


في تأسيس علوم التاريخ والإنسان
بين أرسطو وابن خلدون
3-4/4
أبو يعرب المرزوقي
المسألة الثالثة
من جدلية البداوة والحضارة الظاهرة إلى جدلية الطبيعة والثقافة الباطنة
أما المقومان الواعيان في التفسير الخلدوني للظاهرات العمرانية فهما واردان في المقدمة ورودا صريحا ومحددان لترتيب المسائل فيها بخلاف المقومين غير الواعيين اللذين أشرنا إليهما في المسألة السابقة واللذين اضطررنا لاستنباطهما بتحليل يبدو شديد التعقيد. فهما يمثلان مبدأي التفسير الأساسي فيها أعني التفسير بمؤثرات التاريخ الطبيعي ومصدرها مادة العمران (ذهابا من باب المقدمة الأول إلى بابها الأخير) وبمؤثرات التاريخ الحضاري ومصدرها صورة العمران (إيابا من باب المقدمة الأخير إلى بابها الأول)[1]:
1- الشروط الناتجة عن جدل المستوى الفعلي من العمران: أ- فاعلية الطبيعة (الخارجية أي المحيط والمناخ والداخلية أي بدن الإنسان ونفسه) ب- وفاعلية الإنسان في التاريخ (من المستوى الفطري من الرمز والمعرفة في السحر والكهانة والتنجيم والنبوة في الباب الأول إلى المستوى الصناعي من الرمز والمعرفة في الباب السادس).
2- الشروط الناتجة عن جدل المستوى الرمزي من العمران: أ- فلسفة الطبيعة التي تنفي الضرورة الميتافيزيقية شرطا للانتقال من السببية إلى الانتظام القانوني (نقد الغزالي لمابعد الطبيعة النظرية) ب- وفلسفة التاريخ التي تنفي الحرية الميتافيزيقية شرطا للانتقال من تحكمية السلوك الإنساني إلى انتظامه القانوني (نقد الغزالي لما بعد الطبيعة العملية أو لما بعد التاريخ الاعتزالي والباطني).
وبذلك يصبح بوسعنا أن نقرأ المقدمة قراءة تذهب من بدايتها (الباب الأول: تقدم المقوم الطبيعي ممثلا برأس حربته أو الرزق والتعاون عليه أو التنافس على المقوم الرمزي) إلى غايتها (الباب السادس: تقدم المقوم الرمزي ممثلا برأس حربته أو الذوق والتآنس به أو التواحش على المقوم الطبيعي) لتحديد دور التأثير الذي ينسبه ابن خلدون إلى العامل الطبيعي الخارجي والداخلي ثم قراءة تعود من الغاية إلى البداية لتحديد دور التأثير الذي ينسبه ابن خلدون إلى العامل الحضاري الخارجي والداخلي. ولا تكون قراءة ابن خلدون كاملة إلا بالجمع بين القراءتين المحددتين لأثر الفاعليتين اللتين تلتقيان في القلب أو في العمران الحضري ممثلا بالمدينة:
فقبل المدينة وبعدها مباشرة يوجد العاملان الأساسيان من صورة العمران ومادتة أعني أداتي فعل التاريخ الطبيعي والتاريخ الحضاري الأكثر وقعا: السياسة في الباب المتقدم على المدينة والاقتصاد في الباب المتأخر عنها.
ثم قبل المدينة وبعدها بصورة غير مباشرة توجد ذروة الفاعلية الطبيعية وذروة الفاعلية الحضارية أعني: ثقافة العمران البدوي وتربيته قبلها وثقافة العمران الحضري وتربيته بعدها.
والمهم في هذين المسارين هو تبادل التأثير بين الفاعليتين الطبيعية من البداية إلى الغاية والحضارية من الغاية إلى البداية كما يمكن وصفه إجمالا على النحو التالي وهما عاملان ضمنيان في النظرية كما أسلفنا[2]:
1- الشروط الناتجة عن أثر الفواعل الطبيعية في الفواعل الحضارية بتوسط العمل: أ- الفاعلية الكيماوية والبايولوجية شرطا في تغيير العمران البشري ومن ثم التاريخ الإنساني ب- والفاعلية النفسية والخلقية شرطا في تغيير العمران البشري ومن ثم الظاهرات التاريخية.
2- الشروط الناتجة عن اثر الفواعل الحضارية في الفواعل الطبيعية بتوسط العلم: أ- نظرية التكنولوجيا أو تحويل الرياضيات إلى أداة فعل سالب أو موجب في الطبيعة ب- ونظرية الإيديولوجيا أو تحويل السيميولوجيا إلى أداة فعل سالب أو موجب في التاريخ.
لكن أصناف الشروط أربعتها ضمنييها وصريحيها يوحد بينها أصل واحد هو الشرط الأصل في ثورة ابن خلدون المعرفية والقيمية: إنه التطابق التام بين موضوع فلسفة الدين (طبيعة العلاقة بين فاعلية مطلقة تنسب إلى الله وفاعلية نسبية تنسب إلى الإنسان كما يقصهما القرآن الكريم) وموضوع فلسفة التاريخ عند ابن خلدون (نفس هذه العلاقة كما يقصها التاريخ): ومن ثم فالفرق الوحيد بين الفلسفتين هو منطلق النظر إلى العلاقة فنزولا من الله إلى الإنسان هي فلسفة دين وصعودا من الإنسان إلى الله هي فلسفة تاريخ. لذلك كانت أحكام الشرع التي يفهم بها مجرى التاريخ في الدين الإسلامي كما أولها ابن خلدون وأحكام الوجود التاريخي التي يفهم بها التاريخ في نظرية عمل التاريخ الخلدونية أحكاما واحدة أو من نفس الطبيعة: الشرع مطابق للوجود في النظرية السياسية أو استناد الحكم إلى القوة خاصة إذا صاحبتها الشرعية إذ لا يحكم أمة إلا من غلب عليها أيا كانت طبيعة الغلبة بحسب مجال الحكم إن ماديا فغلبة مادية وإن رمزيا فغلبة رمزية[3].
ومثلما أن فلسفة الدين القرآنية تتضمن فلسفة تاريخ مطابقة لفلسفة التاريخ الخلدونية فإن فلسفة التاريخ الخلدونية تتضمن فلسفة دين مطابقة لفلسفة الدين القرآنية: كلتاهما تعتبر حصول الشأن الإنساني المتحقق في التاريخ الفعلي ممتنعا من دون صراع الإرادات ذاتي الانتظام ومن دون عناية من وراء هذا الصراع يجعله أداة لتحقيق غايات متعالية عليه وتنتسب إلى غيب الوجود عامة وغيب الوجود الإنساني خاصة. ومن ثم فليس هو إلا ثمرة الدور (الاستخلاف) الذي توليه العناية المتعالية لجدل القوى المتحايزة والمتداخلة في مجال واحد يتقوم بجدلها الرمزي في الاجتهاد والتواصي بالحق وبجدلها المادي في الجهاد والتواصي بالصبر من أجل تعمير الكون ورعايته: وضمن هذا الدور يحدد القرآن دور المسلمين بكونهم الأمة الشاهدة شهادة مشروطة بما تحقيقه يجعلها خير أمة[4]. ذلكما هما بعدا الاستخلاف: التعمير والرعاية. وفي التعمير والرعاية يكون التعدد والاختلاف بكل أصنافهما من شروط الفاعلية. لكن التعدد والاختلاف يمكن أن يكونا سببا للتناكر ومنع الماعون إذا تركا على الغارب وتلقاء النفس فإن الشرائع الطبيعية المنزلة مثلها مثل الفلسفات تسعى إلى جعلهما سببا للتعارف والتعاون.
لكن هذا المقوم (التطابق بين الفلسفتين) الجامع بين صنفي المقومات الصريح والضمني ورد بصورة غائمة وغير محللة في المقدمة لأنه ذُكر ذكرا خافتا يجعله شبة أمر عارض في حين أنه هو الأصل الذي يفسر كل الحلول الأخرى التي اختارها ابن خلدون في السياسة (جدل العصبيات حول الجلال) وفي التربية (جدل العقول حول السؤال) وفي الاقتصاد (جدل الإرادات المادية حول الرزق أو المال) وفي الثقافة (جدل الإرادات الرمزية حول الذوق أو الخير والجمال).
المسألة الأخيرة
غاية الأشعرية أو ثورتا الغزالي النظرية والعملية
هل كان يمكن لهذه الثورة المعرفية في تصور علم التاريخ والثورة القيمية في عمله أن تحصلا في المحاولة الخلدونية لو لم يتقدم عليهما بلوغ النقد الموجه لما كان يقوم مقامهما مرحلة السؤال الجذري الموجه إلى أصولهما العميقة في الفكرين النظري (عند الفلاسفة والمتكلمين) والعملي (عند الفقهاء والمتصوفة) ؟ لا شك أن ابن خلدون قد أدرك شروط تغيير نظرية عمل التاريخ فغيرها قبل أن يدرك شروط تغيير نظرية علم التاريخ ليغيرها. إنه قد صاغ الوعي بالتغيير الجذري في تصور عمل التاريخ فنجح في الصوغ النظري لتصور علم التاريخ[5]. لكن التغيير في تصور عمل التاريخ المعد للتغيير في تصور علمه ليس من ثمرات عمل ابن خلدون الفكري وحده حتى وإن عادت صياغته العلمية إليه دون سواه. إنما هو من ثمرات التغيير الذي حصل في الفكر النقدي الذي انطلق من نظرية العلم (المقابلة كشف الشهادة وحجب الغيب) ونظرية العمل (المقابلة كسب الفعل وخلقه) اللتين تؤسسان لفلسفة التاريخ القرآنية كما صاغها الفهم الأشعري في جدله مع كلام الاعتزال والفلسفة والفقه والتصوف. فيكون عمل ابن خلدون غاية مسار طويل واستثمارا للتغيير الذي حصل قبله في مجال الجدل الكلامي الفلسفي نظريا وعقديا وفي مجال الجدل الفقهي الصوفي عمليا وشرعيا. ويمكن أن نوجز ذلك على النحو التالي:
1- المسألة الأولى: في كيفية الخلاص من نظرية التحليل[6] الفلسفية والكلامية: ويتحقق ذلك بنقد ما بعد الطبيعة وخاصة بتغيير مفهوم السبببة والتحليل للفصل بين الضرورة المنطقية والضرورة الوجودية ومن ثم للتخلص من الآلية والضرورة الطبيعية والاقتصار على ما سيؤدي إلى القانونية العلمية في المجال الطبيعي.
بينا في غير موضع سخافة التهمة التي وجهت إلى الغزالي الذي يُحمل جرما يقول به أصحاب إيديولوجية العقلانية الميتافيزيقية فينسبون إليه قتل الفكر الفلسفي لكأن تجاوز الميتافيزيقا القديمة ليس ضربا جديدا من التفلسف الأرقى[7]. لكننا هنا نثبت أن هذه التهمة هي التي حالت بإيديولوجية العقلانية الميتافيزيقية دون مفكرينا وإدراك أهمية الثورة التي حصلت فنكصت بفكرهم إلى استئناف الترميم الفلسفي[8] الذي حصل بعد ثورة الغزالي المجهولة. فمحاولة نقد النقد الرشدية من أجل إحياء المشائية في تهافت التهافت أساسها عدم فهم هذه العبارة الوجيزة التي مرت مرور الكرام وكان الغزالي قد قالها ردا على اشتراط الفلاسفة أساسا للضرورة المنطقية في التحليل العلمي (الحقيقة في النظرية) الضرورة الوجودية في التعليل الطبيعي (الحقيقة في الوجود) ومن هذا الخلط تنبع كل ردود ابن رشد عليه.
فهو يقول داحضا اعتراضهم باستحالة العلم إذا كان ما يحصل في الوجود خاضعا لجهة الممكن كما يريد أن يثبت لا لجهة الضروري كما كان الفلاسفة يعتقدون: فرض الضرورة علته الظن أن الممكن الوجودي ليس قابلا للعلم ولما كان العلم ممكنا فالضرورة واجبة. يتصور الفلاسفة نفي الضرورة مقتضيا صيرورة كل شيء ممكنا ومن ثم امتناع العلم. لكن الغزالي يرد هذا الاعتراض بنظرية العادة[9] التي تجعل العلم ممكنا بالاقتصار على الضرورة المنطقية المتحررة من الضرورة الوجودية:" إن ثبت أن الممكن كونه لا يجوز أن يخلق للإنسان علم بعدم كونه لزم هذه المحالات. ونحن لا نشك في هذه الصور التي أوردتموها (=ما ينتج من محتملات عن نفي الضرورة والاقتصار على الإمكان في الوجود بعد نفي الغزالي الضرورة السببية) فإن الله تعالى خلق لنا علما بأن هذه الممكنات لم يفعلها. لم ندع أن هذه الأمور واجبة بل هي ممكنة يجوز أن تقع ويجوز ألا تقع. واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسيخا لا تنفك عنه"[10].
إن هذا الفصل بين الضرورة المنطقية في التحليل العلمي و الضرورة الوجودية في التعليل الطبيعي هي الثورة الأولى التي خلصت المعرفة الإنسانية في مجال الطبيعيات من الحائل الأساسي دون تطورها. فإذا كان ما تستند إليه المعرفة العلمية هو مجرى العادات باتت الضرورة التحليلية في العلم أداة لصوغ مجرى العادات وليست مطابقة مع ضرورة وجودية مزعومة: وفيها إذن ما يشبه الحياد الوجودي أو هو التزام وجودي يقتصر على ما يكفي لتأسيس الحقيقة العلمية التي تصبح محدودة بالتجربة من حيث الحصيلة دون أن تكون نابعة منها من حيث المنطلق الفرضي للنظريات العلمية. فيمتنع عندئذ زعمها علما مطلقا بل تبقى علما فرضيا محدودة نتائجه بما أيدته التجربة ومن ثم فهو قابل للدحض إذا توسعت التجارب فأثبتت خطأه. وتنتفي كل إمكانية للمعرفة الميتافيزيقية في الطبيعيات لأن المعرفة العلمية تصبح ذريعية وفي تطور دائم: عندما يتغير مجرى العادات الناتج عن التجربة أو ما في الأحداث من علاقات منتظمة تتغير النظريات المفسرة لها.
2- المسألة الثانية: في كيفية التخلص من نظرية التأويل الفقهية والصوفية. ويشترط ذلك نقد ما بعد التاريخ أي تغيير مفهوم الحرية والتأويل للتخلص من الغائية والحرية المتافيزيقية التي تزعم الإنسان خالقا لأفعاله وتعويضها بما سيؤسس للقانونية العلمية في المجال الإنساني.
وإذا كانت الثورة الأولى في كتاب تهافت الفلاسفة تتعلق بتخليص العلم التحليلي في الطبيعيات من الحاجة إلى الضرورة الطبيعية المطلقة في موضوع العلم النظري (الطبيعيات) [11] فإن الثورة الثانية في كتاب فضائح الباطنية[12] تتعلق بتخليص العلم التأويلي في التاريخيات من الحاجة إلى الحرية الخلقية المطلقة[13] في موضوع العلم العملي (التاريخيات). فيبدو العملان وكأنهما ذوا توجه متقابل بل ومتناف: أحدهما ينفي الضرورة فيبدو وكأنه يثبت الحرية والثاني ينفي الحرية فيبدو وكأنه يثبت الضرورة. لكن النفيين والإثباتين يلتقيان في حد أوسط بين الضرورة والحرية المطلقتين هو مفهوم مجرى العادات أو انتظام السلوك الطبيعي و الخلقي دون فصل وجودي بينهما إلا في مستوى الإدراك النفسي وليس في مستوى الإدراك العلمي لقوانينهما فيؤولان إلى نظام مختلف في المجالين حيث يلتقيان في الشكل الأول من القانونية أعني مجرى العادات المنطبق على جميع الظاهرات سواء كانت طبيعية (حدا من ميتافزيقا الضرورة) أو إنسانية (حدا من ميتاتاريخ الحرية): ومعنى ذلك أن ثورة الغزالي المضاعفة هي ذروة الأشعرية التي تبين أن الحرية المطلقة وهم ميتاتاريخي ينسب إلى الإنسان فاعلية خلاقة مثلها مثل الضرورة المطلقة التي هي وهم ميتافيزيقي ينسب إلى الطبيعة فاعلية خلاقة.
نفي سببية الضرورة في عمل الطبيعة ألغى اعتماد العلم الطبيعي على الضرورة واكتفي بمجرى العادات. ونفي سببية الحرية في عمل الإنسان ألغى اعتماد العلم الإنساني على الحرية وأرجعه إلى مجرى العادات كذلك: عمل الإنسان يخضع لانتظام وقوانين من جنس مجرى العادات الطبيعية. وهكذا تم تجاوز العائقين الأساسيين اللذين ينفيان كل إمكانية لجعل التاريخ يصبح علما:
فزعم الآلية والضرورة في علوم الطبيعية ليس ضروريا للتحليل. فالتحليل العلمي يقنع بالضرورة المنطقية بين القضايا الواصفة لمجرى العادات الطبيعية.
وزعم الغائية والحرية في علوم الإنسان ليس ضروريا للتأويل: فالتأويل العلمي يقنع بالتناسق المعنوي بين القضايا الواصفة لمجرى العادات التاريخية.
وبين أن التحرر من الزعم الأول يمكن العقل الإنساني من جعل العلم الطبيعي مبنيا على نماذج حرة تستمد فاعليتها من نجاعتها التفسيرية لمجرى العادات وليس من مطابقتها المزعومة لحقائق الأشياء وأن التحرر من الزعم الثاني يمكن من اعتبار الظاهرات التاريخية ذات قوانين من جنس قوانين الظاهرات الطبيعية التي تخضع لنفس النموذج المعرفي حتى وإن كانت تأويلية لا تحليلية[14].
وإذا تم رفع الفاصل بين العالمين الطبيعي والتاريخي تحريرا للأول من الضرورة المطلقة والثاني من الحرية المطلقة والاستعاضة عنهما بمجرى العادات حدا وسطا يفيد معنى الانتظام القانوني باتت نظرية العلم واحدة في كل علم موضوعه ذو وجود خارج الأذهان أي في الأعيان سواء كان طبيعيا أو تاريخيا. والفاصل الوحيد في نظرية المعرفة بعد ذلك يصبح مقصورا على المقابلة بين العلوم الصورية التي ليست بذات موضوع عيني والعلوم المادية التي لها موضوع عيني. فالعلوم الصورية هي العلوم التي يكون موضوعها من وضع العقل فتكون كلها ذهنية مادتها وصورتها. والعلوم المادية هي العلوم التي يكون موضوعها معطى حتى وإن كان مجعولا من حيث صياغته بعبارة العلم. فتكون ذهنية الصورة وخارجية الموضوع. وإذا وصفنا النوع الأول من العلوم بكونه أكسيوميا وجب أن نصف النوع الثاني بكونه تجريبيا. وكلاهما غير مستغن عن الآخر.
ذلك أن العلوم الأكسيومية نوعان إذ هي علوم غنية عن التجربة بطرح الموضوع من الاعتبار إما بإطلاق أو بإضافة. فأما حالة الاستغناء عن تعيين الموضوع بإطلاق فهي المنطق لأنها تستغني عن المضمون وتكتفي بالعلاقات الشكلية للدوال الخالية من كل مضمون طلبا لشروط الدلالة الصورية الخالصة. وأما حالة الاستغناء بإضافة فهي الرياضيات التي لها موضوع فرضي. إنها تستبدل الموضوع المعين في الوجود الفعلي حتى وإن كان تعيينه في الوجود التصوري مستندا إلى تحديدات فرضية تستبدله ببنى المشار إليه في الخارج عامة ومن ثم فهي تتعلق بشروط قيام الموضوع عامة أعني ببنى مادته من حيث هو موضوع فرضي شأنها شأن النظرية المنطقية التي تتكفل بوصف مقومات الصورة المنطقية للقول العلمي.
