


حتى لا نضيع الفرصة الثانية
أبو يعرب المرزوقي
كانت حروب التحرير من الاستعمار المباشر فرصة النخب العربية في القرن الماضي لتحقيق الوحدة السياسية على الأقل في أدنى درجاتها كأن تكون كونفدرالية عربية توحد أقطار الوطن العربي من المحيط إلى الخليج خاصة بعد انفراط عقد الخلافة الإسلامية الأخيرة. وينبغي أن نعترف بأن هذه النخب لم تكن غافلة عن كون ذلك هو الشرط الضروري والكافي للتحرر الحقيقي لكونها شرط الشروط أعني مقومات المناعة المادية والرمزية. لكن ما كان قريب المنال خلال مقاومة الاستعمار طيلة حرب التحرير في المغرب العربي على سبيل المثال أصبح شبه مستحيل بعد الاستقلال المزعوم بسبب أمرين لا بد من الحذر منهما حازم الحذر لأننا نراهما يتكرران الآن ليفسدا الفرصة الثانية لتوحيد العرب قلبا نابضا لكومنوالث واعد يجمع المسلمين فيحررهم مما يحيط بهم من أخطار لعل أكبرها أطماع امبراطورتي الشرق (الصين والهند) وإمبراطوريتي الغرب (أمريكا وأوروبا):
الأول هو النخب التي نصبها الاستعمار لتكون خليفته في مستعمراته التي خرجت عن سيطرته المادية فأراد الإبقاء سيطرته الرمزية وتعميقها انتقالا من الغزو المادي إلى الغزو الثقافي.
الثاني هو عدم فهم النخب التقليدية خصائص العصر بحيث كان سعيهم المحافظ سعيا لتكرار الماضي بدلا من بناء المستقبل بناء لا يغفل عن متغيرات العصر وأهمها الثقافة التحررية.
لكن الأمر الأخطر الذي أضاع هذه الفرصة الأولى هو ما صاحب هذين الدائين من نزعات قطرية طورها أصحاب الأطماع في تكوين دويلات تابعة للدولة الحامية التي كانت ولا زالت الدولة المستعمرة. وقد اعتمدت هذه النزعات على وهم إحياء القوميات المتقدمة على ما تحقق من وحدة روحية وثقافية لشعوب الأمة العربية أعني ما تقدم على التاريخ الإسلامي للأمة. ولعل أهم ممثل لهذه الظاهرة هو النزعات الفرعونية والقرطاجنية والفينيقية والبابلية إلخ... من الخرافات التي مثلت أساس الإيديولوجيات التي أضاعت هذه الفرصة فحالت دون تحقيق شرط الشروط لكل تحرر حقيقي ماديا ورمزيا رغم التزامن بين الثورات التحريرية التي كان وقودها ومحركها الأساسي هو الإسلام والعروبة.
العودة إلى نفس الوهم لإضاعة الفرصة الثانية
لا أتصور أحدا بغافل عن عموم الحركة الثورية الحالية التي بزغت في تونس ثم امتدت لتشمل كل أقطار الوطن العربي من محيطه إلى خليجه برمزية عربية واضحة لعل صوتها هو صوت أبي القاسم الشابي ممثلا ببيتيه الشهيرين اللذين أصبحا في كل الأفواه شعارا للتحرر والعودة إلى الدور التاريخي الكوني. لا يمكن لأحد ألا يدرك دلالة هذه الوحدة الشعارية سالبها وموجبها الوحدة التي يجمعها رمز إرادة الحياة بشروطها المادية والرمزية. لكن نفس الناعقين ضد الطموح التاريخي لشباب الأمة عادوا ليتصدروا الساحة الفكرية سعيا لإضاعة الفرصة الثانية: فبالتزامن مع حركة ثورية نابعة من أعماق أعماق الشعب من المحيط إلى الخليج عاد نفس الدعاة القطريين من زاعمي التفكير بروح العصر رجعوا إلى الكلام على أرواح الشعوب بالمعنى الذي يعود إلى نزعات القرن التاسع عشر في أوروبا التي أسسوا بها لنزعات ما قبل التاريخ الإسلامي والعربي في الوطن العربي.
ولعل رمز هؤلاء الدعاة الأيديولوجيين رمز الخرف المطلق أعني حسنين هيكل يعود إلى ما يظنه فكرا ثوريا فيستعيد اسطوانته المشروخة ليحيي نفس النزعات التي من جنس مصر الفتاة وحلقات أسطورة فلسفة الثورة حلقاتها الثلاث فضاء حيويا لمصر التي لا يحيط بها إلا مجال حيوي للتوسع. وهو لا يدرك بسبب خرفه أن ذلك يجعل كل قطر عربي أمة برأسه لأن الكلام على أرواح الشعوب هو عينه أساس العودة إلى ما يزعم لكل قطر من نعرات تفتت الوطن العربي بخلاف سعي أوروبا التي تبدع وحدة ثقافية معدومة وهو يحاول أن يزيل وحدة ثقافية موجودة.
وهكذا يصبح لتونس شخصية مختلفة عن شخصية مصر وشخصية الجزائر وشخصية لأي قطر آخر حتى لو كان عدد سكانه لا يتجاوز عدد سكان حي من أحياء مدينة متوسطة من مدن تونس دون أن يفسر لنا أصحاب هذه النزعات المقومات التي يمكن أن تؤسس لمثل هذه الخرافة: فأن يتميز الفرنسي عن الألماني بشخصية ثقافية أمر مفهوم على الأقل بسبب التاريخ واللغة والحروب التي لا تكاد تحصي بينهما ناهيك عن الحربين العالميتين. لكنهم رغم ذلك تجاوزوا هذه الفروق لبناء الوحدة الأوربية. أما أن يزعم زاعم أن تونس أو مصر تمتاز بشخصية مغايرة لشخصية أي شعب عربي آخر في حين أن الثقافة واحدة ومعالم التاريخ الكبرى واحدة واللغة واحدة والأخطار المحيطة واحدة وشروط التنمية واحدة والحاجة إلى التعاون من أجل الاستقلال وحتى من أجل القضاء على البطالة بفضل التكامل الاقتصادي واحدة فهذا ما لا يمكن فهمه من دون إيعازه للنزعات القطرية التي تريد أن تضيع الفرصة الثانية لتمكين شعوبنا من استرداد دورها التاريخي في تشكيل تاريخ البشرية الذي يتأرجح الآن بين قطبيه وتوابعهما الشرقي (الصين والهند) والغربي (أمريكا وأوروبا).
عاد الكلام الانفصالي الذي من جنس الشخصية التونسية والشخصية الليبية والشخصية الجزائرية إلخ.. الكلام الذي قضى على أمل الوحدة المغربية التي كانت حلم الجيل المقاوم عاد استئنافا لعهد النزعات الفرعونية والقرطاجنية والبابلية والفينيقية إلخ.. لم يدرك أصحاب هذا الكلام تناقض هذه المزاعم مع ما يتكلمون عليه من عصر الانترنات والتواصل الاجتماعي الكوني: يتكلمون على الكونية ويعودون إلى القومية القطرية بل وإلى القبلية تماما بعكس اتجاه الريح في العالم ريح الوحدات الكبرى التي هي شرط الدور الكوني فضلا عن كونها شرط كل تحقيق للكرامة بأدواتها وأسبابها. ولم يدركوا بعد أن هذه النزعات قد أتت عليها حروب التحرير العربي وحروب المقاومة التي تلتها ضد ربيبة الاستعمار التي أرادوا بها سرطنة الوطن العربي وتشتيت شمله.
وهكذا عدنا إلى الكلام على الأمة المصرية والأمة التونسية والأمة الجزائرية وقد يصبح كل حي وكل قبيلة أمة. فحتى الكويت وقطر والصحراء الغربية صارت كل هذه الكيانات المجهرية أمما. لذلك فلا بد من فهم دلالة وحدة الشعارات التي عبر بها الشباب عن طموحاته ودلالة التوالي والتزامن في الحركية الثورية الحالية وخاصة بين قلب المغرب العربي وقلب المشرق العربي أعني تونس ومصر.
سبق فحللنا دلالة الشعارات من حيث ما يبدو عليها من سلب رمزه "الشعب يريد إسقاط كذا...". لكننا لم نركز حقيقي التركيز على ما فيها من وحدة موجبة فضلا عن هذه الوحدة السالبة مكتفين بالإشارة إلى رمز رموزها قصدت بيتي الشابي اللذين يصوغان شعريا آية قرآنية: فالقول إن القدر لا بد أن يستجيب لكل شعب يريد الحياة ليس هو شيئا غير الصوغ الشعري لقوله جل وعلا إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
إن هذه النزعات ذات النظرة الضيقة والنظر القصير لا تمثل إلا إغفال الشروط التي من دونها لا يمكن تحقيق مطالب الثورة في التحرر من الحاجة المادية واسترداد الكرامة الإنسانية أعني الشروط التي فهمها الأوروبيون فسعوا إلى تجاوز الحوائل الحقيقية دون الوحدة (ما جرى بينهم من حروب أهمها حربان عالميتان واختلاف الهويات الثقافية إلى حد التناقض) التي يتجاهل أعداء الأمة الداخليين أنها منتفية بإطلاق في حالتنا. فالوحدة الثقافية التي ننعم بها لا وجود لها في أوروبا: والحمد لله أن الشباب فتياته وفتيانه واع بهذه الشروط ويصبو لتحقيق الولايات المتحدة العربية قياسا على الاتحاد الأوروبي بل وعلى ما هو أفضل منها بسبب الوحدة الثقافية التي تخلو منها أوروبا. فهم يدركون أنها الشرط الوحيد الضروري والكافي لتحقيق كل مطالبهم وخاصة المطلب الذي من دونه ليس لحياة البشر من معنى: شرط المشاركة في تحديد مصير البشرية.
أدعو شبابنا فتياته وفتيانه إلى بناء مطالبهم بمنطق العلاقة الشرطية فلا يمكن للمشروط أن يتحقق من دون تحقيق الشارط ومن ثم لا بد من تجاوز القطرية التي هي العائق الأساسي أمام تحقيق هذه المطالب: فمهما كان النظام المطلوب عادلا وديموقراطيا فإنه لا يمكن أن يتجاوز ديموقراطية الغرب التي فهمت بلاد أوروبا أنها لا تمد الإنسان بالحل السحري للشروط المادية للقيام المستقل. لذلك سعوا إلى البناء المتدرج للثقافة المتجاوز للدولة الوطنية نحو الدولة الأوروبية في حين أننا نعمل العكس فنقضي على الثقافة التي تمكن من بناء الولايات المتحدة العربية لنعود مرة أخرى إلى العائق الأساسي أمام تحقيق مطالبنا التي هي نتائج لهذا المبدأ أعني المقدمة الأولى في كل تحرر بشروطه المادية والرمزية.
أدعو الشباب فتياته وفتيانه إلى جعل هذا الشرط الضروري والكافي أساس كل المطالب. ذلك أننا من دونه سنعود فنصبح من جديد مستعمرات لروما الجديدة أعني الوحدة الأوروبية من حولنا بقيادة إسرائيل ربيبة أوروبا التي تخلصت منها لتجعلها سرطانا في قبل الوطن العربي:
فستكون السياسة الاقتصادية ساعية إلى جعل بلادنا مجالا للاستجمام وللسياحة الأوروبية ومن للاستعباد الدائم للمواطن العربي في جميع أقطاره.
وستكون السياسة الثقافية ساعية لقتل ثقافتنا والاستعاضة عنها بثقافة أمهم فرنسا التي جعلوها ممثلة للكونية في حين أنها جوهر الشوفينية.
وستكون سياسة الحكم تأبيدا للتعبية من أجل فضلات المائدة الأوروبية كما حصل في فضيحة ما اقترحوه لمساعدة الفضلات الحاكمة في البلد مؤخرا.
وأخيرا فستكون التربية مجرد تعليم مهني لتخريج خدم أوروبا سياحة وثقافة واقتصادا وسياسة بحيث يصبح كل عربي مجرد نسخة ببغاوية من سقط متاع الإيديولوجيات الأوروبية ظنا من النخب العميلة أن ذلك هو الحداثة: أن يكون الإنسان نسخة باهتة من الخواجة.
إني واثق من أن شبابنا فتياته وفتيانه لن يضيعوا هذه الفرصة الثانية. سيقفون وقفة إنسان واحد للتصدي لمثل هذا المشروع الساعي إلى إضاعتها فيجعلوا الثورة ثورة على النخب العميلة وهي في تونس على وجه الخصوص حزب فرنسا. كل الشباب في كل أقطار الوطن العربي سيجعلون الوطن العربي ولايات متحدة عربية شرطا للقيام المستقل عن العماليق المحيطة بنا شرقا (الصين والهند) وغربا (أمريكا وأوروبا) لتقاسم أرضنا واستحلال عرضنا.
وطبعا فالفدرالية تعني أن كل قطر عربي سيكون ولاية تامة الاستقلال في كل شؤونها المحلية بحيث تقتصر الوحدة في تحقيق شروط الاستقلال الحقيقي والقدرة الفعلية على الإسهام في التاريخ الكوني وشرطه أعني البحث العلمي الذي يطلب ميزانيات تعجز عنها أقطارنا منفصلة وهي لا تكون ممكنة إلا للشعوب التي بحجم عماليق العصر. ستكون الولايات المتحدة العربية متعلقة بالوحدة في مجالات السياسة الخارجية والتكامل الاقتصادي والسياسة التربوية والثقافية من أجل تمكين العرب من أداء دورهم في تحديد معالم التاريخ الإنساني وعدم الاقتصار على تلقي المعونات من روما الجديدة أي أوروبا المتحدة لعلم نخبها بشرط المناعة رغم تعدد ثقافاتها التي لا يجهلها أحد.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |