معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                         المسألة الثانية

              التناظر الشكلي والتقابل المضموني

             بين ثورة أرسطو وثورة ابن خلدون

ومثلما لم يفهم دور القرآن في ثورة ابن خلدون فإن دور الفلسفة فيه لم يفهم كذلك. ويمكن أن نشير مقدما إلى هذا الدور كما فعلنا بالنسبة إلى دور القرآن فنجزم أن الثورة الخلدونية أبرزت البنية الكلية التي نجدها في كل محاولات التأسيس الجذرية لعلم من العلوم. ولعل مجرد المقارنة بين محاولة أرسطو لتأسيس علوم الطبيعة ومحاولة ابن خلدون تأسيس علوم العمران التي هي جامعة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية كافية لإبراز هذه البنية ومن ثم لتحديد النقلة الفلسفية التي حدثت بفضل نقل التاريخ من جنس الفنون الأدبية (ظاهر التاريخ) إلى جنس الفنون الفلسفية (باطن التاريخ)[1].

فأرسطو كما هو معلوم لم يستطع أن يخرج العلوم اليونانية المتقدمة عليه في أرقى أشكالها قصدت شكلها الأفلاطوني من علم الكلام أو الرد على الخطاب السوفسطائي بما يشبه كلامهم إلى كلام العلم المستند إلى معايير منطقية ونسقية قابلة للتحرر من الخطاب السوفسطائي قبل تحقيق مرحلتي التأسيس الضروريتين:

1- فلا بد من تأسيس أداة هذه العلوم وهي عند اليونان المنطق الذي يعالج مبدأي المعرفة العلمية أي صورة العلم ومنهج تطبيقه على مادته (وهو ما أشار إليه بصريح العبارة في غاية كتاب التبكيتات إشارة شديدة الشبة بإشارات ابن خلدون في مقدمة المقدمة).

2- ولا بد من تأسيس الميتافيزيقا التي تعالج مبدأي العلوم العامين قصدت نظرية المعرفة ونظرية الوجود الطبيعي (ومن دون ذلك يمتنع الانتقال من التحليلات الأوائل إلى التحليلات الأواخر في النظرية الأرسطية إذ إن دور هذا الوصل شديد الشبه بدور المنطق المتعالي عند كنط).

فيكون التأسيس منطقيا من حيث أساسي المنهج العلمي صورةً ومنهجَ تطبيق وميتافيزيقيا من حيث الأساسين المعرفي والوجودي. وبفضل هذه العملية التأسيسية ذات البعدين المضاعفين نقل أرسطو علوم اليونان من الجدل الكلامي (الذي يورده عادة في الباب الأول من كتبه بمنهج النقد التاريخي للنظريات المتقدمة عليه كما نجده خاصة في مقالة الألف الكبرى من ما بعد الطبيعة أو في المقالة الأولى من السماع)  إلى الكلام العلمي الذي هو مضمون كتبه كلها.

وبنفس الطريقة حقق ابن خلدون ثورته التأسيسية رغم أنه لم يكن مدركا لبنية فعل التأسيس العلمي أو بنية النقلة من علم الكلام في العلوم (مجرد جدل قولي حول مجال معين)  إلى كلام العلم فيها (جدل قولي متلازم مع جدل مع عناصر المجال التي تصبح موضوع علم يحتكم إليه حتى وإن كان تحديده فرضيا لحصر مجال الملاحظة المحتكم إليه). فالمعلوم أن العلوم العملية (ومنها العلوم النقلية التي هي هي ولكن بمنظور ديني) لها منهج نظير منهج العلوم العقلية: فالتاريخ فيها يؤدي دور المنطق والعلوم العملية تؤدي فيها دور العلوم الطبيعية وعلم العمران الذي اكتشفه ابن خلدون يؤدي دور ما بعد الطبيعة. لذلك فهو قد حاول تأسيس العلوم العملية التي تمسح مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية مسحا كلاميا ليجعلها علوما من جنس العلوم النظرية.