والرياضيات إذن تعالج بنى الموضوع المادية بصرف النظر عن طبيعته القائمة في تلك البنى المادية. وقد حصر ديكارت هذه البنى في بنى القيس والترتيب متجاوزا القدامى الذين حصروها في نوعي الكم. ويمكن أن نتجاوز ديكارت بتحرير عناصر الموضوع المقيس والمرتب من شرط الوجود الفعلي لكونها أباديع فرضية بإطلاق يضعها العقل وكأنها ألعاب فكرية لذلك فنحن نعتبرها من جنس الأباديع الأدبية حيث تكون الشخوص والأحداث في القصة الأدبية في نسبتها إلى التاريخ من جنس الكائنات والعلاقات الرياضية في نسبتها إلى الطبيعة. وعندئذ تنقلب العلاقة فيصبح الموضوع تاليا عن الصياغة التي لا تكتفي بوضع صورة العلم بل وكذلك مادته. وهذا هو النوع الثاني من العلم الأكسيومي.
كما أن العلوم التجريبية نوعان إذ هي علوم البنى المستقرآة من أعيان الموضوع وتلك هي المرحلة الأولى من مراحل المعرفة التجريبية ثم البنى الفرضية حول الموضوع التي يستنتج منها توالي تعرض على ما يمكن تخيله من تجارب للتحقق منها إيجابا أو سلبا فتصبح بنى المادة التجريبية تالية عن بنى الصورة الصوغية[15]. والواقع العلم التام جامع بين النوعين الأكسيوميين والنوعين التجريبيين. فالأولان يمثلان معين النماذج النظرية التفسيرية للمكن بإطلاق والثانيان يمثلان معين تنزيل النماذج إلى الأمثلة الموجودة التي تقرب في وجودها الفعلي من الصورة المثالية للنماذج الواردة في الأولين. وهو ما يشبه علاقة القانون الوضعي أو الشرعي بالنوازل التي ينطبق عليها: فتكون كل العلوم راجعة إلى فعل التشريع النظري وفعل التنزيل التطبيقي في المؤسسات التشريعية والقضائية في المجتمعات البشرية سواء كانت تلك المؤسسات وضعية أو شرعية.
وتتحد هذه الأصناف الأربعة في أصل كل العلوم: وحدة توجهي الإدراك وتلازمهما فهو إدراكُ موضوع وإدراكُ إدراك يكون من حيث هو إدراك غفل على هذا النحو من الترتيب وينعكس في حالة الإدراك العلمي حيث يتقدم إدراك الإدراك (التشريع) على إدراك الموضوع (التنزيل) أي إن المعرفة العلمية معرفة بذاتها قبل أن تكون معرفة بموضوعها. فإذا كانت الموضوع من وضع العالم كان ضمن إرادته فكان النوعان الأولان وذلك هو جوهر التنظير المجرد حيث يصبح العلم إبداعا خالصا. أما إذا لم يكن الموضوع من وضعه فإنه يكون خارج إرادته فيكون النوعان الثانيان وذلك هو جوهر التنظير المطبق حيث يصبح العلم اتباعا خالصا. لكن الإبداع لا يتم من غير الاتباع وهو من ثم فهو تحرر من الذات متدرج. وأعلى أجناسه الإبداع الأدبي وأدناها الإبداع العلمي لأن الأول إبداع أكسيومي للأحداث الخلقية التي هي أكثر تعقيدا من الأحداث الطبيعية أعني مبدعات الثاني. والاتباع لا يتم من غير إبداع ومن ثم فهو تحرر من الموضوع متدرج. وأعلى أجناسه العلوم الإنسانية وأدناها العلوم الطبيعية لنفس التعليل فضلا عن العلاقة بين قسمي النوعين بالتناظر: الإبداع الأدبي مع الإتباع في العلوم الإنسانية والإبداع العلمي مع الاتباع في العلوم الطبيعية.
الخاتمة
نريد أن نختم هذه المحاولة بفائدة أساسية تحررنا من قراءات ابن خلدون العجلى. فلعل تركيز ابن خلدون على العناصر التي أهملها الفلاسفة والمتكلمون في نظرية عمل التاريخ هو الذي غلط مؤولي نظرياته من المفكرين المحدثين. فالظن بأن العصبية هي المفهوم الرئيسي في المقدمة والظن أن ابن خلدون مادي النزعة كلاهما ناتجان عن هذا التركيز الخلدوني المفهوم من منظوره المحكوم بمعطيات لحظة التأسيس وغير المفهوم عند من يقرأ المقدمة متحررا من خصائص رد الفعل الخصامي في مرحلة التأسيس. لا شك أن العصبية مثلا أمر مهم لأنها أهم مقوم من أهم مقوم في العمران: فهي أهم مقومات الدولة التي هي أهم مقومات صورة العمران. لكن التركيز عليها دون مقوم الدولة الثاني والتركيز على الدولة دون مقوم الصورة الثاني علته أن هذين المقومين كانا وخاصة عند الفلاسفة خارج النقاش لأن دور العصبية يهمل بالإطلاق ودور الدولة ينفرد بكل شيء.
لكن التحليل الدقيق لنظريات ابن خلدون يبين أن العصبية بمفردها مفضية للهرج وأنها بحاجة إلى الشرعية وهي أربعة أنواع مثلها مثل العصبية: فالعصبية التي تستند إليها الأسر الحاكمة نوعان وهي عصبية النسب وعصبية الاصطناع كلتاهما تستتبعان الشرعية وتغلبان عليها لكنهما تحتاجان إليها: المساواة في المنزلة والكرامة في الأولى هي السر في عصبية النسب والمساواة في المصلحة والمنفعة هي السر في عصبية الاصطناع. لذلك كان الأولى تفسد بمجرد أن يشمخ الحاكم ويتعالى على مشاركيه في النسب ممن أسس معه الدولة وهو أمر متعاكس النسبة مع صعود العصبية المصطنعة بالمال والنفوذ بدل المنزلة والكرامة.
وهذا كله يتعلق بالأسر الحاكمة ولا يتعلق بالدولة. ذلك أن العصبية التي تقوم عليها الدول والتي لا ينطبق عليها قانون أعمار الدول الذي هو بالأحرى قانون يخص الأسر لا الدول هذه العصبية هي بدورها مضاعفة ومضاعفة التأسيس وهي "عقدية اثنية" و"عقدية حضارية". فمن جنس الأولى الخلافة التي هي عقدية وتدوم أكثر من الأسر التي من النوع الأول لأن الأسر فيها تصبح رموزا عقدية وليست فقط سلطانا دنيويا وتلك هي العلة في سعي الأسر الحاكمة إلى أن تصبح خلافة وغاية هذا الجنس تعدد الخلافات في نفس الجنس الإثني كأن يتحدث ابن خلدون عن انتهاء دولة العرب أو مضر وصعود دولة البربر في المغرب ودولة العجم في المشرق. لكن العصبية لها حد أقصى هو العصبية العقدية الحضارية. فأفول دولة العرب التي يشير إليها ابن خلدون وصعود دولة البربر مغربا ودولة العجم مشرقا لا يعني أفول دولة حضارة الإسلام.
وحتى نفهم هذه الأبعاد الأربعة ينبغي أن نربطها بمعاني التاريخ الأربعة: التاريخ قصيره وطويله ولكل منهما معنيان. فالقصير معنياه يخصان حضارة بعينها أو يعمان العالم كله فيكون عندئذ تاريخا صورته عصبية حاكمة في إحدى مناطق العالم أو تاريخا صورته صراع عصبيات حاكمة متجاورة في العالم. والتاريخ الطويل يكون في مستواه الأدنى تاريخ الدولة العقدية اثني (دولة العرب ودولة العجم ودولة البربر مثلا) وفي حده الأقصى تاريخا عقديا حضاريا (تاريخ المسلمين ومن عاصرهم من الأمم فضلا عمن تقدم عليهم). لكن كل هذه المعاني تغيب عن بال الباحثين في نظريات ابن خلدون لاقتصار نظرهم على الوجه الجدالي من فكر ه في ردوده على الفلاسفة الذي ينكرون عامل القوة أو الشوكة في العمران.
وفي الجملة فإن العصبية من حيث هي بعد القوة الناتجة عن التلاحم تتحدد بسر التلاحم. فهو النسب والمال والشرعية العقدية الإثنية بداية ثم الحضارية غاية. وفي الحقيقة فإن هذه المبادئ التي تجعل العصبية تعصب كلها متعاوضة ومتجانسة: فالنسب يكون في الأصل دمويا ثم يصبح ماليا ثم يصبح اثنيا ثم يصبح حضاريا. وكلها تتحدد بالتقابل كالحروف في اللغة: فداخل نفس المجتمع يتمايز الناس بالنسب والثروة والعقيدة والاثنية وبين المجتمعات المختلفة كذلك. فبالمقابل مع المسيحي يعرف الفرد المسلم نفسه بكونه غيره من حيث هو مسلم وفي مدينته يعرف الإنسان نفسه قبالة من هو أسرة أخرى بأسرته وقبالة من هو طبقة أخرى بطبقته إلخ.. أما بالنسبة إلى الظن بأنه مادي النزعة فإن التفسير واحد: التركيز على البعد الاقتصادي ليس إلا لأن الفلاسفة والمتكلمين في نظرية الدولة يهملون هذا الأمر ويتصورون البعد السياسي كافيا إلخ...
ويمكن أن نشرح مسألة استناد العصبية إلى مبدأ متقدم عليها هو أساس شرعيتها وسر فاعليتها إذ هي ليست المبدأ إلا عند من يقرأ ابن خلدون قراءة سطحية بل هي مجرد أداة المبدأ الذي يحقق الالتحام الشارط لتكوين قوة الجماعة الحاكمة أو الشوكة المشروطة في كل حكم سياسي. فالمبدأ هو أصل الشرعية التي تحقق الالتحام بين أفراد الجماعة لكي تصبح قوة قادرة على القيام بأعباء الحكم ببعديه المادي (الشوكة) والرمزي (علة شرعيتها التي تجعلها متجهة نحو تكوين نظام وليس مجرد اجتماع قوة للسلب والنهب كما هي حال العمران عندما تفقد العصبية هذا الأساس فتكون مفضية للهرج كما يقول ابن خلدون). وهذا المبدأ ذو مستويات خمسة: مبدآن اثنان وكل منهما ذو بعد مادي وبعد رمزي فيكون المجموع اثنين ماديين واثنين رمزيين. وأصل هذه المبادئ كلها مبدأ خامس يجمع بينها أربعتها وهو ذو طبيعة يصعب تحديدها لأن هذا المبدأ هو في نفس الوقت مصدر البعد المادي والبعد الرمزي في تصوير الوجود عامة وفي تصوير الوجود الإنساني خاصة أعني في تحقيق المزاج الصوري للعناصر المادية التي تصبح قادرة على الفعل الهادف: وهو عين انصوار المادة وتمدد الصورة دون أن يكون صورة ولا مادة لكأنه النواة التي لها حدان هما الصورة والمادة ومسارن إلى التصور والتمدد.
فعصبية الانطباع ذات حدين أدنى مادي وأقصى رمزي وهما القبيلة والإثنية والأول نسب فعلي والثاني نسب رمزي لأن أساس الأول مادي وهو وحدة الدم وأساس الثاني رمزي وهو وحدة الثقافة (اللغة والعوائد والتقاليد).
وعصبية الاصطناع ذات حدين أدنى مادي وأقصى رمزي وهما الاصطناع المصلحي الدنيوي (وأساسه العقل) والاصطناع المصلحي الأخروي (وأساسه الدين).
أما عصبية الأخوة البشرية فمبدأ شرعيتها يعتمد على المبدأ الخامس أي على المنزلة الإنسانية كما يحددها القرآن الكريم وكما فهمها ابن خلدون أعني منزلة الخليفة الذي كلف بعمارة العالم ورعايته ولها كذلك حدان: حد الرسالة من حيث هي مشروع يستند إلى مفهوم الاستخلاف بمعانيه الخمسة أي الاستخلاف النظري المجرد والمطبق (أدوات الاستخلاف هما العلم وتطبيقاته) والاستخلاف العملي المجرد والمطبق (غايات الاستخلاف هما العمل وتطبيقاته) ومن حيث هي شريعة تنظم المعمورة بمقتضيات ذلك المشروع.
وكان لا بد للمشروع من زمن طويل لكي يحقق شروط القيام بما تتطلبه هذه الرسالة أعني كل القرون السابقة من تاريخ الأمة الإسلامية التي باتت اليوم قادرة على تحقيق تلك الرسالة بعد أن تحقق شرط قيام المشروع المادي (دار الإسلام) وشرط قيامه الرمزي (رسالة الإسلام) تحققا فعليا في التاريخ. ولذلك فهما قلب التاريخ العالمي بأحيازه الخمسة (زمانه ومكانه وسلمه ودورته المادية ودروته الرمزية كما أثبتنا في غير موضع) كما يتبين ذلك سلبا (معاداة القوتين المسيطرتين على العالم المادية والروحية للإسلام والمسلمين أعني أمريكا وإسرائيل) وإيجابا قدرة الأمة على الاستئناف بعد كبوة ما يمكن أن يسمى بمرحلة النوم الشتوي الذي عشناه من عصر ابن خلدون إلى بداية حروب التحرير.
والمنطق الحاكم في توالي مبادئ الشرعية التي تجعل العصبية أداة للعمل ومن ثم قوة سياسية قادرة على تصوير العمران هو المنطق التالي: فالعصبية تبدأ عصبية دم أو نسبا طبيعيا ثم تمر مباشرة إلى عصبية الاصطناع المصلحي الدنيوي. وهذا الاصطناع الذي يبدو أمرا عرضيا علته استفراد الحاكم بالمجد المشروط بإبعاد العصبية الأولى هو في الحقيقة الشرط الضروري والكافي لتكوين أجهزة الدولة من حيث هي إدارة لوظائفها الخمس (الرعاية السياسية العامة والتربية والإنتاج المادي والإنتاج الرمزي والرعاية الروحية العامة). وبدون ذلك لا يمكن للدولة أن تكون أداة طيعة بيد سلطان الرعاية العامة السياسية والرعاية العامة الروحية. ثم تطغي عصبية الاصطناع أو التكنوقراط الذين بيدهم أجهزة الدولة فتكاد تخرج المستبد من سلطانه.
