shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

 

 

 

                            

 

 

                            هل يحتاج مثقفونا للعيادات النفسية… !?

                                          محمد الشهري             

يقول أهل الطب النفسي إن التفكير الإنساني يملك وسائل دفاعية تمنعه من العقد والاضطرابات النفسية من قلق واكتئاب وضلالات، ومن هذه الوسائل ما يسمونها الـ (Rationalization mechanism )، أي التسويغ أو التبرير العقلي، وتظهر هذه الوسيلة لمقاومة العقد والاضطرابات النفسية التي تنتج عما يواجهه الإنسان ويمارسه في حياته، فيجعل لممارساته واعتقاداته - خطأ أو صواباً -  مبرراً عقلياً يريحه من عناء التفكير، ويمنحه دليلاً يركن إليه ويهنأ بقربه منه، فكلّما استيقظ ضميره  خدّره بهذا التبرير العقلي "المعدّ" مسبقاً، وأحياناً لا يأتي هذا التبرير إلاّ بعد أن يتعرض الإنسان لظروف حادة وقاسية تجعله يقف ليسائل نفسه لماذا فعل هذا، أو لماذا يفعل الناس هذا؟ فتظهر هذه الوسيلة الدفاعية للإجابة!

يضربون مثلاً معلماً يسيطر عليه الغضب فيتصرف بعنف مع طلابه، فإذا لامه أحد على هذا العنف وهذه القسوة، استدعى "التبرير العقلي" الذي يريحه من محاولة جادة لتغيير سلوكه، ليقول: كل هذا لمصلحتهم ومن أجلهم! ومع وجود هذا التبرير، فإن العقلاء يقفون عاجزين عن قبوله، وإن وجدوا من صاحبه إيماناً جازماً به فيما يقول ويفعل.

في حياتنا الفكرية نجد الكثير من أصحاب "ثقافة التبرير" هذه، القادرين على صنع تبريرات عقلية لآرائهم، تحمل من معاني الفضيلة والمثالية والخير ما تحمل، وربما لا تكون في حقيقتها إلاّ نتيجة  لعقد نفسية ورغبات خاصة لا تظهر ولا تبدو أمام جمال معاني التبرير المبهرة.

وكم من الآراء في حياتنا لم تنتج إلا بمباركة «ثقافة التبرير"!! وما كان لنا أن نسمع لها ولأصحابها صوتاً لو لم يلبسوها من حلل التبرير الزاهية أجملها وأحلاها وأقربها إلى عقولنا، فنقف منصتين نسمع من يصرخ بأعلى صوته أنه لم يصرح برأيه هذا إلاّ لأنّه يراه صدعاً بالحق، وسعياً لإقامة الدين، ورغبة في نقض آراء حلّت بنا لم تكن من الإسلام في شيء.. وأضف ما تشاء من معاني المثالية الفاضلة، وربما نجد من يسعى لأسقاط ركن من الدين بحجة رفعة الدين، مدعياً أن هذا لا يتعارض مع الدين، ويسوق لنا الأدلة والآثار والأقوال، ونحن نقف نسمع هذا وذاك.. وأمثالهما.

فإذا تأملنا هذا الآراء، وأصحابها وحياتهم ومتى ظهروا بآرائهم هذه، اضطررنا إلى القول بأن الصدع بالحق لم يكن إلاّ قناعاً مزيفاً جميلاً، لرغبة في التميز وخروج على المألوف - أياً كان هذا المألوف -، وإلاّ أين غاب الصدع بالحق فيما قد يؤلم ويؤذي؟ كما أن القول بالحرص على رفعة الدين قناع يختفي خلفه الجهل بالدين، وتلبس واستسلام لآراء المغرضين.

وفي المقابل نجد من يركن إلى الصمت عن إنكار منكر أو رفض باطل، بحجة جمع الكلمة وخشية الفتنة، مستدلاً بأقوال وآثار، استدلالاً ينقصه الصدق والإيمان، ويستتر خلفه خوف من أذى أو نقد يدفعه لهذه التبريرات المزيفة.

لا يكفي  أن نسمع  الآراء "معلبة" جاهزة غافلين عن نفسيات أصحابها وزمنها ومناسبتها، والظروف التي وافقتها وحال القائل من رأيه هذا؛ فقد نجد من يدّعي الحرص على إقامة الدين وهو لا يقيم أركانه، ومن يردّد أقوال العلماء وخلافاتهم في المسائل الفرعية "ليبرر" ما يريد أن يصل إليه، ويبكي أو يتباكى على أقوال العلماء الربانيين ممن ذهب كيف لا يُقدَّر لها قدرها، وإذا تأملنا حياته وآراءً أخرى له ينادي بها ويدعو إليها، رأينا أن من يدعو لإقامة فروع الدين لا يهمه الدين: أصوله أو فروعه، بل يهمه أن يصل لما يريد بطريقة شريفة في ظاهرها.

إننا حين نتأمل هذه الوسيلة الدفاعية، ونسمع من يقول إن الأصحاء في مقاييس الطب النفسي هم قلة في عالم الناس، فلابد أن نجزم أن كثيراً ممن نراهم اليوم أصحاب رأي في مقاييسنا الناقصة، لا يحتاجون إلى حجج وقناعات واختلاف حول مبادئ صادقة يؤمنون بها، بقدر ما هم بحاجة إلى مراجعة لعيادات الصحة النفسية