فكان ذلك يقتضي عملية تأسيس مناظرة لعملية التأسيس الأرسطية: تأسيس المنهج التاريخي نظير المنهج المنطقي وتأسيس علم العمران الذي هو نظير الميتافيزيقا. ذلك أن نسبة علم العمران إلى علوم الإنسان هي عينها نسبة الميتافيزيقا إلى علوم الطبيعة ونسبة التاريخ إلى الأولى هي عينها نسبة المنطق إلى الثانية. لكن التأسيس الخلدوني أشمل من التأسيس الأرسطي لأن العلوم النظرية (علوم الطبيعة خاصة) جزء من العلوم العملية وخاصة عند النظر إليها في تطبيقاتها التي تجعل العلوم نظام عقد كل الممارسات الاجتماعية إذ هي أهم أدوات فعل التاريخ الحضاري في فعل التاريخ الطبيعي (علوم المجتمع خاصة). فيكون التأسيس الخلدوني رغم تشاكله البنيوي مع التأسيس الأرسطي تجاوزا لهذا التأسيس واستبدالا لما بعد الطبيعة بما بعد التاريخ أو علم العمران البشري والاجتماع الإنساني. ومن ثم فعلوم مقومات العمران التي سنحددها هي العلوم الجزئية. وفيها يكون ما بعد الطبيعة نفسه أحد العلوم الجزئية وعلم العمران هو العلم السيد لكل العلوم نظريها وعمليها.

أولا: كيف حقق ابن خلدون النقلة من علم الكلام إلى كلام العلم

يمكن أن نفهم ثورة ابن خلدون التي أوصلت إلى ما وصفنا من تأسيس للعلوم الإنسانية والاجتماعية نظير تأسيس أرسطو للعلوم الطبيعية والكونية بتحديد وجهها النقدي للمتقدم عليه من نظر المتكلمين والفلاسفة (نظرية أفعال العباد الكلامية والفلسفة العملية) ومن عمل الفقهاء والمتصوفة (الأمر بالمعروف والأخلاق الصوفية) في مجال التاريخ. فقد أدرك ابن خلدون علل فشل هذه المدارس التي لم تستطع تأسيس نظرية في معرفة التاريخ العلمية وعمل التاريخ على علم تأسيسا يقطع مع المقابلة بين العالمين الطبيعي والتاريخي ويستثمر ما حصل من نقد بقي في إطار الجدل الكلامي الخالص أو الجدل الكلامي الفلسفي فلم يتجاوز مرحلة علم الكلام إلى مرحلة كلام العلم كما في ذروة بداية هذه المرحلة ممثلة بمحاولات الغزالي النقدية[2] وفي ذروة غايتها ممثلة بمحاولات ابن تيمية النقدية[3].

ففي نظرية علم التاريخ غلب تصور المتكلمين و الفلاسفة وفيه أُخلي العالم الطبيعي من دور العالم الخلقي لتوهم التقابل بين قانونيهما: الضرورة للأول والحرية للثاني. فـعلم العلم يكون غير قابل للحصول لو كانت الطبيعة مطلقة الحتمية. إذ عندئذ يكون تصور نظريات في المعرفة متعددة ومشتركة بين العقول أمرا مستحيلا لأن العقل يكون في تلك الحال مجرد مرآة عاكسة لما يتراءى عليها من الوجود. فلا يمكن أن نتصور الخطأ والصواب ممكنين فضلا عن استحالة تصور غير ترائيات الوجود المختلفة في المختلف من المرايا غير القابلة للتوحيد إلا بمرآة هي بدورها منفعلة تمام الانفعال بما يتراءى على سطحها الصقيل.

وتلك هي نظرية المعرفة القديمة التي كانت تتصور التطابق بين ما في الذهن وما في العين أو الترائي الصادق أمرا ممكنا وتعتبره علما وما عداه أخطاء فلا يكون العلم إلا ميتافيزيقيا ويتردد العقل بين العلم واللاعلم دون وسائط. ولما كان ممتنعا أن يغادر المرء علمه الذي في الذهن ليقارنه بالحقيقة التي في العين كما هي في نفس الأمر بات الزعم بأن تصورا ما صادق مجرد دعوى ليس عليها أدنى دليل عدى الاعتقاد الساذج بالمطابقة والترائي بين ما العين وما في الذهن استنادا إلى معتقد بارمينيدس الغفل إذا كان قصده ما فهمه منه المترجمون فجعلوه قائلا بالوحدة بين الوجود والعقل[4].