لذلك يجد المستبد نفسه بحاجة إلى عصبية النسب مرة ثانية لكنها تكون عصبية نسب من درجة أسمى وأوسع فتكون رمزية: إنها عصبية النسب الثقافي أو الإثنية (كل العرب مثلا في الأزمة التي أدت إلى نكبة البرامكة). وبعد ذلك تحتاج الدولة إلى عصبية أوسع تجمع الإثنيات المتوالية على نفس الحضارة فنعود إلى عصبية الاصطناع ولكن في مستواها الرمزي لا الطبيعي: فننتقل من عصبية الاصطناع بحساب مصالح الدنيا إلى عصبية الاصطناع بحساب مصالح الأخرى وتلك هي عصبية العقيدة التي نتكلم فيها على الدولة دولة الإسلام لا دولة العرب أو الفرس أو الترك. لكن الأفق الأعم يبقى عصبية الأخوة البشرية لجمعها بين كل هذه المستويات الأربعة السابقة. ولا يتم ذلك إلا عندما تتحق غاية ما لأجله جاءت الرسالة الخاتمة: دولة أبناء آدم أو وحدة الحضارة الإنسانية مع التعدد والاختلاف.
ويمكن أن نثبت العلاقة الوطيدة بين الحدين الأدنى والأقصى في مستويي العصبية الانطباعية والاصطناعية. فالحد الأدنى ذو صلة بالرزق. والحد الأقصى ذو صلة بالذوق. أو إن شئنا فإن مدار الحدين الأدنيين الرزق لكن مدار حديهما الأقصيين هو الذوق أعني التعالي على التحديد الرزقي إلى التحديد الذوقي حيث يتحرر الإنسان من الحاجة المادية ويصبح تواقا إلى أفق رمزي فيحصل الانتقال من غلبة القانون الطبيعي فيهما إلى غلبة القانون الخلقي عليهما. وبذلك فهما يؤسسان السلطان على الرزق وبه أو السلطان السياسي والسلطان على الذوق وبه أو السلطان الروحي.
وتجاوز السلطانين إلى السلطان المطلق أو عبادة الواحد الذي لا معبود سواه هو الذي يمكن أن يرفع الإنسان إلى عصبية الأخوة البشرية لإعمار العالم ورعايته تحريرا إياه من شرور العولمة الخمسة: 1- شر الرزق أو المجاعات المادية العالمية 2- وشر الذوق أو المجاعات الروحية العالمية 3- وشر السلطان على الرزق أو الطغيان الزماني العالمي 4- وشر السلطان على الذوق أو الطغيان الروحاني العالمي 4- وشر السلطان المطلق أو الجاهلية الحديثة التي ألهت الإنسان فقتلته بعد أن ظنت نفسها قتلت الله.
ودلالة دور الاقتصاد عند ابن خلدون من جنس دور العصبية. فمثلما أن العصبية مبدؤها ليس فيها بل في نوع الشرعية التي تستمد منها قيامها فكذلك الاقتصاد ليس مبدؤه منه بل من الثقافة التي يستمد منها قيامه. وهذه الثقافة مناسبة للشرعيات التي أشرنا إليها. فمن ثقافة المنزلة الواحدة في عصبية النسب بمرحلتيه إلى ثقافة منزلة الصنائع في عصبية الاصطناع بمرحلتيه وثقافة الجمع بين الثقافتين السابقتين أي أسرة الخلافة التي لها ثقافة المنزلة الواحدة وحكم الشرع (رئاسة الأشراف وهي بالأساس خلقية لأنها تستند إلى الترئيس الطوعي من قبل المؤمنين) والأسر المتداولة على السلطنة ولها ثقافة الصنائع وحكم الأمر الواقع والقوة (سيادة الأعناف وهي بالأساس مادية لأنها تستند إلى إكراه المسودين).
وقد دعا ابن خلدون إلى تعميم المنازل كما يحددها حكم الشرع فكان قائلا بالاقتصاد التحرري الذي يحول دون السلاطين والاغتصاب واعتبر الخطط الخلافية ذات ضمانة دينية وخلقية لشروط العدل في العمران. وهو يعتبر العدل مبدأ كل اقتصاد مزدهر لأنه يقوي الأمل ومن ثم القدرة على الإنتاج والإبداع: الاقتصاد في نسبته إلى الثقافة بهذا المعنى يناظر العصبية في نسبتها إلى الشرعية. لكن الإيديولوجيات العربية بتأثير من اليعقوبية الفرنسية أهملت هذا التحليل وتصورت الثورية كافية لتغيير سنن الأمم فكان أن استبدلوا ملكيات دستورية ضمنيا لأنها بدأت تستقر على شرعية نابعة من قيم الأمة بجمهوريات لا دستورية إذ ليس لها أي أساس عقلي أو ديني. لذلك فهي قد أصبحت ملكيات متنكرة وأقل خضوعا للقانون والأخلاق من كل الملكيات البدائية.
لم تفهم النخب التنويرية الزائفة أن ما استنبطه ابن خلدون من تاريخ المؤسسات في الحضارة الإسلامية كان يمكن أن يكون الأساس المتين لتحديث ناجح في صورة العمران (الدولة والتربية) وفي مادته (الاقتصاد والثقافة). فتطورها بمقتضى شرعيتها الذاتية يجعلها قابلة لتحقيق ما وصفه ابن خلدون من فصل بين سلطة رمزية تحقق وحدة الأمة التي ينبغي أن تكون رمزية وروحية (الخلافة سابقا ويناظرها رئيس الدولة لو تم التحديث المبني على العلم) وسلطة فعلية تعالج قضايا الحكم التي هي بالجوهر فعلية ومادية (السلطنة سابقا ويناظرها رئاسة الحكومة لو تم التحديث المبني على العلم). وتلك هي العلة حسب رأيي في أن الجمهورات العربية تعاني من تخلفها حتى على الملكيات العربية: فهذه أقرب إلى تحقيق شروط الدولة القانونية من تلك ومن ثم فهي الوحيدة التي يتوفر فيها مفهوم الجمهورية res publica أو الشأن العام بسبب تحرر الحاكم من ذاته الطبيعية وتحوله إلى ذات معنوية أو اعتبارية من حيث صيرورته رمز الشرع المتعالي على الجميع سواء اعتقدت الجماعة في كونه دينيا منزلا أو عقليا موضوعا.
[1] ويلتقي المساران في غايتي فعلهما: فغاية فعل القوة الطبيعية هي الدولة أو السياسة (الباب الثالث) وغاية القوة الرمزية هي المدينة أو العمران الحضري (الباب الرابع) وقبل الغايتين نجد الواسطتين: فالباب الثاني هو واسطة قيام الدولة من منطلق ما توفره الطبيعة الخارجية من أسباب العيش والتنظيم الطبيعيين والداخلية أو العمران البدوي. والباب الخامس هو واسطة قيام المدينة من منطلق ما توفره الثقافة من أسباب العيش والتنظيم الصناعيين. ويكون البابان الأول والأخير بابي الحدين المتجادلين: حد تقدم المقوم الطبيعي على الرمزي وحد تقدم المقوم الرمزي على المقوم الطبيعي. وتلك هي بنية المقدمة: قاعدتها البابان الثالث (الدولة) والرابع (المدينة) وجناحاها الأول (المحدد الطبيعي) والثاني (عمران الرزق الطبيعي) قبل القاعدة ومنبع فاعلية التاريخ الطبيعي والسادس (المحدد الحضاري) والخامس (عمران الرزق الصناعي) بعد القاعدة ومنبع فاعلية التاريخ الحضاري. وتنغلق الدائرة فتكون ذروة الجناح اللاحق بالقاعدة بحربتها الذوقية في الآداب منفتحة على ذروة الجناج السابق على القاعدة بحربته الرزقية. ولقاء الرزق والذوق هو مبدأ مادة العمران الأول والأخير والسلطان على الرزق (السلطة الزمانية) وعلى الذوق (السلطة الروحية) هو مبدأ صورة العمران الأول والأخير.
[2] وهو ما لا نجد له أثرا صريحا في الصياغة النظرية الخلدونية رغم أن افتراضه ضروري لفهم ما يقدمه من تفسيرات: فهو يتكلم مثلا عن تأثير الهواء والغذاء في الأخلاق ويتكلم عن تأثير التربية في المقومات العضوية والنفسية للإنسان دون أن يبين الوسائط التي تنقل ذينك الأثرين من العامل المؤثر إلى العامل المتأثر.
[3] كل من تصور مفهوم العصبية بإطلاق ودون وصف أمرا أساسيا عند ابن خلدون مجانب للصواب حسب رأينا. فالعصبية عند ابن خلدون شأنها شأن القوى الطبيعية ليس بمطلقها مبدأ للعمران بل هي كذلك بما تتصف به من شروط تجعلها مؤدية لهذا الدور. فهي في ذاتها مفضية للهرج. لكنها تصبح أصلا بمجرد أن يصحبها الشرط الذي يجعلها مبدأ قيام الوجه الأول من الصورة العمرانية أعني الدولة. وتكون العصبية مبدأ سياسيا إذا اعتمدت شرعية دينية أو عقلية أعني ما يحول دونها والبقاء قوة طبيعية تفضي إلى الهرج. وهذا الشرط ليس أمرا يطرأ عليها من خارجها بل هي متضمنة له لمجرد كونها عصبية إنسانية هادفة. ومن ثم فينبغي اعتبار العصبية مبدأ الاجتماع على غاية لكونها شرط الشوكة التي هي أحد وجهي الدولة: الشوكة والقانون. وبعبارة أوضح ليست العصبية هي المبدأ الأساسي في الفكر الخلدوني بل العلاقة بينها وبين الشرعية سواء كانت دينية أو عقلية أو جامعة بينهما: وهي جامعة بينهما بالذات وخاصة قبل أن تفسد أي في لحظات التأسيس لأن الدولة عنده تبدأ أرستوقراطية وتنتهي استبدادية مرورا بالأليغارشية.
[4] كما يتبين من العلاقة الشرطية الواضحة بين الآيتين 104 و110 من آل عمران: فالأولى تبدأ بأمر ولتكن منكم أمة والثانية بجوابه كنتم خير أمة.
[5] أريد أن أنبه إلى أمر مهم يهمله الباحثون العجلون. فابن خلدون استعمل منهجه في التاريخ الجديد الذي يسعى إلى تأسيسه في مقدمة المقدمة. ومن ثم فهو بين لنا طبيعة هذا التاريخ: إنه نقد الخبر بقوانين علم العمران. ومن ثم فعلم التاريخ الذي يمكن أن نقول إن ابن خلدون قد أسسه ليس علما مختلفا عن علم العمران بل هو منهج نقد الخبر حول العمران بالاستناد إلى علم العمران: أي إن العمران يعلم بنيويا وبصورة ما بعد تاريخية ويعلم تكويينا وبصورة تاريخية وكلا العلمين يعير بالآخر دون دور كما حاولنا بيناه في بحث المفارقات الخلدونية. فيكون هذا العلم النقدي منهج الاستعلام على العمران الذي أصبح فاعل التاريخ من حيث هو عمل رغم كونه موضوع التاريخ من حيث هو علم وهو كذلك في الوجهين بأبعاده التي حددناها عندما حددنا العلوم التي يعتبر علم العمران علمها الناظم أو السيد. تاريخ العمران هو نقد الأخبار المتعلقة به أي نقد الأخبار المتعلقة بأبعاده الخمسة:
1-علم الإنتاج المادي أو الرزق الذي يناظر ما يمكن أن نطلق عليه اسم علم الاقتصاد لأن ابن خلدون لم يقبل بنظرية الاقتصاد المنزلي بالمعنى الفلسفي التقليدي..
2-وعلم الإنتاج الرمزي الذي يناظر ما يمكن أن نطلق عليه اسم علم الثقافة علوما وآدابا لأن ابن خلدون جمع بين الأمرين في الباب السادس من المقدمة.
3-وعلم السلطة السياسية الذي يناظر ما يمكن أن نطلق عليه اسم علم السلطة الزمانية لأن ابن خلدون جعله يدور حول القوة المتصرفة في نظام إنتاج الرزق وتوزيعه وتبادله.
4-وعلم السلطة الرمزية الذي يناظر ما نطلق عليه اسم علم السلطة الروحية أو علم إنتاج المعاني وتوزيعها وتبادلها.
5-والعلم الجامع بينها أربعتها أو العلم السيد البديل من ما بعد الطبيعية: إنه علم ما بعد التاريخ أو علم العمران البشري والاجتماع الإنساني. وهو سيد بالذات من حيث هو علم الأمر العمراني من حيث هو عمراني وهو علم سيد بالإضافة إلى كل العلوم الإنسانية لأن ما يكتشفه من قوانين كلية تمثل القواعد العامة التي يستند إليها النقد التاريخي.
[6] المقصود بالتحليل العلم الذي يعتبر وصفا مطابقا للموضوع فيزعم علما موضوعيا لقابلية الاحتكام فيه إلى التجربة: لذلك كانت قاعدته الأساسية هي نظرية الحقيقة القائلة بالمطابقة بين ما في الذهن قولا وما في العين حقيقة.
[7] مقال النقد ومقال 100 سنة من الفلسفة.
[8] ترميم الفلسفة كان ذا توجهين : ترميم المشائية عن ابن رشد وترميم الأفلاطونية عند السهروردي. ونتج عن هذين الترميمين تطعيم الكلام بالأفلاطونية عند الرازي الذي صار يقول بنظرية المثل وتطعيم التصوف بالأرسطية عند ابن عربي الذي صار يقول بالأعيان الثابتة في العدم وهي في الحقيقة عين نظرية المادة الأولى القوية على كل الموجوات والتي تشرئب إلى محاكاة العقل الذي يعقل نفسه أو الفعل المطلق لتمر من القوة إلى الفعل بتوسط حركات الأفلاك.
[9] والمعلوم أن نظرية مجاري العادات بخلاف نظرية الضرورة لها مزية لم ينتبه إليها فلاسفتنا الذي يتهمون نظرة الغزالي بالقصور: القول بالضرورة لا يؤسس للعلم بل يؤسس للاستغناء عن التجربة إذ بمجرد الظن أن العلم الذي توصل إليه الفيلسوف بعقله متناسق ومطابق للظاهر من معطيات الوجود الحسي أو حتى العلمي الحالي يصبح بوسعه أن يكتفي بذلك وأن يستنتج منه بالعقل وحده كل نتائجه المنطقية بمجرد احترام التناسق المنطقي. وهذا الاطمئنان الزائف للضرورة السببية هو الذي يخلصنا منه مفهوم مجاري العادات. فهو من جنس القول إن ما توصلت إليه في علمي هو ما تؤيده التجربة إلى حد الآن وعلي أن أعرضه دائما على التجربة لكي أوسع معرفتي بحسب مجاري العادات في المجرى الطبيعي الذي لا أدري عنه إلا ما علمته بالتجربة.
[10] العزالي تهافت الفلاسفة تحقيق سليمان دنيا ص.230-231
[11] وذلك هو موضوع المقالة السابعة عشرة من تهافت التهافت أعني المقالة التي يناقش فيها الغزالي نظرية السببية الفلسفية: انظر في ذلك كتابي حول مفهوم السببية عند الغزالي دار بوسلامة للنشر الطبعة الثانية تونس 1983.
[12] وفيه يناقش الغزالي نظرية التأويل التحكمي عند الباطنية تهكميا ببيان أن كل تأويلاتهم تقبل الفهم بعكس ما ذهبوا إليه ثم بصورة جدية عندما بين أن التأويل التحكمي يفترض أن دال الكلام عديم القواعد ومدلوله عديم القوانين. فلا يكون الكلام خاضعا لمعايير علوم اللغة ولا يكون المقول فيه خاضعا لمعايير مجاله. وفي الجملة فإن أصل كل الدعاوى الباطنية هو نفي كفاية العقل وزعم الحاجة إلى الإمام المعصوم وأصل هذا الأصل هو نفي أن تكون الظاهرات الخلقية التي يتعلق بها التشريع خاضعة لمجرى العادات التي يكفي العقل لمعرفتها ما يغني البشر عن الإمام المعصوم. وحتى اعتراض الرازي على حجة الغزالي فإنه داحض: فافتراض الواسطة النبوية هدفها حل معضلة الاتصال بالغيب فإذا لم تحلها فلن تحلها وساطة الإمام بيننا وبينه. خطاب النبي هو بمقتضى الفرض لحل معضلة الغيب فلا يكون فيه شيء من الغيب و إلا تسلسل الأمر. لذلك فالرسالة غنية وساطة الولي أو الإمام. فإذا كنا بحاجة إلى إمام لفهم خطاب النبي بات من الواجب أن نحتاج إلى وسيط بيننا وبين الإمام إلى غير نهاية.
[13] قد لا يدرك القارئ علاقة فضائح الباطنية بهذه الإشكالية للظن أن الباطنية ممكنة من غير نظرية الحرية المطلقة في عالم التاريخ التي يستند إليها التأويل التحكمي استناد التحليل الفلسفي إلى الضرورة المطلقة في عالم الطبيعة. فلنشرح الأمر ليزداد وضوحا: التأويل التحكمي لا يكون ممكنا إذا كان الوجود ذا انتظام يدركه العقل فيغني عن العلم اللدني الذي يلجأ إليه الإمام المعصوم لمعرفة ما لا يدركه عقل. فإذا أرجعناها إلى الانتظام ونفينا الحرية المطلقة بات العالم الخلقي منتظما مثله مثل العالم الطبيعي وبات علمه بالعقل ممكنا فلم يبق للتحكم التأويلي مجال. ويوجد وراء الموقفين الفلسفي في الطبيعة والباطني في الشريعة موقفان أكثر تطرفا وكلاهما لا يذهب إليه الغزالي. فعندما ينفي الضرورة الطبيعية فإنه لا يذهب إلى زعم الطبيعة حرة وعندما ينفي الحرية الإنسانية فإنه لا يذهب إلى زعم الإنسان مجبرا بل هو يضع وراء الفعلين فاعل لا يوصف لا بالضرورة ولا بالحرية بل يوصف بالفعل القصدي المنتظم أو الحكيم وهو الله ثم ينسب الفعلين الطبيعي والخلقي إلى كائنات منتظم سلوكها بحسب مجاري العادات دون أن نعلم ما هي عليه في ذاتها بالقياس إلى مبدأ الحرية ومبدأ الضرورة. كل ما نعلمه هو أننا لا نعلم إلا ما كان ذا انتظام وذلك ينطبق على كل الظاهرات خلقية كانت أو طبيعية وهو انتظام يكفي فيه القول بمجاري العادات التي تجعل العلم التحليلي والتأويلي ممكنين.
[14] وينبغي تجاوز إشكالية التمييز الحديثة بين علوم الإنسان وعلوم الطبيعة من منظور جديد: بناء علوم الإنسان على الوضعية الطبيعية كان ضروريا في العصور الحديثة والتمييز بينهما بعد ذلك أصبح ضروريا كذلك. لكن بيان خطأ النظرية الوضعية قرب العلوم الطبيعية من العلوم الإنسانية مثلما قربها فرضه عليها من العلوم الطبيعية وأصبح النوعان خاضعين لنفس المنوال: الصورة تحليلية في الحالتين من حيث علم نحو القضايا النظرية syntaxe لكن مضمونها من حيث علم دلالة الحدود وعلاقاتها في المجال المدروس تأويلي بالضرورة.
[15] وأغلب العلوم التجريبية تعمل بهذه الطريقة: فهي تعتمد على الشرطية المتصلة إيجابا بحيث يبقى المقدم مقبولا ما لم يكذب التالي ويكذب بمجرد تكذيب التالي فتكون النظرية من حيث هي فرضية أخذت مقدما مقبولة في العلاقة الشرطية بينها وبينها ما يختبر من تواليها ما لم يكذبها التالي الذي اخترناه للاختبار التجريبي.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2010 |