم للنيل منك بأبناء جلدتك وهو ما يسمى في الإستراتيجية بالطابور الخامس. ولما كانت إسرائيل لا تخشى تركيا ولا إيران بل تخشى الأمة العربية فإن كل سعيها لمنع عودة هذه الأمة لدورها التاريخي في تحقيق النهضة وقيادة الإسلام فإنها تختارهما حليفين إستراتيجيين حتما مهما بدا من الخطاب الدعائي لأي منهما. وإذا كنت لا أعني بذلك أنه على الأمة العربية أن تجعلهما عدوين بنفس درجة العداوة مع إسرائيل فإني اعتبر الحذر منهمافي خلال الصراع الطويل مع إسرائيل يقتضي أن نقدم الخلاص من شرورهما بالتحوط ضد سريان شبكاتهما في كيان الأمة حفاظا على مقومها الأساسي وسر دورها التاريخي: الإسلام في صورته القرآنية التي لا يمكن أن تكون إلا عربية.
ومع ذلك فأنت لا زلت تجد من بين المحللين المأجورين وخاصة رؤساء الصحافة العربية الأجيرة في المهجر وفي الوطن من يعتبر الكلام على التشييع في عالم الإسلام السني مجرد مسخرة علته وهم نظرية المؤامرة. لذلك فهم جميعا يكذبون ما تتكلم عليه مصر في المحاولات التي اكتشفتها مصالح دولتها الأمنية التي تتصدى بإمكانيات محدودة لمؤامرات من كل صوب وحدب لعل رأس الرمح فيها سذاجة القيادات الروحية في الحركات الإسلامية السنية. ولعل أكبر دليل على هذه السذاجة ما توصل إليه رئيسهم بعد ما وصل الأمر إلى المساس بأسرته الشخصية رغم كل ما حاوله صادقا لإخراج الشيعة من هذا المرض التاريخي الذي لم يستطيعوا منه فكاكا ربما لأنه في الحقيقة مجرد أداة في يد الحالمين باستعادة إمبراطورية أنو شروان.