وفي نظرية عمل التاريخ غلب تصور الفقهاء و المتصوفة وفيه أُخلي العالم الخُلقي من دور العالم الطبيعي لتوهم الخلق معارضا للخلقة التوهم الذي حصر السلوك الخُلقي في نفي النوازع الخلقية يبدأ فقهيا بالكبت الشرعي ينتهي صوفيا بنفي الدنيا وما عليها. لم يعد علم العمل قابلا للحصول إذ لو كان العمل الإنساني مطلق الحرية بالقياس إلى النوازع لاستحال تصوره ذا انتظام قابل للمعرفة العلمية. وتلك هي نظرية العمل القديمة التي كانت تتصوره حاصلا بمجرد نداء المثل من غير شروط تحقيقها فيصبح الأمر والنهي الخلقيين كافيين للفعل في التاريخ ويتحول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الزهد في الدنيا بديلين من الفعل السياسي بأسبابه كما يتبين من نقد ابن خلدون للثورات الفاشلة التي قام بها رجال الدين في التاريخ الإسلامي. لذلك كان منطلق الثورة الخلدونية تصفية حساب فكري صارم حصلت خلاله مناقشتان جذريتان حتى وإن لم تردا بصورة نسقية قابلة للفصل في نص المقدمة بالإحالة على فصول بعينها بل هي ترد ضمن كل الفصول:

مناقشة الفلاسفة والمتكلمين في نظريات العمل أجابت عن سؤال: ما نظرية العلم التي تجعل علم التاريخ على علم يصبح ممكنا ؟

مناقشة المتصوفة والفقهاء في عمليات النظر أجابت عن سؤال: ما نظرية العمل التي التي تجعل عمل التاريخ على علم يصبح ممكنا.

ورغم الطابع الضمني لهاتين المناقشتين فإن يمكن أن نستنتج من مقومي النظرية الخلدونية الواعيين مقومين يعدان من ضمائر نظرياته ومن شروطها رغم أن ما ورد منهما صراحة لم يتجاوز نظرية المعرفة النقدية التي تعتبر ثورية ولم يُنتبه إليها لاقتصار الاهتمام بفكر ابن خلدون على التاريخ والاجتماع وللغفلة عن التأسيس الفلسفي للثورتين في علم التاريخ وعمله أي في النقد التاريخي وعلم العمران[5]:

والمقومان غير الواعيين في ثورة ابن خلدون يمكن إدراكهما بمجرد التحرر ما ظنه ابن خلدون مجرد إلهام في اكتشافه. فالتحليل الدقيق لمراحل تطور الفكر العربي الإسلامي في سعيه إلى التخلص من العوائق التي حالت دون ما صار ممكنا في مقدمة ابن خلدون يبين أن الأمر ليس مجرد إلهام طرأ في ذهنه بل هو نتيجة حتمية لنقد الفكر الإسلامي نظرية المعرفة ونظرية الإنسان اليونانيتين. ومن ثم فما حصل في إلهام ابن خلدون ليس هو إلا ثمرة نظريته المعرفية والأنثروبولوجية رغم عدم ملاحظته العلاقة ملاحظة تمكنه من إدراك ما يصل بين الأمرين.

لذلك فلا بد من اعتبار ما ورد في الباب السادس من نقد لنظرية المعرفة اليونانية ومن تعريف لمفهوم الإنسان في كل أبواب المقدمة جزءا من تأسيس ثورة ابن خلدون وكان ينبغي أن يوضع في مقدمة المقدمة[6]: وابن خلدون لم يفعل لأنه لم يكن واعيا بأسس ثورته التي ظنها مجرد إلهام في حين أنها حصيلة كل التيار النقدي في الفكر العربي الإسلامي بوجهيه الكلامي والفقهي للفلسفي والصوفي والفلسفي والصوفي للكلامي والفقهي. فنظريته في المعرفة تعتمد على فلسفة نقدية تحد من العقل الميتافيزيقي نظرية معرفية بينة المعالم. كما أن نظريته في الوجود الإنساني تعتمد على نظرية الإنسان السيد أو الإنسان الحر الذي يحب التأله وعلى صراع القوى الحيوية في العمران البشري صراعها الذي يحقق عمارة الأرض بما يحصل له من انتظام ذاتي بمنطق جدل هذه القوى المحايث لمجالات عملها الخمسة: مجال قيم الرزق (التعاون) ومجال قيم الذوق (التآنس) ومجال قيم السلطان على الرزق أو السلطة السياسية (الوازع في التعاون) ومجال قيم السلطان على الذوق أو السلطة الروحية (الوازع في التآنس) ومجال قيم كل القيم أو القيم الوجودية (أساس كل وجود جماعي أو العصبية الروحية). ذلك أن هذه القيم الوجودية هي التي تجعل العمران ضربا من الوجود المتعالي على الوجود المقصور على قانون التاريخ الطبيعي.

لكن دوافع التاريخ الطبيعي (الرزق والذوق) متقدمة دائما على مقامع التاريخ الثقافي (السلطان الزماني والسلطان الروحي) في العمران البشري. فيبقى لذلك بوسع الحضارات أن تنهض من جديد لما يتميز به التاريخ الطبيعي من تجديد دائم. ذلك أن دوافع التاريخ الطبيعي هي التي تحدد الغايات الحيوي منها والخلقي اللاواعي والواعي من محركات الوجود الإنساني. أما مقامع التاريخ الحضاري فيقتصر دورها على تحديد الأدوات المعرفي منها والخلقي الأدوات تؤطر تلك الدوافع لتحقق مطالبها. ونسبة الغايات إلى التاريخ الطبيعي تبين أن هذا التاريخ عند الإنسان يسمو على نظيره عند الحيوان بما ترفعه إليه الأدوات التي ننسبها إلى التاريخ الحضاري أعني السياسة والتربية المحققين للغايات والغائبين في تاريخ الحيوان الطبيعي: وذلك هو الكسب الذي يجازى عليه الإنسان سلبا أو إيجابا.

لكن أهم ما يتصل ببحثنا يتعلق بنقد الميتافيزيقا التي رفعت ما كان ينبغي أن يكون من مجال الانثروبولوجيا إلى مقام الثيولوجيا بصورة غير واعية لمجرد رفعها علم الإنسان وعمله إلى درجة علم الله وعمله فتحول الأدوات إلى غايات ومن ثم تقتلها فيموت أسمى ما في الإنسان أعني فطرته السوية التي توازن فيها دور التاريخين:

1- نقد الميتافزيقا الأصل: للتخلص من الميتافيزيقا القديمة لا بد من تجاوز أصلها أعني المسلمة البارمينيدية التي وضعت مبدأ الوحدة بين العقل والوجود حسب فهمها الغربي في ضوء الحلولية المسيحية[7]. فهذه المسلمة الكامنة في كل الفلسفات القديمة والحديثة تتنافى مع نظرية القرآن الكريم نظريته التي تقول باشتمال الوجود على الغيب المحجوب واقتصار العلم الإنساني على الشهادة إذا كان الكلام على العقل الإنساني وليس على العقل بإطلاق خاصة إذا نسب إلى الذات الإلهية. فتكون هذه المسلمة في الحقيقة قائلة بالتطابق بين عقل الإنسان المتناهي وعقل الإله اللامتناهي بتوسط مطابقتهما مع الوجود[8]. اعتبر ابن خلدون ما تصورته الفلسفة تطابقا بين العقل والوجود أكبر أوهامها الذي ترد إليه كل أخطائها وأهم أسباب امتناع تاريخية العلم لتردده بين الخطأ المطلق والصواب المطلق (ويشترك التصوف المتفلسف مع الفلسفة هذا الوهم) وكلاهما ممتنع في المنظور النافي لهذه التطابق[9].

2- نقد الميتافيزيقا الفرع: للتخلص من فرع الميتافيزيقا الأساسي  لا بد من تجاوز التقابل بين المعرفتين النظرية والعملية بالمعنى القديم وتوحيد العلم الإنساني فيزول التقابل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. ولكي يحقق ابن خلدون ذلك أرجع ما تصورته الفلسفة بعدا ميتافيزيقيا من المعرفة ينفذ إلى أصل هذه المقابلة بين ما ينتسب إلى التجربة الطبيعية وما يتعالى عليها أرجعه إلى المعرفة الوجدانية وأخرجه من قابلية الانقيال والاستدلال العلميين (ما يجرب ولا ينقال ومن ثم فهو معرفة وجدانية صوفية)[10] فنفي التمييز بين العلوم الإنسانية التي هي آخر مستويات المعرفة المتعالية في الفلسفة القديمة وأرجعها إلى العلوم الطبيعية بعد أن خلصها النقد المتقدم عليه عند الغزالي من الضرورة السببية مكتفيا بمجرى العادات: العالم الخُلقي جزء من العالم الطبيعي وليس خارجا عنه[11]

 

[1]  " إذ هو (فن التاريخ) في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال (= ظاهر التاريخ جنس أدبي مثل الأغاني لأنه قص للأيام يغلب عليه الخيال الذي ليس له موضوع معين لذلك يتساوى فيه العلماء والجهال) و(هو) في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسببابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق (=باطن التاريخ جنس فلسفي مثل ما سيحاول تقديمه ابن خلدون لأنه تعليل للاحداث يغلب عليه المطابقة مع موضوع معين لذلك فهو مقصور على العلماء " ابن خلدون المقدمة دار الكتاب اللبناني بيروت 1947 ص. 2-3.

