معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش سريعة حول اشكالية التغيير بتونس

محمد السوسي : المغرب

استاذ مبرز في الفلسفة

 

 

    اذا كان نموذج ليلى بن علي يعكس حقيقة المنظور التحديثي للنظام التونسي ، فان المسألة النسائية بما هي عصب المنظور الحداثي المأمول، لم تكن في منظور هؤلاء غير وسيلة لذر الرماد في العيون . فصحيح انه كان ثمة مكتسبات ..وصحيح ايضا انه كان ثمة تقدم وتحديث...الا انه ومن منظور حداثوي، ظل مشدودا الى ما يقوضه: الى منطق الاستبداد والتأخر . لانهم ببساطة عسكاريتارية ،ابعد ماتكون عن منطق النخبة التحديثية حتى ...اذ مامعنى ان تستحكم كل هذه السلوكات المافيوزية المبعدة لكل منهجية مؤسساتية في التدبير؟.

ان ماحفظ مظاهر التحديث وجعلها صامدة امام تحالف السلطة والجهل (بنعلي وزوجته وعائلتيهما) هو صمود الشعب وكفاحه وتحكيمه لنوع من التدبير الفردي الخاص ،الذي يلجأ اليه المرء كلما وجد نفسه امام بطش وحوش كاسرة لايمكنه الفكاك منها....

      هكذا افهم حرص التونسي على اعداد نفسه علميا وفكريا كنوع من الخلاص الفردي ، يمهد للخلاص الجمعي -كما هو جار الان- امام ضيق مساحات الحرية وسيادة منطق التفتيش.

ولعله من نافل القول التأكيد على انه من حسنات الظروف القاهرة عبر التاريخ،كونها حين تحرص على اخراج الصورة التي تريدها عن طاعة الشعب لاولي الامر، تنسى أنه دوما يمكن للمرء أن يجد امكانات بديلة لممارسة سيادته وحريته بوصفهما الشيء الوحيد الذي هو مجبر على كونه...

   ان تحضر الوسائل الاحتجاجية التي ارتضاها التونسيون لامر دال ، لذلك لم أفهم حقيقة انتقاد وتشكيك مفكرين امثال ابو يعرب المرزوقي في موقعه ، لمجرده اعتقاده أن الاحتجاجات تتم بقيادة الاتحاد العام الذي يعتبره أفسد من النظام ..؟

     أعتقد أنه حين يكون نظام الحكم والحكامة قائمين على الضلال والفساد فان ظلال الخروج عليهما قيمة ،كما اشار ذات يوم أدونيس. غير ان التونسي اليوم  يذهب أبعد من كل هذا : انه يطمح الى بناء فضاء عمومي محكوم برهانات التواصل والتفاعل والبقاء لاحسن حجة وأحسن برنامج....

ان ثورة تونس ليست ثورة مخربين او ثورة اناس يائسين ...أوحتى ثورة بقايا الروافض الماركسيين ، لكي نجيز تحليلات الاستاذ أبي يعرب .. انها ثورة الطبقة الوسطى ضد الاقصاء والتهميش لاحلامها في السيادة والحرية، وهو ما لم يستطع الحاكم بأمره ادراكه قبل فوات الاوان.

 لذلك فان  مثل هذا الموقف، مضاف اليه فتواه "الخلدونية جدا "،تعكس اتقان الرجل لعبة التعالي والنظر الباحث عن الطهرانية ، بعيدا عن دنس السياسة ...؟ مثلما تعكس –في أحسن الاحوال هوسه بالتركيبات البراقة الفاقدة لاية مصداقية تمنحها لها أبسط مفردات العلوم الانسانية ...

وهكذا،فتحليله لما يجري مناسبة للهجوم على قوى الحداثة والتنوير، ويخيب الظن بأبي يعرب ، وتتأكد حصافة رجل آخر مثل راشد الغنوشي الذي لم يبدي هرولة للركوب على الاحداث مثلما لم يرضي لنفسه اسلو ب القائد المزعوم...لقد اختار الرجل متابعة الاحداث ،وتسجيل موقف المساند والمستعد لفعل كل شيء من أجل نجاح الحدث التاريخي. فالرجل، حتى وهو تقليداني التصور الايديولوجي، لانملك أمام حذره المنهجي غير تسجيل تواضع عارف بحقيقة الثورات واحتمال انقلابها الى أضدادها، كما احتمال نجاحها الباهر مادامت تسري عليها قوانين المراحل الانتقالية المعلومة.

     واجمالا، اذا كان يمكن اعتبار صيرورة الاحداث عاملا مربكا لكل تحليل يروم الموضوعية ، فانه مع ذلك يمكن القول بأن الدرس التونسي أعاد للاذهان امكانية التغيير ورهانه ...التغيير الذي يكون فيه المجتمع المدني القوة الاساس ، وطموحات الطبقة الوسطى وقوده الفعلي،وليس المخابرات الاقليمية والدولية.

     وتكون، بذلك ليلى الطرابلسي مثالا مشوها لحقيقة السياسات العمومية للنظام التونسي القائمة، لا على طبقات اجتماعية متنافسة بقواعد لعبة متكافئة، وانما عصابة تعرف انها ستسقط لامحالة، فتراها تسلك في غياب أي حس تاريخي مستحكمة هواها وارادتها في الهيمنة .

     ان العصرنة التي تجهد تونس نفسها لاظهارها ليست الا وجها ممكنا لتونس . أما حداثة تونس فهي الآتية في التبلور عبر صيرورة فعل الاحتجاج والبناء الخاص للذات والفرد وحرياته.  

  

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي