



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
فكر ابن تيميه الإصلاحي: أبعاده الفلسفية أبو يعرب المرزوقي
التمهيد والخطة:
السؤال الذي نبحث له عن جواب هو: هل يقبل ما في فكر ابن تيميه من بذرات فلسفية غير نسقية ومشتتة في كتاباته القراءة الفلسفية التي ألغتها القراءة السلفية عندما جعلت أقصى ما يمكن أن يؤول إليه فكره هو مجرد إصلاح فقهي لا يرقى إلى الإصلاح الديني التام لكونه يدعو إلى حصر الوجود التاريخي الحي في تقليد السلف ملغية بذلك ذرى الفكر الإنساني التي تتحد فيها التجربة العقلية أو التفلسف والتجربة الروحية أو التصوف؟
ما نريد أن نعلمه هو: هل كان ابن تيميه مجرد مصلح فقهي يقتصر فكره النقدي للفكر الفلسفي بفرعيه المشائي والصفوي والفكر الديني بفرعيه الكلامي والصوفي على مجرد الخطة الكلامية المتمثلة في إفحام الخصوم بإلزامات جدلية هدفها الوحيد الدفاع عن نوع من السلوك يعالج الأمور الإنسانية بمنطق سد الذرائع فينتهي إلى بتر كل أعضاء العقل المبدع؟ أم هل إن أعماله تمثل- كما هي فرضيتنا في هذه المحاولة- منجما ثريا من الفتوح النظرية الثورية التي تجعله فيلسوفا كبيرا يحاول علاج مآزق الفكر العربي الإسلامي التي اجتمعت كلها في مأزق رئيسي هو الفصام الذي لا زلنا نعيشه إلى اليوم والذي جعل ثقافتنا مصابة بداء ازدواج الشخصية أعني مؤلفة من ثقافتين تعيشان "حربا باردة" دائمة بين العقل وعلوم الدنيا والنقل وعلوم الآخرة والمحاولات العقيمة للتوحيد بينهما توحيدا خارجيا وشكليا؟
والمعلوم أن العداء بين ممثلي هذين المقومين قد ألغى كل تعليم جدي للعلوم العقلية في نظامنا التربوي خلال نهضتنا الأولى فجعله شبه مقصور على علوم النقل وبعض أدواتها من علوم العقل التي حصرت في أدنى درجاتها بحجة أن الأدوات لا فائدة من تجاوز ما ينفع منها في هذه الوظيفة لكانها عديمة القيام الذاتي خارج هذا الاستعمال. كما أصبح نظامنا التعليمي اليوم شبه مقصور على علوم العقل والدنيا وبعض أدواتها حصرا لعلوم النقل في عموميات لا تسمن ولا تغني. لذلك كان كل الفلاسفة في نهضتنا الأولى عصاميين. فلا أحد منهم تلقى فيها تعليما نظاميا بحق في النظام التربوي الإسلامي, لكون بقايا المدارس والأديرة المتقدمة على الإسلام أو التعلم العصامي لا يمكن أن تستند إليها نهضة فكرية جدية. والمعلوم أن الجامعات الغربية التي نشأت بداية من منتصف القرن الثالث عشر للميلاد لم تقع في هذا الخطأ الفادح. لذلك فهي قد تمكنت بفضل تعليم كل العلوم نقليها وعقليها تعليما نظاميا من تحقيق ما نطلق عليه اسم العلوم الحديثة. ويكاد الفكر الديني الذي يرقى إلى المستويات الكونية يصبح اليوم في نهضتنا الحالية عصاميا كذلك لكون جل الجامعات الدينية جمدت إن لم تشطب أو حدثت تحديثا ممسوخا كما حصل للزيتونة بخلاف ما عليه الشأن في الجامعات الغربية كذلك وخاصة ما اختص منها في الدراسات الدينية.
ويعني ذلك طبعا أن بذرات الفكر الفلسفي في أعمال ابن تيميه ليست عملا فلسفيا ناجزا بسبب ما يغلب عليها من أسلوب الفتوى والأجوبة الظرفية المرتجلة, رغم كوننا لا ننكر وجود بعض الأعمال النسقية ذات النفس الفلسفي. فبذرات فكره الفلسفي تعبر عن مشروع ذي نفس فلسفي لم يكتمل لا في بعده السلبي ولا في بعده الإيجابي, أعني في نقده الفكرين بفرعيهما وفي الحلول البديلة التي قدمها. لذلك فنحن نقترح الخطة التالية للجواب عن سؤالنا, مقدمين للبحث بضرب مثال واضح مما نريد إثباته حول نوع الإصلاح النظري المقصود. وهذا المثال هو ما فعله ابن خلدون بالنسبة إلى العلم الأداة الرئيسية في ما كان يسمى بعلوم النقل تجازوا للتقابل بينها وبين علوم العقل في مجال العلوم الإنسانية كلها باعتبار هذا العلم الأداة يؤدي دور العلم الرئيس أو السيد في نسق العلوم التي موضوعها الظاهرات الإنسانية عامة والتي تؤدي دور العلوم المساعدة لتحقيق علمية التاريخ. فابن خلدون لم يصنف التاريخ بين ضربي العلوم التي أرخ لها في الباب السادس من المقدمة لكونه فعلا لم يكن منتسبا إلى أي منهما رغم وجوده عند علماء العقل وعلماء النقل بل وهو قد كان أهم أدواتهم.
لكن ابن خلدون جعل مشروع المقدمة متمثلا في تحقيق شروط نقل التاريخ إلى العلمية العقلية أو الفلسفية بتأسيس منهجه النقدي للخبر على علم متقدم عليه تقدم الشرط على المشروط هو علم العمران البشري والاجتماع الإنساني. وهذا العلاج لا نجد له مثيلا صريحا عند ابن تيميه رغم كون فتوحاته النظرية يمكن أن تعد من نفس الجنس الذي تنتسب إليه الفتوحات الخلدونية. وقد قال ابن خلدون في وجوب نقل علم التاريخ الابستمولوجية من منزلة العلم النقلي إلى منزلة العلم العقلي منذ مفتتح التصدير:" إذ هو (التاريخ) في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول تنمو فيها الأقوال وتضرب الأمثال وتطرف الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق"[1].
ولعل من مؤيدات هذه المقايسة المحاولة الصريحة التي قام بها ابن قيم الجوزيه في مصنفه نقد المنقول الذي سعى فيه إلى تجاوز منهج التجريح والتعديل أو النقد الخارجي إلى النقد الداخلي مستندا إلى معايير كلها عقلية خالصة مثل التناسق مع وقائع التاريخ التي يتعلق بها المنقول ومثل التناسق مع القرآن الكريم والتناسق مع سلوك الأنبياء في الأقوال والأفعال الخ.. ونحن سنجيب عن الأسئلة التي طرحناها من خلال إرجاعها إلى مسألة واحدة هي مسألة التوحيد بين علمية علوم النقل وعلمية علوم العقل من دون أن ننسى أن ذلك يمكن أن يحقق نصف المطلوب. فقد يكون التوحيد بين ضربي العلوم حصرا لها في أحدهما فيرد المعرفة الإنسانية إلى العلوم النقلية وحدها أو إلى العلوم العقلية وحدها وبمعناهما التقليدي كما تذهب إلى الرد الأول القراءة السلفية لفكر ابن تيميه وإلى الرد الثاني القراءة الوضعية لفكر ابن خلدون. لكن ذلك مستبعد لكون وضعية المعرفة قبل هذا التوحيد الفلسفي بتجاوز التقابل هي وضعية التوحيد السلفي ووضعية الرد الوضعي بالرد المتبادل. وهي وضعية حاصلة من دونه مما يجعل تحقيقه يستهدف التحرر منهما.
وتعود مسألة التوحيد الفلسفي بتجاوز التقابل بين ضربي العلوم إلى هذه المسألة الواحدة: مسألة تحديد الشروط الضرورية والكافية للمعيار الذي رد به ابن تيميه على الفكرين الفلسفي والديني اللذين كانا سائدين في عصره من خلال ممثليهما الأربعة المشهورين: ابن رشد والسهروردي وابن عربي والرازي, أعني معيار درء التعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول. فابن تيميه وضع هذا المعيار لكنه لم يتساءل صراحة عن شروطه الضرورية والكافية رغم كون هذا التساؤل هو الذي كان يمكن ان يوحد كل الإرهاصات الفلسفية الثورية التي ننسبها إليه.
والأسئلة التي لم يسألها ابن تيميه صراحة رغم تضمن معياره لها هي: ما الذي يجعل صحيح المنقول وصريح المعقول لا يتعارضان؟ هل هما يصبحان من طبيعة واحدة بعد جعل أولهما صحيحا وثانيهما صريحا ؟ وكيف نعلم الصحيح والصريح أو كيف نخرج صحيح المنقول من المنقول عامة من دون تحقيق شروط علمية التاريخ وصريح المعقول من المعقول عامة من دون تحقيق شروط علمية المنطق ؟ وبصورة سالبة ما هو المنقول غير الصحيح والمعقول غير الصريح: أليس هو في الحالتين ما يمنع المعرفة التاريخية والمنطقية من أن تكون علمية؟ وما هو العلم المتقدم على الفصل بينهما والممكن من إدراك الواحد فيهما أعني ما يجعلهما لا يتعارضان سلبا ويتطابقان إيجابا؟ أهو من جنسهما أم هو ضرب جديد من العلم متقدم على تقابلهما اللاحق ومتعال عليه؟ تلك هي الأسئلة التي لم يسألها ابن تيميه وكان يمكن لو سألها أن يتجاوز مرحلة التفلسف السلبي إلى مرحلة التفلسف الإيجابي الذي حصل حصولا صريحا عند ابن خلدون في مجال البحث عن شروط علمية المعيار الأول أعني صحيح المنقول. وبذلك تكون دراستنا لدور ابن تيميه الإصلاحي في المستوى الفلسفي مؤلفة من مقالتين كلتاهما تتضمن فصلين بحسب المخطط التالي:
المقدمة: تحديد المطلوب في هذه المحاولة
المقالة الأولى: كيف صار فعل التفلسف أمرا ممكنا:
الفصل الأول: عوائق قراءة فكر ابن تيميه قراءة فلسفية
الفصل الثاني: مآزق الفكر العربي الفلسفي والديني وتدرجهما في التجريد التنظيري
المقالة الثانية: بذرات الحلول التي يقدمها ابن تيميه
الفصل الأول: تجاوز المقابلة بين التحليل والتأويل.
الفصل الثاني: تجاوز المقابلة بين الحقيقة والمجاز.
الخاتمة: نسق المذاهب التأويلية في الفكر العربي الإسلامي.
المقالة الأولى
مآزق الفكر العربي الإسلامي وتدرجه في فعل التنظير
تمهيد:
نذكر في المقالة الأولى بأن الفكرين الديني والفلسفي كانا بعد محاولة الغزالي قد اتحدا اتحادا إرجاعيا أساسه القول بالعلم الإنساني المحيط بالحقيقة التي يمثل الدين ظاهرها لكونه صورتها العامية والفلسفة باطنها لكونها صورتها الخاصية, فعادا عودة صريحة إلى السنتين المحرفتين اللتين سيطرتا منذ العهد الهلنستي. فقد تمكنت هاتان السنتان من تحقيق السيطرة على الفكر العربي الإسلامي رغم نقد الغزالي بل وبفضله - إذ الغزالي نفسه قبل الحلول الفلسفية في الغاية- وبسبب عملية الترميم التي تحققت فلسفيا في مشروعي ابن رشد (إحياء ما بعد الطبيعة إحياءً يجمع بين التحريفين الفلسفي والديني من منطلق الفكر الأرسطي المحرف: الشروح اللفظية لفرضيات ميتافيزيقية بديلا من العلم) والسهروردي (إحياء ما بعد الطبيعة إحياءً يجمع بين التحريفين الفلسفي والديني من منطلق الفكر الأفلاطوني المحرف: التوهم اليتوبي لفرضيات جدلية بديلا من العلم) وتحققت دينيا في مشروعي ابن عربي ( إحياء ما بعد التاريخ إحياء يجمع بين التحريفين الديني والفلسفي من منطلق الفكر الإنجيلي: فقه الباطن الشكلي) والرازي (إحياء ما بعد التاريخ إحياء يجمع بين التحريفين الديني والفلسفي من منطلق الفكر التوراتي: فقه الظاهر الشكلي).
وقد كانت هذه العودة أو النكوص آخر مراحل التطور الفلسفي في تاريخ فكرنا قبل البلوغ إلى النقد الجذري الذي نريد وصفه والذي ننسب إليه إدراك طبيعة التجريد التنظيري وشروطه من خلال نتائج ذهاب النكوص إلى غايات الشكل البدائي من التنظير الموروث عن العلم القديم في مرحلتيه اليونانية والهلنستية. ويمكن أن نعتبر هذا النقد الجذري الذي أدرك طبيعة التجريد النظري ما هي بكونه الإرهاصة الأولى لطرح إشكالية العلاقة بين ابستمولوجية العلوم الطبيعية والمحاولات الجنينية لما سيصبح ابستمولوجية العلوم الإنسانية من خلال السعي إلى تجاوز إشكالية المقابلة بين العلوم العقلية والعلوم النقلية. فتحدد بذلك الإشكال العويص الذي تعالجه تحسسات الفكرين النقديين التيمي والخلدوني الفكرين اللذين صارا معبرين عن بداية هذا التجاوز. لكن فهم الدور الذي أداه فكر ابن تيميه قياسا على الدور الذي أداه فكر ابن خلدون يشترط التخلص من العوائق التي تحول دون قراءة فكره قراءة فلسفية بمعزل عن المذاهب الدينية التي يراد حصر فكره فيها.
الفصل الأول
العوائق التي تحول دون قراءة فكر ابن تيميه قراءة فلسفية
تنقسم هذه العوائق إلى جنسين كلاهما مضاعف:
الجنس الأول: عوائق ذاتية لفكر ابن تيميه, وهي صنفان:
1- ما نتج منها عن الطابع المتقطع وغير النسقي الغالب على أعماله لصلتها بالطابع الظرفي والمناسباتي لجل كتاباته وعرضه لإبداعاته كما يتبين ذلك من شكل الفتاوى والرسائل الظرفية حول مسائل خلافية يكون الكلام فيها عن المسائل الفلسفية عرضيا وغالبا ما يكون ذلك من منطلق محددات خارجية لفكر أصحابها مثل سلوكهم وأخلاقهم وعقيدتهم الخ...
2- الهم العملي الطاغي الذي جعله يقدم منطق سد الذرائع فيؤول العلاج إلى بتر الأعضاء بدلا من تطبيبها ظنا بأن أخلاق ممثلي العلوم العقلية ومواقفهم من الدين نتيجة حتمية لهذه العلوم رغم كونه قد انتبه إلى أن المصدر الأساسي لهذا التحريف هو عدم اكتمال العلم عند المتكلمين باسم الفلسفة والعقل ورغم كونه لا يجهل أن علماء النقل ليسوا كلهم أفاضل أو يخلون من النفاق. وافضل مثال لطغيان هذا الهم العملي ما نجده في نوع الردود على المنطقيين والميتافيزيقيين والمتصوفة والمتكلمين وأغلبها من الكتابات التي تحتج بالحجج الخارجية التي أشرنا إليها.
الجنس الثاني: عوائق عارضة لفكره وسببها العوائق الذاتية, وهي كذلك صنفان:
1- استعمال فكر ابن تيميه في إسلام بعض البلاد الرسمي استعمالا أطلق علاج البتر وسد الذرائع فانتهى إلى عكس المطلوب, إذ هو قد ألغى كل فكر نظري حقيقي دينيا كان أو فلسفيا وأبقى المجال خاليا للفكر المباشر. فغاب الفكر الفلسفي النقدي الذي يحرز المجتمع من أخطار الفكر الوضعي والتكنولوجيا اللذين لا روح لهما. لذلك التقت ذهنيتان آليتان قاصرتان عن الإبداع: الوضعية العلمية الحديثة والنصية الفقهية الوسيطة دون وعي فلسفي يناسب شروط الإبداع الذي لا يمكن أن ينتج في مناخ الآليتين الخاليتين من السؤال الفلسفي,
2- واستعماله في إسلام بعض الحركات المعارضة التي اقتصرت على الوجه السلبي من الفكر التيمي مطبقة إياه في علاقتها بمن يقدم نفسه ممثلا للفكر الفلسفي في عصرنا بعنوان العلمانية الوضعية النظرية والعلمانية العملية أو الماركسية ظنا منهم أن الموقف المرفوض من القيم الدينية علته الفكر الفلسفي بإطلاق وليس خيارات فلسفية بعينها. وهذا الاستعمال أخطر من ذاك لكونه أعادنا إلى الفصام الحضاري والحرب الأهلية اللذين أجهزا على نهضتنا الأولى في القرون الوسطى.
وهذه العوائق لا يمكن نفيها أو التهوين مما أدت إليه من نتائج وخيمة على فكرنا لا ينكرها إلا معاند لكونها تعاضدت مع النكوص الفلسفي للحيلولة دون تحقيق شروط المعرفة السوية. لذلك فقصدنا من عرضها عرضا نسقيا هو تخليص فكر ابن تيميه مما يحول دون النفاذ الفلسفي إلى ما في أعماله من بذرات كان يمكن أن تجعله فيلسوفا كبيرا. ففي مصنفاته مشروع ثورة فلسفية لو تحققت لأخرجت الفكر العربي الإسلامي من مآزقه النظرية والعملية التي عطلت ملكة الإبداع العلمي المؤثر في علاقة الإنسان بالظاهرات الطبيعية والتاريخية. وحاجتنا إلى هذه الثورة اليوم اكبر من حاجتنا إليها في عصره: فبسبب هذه العوائق عامة وهذين الاستعمالين خاصة صارت نهضتنا الثانية معرضة لأخطر مما كانت النهضة الأولى معرضة له وقد يتجاوزنا التاريخ فنصبح مجرد توابع في كل المجالات ما ظللنا توابع في أساس كل إبداع أعني في التنظير الفلسفي والعلمي لكل المجالات طبيعية كانت أو خلقية.
ومعنى ذلك أن ابن تيميه لا يعنينا هنا من حيث هو مصلح شرعي يقتصر على العلاج الوقائي بالبتر الناتج عن تشخيص ناقص لأدواء العمل المباشر في بعديه السياسي والفقهي. ما يهمنا ليس الإصلاح العملي المباشر الذي ينتهي عادة إلى عكس ما قصد به لكونه يعتمد على المنع وسد الذرائع, بل يهمنا الإصلاح غير المباشر أعني الهم النظري الخالص الساعي إلى وضع نظريات جذرية في مسألتي المعرفة والوجود من منطلق يتعالى على التنافي السطحي بين الفكرين الفلسفي والديني. وكنا قد بينا في بعض أعمالنا السابقة [2] أن الكثير من أفكار ابن تيميه لا يفهم إلا في ضوء هذا الهم النظري مثلها مثل أفكار ابن خلدون (رغم تقديم ابن خلدون نموذج المعرفة التحليلي وتقديم ابن تيميه نموذجها التأويلي: وهذه ملاحظة ليس هذا محل تعميقها), مما يجعل القرن الثامن المرحلة الحقيقية التي أدرك فيها الفكر العربي الإسلامي طبيعة فعل التنظير بمعناه الفلسفي الحقيقي أعني إبداع الأنساق المجردة - أو أنساق المقدرات الذهنية بلغتهما- التي يمكن أن تكون الظاهرات الطبيعية أو التاريخية أحد موضوعاتها أو تأويلاتها العينية.
لكننا لا ننكر أن طغيان التشخيص الفقهي الفاسد على أصحاب هذا الإدراك قد انتهى إلى فشل مشروعاتهم لكونه جعلهم يعتبرون الفلسفة بما هي فلسفة علة العيوب الخلقية أو الدينية التي ينسبونها إلى بعض المتكلمين باسمها خلطا بين العلماء من الفلاسفة وممثلي توظيفها الإيديولوجي كما هو الشأن اليوم عند بعض العلمانيين الفصاميين من الوضعيين أو الماركسيين, متناسين ما أشار إليه الغزالي في تمهيد التهافت ومقدماته الأربع[3]. وطبعا فهمنا الأول والأخير هو أن نبحث عن البذرات الأولى للفهم الفلسفي العلمي في علاج قضايا الحضارة العربية الإسلامية البذرات التي تخلصها من الانشغال بالحل الغفل المقصور على المنع والبتر الحل الذي يفسد الممارسة العملية بدلا من علاجها لكونه يجعلها عملا على غير علم, رغم كون هذه البذرات قد بقيت في مستوى الإرهاصة ولم تكتمل.
ولا يمكن أن نزعم أن هذه الإرهاصات قد اكتملت, إذ لو حصل ذلك لما انحطت حضارتنا بل ولتحققت النهضة الحديثة عندنا بدلا من تحققها في الغرب. وينبغي أن نؤكد على أهمية العقل النظري المجرد والخالص الذي لا تزال حضارتنا تشكو من نقص فيه كبير. فأغلب ما يسمى بالفلسفة العربية الإسلامية - الوسيطة أو الحالية- لم يكن ثمرة فعل تنظيري حقيقي بل هو مجرد أنساق مستوردة أصبحت أشكالا لفظية جوفاء لكونها عديمة الصلة بالمادة التي يراد تطبيقها عليها. ونحن نعتبر الفكر المهموم بالعمل المباشر الذي يظنه البعض مميز حضارتنا الأساسي هو العلة الرئيسية في هذا القصور التنظيري, بل هو عندنا من أكبر العوائق التي حالت دونها وتحقيق شروط الثورة الحديثة في مجال العلوم النظرية أو الطبيعية وعلومها المساعدة وما بعدهما العلمي (حيث يهمل البحث الأساسي الذي ليس له غايات محددة مسبقا) وفي مجال العلوم العملية أو الإنسانية وعلومها المساعدة وما بعدهما العلمي (حيث يتصور العمل المباشر أهم من العمل غير المباشر مما جعل الصحوة الإسلامية تتحول إلى اضطراب سياسي دائم مع إهمال كامل للفكر الذي صار من مشمولات البعثات الغربية والمعاهد المسيحية في البلاد العربية والإسلامية لاقتصار أصحاب الاضطراب السياسي على الإيديولوجيا والفقه) رغم وجود بواكيرهما فيها.
وهكذا فان فرضية محاولتنا الأساسية تقول: إن عمل ابن تيميه فيه الكثير مما يمكن أن يفيد أن صاحبه قد استهدف نفس الغاية التي استهدفها ابن خلدون ولكن بصورة ضمنية ومن منطلق مختلف رغم كون فكره يتبين عندما يصاغ صراحة أعم من فكر ابن خلدون وأتم. فسعيه التجاوزي لو فهم على حقيقته لتبين أنه يشمل كل العلوم نقليها وعقليها ولا يقتصر على علم واحد فضلا عن كونه متحررا من نموذج العلم الأرسطي. ذلك أن المعيار الأساسي الذي يستند إليه فكره كله يؤول إلى محاولة وضع نظرية في العلم والوجود تمكن من تجاوز الفصل بين ضربي العلوم عامة وبيان أن كل ما يوصف بالنقلي منها لا يكون علميا إلا إذا توفرت فيه شروط العلمية التي تقتضيها طبيعة صياغة مادته لتكون قابلة للعلاج التحليلي بشرط أن يكون التحليل قد حرر من شكله البدائي الذي يتصوره مستغنيا عن التأويل , وأن كل ما يوصف بالعقلي منها لا يكون علميا إلا إذا كان صريحا ومن ثم إلا إذا توفرت فيه شروط العلمية التي تقتضيها طبيعة صياغة مادته لتكون قابلة للعلاج التحليلي بنفس الشرط: فيكون مشروعه هو تحديد شروط العلمية والصياغة التحليلية لكل موضوع علم ممكن عامة وصلة هذه الصياغة بما لا بد منه من التأويل تأسيسا لمبادئ العلم وتطبيقا لنظرياته على موضوعه: وتلك هي الإشكالية الفلسفية الأساسية التي يمكن أن نجمع تحتها البذرات أو الفتوحات التي ننسبها إليه والتي بقيت محولة ابن خلدون دونها بكثير لبقائها حبيسة النموذج الأرسطي على الأقل بمفهوم المطابقة.
الفصل الثاني
صياغة مآزق الفكر العربي الإسلامي بضربيه الفلسفي والديني
ومراحل تدرجه إلى التجريد التنظيري
نحاول الجواب عن السؤال التالي: ما هي مراحل البلوغ إلى التعليل الفلسفي أعني التنظير العلمي المجرد للظاهرات التي تجري في الطبيعة والتاريخ وكيف استعملت للتخلص من المقابلة الزائفة بين العقل والنقل وبين الفلسفة والدين لفهم ما يعتمل في مجريات الأمور الطبيعية والتاريخية في الحضارة العربية الإسلامية؟ ولماذا تعتبر اللحظة التيميه الخلدونية لحظة واحدة أولا ولحظة أساسية ثانيا لفهم هذا الأمر الذي نعتبره غاية بالقياس إلى ما تقدم عليه في فكرنا الديني والفلسفي وبداية بالقياس إلى ما تأخر عنه فيهما أو إن شئنا لحظة قادرة على الربط بين النهضتين المتقدمة على عصر الانحطاط والحالية ربطا قد يحررنا من عطالة الانحطاط فيجبر الكسر الذي تعاني منه حضارتنا من خلال الإشارة الدقيقة لموطن الداء الذي ما زال ينخرها فيفقدها القدرة على الإبداع؟
فهذا الفصام بين الفكرين اللذين يدعيان الكلام باسم الفلسفة والدين يجعلهما يتصرفان دون اعتبار للثورة المحمدية التي استندت كما أسلفنا إلى التخلص من التنافي بين الطبائع والشرائع من خلال تحديد الدين الكلي المنزل تحديدا يجعله عين الدين الطبيعي الكلي أعني الفطرة الإسلامية كما تبين ذلك الآية الكريمة التي جعلت الإيمان مرسوما في الإرث العضوي ومتحررا من تأثير الكسب الثقافي:"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون"[4], ومن خلال المطابقة بين المعطى الديني و المعطى التاريخي في عرض القرآن الكريم النقدي لتجربة الأمم الروحية كما يتبين ذلك من القصص بوصفه اعتبارا للتاريخ الروحي نظيرا موازيا لاعتبار الطبيعة.
فرضيتنا تتمثل إذن: في اعتبار اللحظة التيميه الخلدونية غاية لتدرج الفكر العربي الإسلامي قبل الانحطاط نحو الفكر النظري الفلسفي الخالص لكونها تمثل لحظة تخلصه من الكلام على الفكر الفلسفي من خارجه وبوصفه مجرد شكل أجنبي. فهي لحظة أصبحت تنظر إلى الكلي الذي يجمع الفكر الديني والفكر الفلسفي استنادا إلى مفهوم الدين الكوني والفلسفة الكونية كما حددهما الإسلام في التوحيد بين اعتبار العالم التاريخي أو الروحي والعالم الطبيعي أو المادي. لذلك كان الاقتران بين الكتاب والحكمة أو الحكم أمرا لا يتخلف في القرآن الكريم: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ....بما كنتم تعلمون الكتاب وتدرسون "[5]؟ ولكي نفهم هذا المآل لا بد من الجواب عن السؤال المضاعف التالي:
الوجه الأول من السؤال: كيف آل الفكر الفلسفي بفرعيه إلى مآزقه؟ فمآزق الفكر الفلسفي ( المشائي والصفوي ) نتجت جميعها عن المثنوية الوجودية وتجاوزها الخارجي برد الشرائع إلى الطبائع وبلغة العصر رد العلوم الإنسانية إلى العلوم الطبيعية: كل ما لا يقبل هذا الرد يلغى وتكون العلوم العملية مجرد يتوبيات حول المدينة الفاضلة بدلا من ان تكون علما للظاهرات الإنسانية[6].
الوجه الثاني من السؤال: كيف آل الفكر الديني بفرعيه إلى مآزقه؟ ومآزق الفكر الديني (الكلام والتصوف) نتجت جميعها عن القول بالمثنوية الوجودية وبتجاوزها الخارجي برد الطبائع إلى الشرائع أو بلغة العصر رد علوم الطبيعة إلى العلوم الإنسانية: كل ما لا يقبل هذا الرد يلغى وتكون العلوم النظرية مجرد يتوبيات حول الطبيعة الفاضلة التي هي من جنس دلائل العدل الإلهي بدلا من ان تكون علما للظاهرات الطبيعية[7]
وكنا قد أشرنا إلى أن ما يدفعنا إلى التركيز على هذه الظاهرة ليس مجرد النبش في الماضي بل هو التناظر العجيب بين وضعية النهضة العربية الإسلامية الوسيطة ووضعية النهضة العربية الإسلامية الحديثة من حيث الوقوع في هذه المآزق[8]. فالمتكلمون باسم الفكر الفلسفي والمتكلمون باسم الفكر الديني في نهضتنا الحالية عادا بنا من جديد إلى الفصام بين الفكرين وإلى الحرب الأهلية بين المتكلمين باسمهما. وقد أدى موقف الفكرين, المنتسب إلى الدين والمنتسب إلى الفلسفة أحدهما من الآخر, إلى أزمة حضارية من طبيعة واحدة.
ففي كلتا الوضعيتين حصل صدام مدمر بين متطرفيهما في الممارسة الفكرية التي فقدت استقلالها عن الممارسة العملية فصارت المعركة السياسية الاجتماعية المتطرفة الهم الأول والأخير. وبذلك تردت المسألة النظرية الفلسفية والدينية إلى مجرد توظيف إيديولوجي مما حول النهضتين إلى فصام حضاري وحرب أهلية دائمة بين تصورين للفكر الديني والفكر الفلسفي كلاهما يلغي الآخر. وكلا الموقفين موجود في السنتين الممثلتين لهذين الفكرين أعني عند من يطلق عليهم اسم علماء "العقل" وعند من يطلق عليهم اسم علماء "النقل". وهم في الحقيقة ليسوا علماء لا عقلا ولا نقلا بل هم رؤساء مذاهب وأحزاب:
أحدهما – وذلك في الفكر النظري والممارسة العلمية على حد سواء- يريد أن يواصل السنة الإنجيلية المحرفة دينيا (ممثلة بدين موسى ودين عيسى المحرفين وأثرهما في علوم العمران خاصة)
والثاني يريد أن يواصل السنة اليونانية اللاتينية المحرفة فلسفيا (ممثلة بفلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو المحرفتين وأثرهما في علوم الطبيعة خاصة).
ويحاول كلا الفريقين الوصل الفصامي بينهما في شكل تواز مرضي بين الشرائع والطبائع وبين البعد الروحي والبعد الزماني وبين التصور الديني والتصور الفلسفي وكأن الثورة الإسلامية (الإصلاح المحمدي الناقد للتحريفين التوراتي والإنجيلي) لم تحصل أو كأنها قوسان فتحا عبثا وينبغي أن يغلقا دون تأثير على التاريخ الإنساني[9].
ولم يبق إلا أقلية قليلة لا يكاد يسمع لها أحد تحاول التخلص من التحريفين بتجاوز التقابل بيهما وبتأسيس إبستمولوجية تتجاوز التنافي بين التحليل والتأويل لتجاوزها التقابل بين الطبائع والشرائع وسيطا وبين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان حاليا. وهي إذ تفعل ذلك إنما تفعله تماشيا مع مقتضيات الثورة الإسلامية التي تصلح تحريف الفكرين الديني والفلسفي ختما لعهد الفصل بينهما من خلال نفي التقابل السطحي بين العقل والوحي. فالإسلام إنما جاء للتوحيد بين أسمى الأديان المنزلة غاية الوحي والوجدان وأسمى الأديان الطبيعية غاية العقل والفرقان في الدين الخاتم تحت اسم دين الفطرة حيث يعد الاعتبار (اعتبار الطبيعة واعتبار التاريخ) سبيل العلم وغاية الإيمان: وليس الإسلام إلا إدراك ذلك مما جعله خاتمة الوحي ومنطلق تحميل العقل أمانة الاستخلاف أعني العقل المدرك لحدود الإدراك والممثل الوحيد للعمل الإنساني في صلته الاستخلافية بالمطلق أو بالمستخلف.
وقد حال هذا الصدام- الذي كانت الغلبة فيه للسلب المتبادل الناتج عن التنافي الدائم بين طرفي الموقف الأول في الفكر والوجود- بين حضارتنا وتحقيق رسالة الإسلام في التاريخ الحقيقي مما أبقى القيم الإسلامية مجرد مشروع لم ينجز منه إلا القليل فلم تتحقق الكونية الإسلامية التي تتميز بتشخيصها بدارا لعيوب العولمة الحالية أعني سلبيات الوصل الخارجي بين السنتين المحرفتين وصلا يلغي الإصلاح المحمدي: السنة التوراتية الإنجيلية ممثلة للوحي أو للدين المنزل الذي يجعل الشرائع متنافية مع الطبائع والسنة اليونانية اللاتينية ممثلة للعقل أو الدين الطبيعي الذي يجعل الطبائع متنافية مع الشرائع, السنتين اللتين أشاحتا بوجهيهما عن الإصلاح المحمدي.
هدف المحاولة المباشر- وهو هدف نظري خالص- هو إذن تخليص فكر ابن تيميه من حصره في الظرفيات التي أرجعته إليها القراءة السلفية ومحاولة البحث عن أعماقه من خلال تحليل الدلالة الفلسفية لنقده الفكر الفلسفي ببعديه المشائي (ابن رشد خاصة) والصفوي (السهروردي خاصة) والفكر الديني ببعديه الكلامي (الرازي خاصة) والصوفي (ابن عربي خاصة) وصلة ذلك بالخصومة السينوية الغزالية في تكوينية فكر المسلمين الديني والفلسفي[10]. أما غرضنا غير المباشر- وهو هدف عملي مما يعني أننا نقلب الترتيب فنجعل العملي دائما غير مباشر لكونه من وجهة نظر المعرفة والإيمان ينبغي ان يتلو النظر ليكون عملا على علم- هو كيفية الوصل بين ما تقدم على الانحطاط وما تأخر عنه لجبر الكسر الذي أصاب تاريخنا الفكري.
والمعلوم أن جبر هذا الكسر هو الشرط الضروري لتيسير الوصل بين النهضتين وصلا حيا يجعل الاستئناف لا يقتصر على سطحيات التخبط السياسي المباشر الذي تردت إليه الحركات السياسية الإسلامية بل هو يحاول تأسيس نهضة جذرية في مستوى فعل التجريد التنظيري الذي هو شرط العمل على علم نهضة تجعلنا قادرين على الإسهام في ثورات العقل الإنساني بالاستناد إلى قيم الإسلام وبالأدوات الحقيقية أعني بالعلم والفلسفة اللذين لا يتضمنان ما يجعلهما متنافيين بالذات مع الممارسة الدينية الصحيحة.
فلا يمكن أن يسعى الدين إلى الغايات من دون الأدوات أو أن يقتصر على العلاج العقيم بسد الذرائع وبتر الأعضاء لكون بعض المرضى تكلموا باسمها (الثورة الفلسفية والثورة العلمية وثمراتهما في مجال الثورة الاقتصادية والثورة السياسية والثورة الاجتماعية). ينبغي ألا يقتصر فكرنا على مجرد ثرثرة إفتائية وحيل فقهية كادت تقتل الفكر الديني وتقصر الدين الإسلامي على الشكل البدائي من التعبد الشعبي الجامد فتصبح الشريعة فقها ميتا خلوا من الفكر الفلسفي العميق أعني من مصدر الحيوية الحضارية للامة شرطا في استئناف دورها التاريخي الكوني.
فتاريخ فكرنا يبين أن هذا الخطر قد كاد يقضي في كلتا محاولتي النهضة على التجريد التنظيري أعني دراسة الأمور بالتجريب العقلي الخالص أو التجريد الذي يضعها في حالة الإطلاق المثالي الفرضي. فالتجريد التنظيري هو المحرك الحقيقي لكل إبداع حضاري حقيقي. وهذا الخطر قضى على شرط الإبداع في حالتي النهضة العربية الإسلامية فكان العامل الموحد بين التيارات الفلسفية والدينية التي أفسدت النهضة الأولى وجنيستيها الحاليتين اللتين هما الآن بصدد إفساد النهضة الثانية للجهل بطبيعة هذا الفعل الذي من دونه ليس للعقل القدرة على العلاج العلمي:
ففي الأولى: كانت العلة الرئيسية للتنافي بين المشائية (التي افسدت النظر الفلسفي خاصة) والصفوية (التي أفسدت العمل الفلسفي خاصة كما هو بين من رسائل إخوان الصفا) فلسفيا نظريا ثم بين الكلام (الذي أفسد النظر الديني خاصة) والتصوف (الذي أفسد العمل الديني خاصة) دينيا عمليا ثم بين الفريقين الأولين والفريقين الثانيين هي عدم فهم طبيعة هذا الفعل التنظيري المبدع الذي استعمله كبار فلاسفة اليونان ليصوغوا به الطبائع والشرائع في حدود ما توصل إليه جهازهم الإدراكي عقلا وحسا وتصوره المفكرون العرب حقائق نهائية. فلم يكن التجريد عندهم أداة علاج بل هو كان هروبا من الأمر المعالج وإهماله لدراسة أمر بديل منه: فيموت الأمران العلاج والظاهرة المعالجة.
وفي الثانية: كانت العلة الرئيسية التنافي بين الوضعية (التي أفسدت النظر الفلسفي خاصة) والماركسية (التي أفسدت العمل الفلسفي خاصة) فلسفيا نظريا وهما مشائية وصفوية محدثتان وبين الكلام (الذي أفسد النظر الديني خاصة) والتصوف (الذي أفسد العلم الديني خاصة) المحدثان دينيا دينيا عمليا ثم بين الفريقين الأولين والفريقين الثانيين نفس العلة: أخذت ثمرات الإدراك الغربي الحديث دون جهاز الإدراك الغربي الحديث وشروطه مما ألغى الظاهرة المدركة وحول النظر إلى قول أجوف.
وقد صاحب ذلك في الممارسة العملية بل وفي ساحات القتال التنافي بين حركتين فكريتين أخطر من هذا الموقف الفكري العقيم هما: ما يمكن ان يوصف بالخروج على السنة أو الفهم الظاهري للفكر السني وسيطا وحديثا وما يمكن أن يوصف بالخروج على الشيعة أو الفهم الباطني للفكر الشيعي وسيطا وحديثا والخروج الأول حصل باسم ظاهر النص والخروج الثاني حصل باسم باطنه وكلاهما يتذرع بنصوص معزولة عن شروط إفادتها[11]. وهكذا فان حصر هذه المآزق بنوعيها يقتضي أن نشير في غاية هذا الفصل إلى أن حديهما النظريين هما انحرافا الكلام السني والفلسفة المشائية اللذين اتحدا في غاية الصلة بين الفكرين وحديهما العمليين هما انحرافا الكلام الشيعي والتصوف اللذين اتحدا في غاية الصلة بين الفكرين, مما جعل المآزق كما صاغها ابن تيميه من المنطلق الديني تتحدد نظريا مع الرازي وابن رشد من جهة وتتحدد عمليا مع ابن عربي والسهروردي من جهة ثانية. لكن الأمر ينعكس من المنطلق الفلسفي فيصبح تحديد النظري منها موجودا عند الرازي والسهروري ويصبح تحديد العملي منها موجودا عند ابن عربي وابن رشد. أما الجدل مع ابن المطهر فهو سياسي مباشر ولا يهمنا منه إلا ما يرد منه لضربي المآزق السابقة أعني مآزق النظر ومآزق العمل:
أولا مآزق النظر:
1- من المنطلق الديني وتعود كلها إلى التقابل بين نظرية العلم الإنساني المحيط بالحقيقة( وتلك هي علة اللجوء إلى نظرية التأويل الذي يتوسل لرد النقلي بما هو ظاهر إلى العقلي بما هو باطن عند التعارض ) ونظرية العلم الإنساني النسبي غير المحيط بالحقيقة مما يغني عن التأويل بالرد والاكتفاء بالعلم المناسب.
2- من المنطلق الفلسفي وتعود كلها إلى التقابل بين نظرية الوجود التي تؤسس لمسألة الحقائق المؤلفة من كليات وما يترتب عليها من نظرية في المعرفة تقول بالحقيقة المطابقة ونظرية الوجود التي تنفي التأليف من الكليات وما يترتب على هذا النفي من نظرية في المعرفة تقول بالعلم النسبي لكونه مجرد ترميز اسمي للممارسة النظرية والعملية الإنسانية.
ثانيا مآزق العمل:
1- من المنطلق الديني وتعود كلها إلى التقابل بين العمل الاجتهادي الذي يقتضي حل الاختيار في المسألة السياسية ونظرية العمل المؤيد الذي يقتضي حل الوصية في المسألة السياسية .
2- من المنطلق الفلسفي وتعود كلها إلى المقابلة بين العمل الإنساني المطابق للواجب (للقول بالتحسين والتقبيح العقليين) والعلم الإنساني النسبي الذي يربط دائما بين الواجب والواقع في التاريخ الفعلي لتحقيق القيم المتعالية عليه.
المقالة الثانية
كيف صار فعل التفلسف أمرا ممكنا
تمهيد:
يبين نقد ابن تيميه لفكر هؤلاء الأعلام الأربعة أنه كان مدركا لهذه المآزق فكان فكره لذلك سعيا لإحياء الإصلاح المحمدي بمعناه النقدي للتحريفين الديني (في تحريف التوراة والإنجيل) والفلسفي (في تحريف فلسفة أفلاطون التي صارت صفوية وفلسفة أرسطو التي صارت مشائية). كان عمله سعيا حثيثا لتأسيس ما بعد طبيعة بديلة من التحريف الفلسفي وما بعد تاريخ بديل من التحريف الديني مستمدا أصولهما من إعادة تأويل للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تأويلا يؤسس لشروط فهم الثورة الإسلامية ببعديها النظري العلمي والخلقي العملي. وهما سعيان يمكن إذا تحققا بحسب ما نحاول وصفه أن يخلصا الإنسانية من شرور العولمة التي كانت بينة منذ عصر بان تيميه وابن خلدون في فلسفة وحدة الوجود الطبيعية (عند ممثلي الفكر الفلسفي المشائي والصفوي) أو فلسفة وحدته التاريخية (عند ممثلي الفكر الديني الكلامي والصوفي) كما تعينتا عند هؤلاء الأعلام الأربعة.
لذلك فهذه الخاصية قد جعلت الفكر التيمي (والخلدوني) بالضرورة مصدرا مباشرا لفكر النهضة العربية الإسلامية الثانية منذ بدايات القرن التاسع عشر قبل نكوصها إلى المآزق التي آل إليها فكر النهضة الأولى نكوصا تعين خاصة في نتائج العوائق التي أشرنا إليها. فهذا المصدر لم يستعمل الاستعمال الفلسفي الجدير به بل اقتصر مستعملوه على فهم مقصور على ما فيه من أمور عرضية ناتجة عن التزام ابن تيميه بالفعل التاريخي ودخوله في المعارك المباشرة التي خاضها والتي هي ليست جوهر فكره الإصلاحي بل هي مجرد استجابة لمتطلبات الظرف. فكان موقف حركات الصحوة من فكره وحصرها إياه في هذه المعاني المباشرة جنيس موقف من يتصور معاني القرآن الكريم مقصورة على مدلولها عند نسبتها إلى أسباب النزول دون سواها مهملا بذلك المقاصد الكلية.
وبذلك يصبح مطلبنا في هذه المقالة الثانية أن نجيب عن الأسئلة التالية التي تصوغ الوجوه المتعددة من نفس الإشكالية: ما العلاقة بين نقد الفكر الفلسفي بفرعيه ونقد الفكر الديني بفرعيه؟ ولماذا كان اندماج الفلسفة في الكلام والتصوف بداية التطور الذي جعل علاج مسائل الحضارة العربية يصبح فلسفيا؟ وكيف آل هذا التطور فجعل علاج مسألة المنطق والميتافيزيقا عند ابن تيميه مثل علاج مسألة التاريخ وما بعد التاريخ عند ابن خلدون نقلة نوعية يصبح الفكر الفلسفي بمقتضاها ظاهرة غير أجنبية بل نابعة من الممارسة المعرفية العربية الإسلامية التي تجاوزت المقابلة السطحية بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة ؟
وطبعا فنحن سنكتفي بالبحث في مآزق المسألة النظرية لكون المسألة العملية ليست مطلوبنا الآن علما وأنها هي الدافع الحقيقي لكل بحوث ابن تيميه وأن نتائجها المؤثرة في النظر بينة ولا تحتاج إلى توضيح في هذه المحاولة الوجيزة. مدخلنا إلى فكر ابن تيميه الإصلاحي في مجال الفكر هو إذن معيار التطابق النظري بين صحيح المنقول وصريح المعقول الذي ليس هو سلبا إلا نفي الفصام بين الفكرين وإثبات وحدتهما في المجال النظري وما ينتج عنه في المجال العملي: إنه معيار درء التعارض بين العقل والنقل أو معيار عدم التعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول الذي يرد به ابن تيميه على معيار التأويل الذي صار واحدا عند ممثلي الفكرين بفرعيهما.
فدرء التعارض الذي يرد به ابن تيميه على معيار التأويل الذي انتهى إليه الكلام والفلسفة في الغاية هو في الحقيقة تسمية غير دقيقة لعملية ثورية تمثلت في السعي لتجاوز مصدر كل المآزق التي وصل إليها الفكر العربي الإسلامي المآزق الناتجة عما يشبه القول بثنائية المعرفة الإنسانية خاصية باطنة وعامية ظاهرة (العقل والنقل), وهو قول لا يمكن مواصلته بعد الثورة المحمدية التي ألغت الخصوصية الدينية فرفعت الفكر الديني إلى الكلية وألغت من ثم التنافي بين الدين الطبيعي والدين المنزل الخاتم من خلال المفهوم الجديد للدين الفطرة.
فتكون الثورة التي نزعم أن بذورها موجودة في فكر ابن تيميه متعلقة بمسألتين أولاهما طغت على ممثلي العقل والثانية طغت على ممثلي النقل: الأولى تتعلق بنظرية العلم خاصة وهي مسألة المقابلة بين التحليل والتأويل صورتين للمعرفة التي تنبني على نظرية الوجود القائلة بتركيب الجواهر من المقومات الصورية باستثناء الأعراض والثانية تتعلق بنظرية المقابلة بين الحقيقة والمجاز مادتين للمعرفة التي تنبني على نظرية في اللغة والوجود تقول بتركيب المعاني من الحقيقة أي المقومات أو الباطن دون المجاز أي الأعراض أو الظاهر.
والمعلوم أن ترتيب الشرف بين المسألتين يتغير بحسب الموقفين: فمسألة مقومات المعلوم هي الأساس من منطلق الفكر الفلسفي لكونها تعود إلى نظرية الوجود في الميتافيزيقا, ومسألة الحقيقة والمجاز هي الأساس من منطلق الفكر الديني لكونها تعود إلى نظرية نص الوحي الذي له منزلة نظرية الوجود في الفلسفة. وقد تبين في عصرنا أن المنطلق الثاني أسلم بمقتضى تعليل آخر غير التعليل الديني هو: تقدم نظرية اللسان على نظريتي الوجود والقيمة. ولما كان من المعلوم أن المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة قد جعلوا نظرية الحقيقة والمجاز مطية لرد ما يسمونه ظاهر النص (المجاز) إلى ما يسمونه باطنه (الحقيقة) أعني ما توصلت إليه علومهم المزعومه عقلية فيصبح القرآن الكريم عرضة لتأويلات تحكمية كالعرش الذي يتأول سطح جرم السماء بالمعنى الأرسطي بات من اليسير أن نفهم لم كانت هذه المسألة مدخل ابن تيميه الرئيسي لكل ردوده عليهم ولم سنجعلها غاية محاولتنا.
الفصل الأول
العلاقة بين التحليل والتأويل
كان لرد ابن تيميه على الحل المشترك بين الفكرين الفلسفي والديني في مستوييه المعرفي (تحليل- تأويل) والوجودي (مقوم- حقيقة: عرض- مجاز) وجهان كلاهما مضاعف إذا نظر إليه كما تعين في الردود على المدرستين المزدوجتين الفلسفية المضاعفة (ابن رشد والسهروردي) والدينية المضاعفة (ابن عربي والرازي) ويصبحان متطابقين بفضل نفي ثنائية المعرفة الذي يسعى إليه ابن تيميه بتجاوز المقابلة وليس بالإرجاع ليكون التوحيد توحيدا فلسفيا يحقق ما دعا إليه الإسلام في نظرية الدين الكلي حيث يتطابق الدين المنزل الخاتم مع الدين الطبيعي العقلي أعني دين الفطرة:
1- فرع صراحة العقل ويتضمن صراحة المعرفة العقلية الخالصة وصراحة المعرفة العقلية المطبقة أعني ضربي الحقائق العقلية ممثلة بالصورة المنطقية والتجربة الطبيعية (الخصومة مع فرعي الفكر الفلسفي): إصلاح نظرية المعرفة العقلية والمنطق وما بعد الطبيعة والفلسفة الطبيعية. والهدف هو أن نعلم كيف عرف ابن تيميه طبيعة الحقيقة الطبيعية ليقربها من الحقيقة التاريخية التي هي غير الفلسفة العملية لكون هذه الفلسفة لم تكن عند علماء العقل مستندة إلى الخبر التاريخي بل كانت مستنبطة من الفلسفة الطبيعية أعني من مفهوم الإنسان وشروط وجوده الاجتماعية. ومن ثم فالشرائع ترد عندهم إلى الطبائع. فينحصر الأمر في مسألتين تخصان المعرفة التحليلية:
أ- المنطق الخالص أو صورة العلم التحليلية
ب- المنطق المطبق أو الصورة التحليلية ذات المضمون المستمد من التجربة الطبيعية
2- وفرع صحة النقل ويتضمن صحة المعرفة النقلية الخالصة وصحة المعرفة النقلية المطبقة أعني ضربي الحقائق الدينية ممثلة بالتاريخ والتجربة الخلقية (الخصومة مع فرعي الفكر الديني): إصلاح نظرية المعرفة النقلية والتاريخ وما بعد التاريخ والفلسفة التاريخية والعمرانية المبنية عليها. والهدف هو أن نعلم كيف عرف ابن تيميه طبيعة الحقيقة التاريخية لتقريبها من الحقيقة الطبيعية التي هي غير النظرية لكونها لم تكن عند علماء النقل مستندة إلى التجربة الطبيعية بل كانت مستنبطة من الفلسفة العملية ومفهوم الإله وشروط حرية الخلق. ومن ثم فالطبائع ترد عند علماء النقل إلى الشرائع. فينحصر الأمر في مسألتين تخصان المعرفة التأويلية:
أ- التاريخ الخالص أو صورة العلم التأويلية
ب- التاريخ المطبق أو الصورة التأويلية ذات المضمون المستمد من التجربة العملية.
والجامع بين الأمرين عند تجاوز التقابل الوهمي بين ضربي العلوم يتمثل في بيان أن طبيعة مادة المعرفة ليست هي المحدد لكونها في الحالتين قابلة للتوحيد تحت اسم الوظيفة التي تؤديها في المعرفة الطبيعية (المعطى المجرد) وفي المعرفة الخلقية (المعطى القيمة) فيكون المشكل هو كيف يتم نقلها من منزلة المعطى المهمل إلى منزلة المعطى المسور بالمعنى المنطقي للكلمة والمعطى المفهوم بالمعنى التأويلي للكلمة أو بصورة أوضح كيف يمكن الجمع بين صورة العلم التحليلية وصورة العلم التأويلية في صياغة مادة المعرفة طبيعية نظرية كانت أو تاريخية عملية, ثم كيف يمكن علاج المادة بعد ذلك. وهاتان المهمتان هما مهمتا المعرفة التي تستعمل نفس الآليات أعني آليات حصر المعطيات لتحليلها (بأدوات المنطق والرياضيات) وتأويلها (بأدوات التاريخ واللسانيات) سواء كانت المعطيات طبيعية أو خلقية لكون كلا منهما لا يخلو من مقوم الآخر. لذلك بات المشكل متمثلا في تخليص الفكر العربي من المقابلة بين الزعم القائل بان التحليل و الحقيقة يمثلان العلوم العقلية والتأويل والمجاز يمثلان العلوم النقلية. والتخلص النهائي من الفصل المؤدي إلى محاولات التوفيق اليائسة لا يكون إلا ببيان سطحية المقابلتين الناتجتين عن الشكل البدائي من نظرية العلم: المقابلة بين صورتي المعرفة (التحليل والتأويل) ومادتيها (الحقيقة والمجاز).
وبين أن المقابلة الأولى متقدمة معرفيا على المقابلة الثانية. وعلاجها لا يكون إلا بتجاوز المقابلة السطحية بين التحليل والتأويل. ويتضمن علاج هذه المسألة مستويين:
1- مستوى طبيعة المقابلة السطحية التي تدور حول أساسي نظرية البرهان الأرسطية, أعني الحقائق الأولية أساس نظرية القياس, والصور الجوهرية أساس نظرية الحد والجمع بينهما جمعا يؤسس لنظرية البرهان. ذلك ان المنطق من دون الجمع بين هذين المفهومين لا يمكن ان يستنتج حقائق يتصور قوانين استنتاجه لها هي عين قوانين صلاتها بعضها بالبعض خارج القول العلمي أولا ويتصورها مطابقة للوجود في ذاته ثانيا,
2- ثم مستوى ما ينتج عن ذلك من تساند متبادل بين التحليل والتأويل إذ إن كلا منهما ينطلق من الآخر وينتهي إليه كما سنرى وما يترتب على ذلك من ضرورة تجاوز المقابلة بين ضربي العلوم بحكم تحقق شرط التطابق بين صحيح المنقول وصريح المعقول.
المستوى الأول:
وتعد الطبيعة الميتافيزيقية البينة للأساسين اللذين يتعلق بهما المستوى الأول علة نقد ابن تيميه للمنطق عامة ولنجاعته في المعرفة العلمية خاصة إذ يقول:" وتبين لي أن كثيرا مما ذكروه في المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات (=الميتافيزيقا ) مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات. وما ذكروه من حصر طرق العلم في ما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانيات بل ما ذكروه من الحدود التي بها تعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ومواده اليقينيات"[12].
فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحقائق الأولية أو البديهيات التي ينبني عليها النسق العلمي ليست عند ابن تيميه حقائق بذاتها إلا إذا عوملت بصفتها مقدرات ذهنية غير منطبقة على موجود بعينه. ولما كانت المبادئ من ثم أصولا موضوعه نسبية إلى النسق العلمي الذي وضع لمعرفة موجود معين, وكانت الحدود ليست جواهر الأشياء وحقائقها- إذ لا يقبل ابن تيميه أساسي الصورة الجوهرية أعني التمييز بين الذاتي والعرضي ("كون الذهن لا يعقل هذا إلا بعد هذا ... فيكون التقدير أن ما قدمناه في أذهاننا على الحقيقة فهو الذاتي وما أخرناه فهو العرضي ويعود الأمر إلى أننا تحكمنا بجعل بعض الصفات ذاتيا وبعضها عرضيا لازما أو غير لازم"- [13]- ويمكن أن نقول نفس الشيء بالنسبة إلى العلاقة بين الحقيقة والمجاز لكون الفلاسفة يسمون حقيقة ما هو ذاتي ويسمون مجازا ما هو عرضي بمصطلحهم) والتركيب من الصفات الذاتية - بل هي عنده مجرد أسماء علمية فانه لن يبقى من العلم البرهاني شيء يذكر إلا في المقدرات الذهنية ويصبح العلم كله فرضيا استننتاجيا ومن حيث الصورة ولا يكون إلا تقريبيا إحصائيا من حيث المادة: " إذ قدمنا أن الطبيعيات التي هي العاديات ليس فيها كليات لا تقبل النقض بحال. فان ذكر الأصل في القياس العقلي لتنبيه العقل على المشترك الكلي المستلزم للحكم لا أن ثبوت الحكم في صورة يوجب ثبوته في أخرى بدون أن يكون هناك جامع يستلزم الحكم" [14]
فصحة الصورة التحليلية صحة صورية لا تصلح إلا في المقدرات الذهنية [15] وهي عندما تصبح علمية- أعني تفسيرا لأحد الموضوعات الذي يقبل أن يكون تأويلا لها- تكون من جنس الأصول الموضوعة النسبية. ومن ثم فهي لا يمكن أن تؤدي إلى إطلاق العلم الذي ينتج عن تطبيقها على مضمون معين ليست قوانينه بالضرورة هي قوانين الصورة المنطقية التي نتوسلها للعبارة عنه: " فالأمور الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا في المقدرات الذهنية كالعدد والمقدار لا في الأمور الخارجية الموجودة. فإذا كانت مواد القياس البرهاني لا يدرك بعامتها إلا أمور معينة ليست كلية وهي الحس الباطن والظاهر والتواتر والتجربة والحدس والذي يدرك الكليات البدهية الأولية إنما يدرك أمورا مقدرة ذهينة لم يكن في مبادئ البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم قضية كلية عامة للأمور الموجودة في الخارج والقياس لا يفيد العلم إلا بواسطة قضية كلية فامتنع حينئذ أن يكون فيما ذكروه من صورة القياس ومادته حصول علم يقيني "[16]. ولم يكن ابن تيميه ساهيا عن ثورته هذه فهو يضيف مباشرة:" وهذا بين لمن تأمله وبتحريره وجودة تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف"[17]. ونحن نعتبر مثل هذا القول دعوة للقيام بما ينبغي لإتمام مشروعه.
وبذلك يصبح كل نسق تحليلي في غير المقدرات الذهنية ذا منطلقات اختيارية تنتخب من أنساق المقدرات الذهنية- دون ان تكون تحكمية لكونها تختار بحسب الوظيفة التي جعلت لها: تفسير مجموعة من الظاهرات ( تقبل أن تكون تأويلا لتلك الأنساق الذهنية المقدرة ) توحدها ممارسة ما كالطب أو الفقه مثالي ابن تيميه المفضلين- وهو ما يعني أن التحليل ينطلق ضرورة من التأويل أعني تأويل الأمور التي تعتبر موضوعا لعلم ما والأمور التي تعتبر عناصر الشكل العلمي أعني الأمور التي توضع حدودا أولية وقوانين أو قواعد أولية يستنتج منها كل ما عداها تسليما فرضيا بان قوانين النسق المجرد الذي استعمل لتفسير ظاهرة معينة مطابقة لقوانين هذه الظاهرة التي تقبل أن تكون تأويلا لتلك القوانين المجردة.
فيكون التأويل - كما هو حقا- ليس إلا قراءة النسق في ضوء موضوع معين يعد أحد الأمثلة من البنية المجردة التي رمز لها بالنسق موضوعا نؤول النسق به. وبذلك يتبين أن التأويل ليس ضديد التحليل بل هو أساسه إذ هو بما هو تأويل سابق عليه سبق شرط انطلاقه. ويتبين كذلك أن التحليل ليس ضديد التأويل بل هو كذلك أساس التأويل اللاحق لكوننا في غاية العملية التحليلية كما في بدايتها لا بد من القيام بعملية المناظرة بين النسق المجرد والموضوع الذي نفترضه مثالا منه فنستعمله لتفسيره به. والجدل بين الشكل الذي نفسر به المضمون والمضمون الذي نؤول به الشكل يعود في الحقيقة إلى الجدل بين التحليل والتأويل في كل العلوم سواء كانت تسمى نقلية أو عقلية بالمصطلح التقليدي أو إنسانية وطبيعة بالمصطلح الحالي.
المستوى الثاني:
ومن ثم فضربا العلوم يشتركان في كل الأمور التي يتحدد بها الشكل العلمي الذي هو شكل مضاعف في كلتا الحالتين والذي يحاول ابن تيميه تحقيق ثورة فيه تمكن من تجاوز نظرية العلم الموروثة عن اليونان ونظرية الوجود التي تسندها والتي تنبني عليها في الوقت نفسه:
1- الشكل التحليلي الخالص أو علم المقدرات الذهنية بلغة بان تيميه: من هنا مراجعة منطق شكل القول العلمي أو البنية التحليلية التي لا بد منها في كلا العلمين العقلي والنقلي بفضل مراجعة مفهوم الحقائق الأولية ومفهوم الضرورة المنطقية.
2- الشكل التحليلي المطبق أو علم الموجودات الفعلية بلغة ابن تيميه: من هنا مراجعة منطق صياغة المادة لتقبل العلاج بالبنية التحليلية التي لا بد منها في كلا العلمين العقلي والنقلي : نقل المعطى من كونه معطى خاما إلى كونه معطى علميا يندرج في نظرية ما بوصفه موضوعا لها أو تأويلا معينا لبنيتها المجردة إذا كانت النظرية متقدمة الوجود على تعميمها على هذا الموضوع أعني إذا لم تكن النظرية قد صنعت له خصيصا وبالتدريج بفضل مراجعة مفهوم الحقائق النظرية ومفهوم الدليل العلمي.
وإذن فالعلوم النقلية لا تختلف عن العلوم العقلية إلا بالمادة إذا صح أن علمنا بالمادتين يكفي للجزم بذلك, إذ لا شيء يثبت أنهما في ذاتهما مختلفان كما نتصور خاصة والقرآن الكريم ينفي هذا الاختلاف بين الطبيعي والشريعي. وهما قد يشتركان في المادة إذ إن علوم النقل يمكن أن تعالج أمور الطبيعة التي كانت شبه حكر على الفكر الفلسفي وعلوم العقل يمكن أن تعالج أمور الشريعة التي كانت شبه حكر على الفكر الديني. ومن ثم فهما لا يمكن أن يكونا متنافيين من حيث العلمية (إذا قصدنا بها تحليلية الصياغة وتحليلية الاستدلال تفسيرا وتأويلية البداية والغاية فهما) حتى عندما يشتركان في الموضوع, علما وأن ما في العلوم النقلية الصحيحة من حقائق معلومة لا تتعلق بالغيب لكون الغيب لا يعلم لا نقلا ولا عقلا, إذ هو محجوب حتى على الأنبياء ولا يعلمه إلا الله. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى ما في العلوم العقلية الصريحة من حقائق. فلسنا ندري ما هو سر كون حقائق الأشياء الطبيعية هي ما هي. ولعل ذلك هو غيب الطبيعة المناظر لغيب الشريعة. ولعل وحدتهما الحقيقية لا تدرك إلا في هذا الجزء الغيبي منهما.
وإذن فالمعلوم من النقلي لا يمكن أن يكون معلوما بحق بغير العقل ومن ثم فهو من حيث الشكل العلمي عقلي. والمعلوم من العقلي لا يمكن أن يكون معلوما منه بحق غير المعطى الذي هو بالطبع غير العقلي وإلا لما كان لمحاولة جعله عقليا معنى. ومن ثم فهو من حيث المضمون العلمي عقلي, إذ ليس للإنسان غير العقل يعلم به وليس للعقل أن يعلم بحق إلا ما هو معطى ليكون مادة للجعل عقليا. وهذا المعطى يمكن أن يكون طبيعيا ويمكن أن يكون غير طبيعي مثل التاريخي أو الشرعي, وهما من المنظار الإسلامي طبيعيان أو فطريان. وكل المعطيات التسليم بوجودها إيماني وليس عقليا حتى وإن ظن الفكر الغفل أن التسليم بالمعطى الطبيعي يبدو أكثر "طبيعية" من التسليم بالمعطى الخلقي والديني. لكن ذلك لا يغير من طبيعة الإعطاء في الحالتين: فبادئ الرأي ليس حكما في هذه الأمور.
لذلك فالأنبياء تخبر البشر بوجود الغيب دون تعيين أعني ما في المعطى الطبيعي والمعطي التاريخي (إذ إن القرآن الكريم أرجع المعطى الشريعي إلى المعطي التاريخي بتوسط مفهوم القص ومفهوم اعتبار تجارب الأمم السابقة الذي يناظر اعتبار العالم الطبيعي) مما يتجاوز العقل تنبيها إلى حدود العلم الإنساني الذي لا يكون محيطا بما هو غيبي من المعطيين (وذلك هو معنى المراجع التي تحيل عليها الآيات المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله لكون علمه محيطا بخلاف معنيي التأويل الآخرين اللذين هما في متناول العلم الإنساني. فمعرفة عين المرجع ممتنعة. أما التأويل بمعنى تفسير القول اصطلاحا والتأويل بمعنى تحديد تناظر ما بين عناصر القول النظري وعناصر الأمر الذي ليس من الغيب والذي تعتبر النظرية تفسيرا ممكنا له فهما مما يقبل العلم الإنساني الذي لا يكون إلا عقليا), خلافا لما يزعم الفلاسفة الذين يتصورون الراسخ في العلم قادرا على المعرفة البرهانية المزعومة لمعاني الدين التي نهي الإنسان عن تأويلها (المتشابه أو كل ما يتعلق بالغيب)[18], وخلافا لما يزعم الفقهاء الذين يتصورون حدود العقل غير حدود العلم لظنهم أن بعض البشر لهم علم آخر غير العلم العقلي:" فيقال له أتعني بالعقل هنا الغريزة التي فينا أم العلوم التي استفدناها بتلك الغريزة؟ فأما الأول فلم ترده ويمتنع أن تريده لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض النقل وهي شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة. وما كان شرطا في الشيء امتنع ان يكون منافيا له. فالحياة والغريزة شرط في كل العلوم سمعيها وعقليها فامتنع أن تكون منافية لها وهي شرط في الاعتقاد الحاصل بالاستدلال. وإن لم تكن علما فيمتنع أن تكون منافية له ومعارضه له " [19].
الفصل الثاني
المقابلة بين الحقيقة المجاز
أما المسألة الثانية فتعود إلى ضرورة تجاوز المقابلة السطحية بين الحقيقة والمجاز المقابلة التي اعتبرت حلا يمكن من التوفيق الخارجي بين العقل والنقل في حلول الفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة. وسيحقق ابن تيميه هذا التجاوز على مستويين: مستوى طبيعة المقابلة بين الحقيقة والمجاز ومستوى دحض تبريراتها ومنها التبرير بالحاجة إلى التأويل التنزيهي (تجنب التشبيه لتحقيق التنزيه). وسنقتصر في المستوى الثاني بغاية التقريب لا غير على تحليل ابن تيميه بعض الأمثلة لكون فكر ابن تيميه في هذه المسألة لا يمكن تلخيصه أو عرضه بالنصوص. فأعماله تكاد تدور كلها حول هذا المستوي إذ هو جوهر تفسيره للقرآن الكريم أعني السند النظري الأول والأخير لكل أعماله عامة ولردوده على الكلام والتصوف والفلسفة خاصة.
المستوى الأول:
ففي المستوى الأول يقول ابن تيميه نافيا هذه المقابلة من الأصل:" هذا التقسيم لا حقيقة له. وليس لمن فرق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا وهذا. فعلم أن التقسيم باطل. وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول بل يتكلم بلا علم. فهم مبتدعة في الشرع مخالفون للعقل . وذلك أنهم قالوا: الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له. والمجاز هو المستعمل في غير ما وضع له. فاحتاجوا إلى إثبات الوضع السابق على الاستعمال وهذا يتعذر.ثم يقسمون الحقيقة إلى لغوية وعرفية وأكثرهم يقسمها إلى ثلاث: لغوية وشرعية وعرفية" [20]
وكان ابن تيميه قد احتج قبل هذا الحكم الواضع والحاسم بعدم وجود التمييز بين الحقيقة والمجاز عند كبار علماء اللغة والتفسير والأصول الأوائل فقال:" وبكل حال فهذا التقسيم (حقيقة. مجاز ) هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي بل ولا يتكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم . وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه ( مجاز القرآن ). ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة. وإنما عنى بالمجاز ما يعبر عن الآية. ولهذا قال من قال من الأصوليين كأبي حسن البصري وأمثاله إنما تعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا هذا حقيقة وهذا مجاز فقد تلكم بلا علم. فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا. ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ( ولا من سلف الأمة وعلمائها ). وإنما هو اصطلاح حادث. والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين. فإنه لم يوجد هذا في كلام من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف"[21].
وفي الجملة فإن ابن تيميه قد أدرك أن الآليات البلاغية أكثر كلية من الآليات المنطقية وأن النسبة بينهما هي عينها النسبة بين اللغة الطبيعية التي يفهم بها القرآن الكريم لكونها هي المستعملة فيه واللغة الصناعية التي يفهم بها القول الفلسفي لكونها هي المستعملة فيه. فآليات المنطق حالة خاصة من آليات البلاغة لكونها تفترض ضربا من الالتزام الوجودي بمعناه عند كواين فتخضعها إلى مبدأي عدم التناقض والثالث المرفوع لتحقيق شروط المطابقة بين واقع خارجي وعبارة لغوية عنه فيقع عندئذ التمييز بين حقيقة هي هذا الذي يعبر عنه المنطق وكل ما عداه يعد مجازا. لذلك فقد أرجع ابن تيميه رفضه للمنطق كما أسلفنا إلى استناده إلى هذا الالتزام الوجودي الضيق الذي ظنه الفلاسفة والمتصوفة المتكلمة عين الحقيقة, إذ قال:" ولم يكن هذا من همتي لأن همتي كانت فيما كتبته عليهم في الإلهيات. وتبين لي أن كثيرا مما ذكروه في المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات وما ذكروه من حصر طرق العلم فيما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانيات بل ما ذكروه من الحدود التي بها تعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ومواده اليقينيات"[22]
ومعنى ذلك أن الآليات التي تستعملها اللغات الطبيعية للتسمية وللإفادة أعم من الآليات التي تستعملها اللغة الصناعية في كلتا الوظيفتين بحيث إننا إذا تجاوزنا الاختلاف المادي بين الألسن وبحثنا في آلياتها البلاغية وجدنا أنها تتضمن كليات أسمى من كليات المنطق نفسه: كليات البلاغة مثل الاستعارة والكناية وكل الصور البلاغية التي هي ليست مجازية بالمعنى الذي يقابل بين حقيقة ولا حقيقة بل بمعنى خيال التسمية والإفادة. فالمنطق يأخذ من هذه الآليات بعض الحدود الغائية فيجوهرها ويجعل أساس الشبه الاستعاري في الغاية مبدأ الوحدة أو التطابق بين المتماثلين بسبب إطلاق وجه الشبه إلى حد نفي وجوه الاختلاف التي تهمل بدعوى عرضيتها. كما يجعل المنطق أساس الصلة الكنائية الذي هو من جنس ترابط الردود الشرطية بين إدركين وسلوكين ترابطا ذا أساس وجودي حقيقي بين مرجعي الإدراك وليس بين الإدراكين في ذهن المدرك فننتقل من الترابط التواردي أو المعية الخالصة التي تكتفي بها اللغة إلى المعية ذات الحقيقة الموضوعية التي يشترطها هذا الالتزام الوجودي والتي لا شيء يثبتها عدا تصور التطابق بين ما في الذهن وما في خارج الذهن مثلما هو الشأن في الواقعية الغفلة أعني في الموقف الطبيعي الذي يجعل الإنسان يضفي على اللغة مدى وجوديا مطلقا: وهو موقف شبه سحري أو أسطوري.
المستوى الثاني:
يحدد ابن تيميه معاني التأويل الثلاثة فينفي منها ما نسب إليه الفلاسفة والمتصوفة والمتكلمة وظيفة كشف الحقيقة وراء المجاز تلك الوظيفة التي يحتج بها أغلب المتفلسفين من المتكلمين والمتصوفة, إذ يقول: :" وقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول إليه الأمر وإن كان موافقا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر ( وهو المعنى الذي ما منه لا يوافق مدلول اللفظ في الظاهر لا يعلم تأويله إلا الله من جنس: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة ) . ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقا له وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين كمجاهد وغيره. يراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك ... وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين. فأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعنى بل يريدون بالتأويل المعنى الأول أو الثاني"[23]. ينفي ابن تيميه إذن التأويل المحدد لحقيقة ما يؤول إليه الأمر في ذاته أو في مرجعه بصرف النظر عما تؤديه اللغات الإنسانية عند وصفها ما يعتبره القرآن من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله مثل كيفيات الجزاء التي هي مما " لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر" ومثل ذات الله وصفاته الخ.. والتي لا يكشفها الله إلا بعد البعث. وينفي التأويل بمعنى البحث عن حقيقة وراء المجاز تجعل النص ذا ظاهر متعارض مع الباطن. ولم يبق إلا على معنى واحد هو معنى التفسير ببيان دلالة الألفاظ كما تفهم في عادة العرب إستنادا إلى قرائن الإفادة المستمدة من قوانين اللسان ومن أحوال البيان.
ولنكتف بإيراد مثال واحد من الأمثلة الكثيرة التي يحللها ابن تيميه: " فمن أشهر ما ذكروه قوله تعالى ( جدارا يريد أن ينقض ). قالوا: والجدار ليس بحيوان. والإرادة إنما تكون للحيوان. فاستعمالها في ميل الجار مجاز. فقيل لهم: لفظ الإرادة قد استعمل في الميل الذي يكون مع شعور وهو ميل الحي وفي الميل الذي لا شعور فيه وهو ميل الجماد وهو من مشهور اللغة. يقال السقف يريد ان يقع وهذه الأرض تريد أن تحرث وهذا الزرع يريد أن يسقى وهذا الثمر يريد أن يقطف وهذا الثوب يريد أن يغسل وأمثال ذلك. واللفظ إذا استعمل في معنيين فصاعدا فأما أن يجعل حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر أو حقيقة فيما يختص به كل منهما فيكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو حقيقة في القدر المشترك وهي الأسماء المتواطئة. وهي الأسماء العامة كلها. وعلى الأول يلزم المجاز وعلى الثاني يلزم الاشتراك وكلاهما خلاف الأصل فوجب أن يجعل من المتواطئة. وبهذا يعرف عموم الأسماء العامة كلها. وإلا فلو قال قائل: هو في ميل الجماد حقيقة وفي ميل الحيوان جماد لم يكن بين الدعويين فرق إلا كثرة الاستعمال في ميل الحيوان ولكن يستعمل مقيدا بما يبين أنه أريد به ميل الحيوان وهنا استعمل مقيدا بما يبين انه اريد به ميل الجماد. والقدر المشترك بين مسميات الأسماء المتواطئة أمر كلي عام لا يوجد كليا عاما إلا في الذهن وهو مورد التقسيم بين الأنواع. لكن ذلك المعنى العام الكلي كان أهل اللغة لا يحتاجون للتعبير عنه لأنهم إنما يحتاجون إلى ما يوجد في الخارج وإلى ما يوجد في القلوب في العادة. وما لا يكون في الخارج إلا مضافا إلى غيره لا يوجد في الذهن إلا مجردا بخلاف لفظ الإنسان والفرس فانه لما كان يوجد في الخارج غير مضاف تعودت الأذهان تصور مسمى الإنسان ومسمى الفرس بخلاف تصور مسمى الإرادة ومسمى العلم ومسمى القدرة ومسمى الوجود العام المطلق فان هذا لا يوجد له في اللغة لفظ مطلق يدل عليه بل لا يوجد لفظ الإرادة إلا مقيدا بالمريد ولا لفظ العلم إلا مقيدا بالعالم ولا لفظ القدرة إلا مقيدا بالقادر بل وهكذا سائر الأعراض لما لم توجد إلا في محالها مقيدة بها لم يكن لها في اللغة لفظ إلا كذلك"[24]
ويبني ابن تيميه هذا الموقف على مبدأ لساني عميق ينفي كل تصور للدلالة المفردة البسيطة مبينا أن المركب التقييدي المصحوب بأحوال الخطاب متقدم في الألسن والكلام على المفردات التي هي مجردات بعدية في نظرية اللسان وفي نظرية الوجود إذا قلنا بالتناظر بين القول والوجود. فقال:" وقولهم اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز قدتبين بطلانه وأنه ليس في الألفاظ الدالة ما يدل مجردا عن جميع القرائن ولا فيها ما يحتاج إلى جميع القرائن. وأشهر أمثله المجاز لفظ الأسد والحمار والبحر ونحو ذلك مما يقولون إنه استعير للشجاع والبليد والجواد. وهذه لا تستعمل إلا مؤلفة مركبة مقيدة بقيود لفظية كما تستعمل الحقيقة... وكذلك قول النبي صلعم: إن خالدا سيف من سيوف الله سله الله على المشركين وأمثال ذلك"[25]
وفضلا عن ذلك كله فان المقابلة بين الحقيقة والمجاز لا يمكنها أن تحل المشكل الذي جعلت حلا له حتى لو قبلناها رغم منافاتها لمقومات الإفادة اللسانية والخطابية عامة. فليست الدلالة المجازية بأولى من الدلالة الحقيقية إن صحت المقابلة من إزالة التشبيه وتحقيق التنزيه كما يزعم المعتزلة والفلاسفة ومن تأثر بهما من المتصوفة. وسنضرب مثالا واحدا بسيطا نبين به الأصلين اللذين قصدهما ابن تيميه بالمقابلة بين الحقيقة والمجاز (ما يعود إلى نظرية الوجود ويتعلق بمعرفة طبيعة المراجع الممتنعة إلا على العلم المحيط وما يعود إلى نظرية اللغة ويتعلق بآليات الإفادة اللسانية والخطابية التي يسعى إليها العلم الإنساني ) المقابلة التي يرفضها فنرد في الوقت نفسه على الكثير ممن يزعم تطبيق التأويل الاعتزالي والعقلاني على القرآن الكريم.
فعندما يقول المتكلم العربي: "بين اصبعين من أصابع الإنسان" ليفيد القبض الفعلي يسمي المعتزلي ذلك حقيقة وعندما يقول "بين (إصبعين من ) أصابع الرحمن " يسميه مجازا ويعتبره غير مفيد للقبض الفعلي بل مقصورا على القبض المجازي تنزيها للرب عن الجوارح. فتكون العلاقة بين شبه الجملة وما تحيل إليه في الجملة الأولى علاقة حقيقة وتكون علاقتها بما تحيل عليه في الجملة الثانية علاقة مجاز. ماذا يعني هذا الكلام؟ ألا يعني أن صاحب هذا الكلام قد صادر على أن المدلول المادي للكلام هو المدلول الحقيقي وأن المدلول المعنوي هو المدلول المجازي بحجة أن المدلول الأول لا يليق بالذات الإلهية؟ لكن لو حللنا الأمر بدقة فماذا سنجد؟ أليست العلاقة الأولى مفروضة مباشرة بين شبه الجملة والأمر المحال عليه والعلاقة الثانية مفروضة غير مباشرة أعني أن تصورها يقتضي توسط العلاقة الأولى؟ ألم يعد بنا المعتزلي بذلك إلى العلاقة بين الجوهر والعرض ؟
ولكن لماذا عدت العلاقة الأولى مباشرة وأصلية أو حقيقة والثانية غير مباشرة ومشتقة منها أو مجاز: ماذا يصل بين لفظ الأصابع والأصابع التي في اليد؟ ألست هذه العلاقة أكثر تجريدا من العلاقة الثانية بين الأصابع المادية والأصابع بوصفها ما تتعين فيه قوة الإنسان وسلطته؟ عندنا علاقة بين حدثين لغوي ووجودي لا علاقة بينهما في الحالة الأولى وعندنا علاقة بين حدثين وجوديين بينهما صلة وجودية هي صلة تمثيل الأداة لما هي أداة له: الصلة بين اليد والقوة. فأي العلاقتين أكثر حقيقية إذا كان القصد بالحقيقي ما له صلة فيه صلة فعلية بين الدال والمدلول؟ وماذا لو تبين أن العلاقة بين الحدث اللغوي دالا والحدث الوجودي مدلولا في الحالة الأولى هي بدورها ليست علاقة مباشرة بل هي علاقة ناتجة عن علاقة سابقة من جنس العلاقة بين الحدثين الوجوديين في الحالة الثانية فيكون المجاز عندئذ متقدما بالذات على الحقيقة أو بالأحرى تكون اللغة كلها مجازا في مجاز ؟
لا يمكن ان يكون القصد المادي"القبض بين اصبعين ( من أصابع الرحمن)" إلا بمعنى أن هذا القبض قد أختير ك"حدث وجودي" دالا لكونه قابلا للرسم للتعبير عن "حدث وجودي" آخر مدلولا لا يقبل الرسم مباشرة في لغة تسمي الأشياء بالكتابة التصويرية التي هي أولى اللغات الإنسانية. فيكون الحدث الثاني معنى المعنى بلغة الجرجاني ومن ثم فالأمران معنويان أحدهما في وظيفة الدال والثاني في وظيفة المدلول ولا أحد منهما أولى بالحقيقة ولا بالمجاز من الآخر. ذلك أن اسم "القبض بين إصبعين" يمكن أن يسمى بهذا الاسم في دلالته على مسمى "القبض بين اصبعين" ولكنه عندئذ لا يدل إلا عندما نقبل أن تكون سلسلة الألفاظ "القبض بين اصبعين" كحدث لغوي قد اختيرت في العربية اسما على الحدث غير اللغوي الذي هو مسمى العبارة "القبض بين اصبعين". وعندئذ فاستعمال حدث لغوي معين لتسمية حدث غير لغوي معين تحكمي خالص ولا علاقة له بالحقيقة أو بالمجاز سواء قلنا بنظرية المواضعة الضمنية (لكون المواضعة الصريحة ممتنعة إذ هي تفترض اللغة متقدمة عليها أو نظام ترميز ما تتم به المواضعة فتكون دلالات اللغة عندئذ كلها غير مباشرة ومن ثم مجازية لا حقيقة فيها) أو بنظرية التوقيف إذ لا وجود لأي وجه شبه بين العبارة الصوتية العربية "القبض بين اصبعين" بما هي حدث وجودي تصويتي دال والحدث الوجودي الذي هو فعل "القبض بين اصبعين" بما هو حدث وجودي عضوي مدلول يلتقي فيه أحد الأصابع بالإبهام فيتلامسان ممسكين بشيء بينهما .
الخاتمة
وقد فضلنا ان نختم محاولتنا بالإشارة إلى نسق المذاهب التأويلية في الفكر العربي الإسلامي لكون جل الدجالين اليوم يتذرعون بالتأويل وبأفكار ما بعد الحداثة للتخلص من الكلي بالمعنى الذي حدده الدين الإسلامي حيث يلتقي الدين المنزل الأسمى والدين الطبيعي الأرفع أعني ما يتوصل إليه اعتبار العالم الطبيعي واعتبار العالم الخلقي من إدراك للكلي الإنساني الذي يعبر عن الشهود, إدراك يتجاوز الأفق الحضاري الخصوصي إلى الكلي الفطري الذي تشترك فيه جميع الكائنات وليس البشر وحدهم. وإذا بالمذاهب التأويلية تنتهي إلى إعادة الدين إلى مفهومه التوراتي الإنجيلي أعني الدين القومي فيصبح الإسلام مجرد خصوصية ثقافية للمسلمين.
لكن بيان التساند المتبادل بين التحليل والتأويل في نظرية العلم الجديدة التي نجد بذراتها المشتتة في أعمال ابن تيميه يجعل الحديث عن المجاز والتأويل بمبتذلات من يبحث عن الزعامة الفكرية بمجرد التجني على القيم الإسلامية حديثا أجوف لا فائدة منه عقديا وهو متخلف فلسفيا ومن حيث نظرية اللغة. كما أن استثمار العلاقة بين المسألتين اللتين آلت إليهما كل مآزق فكرنا الوسيط والحالي استثمارا فلسفيا يقتضي أن نحصي في غاية هذه المحاولة أشكال التأويل التي طغت في فكرنا الفلسفي والكلامي والصوفي وما أغفلته من نظرية اللسان وصلتها بنظرية العلم في اللحظتين اللتين تتألف منهما الفلسفة العربية الوسيطة والحالية.
فكل الرموز لها استعمالات متعددة من التحكم اعتبار بعضها حقيقة وبعضها مجازا. وأقصى ما يمكن قوله هو إن بعض الاستعمالات عرف قبل غيره فعد أولا وبضعه الآخر عرف بعده فعد مشتقا منه. فيؤول الأمر إلى تاريخ الاستعمالات وليس إلى المقابلة بين الحقيقة والمجاز, خاصة وهذا التاريخ قد يكون معلوما وقد يكون مجهولا لكون تطور الاستعمال المعدود أولا ينتج عنه استعمالات أخرى لمسمياتها وجه شبه ما أو علاقة ما مع مسمياته. ويكون ذلك في الأغلب نقلة مما يقبل التمثيل الرسمي مباشرة إلى ما لا يقبله لكونه كثير التجريد أو مما يقبل التمثيل النغمي مباشرة إلى ما لا يقبله لكونه كثير التعقيد وتكون النقلة في كل الأحوال متضمنة القرائن التي تفيد بصورة بينه المقصود في كل حالة بعينها بحسب قوانين تحديد معاني الاستعمالات الخاصة بتلك اللغة طبيعية كانت اللغة أو صناعية: وكل ذلك يجري في الإفادة الرمزية أو في الآليات اللسانية ولا علاقة له بحقيقة في حال ومجاز في حال إلا إذا جوهرنا الآليات اللسانية واعتبرنا ما يجري فيها عاكسا لما يجري في وجود نتصوره ذا مقولات من جنسه وذلك هو أساس الميتافيزيقا التي يريد ابن تيميه أن يخلص الفكر الإنساني منها.
وهذه الآليات التي يمكن أن نطلق عليها اسم آليات التسمية أو خيال التسمية آليات عامة تشمل اللسان الإنساني عامة. وتستعمل منها لغة العلم بعض الحدود الغائية فتطلقها وتسميها منطقا تمييزا للحقيقة عن المجاز بتأسيس ميتافيزيقي بين. فالحدث اللساني التصويتي صلته بمسماه المعتبر أولا حسب ترتيب عادات القوم اللغوية يعتمد على الربط التواردي بين الصوت والصورة وهو ربط يكون عادة من جنس الردود الشرطية فيكون أقرب إلى آليات الكناية لعدم وجود الشبه بين الصوت الذي تؤخذ منه الأسماء والأمور التي تؤخذ منها المسميات والاقتصار على شبه علاقة علية بين المؤثر الذي هو الترابط الشرطي بين القول المسمي والأمر المسمى لتصاحبهما في المكان والزمان تصاحبهما الذي يربط بينهما ربطا شرطيا مثلما نلاحظ ذلك في آليات تعلم اللسان القومي عند الأطفال أو في آليات تعلم اللغات الأجنبية بالنسبة إلى الكبار: وهما المجالان اللذان يكثر ابن تيميه من استمداد الأمثلة منهما في حل معضلات نظرية اللغة والعلم اللذين يعدان عنده من نفس الطبيعة وخاصة من حيث قدرتهما على قول تجربتنا عن الوجود.
لكن عدم العلم بهذه النظرية التي تؤيدها البحوث الحديثة أدى إلى نظرية في التأويل تخلط بين التصورات ولا تحدد الظاهرة تحديدا علميا. ويمكن ختم هذه المقالة بفائدة عامة تساعد على تنظيم فهمنا لهذه الإشكالية في فكرنا العربي الإسلامي لكونها تخلصه من الخلط والفوضى المفهومية. فاستقراء أعمال ابن تيميه - المطابق لاستقراء جل الأنساق الفكرية التي كانت مادة لنقده- يبين أن مفهوم التأويل في الفكر العربي الإسلامي يقبل الحصر بين حدين أدنى هو التقدير في اللغة وأقصى هو التحكم الباطني في سعي الفرق الغالية إلى تعويض معاني النص التي وصفوها بكونها ظاهرة بمعتقداتهم التي وصفوها بكونها معانيه الباطنة. وبين هذين الحدين نجد التأويل بمعناه الأشعري الذي هو أميل إلى الحد الأدنى والتأويل بمعناه المعتزلي الذي هو أميل إلى الحد الأقصى.
والحل الذي اختاره ابن تيميه لا يتعلق بأي من هذه المعاني الأربعة التي يعتبرها كلها صادرة عن أصل أعمق هو أساسها جميعا أساسها الذي تمثلت ثورته في تحديده ونقده: إنه نظرية اللسان الفلسفية المبنية على تعميم خصائص اللغة الصناعية المستندة إلى الميتافيزيقا على اللسان الطبيعى والتي تعد فيها المقابلة بين الحقيقة والمجاز في اللسان مجرد ترجمة لسانية للمقابلة بين المقوم والعرضي في نظرية الجوهر الذي يتصوره الفلاسفة مرجعا مفردا للاسم المفرد والمقابلة بين التحليل والتأويل في العلم مجرد ترجمة منطقية للخبر والإنشاء في نظرية التصديق الذي يتصوره الفلاسفة مرجعا لمعنى الخبر الحقيقي في مقابل المعنى المجازي (الذي هو عندهم من الإنشاء حتى لو صيغ بصيغ الخبر). وقد نفى ابن تيميه هذه النظرية الوجودية ونظرية المعرفة المبنية عليها انطلاقا من مراجعة نظرية اللسان التي ينفي فيها ان يكون للفظ المفرد دلالة لكون الألفاظ عنده لا تفيد إلا مقيدة بالقرائن اللسانية وبأحوال الخطاب. ولما كان الحد عنده مجرد اسم علمي فانه أيضا يفيد بالقرائن اللسانية (الصناعية لا الطبيعية في هذه الحالة) ومن ثم فكل علم لغة اصطناعية وظيفتها تحليل ظاهرة بمعاملتها معاملة الموضوع الذي تؤول في ضوء معطياته نظرية ما تكون دائما من حيث نسقها المنطقي والتحليلي مقدرات ذهنية خالصة.
ومعنى ذلك أن ابن تيميه يعتبر الفلاسفة قد وقعوا في خطأ مضاعف: فهم لم يفهموا معنى التحليل لظنهم انه يبقى تحليلا خالصا عندما ينطبق على موضوع تجريبي معين ظنا منهم أن المقدرات الذهنية مطابقة بالطبع للموجودات الحقيقية لقولهم الضمني بالتطابق بين قوانين المنطق الذي هو لغة صناعية وقوانين الموضوع التي لا نعلمها مسبقا والتي من وظيفة العلم تجريب عدة نظريات للتعبير عنها تعبيرا هو إلى التأويل أقرب منه إلى التحليل. وهم لم يفهموا معنى التأويل لظنهم أنه مجرد بحث عن التناظر بين نتائج الفكر الفلسفي ممثلا للحقيقة والباطن ونصوص الفكر الديني ممثلة للمجاز والظاهر في حين أن هذا التناظر عديم المعنى لكون التأويل ليس تناظرا تاما بين شكلين بل هو تناظر جزئي بين نظرية فرضية تعتبر بنية مجردة تقبل التطبيق لتفسير عدة أمور غير معلومة مسبقا (إلا في حالة وضعها خصيصا لتفسير موضوع معين) وموضوع معين سواء كان طبيعيا أو وضعيا يبدو قابلا لأن يكون أحد أمثلة تلك النظرية لكون البنية المجردة تبدومتعينة فيه فيكون تأويلا لها.
ويسمي ابن تيميه ذلك اجتهادا أو تطبيقا للنص المجرد على النوازل المعينة في الفقه (مثال وضعي) أو على الحالات المعينة في الطب (مثال طبيعي). لذلك فالشكل العلمي العام عند ابن تيميه يشبه ما يجري في الفقه والطب: نسق من القواعد والمبادئ يبنى بالتدريج من خلال جدل دائم مع ممارسة حية هي النوازل الفقهية أو الظاهرات المرضية. ويتألف هذا العلم من بنية قبلية بمعنى القبلية الفرضية لا بمعنى القبلية المتعالية هي بنية التأويل الوصفي الذي يحدد شروط التناظر بين النسق المجرد الذي يتألف من القواعد والقوانين والمعطيات العينية التي تتألف منها الممارسة. فإذا ذهبنا من المعطيات إلى النسق كان ذلك تفسيرا للمعطيات بالقواعد وإذا ذهبنا من النسق إلى المعطيات كان ذلك تأويلا للنسق بالمعطيات. والتحليل والتأويل كلاهما لا يزعم العلم المحيط بالموضوع بل هو دائما علم نسبي لا يمكن بأي حال أن يؤدي إلى ما تنتفخ به أوداج كل الأدعياء الذين يفسدون الدين والفلسفة بتطرف مناف بالطبع لكليهما.
[1] ابن خلدون, المقدمة, دار الكتاب اللبناني بيروت ط.3 1967 ص. 2-3
[2] أبو يعرب المرزوقي, منزلة الكلي في الفلسفة العربية جامعة تونس الأولى تونس 1994 وإصلاح العقل في الفلسفة العربية مركز دراسات الوحدة العربية ط. أولى بيروت 1996 , ط.3 بيروت 2001.
[3] الغزالي, تهافت الفلاسفة, دار المشرق بيروت ط.4 1990 تمهيد الكتاب ومقدماته ص.39.
[4] الأعراف 172-173.
[5] آل عمران 78-79.
[6] لماذا لا يمكن للفلسفة القديمة والوسيطة ان تتجاوز اليتوبيا في الفلسفة العملية أعني ما كان يسمى بالمدن الفاضلة ؟ العلة بينة: فإذا كان العلم العملي عند الفلاسفة متمثلا في استنتاج ما يتصورونه تاليا عن الطبيعة الإنسانية التي توصلوا إليها في علم الطبيعة لكون علم النفس كان جزءا منه فان هذا العلم سيكون قولا في ما ينبغي بمقتضى الطبيعة وليس في ما هو حاصل بمقتضى مجرى الأمور في التاريخ الفعلي. لذلك كان كل ما يجري في التاريخ الفعلي يعد عندهم من الخروج عن شروط المدينة الفاضلة ومن ثم فهو من المن الضالة أو المبدلة الخ... من الأوصاف الفارابية. ومما يزيد الطين بلة هو تأثر الفلسفة العملية العربية بالحل الأفلاطوني وجهلهم بالحل الأرسطي ريما لكون كتاب السياسة لم ينقل إلى العربية.
[7] لماذا لا يمكن للفكر الديني القديم أن يتجاوز اليتوبيا في الفلسفة النظرية ؟ علم الطبيعة في الشرائع المنزلة لا يمكن أن يكون إلا يتوبيا لعلة الخلط بين العلم ومحاولة إثبات العدل الإلهي بطريق الغائية السطحية المستندة إلى المعرفة الغفلة بالنظام الطبيعي. لذلك كان نفي الأشاعرة للغائية في هذا المعنى بداية حقيقية للبحث العلمي الحقيقي في الطبيعة استنادا إلى أن قصود الله وغاياته من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو.
[8] التناظر بين النهضتين العربيتين الإسلاميتين بين لكل ذي بصيرة. فنفس الموقف الإيديولوجي الذي ردت إليه الفلسفة من دون مصاحباتها العلمية في العصر الوسط عاد في عصرنا. فصار ماركسيو عصرنا في موقفهم من الدين من جنس باطنيي العصر الوسيط: مفهوم الظاهر عند هؤلاء هو عينه مفهوم الإيديولوجيا عند أولئك لكون المعنى في الحالتين أن الدين مجرد ظاهر يخفي الحقيقة بدلا من ان يكون أحد سبل الوصول إليها. لذلك فلا عجب أن يجد مؤدلجو الفلسفة في عصرنا أصولهم في مؤدلجيها في العصر الوسيط. ونفس ما يقال عن هؤلاء يقال عن الخصوم. فهم كذلك أدلجوا العلوم النقلية فحصروها في بعدها العملي وأقصوا منها كل تنظير عميق إلى ان حولوها إلى فقه سد الذرائع لقتل العقل والإبداع الحالية وخاصة بتأثير غير واع بما بعد الحداثة
[9] ماذا يمكن أن يبقى من الثورة الإصلاحية المحمدية إذا جعلنا الإسلام مجرد خصوصية عربية إسلامية؟ كيف ننسى أن جوهر القرآن هو العرض النقدي للتجارب الروحية المتقدمة لبيان فساد التحريف أعني حصر العلاقة الروحية بالمطلق في علاقة بين رب حقود وشعب مريض سمى نفسه شعب الله المختار؟ أليس كل محاولة لجعل الإسلام خصوصية حضارية لأمة من الأمم تهويد للإسلام بالمعنى المحرف من التوراة؟
[10] المعلوم أن مدار الخصومة الغزالية السينوية تعلق بما بعد الطبيعة أعني بما يزعمه العلم القديم من تجاوز المعرفة الإنسانية للتجربة بعلم محيط يدرك حقائق الأشياء التي يراد تأويل النص الديني في ضوئها بوصفها هي الباطن وبوصفه هو الظاهر من هذه الحقيقة المطلقة التي يزعمون إدراكها. وكان مفهوم طور ما وراء العقل الذي يحد به الغزالي من هذه المزاعم لا يعني علما إيجابيا يتجاوز المعرفة العقلية بل هو مفهوم سلبي يعني الحد من العلم العقلي دون الزعم بوجود علم إنساني يعلو عليه لكون الوحي نفسه في القرآن الكريم لم يدع للأنبياء علما محيطا بالغيب. ولا تكتمل محاولة الغزالي إلا بوجهها الثاني المتمثل في نقد ما بعد التاريخ في كتاب فضائح الباطنية. ذلك أن نظرية التحليل الفلسفية نتج عنها ما يسمى بعلم ما بعد الطبيعة تناظرها نظرية التأويل الباطنية التي نتج عنها ما بعد التاريخ. ولمزيد التوضح يمكن الرجوع إلى كتابنا وحدة الفكرين الديني والفلسفي دار الفكر دمشق ربيع 2001.
[11] لا يحتاج إثبات النصية في كلا التيارين إلى كبير عناية: فأفضل المحاولات الفلسفية النسقية في فكرنا هي مدونة ابن رشد وهي شروح لفظية من جنس الشروح الدينية بل هي دونها علمية لكون الشروح الدينية لم تخل من المؤيدات التي تستمد من مادتها بخلاف الشروح الفلسفية التي كانت خلوا من كل مؤيد علمي جدي إذا ما استثنينا المضمون العلمي الزهيد الذي استند إليها واضع النص المشروح أعني أرسطو. وما يقال عن ابن رشد يصح من باب أولى على كل المتفلسفين من العرب والمسلمين حاليا: فكلهم دون ابن رشد إذا قارنا علمه بعلم عصره بعلمهم بعلم عصرهم.
[12] ابن يتيمه, الرد على المنطقيين ص. 82-83
[13] ان تيميه, المنطق ص.53
[14] ابن تيمه, درء تعارض العقل والنقل ص. 367 والرد على المنطقيين ص. 92.
[15] ابن تيميه, درء التعارض:" بل المجردات المسلوب عنها كل قيد ثبوتي وسلبي لا تكون إلا مقدرة في الذهن(....) وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج. وليس كل ما حكم به الإنسان على ما يقدره ويفرضه في ذهنه يكون حكما صحيحا على ما يوجد في الخارج ولا كل ما أمكن تصور الذهن له يكون وجوده في الخارج. بل الذهن يتصور أشياء ويقدرها مع علمه بامتناعها ومع لعمه بإمكانها في الخارج ومع علمه بالامتناع الخارجي والإمكان الخارجي. وهذا الذي يسمى الإمكان الذهني. فإن الإمكان يستعمل على وجهين: إمكان ذهني وإمكان خارجي.فالإمكان الذهني أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا لا لعلمه بإمكانه بل لعدم علمه بامتناعه مع ان ذلك الشيء قد يكون ممتنعا في الخارج. وأما الإمكان الخارجي فانه يعلم إمكان الشيء في الخارج. وهذا يكون بأن يعلم وجوده في الخارج أ, وجود نظيره أو وجود ما هو أبعد عن الوجود منه. فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالأقرب إلى الوجود منه أولى" ص. 318
[16] ابن تيميه, المنطق, ص. 72-73.
[17] ابن تيمه, نقس المرجع , ص.73
[18] " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب " آل عمران 7.
[19] ابن تيميه, درء التعارض ص. 89: هل يوجد علم آخر غير العلم العقلي بعد تخليصه من الدلالة الصناعية التي حصر فيها؟ ماذا يعني المفهوم الحد: طور ما وراء العقل؟
[20] نفي المقابلة بين الحقيقة والمجاز, كتاب الإيمان ص.88
[21] ابن تيميه, كتاب الإيمان, الجزء السابع من مجموع الفتاوى تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم مكتبة المعارف الرباط غ.م. ص. 96 تاريخ المقابلة بين الحقيقة والمجاز,
[22] يعلل ابن تيميه نقده للمنطق برفضه لما بعد الطبيعة التي ينبني عليها وليس بسبب كونه منطقا. لذلك فهو يحاول في نفس الوقت تأسيس منطق جديد متخلص من ما بعد الطبعية التي كانت سائدة دون ان يكون خاليا من ما بعد طبيعة أخرى هي التي يعتبرها ابن تيميه موافقة لنظرية في الوجود لا يتقابل فيها الطبيعي والشريعة وجودا والتحليلي والتأويلي علما.
[23] ابن تيميه, درء التعارض ج.1 ص. 14 معاني التأويل
[24] ابن تيميه, كتاب الإيمان ص. 108-109.
[25] ابن تيميه, كتاب الإيمان . ص.114 الإفادة الغوية.