[2]  نقد الغزالي للكلام والفلسفة والفقه والتصوف كله نقد بأسلوب علم كلام لأن العلة في عدم نقلته من بيان وهاء فكر هذه المدارس إلى تأسيس البديل كما حاول ابن خلدون في المقدمة هي أنه لا يزال يقصر العلاج على مناقشة النظريات بعضها بالبعض من دون عرضها إلى موضوعها التي تقاس به بوصفها نماذج نظرية تحليلية أو تأويلية لوصف ما يحدث فيه. وهذا النقاش المقصور على العلاج المنطقي لدعاوى الخصوم هو الأسلوب الكلامي الذي يقتل الفكر إذا استفرد به ولم يعضده النقاش التجريبي لدعاوى الخصوم من خلال عرض نتائجها وكأنها فرضيات على الظاهرة لامتحانها واختيار أولاها بتفسير الظاهرة. والوجه الثاني من الاحتكام بالإضافة إلى الاحتكام إلى المنطق هما وجها كل معرفة علمية حقيقية.

[3]  كان النقد التيمي أكثر جذرية من نقد الغزالي لأنه قضى نهائيا على ميتافيزيقا الفكر الكلامي والفلسفي وميتاتاريخ الفكر الفقهي والصوفي سعيا إلى تأسيس ما يمكن أن يعد بذور الثورة الخلدونية كما بينا في رسالة الدكتوراه وخاصة في جزئها الثاني بعنوان إصلاح العقل العربي مركز دراسات الوحدة العربية ط.3 بيروت 2004.

[4]  أنظر في ذلك مراجعة الترجمات السابقة لنص الشذرة 5.8   لبيان أن التوحيد بين العقل والوجود لم يكن قصد بارمينيدس: Michael Theunissen, Metaphysics’ Forgetfulness of Time: On the Controversy over Parmenides Fragment 8.5 (trans. By William Rehg) in Philosophical Interventions in the Unfinished Project of Enlightenment MIT Press 1992 pp.3-28.

[5]  التأسيس الفلسفي يتعلق بنظرية المعرفة (النقد المحدد لقدرات العقل في ما له شروط التحقق التجريبية) ونظرية العمل (القوة المشروطة في كل عمل سياسي أو مفهوم العصبية) وخصائص الإنسان (حب التأله رئاسة الإنسان أو حريته الخلقية الطبيعية أو إباء الضيم والظلم) وعلاقة فلسفة الدين بفلسفة التاريخ (التطابق بين النقل الصحيح والعقل الصريح في علم التاريخ والعمران).

[6]  انظر في ذلك بحثنا حول وحدة المقدمة أو كتابنا حول Ibn Khaldun’s epistemological and axiological paradoxes   الدار العربية للكتاب تونس 2006.

[7]  لا أتصور ما حصل في ترجمة الشذرة البارمينيدية مجرد خطأ في الترجمة بل هو تأويل لها في ضوء النظرية المسيحية التي تقول بحلول الله (الوجود) في الإبن (الكلمة أو اللوجوس أي العقل) ومن ثم التطابق بينهما. لذلك فبارمينيدس قد مسح بهذه الترجمة كما مسحت فلسفة أفلاطون وأفلوطين من بعده بدءا بإنجيل يوحنا وختما بذروة المثالية الألمانية عند هيجل في معنى الروح-الجوهر وهيدجر إذ إن الدازاين ليس شيئا آخر غير ابن الله أو الكلمة كما بينا في غير موضع.

[8]  في الحقيقة ما حصل بسبب امتناع هذه المطابقة هو عكسها: أصبح الوجود هو بدوره متناهيا لكي يطابق العقل المتناهي. ولهذه العلة اعتبرنا الفلسفة الحديثة كلها دينية لأنها عكست مسلمة الفلسفة القديمة فجعلت الوجود لا متناهيا واعترفت بتناهي العقل ومن ثم حصرته إما في علم ما يجربه منه أو في علم مظاهره.

[9]  بارمينيدس الشذرة الخامسة.

[10]  انظر في ذلك كتاب شفاء السائل لتهذيب المسائل واعتراضات ابن خلدون على مجاهدة الكشف والعلم بالحقائق الغيبية.

[11]  وهذه من ثمرات الثورة القرآنية التي تعتبر الدين من الفطرة والخلق من الخلقة.

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي