معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                هوامش سقطت من الطبعة الأولى  من الجلي في التفسير

 35 التمييز بين المقومات الصورية والمقومات المضمونية ليس أمرا نفرضه على تعاملنا مع القرآن الكريم. إنما هو تمييز أساسي وضعه القرآن نفسه: فما يقص في القصص القرآني لا يهم المخاطبين بأعيانه شخوصا وأحداثا  لأن المقصود هو البنية الصورية والقيمية المعتبرتين فيها. والعلامة الدالة على هذا المعنى هي عبارة تتكرر في القرآن الكريم هي: : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]البقرة 134[. فلو كان المقصود أعيان الأحداث المقصوصة لكان هذا الكلام متناقضا: لكن كلام القرآن لا يمكن أن يكون متناقضا. وإذن فالمقصود ليس هو أعيان الأحداث بل الصورة الكلية التي تبقى بعد أن نفرغها منها لتكون كل الأعيان التي من جنسها قيما ممكنة لها خلال كل التاريخ الإنساني. وهذا التمييز هو الذي يجعل محاولتنا في شبه قطيعة تامة مع علوم القرآن التقليدية التي تعنى بالقرآن من حيث مضموناته العينية (تحقيق مدلوله واستثماره في التشريع خاصة). أما الصنف الذي يحقق دال النص ومدلوله اللسانيين فهما مستثنيان من هذه القطيعة لأنهما مسلمان في عملنا وليسا من مطلوباته: لذلك فهو ليس تاريخا لنص القرآن ولا تفسيرا لدلالاته. فما كان من هذه الدراسات محققا لنص القرآن رسما ونطقا وضبطا ليس هو إلا من جنس حصر المعطى وتحديده وهذا مفروض في علاقة كل علم بموضوعه سواء كان طبيعيا أو إنسانيا. لكن صنف العلوم التي تعنى بتفسير القرآن أو باستثماره في علوم الملة التي تعنى بالبناء على مضمون عيني للقرآن فإنه الصنف الذي لا علاقة له بمبحثنا لما سنرى من العلل.

    36الفواعل القيمية مفهوم محوري نكتفي هنا بتعريفه وتعريف دوره بصورة إجمالية لكن تعريفه الدقيق يكون في خلال درس المسائل وهو يتصل بما ننسبه إلى القيم من فاعلية تجعلها ممثلة لما أطلقنا عليه القانون الخلقي المناظر للقانون الطبيعي والمتكامل معه في تحديد شروط القيام التاريخي للإنسانية. ويمكن بصورة تمهيدية القول إن الفواعل القيمية هي التي تصل القانونين أحدهما بالآخر فيتكامل التسخير والتكليف في الوجود الإنساني لأن الإنسان مكلف رغم كونه مؤلفا من كيان أغلب محدداته من العالم المسخر: بدنه ونفسه إلخ... سيأتي بيان المقصود بـ"الفواعل القيمية" التي بفضلها تتمكن الإنسانية من تجاوز المقابلة بين الخَلق والخُلق أو بين انتساب الإنسان إلى القانون الطبيعي والقانون الخلقي معا. فهذه الفواعل القيمية أعني منظومات القيم التي يدور عليها الوجود الإنساني الفردي والجمعي هي ما يتحد به العالمان الطبيعي والتاريخي أو ما يشير إليه القرآن الكريم بالآفاق والأنفس فيكون الفاعل الرئيس في حياة البشر مهما توحشوا: ولذلك أطلقنا عليها اسم الفواعل القيمية. وتحرير القرآن هذه الفواعل من نظرية التثليث القيمي التي تجعل التاريخ ثمرة الصراع الجدلي بن الطبيعي والخلقي هي الثورة الرئيسية التي ننسبها إلى الإصلاح القرآني في فلسفة الدين (تصور الله خاصة) وفي فلسفة التاريخ (تصور الإنسان خاصة) إصلاحه الذي له يستند إلى موقف نقدي إيجابي معياره التصديق والهيمنة وموقف وجودي كوني مبدؤه أن البشر إخوة وأن الدين واحد وأن الخلافات الدينية لا تتجاوز الممارسات المشعرية الخارجية ليست إلا تحريفات للدين السوي الذي كتب في فطرة الإنسان.

  37 ولما كانت السنة هي بدورها نموذجا تطبيقيا فهي لا يمكن أن تكون كذلك بمضمونها بل بصورة فعلها المنهجية وقيمه الخلقية لئلا تمضي بمضي عين المضمون التاريخي. وإذن فالمقابلة بين صورة النموذج ومضمونه مقابلة مهمة جدا. ذلك أن وظيفة النموذج لا تتمثل في أن يهب الرسول الأمة والإنسانية سمكا بل في أن يعلمها الصيد. فيكون المقصود بالنموذج كيفية السن والجمع وليس أعيان السنن. لذلك فالأصح أن نسمى المسلمين أهل السَّن والجَمع لا أهل السنة والجماعة. ومعنى ذلك أن الرسول من حيث هو مجتهد لفهم الإستراتيجية ومجاهد لتطبيقها حدد منهجية وأخلاقا للسَّن والجَمع هما ما فقده المسلمون بمجرد أن تصوروا الأمر متعلقا بأعيان السنن وليس بفعل السن نفسه من حيث صورته وأخلاقه. وبذلك باتت أمة الدين الذي هو إصلاح وتجديد دائمين أمة التقليد الدائم.

 

  38

 39  نكتفي بهذين الاستثمارين الرئيسيين الناقلين من الإستراتيجية والسياسة على ما يمكن بناء علوم الملة عليه فضلا عن تنظيم عملها في الاستئنافة الإسلامية التي لأجل تجلية أفقها شرعنا في هذه المحاولة. وكل ذلك سيكون إن شاء الله موضوع أعمال مقبلة. ولتوضيح العلاقة بين عناصر هذا الكتاب بأجزائه الخمسة (لأن الجزء السادس فلسفي خالص وهو من الخطة وليس منها في آن) يمكن تخيل رسم بياني في شكل هرم قمته الجزء الأول وقاعدته المربعة لها رأسا زاوية وجودي ومعرفي للتأسيس ورأسا زاوية معرفي ووجودي للاستثمار النظري. وهو هرم قابل لأن يقرأ من البداية إلى الغاية أو من الغاية إلى البداية أعني من الاستثمار إلى التأسيس أو العكس. فإذا قرئ من البداية إلى الغاية كان الترتيب من التالي إلى المقدم بالمعنى المنطقي وإذا قرئ من الغاية إلى البداية كان الترتيب من المقدم إلى التالي بنفس المعنى. لكن القراءة الأولى ينبغي أن تعمل بالمبدأ المنطقي الذي يذهب من نفي التالي ليرى هل يبقى المقدم صحيحا أو ينتفي مثله لأن القاعدة تقول إن نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. فإذا تم له ذلك تأكد له أن البناء سليم وأنه يثبت ما سعى إليه في حدود ما يسمح به العلم الاجتهادي الذي لا يدعي الإطلاق لعلمه بحدود علمه.

 40  أعلم أن مثل هذا الكلام سيشنع عليه الكثير من العلماء التقليديين. لكن الإخلاص للإسلام وإرادة استئناف مسيرة الأمة في تحديد التاريخ الكوني يقتضيان التعبير الصريح عن مكونات الأزمة إذا كنا نريد لها علاجا يمكنها من أن تصبح فعلا ذات فاعلية تاريخية حقيقة وليست تسويغا بعديا لفاعلية تاريخية مستوردة. ولعل مثال واحد يكفي لإثبات هذه الدعوى: فمن يمكن له أن يزعم أن الفقه وأصوله ما يزالان قابلين لاسم العلم بمعنى الممارسة النظرية التي تعالج موضوعاتها الفعلية أعني كل المعاملات التي يتقوم بها العمران الإنساني إذا كانت كل المؤسسات في البلاد الإسلامية مسيرها يحدده القانون الوضعي وليس للفقه والفقهاء إلا التدخل البعدي لتسمية الأشياء التي تقررت خارج هذا الفكر بأسماء فقهية حتى تبدو إسلامية؟ كل شيء صار عندنا مقلوبا: المجامع صارت تنشئ الكلمات والتسميات بدل من أن تكون المؤسسة التي تسجل ميلاد الكلمات والأسماء ميلادهما في الممارسة الكلامية واللغوية للأمة. والمجامع الفقهية لا يتعدى دورها هذه الوظيفة: فهي قد صارت تنشئ الأسماء لمؤسسات ولقوانين تنشأ في مؤسسات أجنبية تستوردها الأمة لتسير بها جهاز الدولة الحديثة: كيف لمؤسسة قانونية أن تكون ذات معنى إذا كانت الأمة لا تشرع بل تكتفي باستيراد تشريعات تطبقها وتضفي عليها الشرعية الدينية بتسميات فقهية بعدية لم يصحبها ممارسة في معاملات الأمة ذاتها وتشريعات وضعتها قواها المتنافسة وفكرها المعالج لما يجد من نوازل فعلية في الممارسة الفعلية؟ وقس عليه كل العلوم الدينية الأخرى. أما العلوم الدنيوية فهي منعدمة فعلا وتاريخا بمقتضى قصور هذا الفكر الديني الذي حصر الاجتهاد في الفقهيات وتصور البقية من الاشتغال بما لا ينفع ويمكن أن نقتصر فيه على الاستيراد كما نستورد البضائع المادية التي ليس لنا في إنتاجها أدنى دور بسبب العزوف عن المعرفة العلمية وتطبيقاتها وكلتاهما هذا حظها في هذا الفكر العقيم. ويمكن لعلمائنا الأجلاء  من المدرسة التقليدية أن يفهموا ذلك لو قارنوه بكل علم في المجالات الأخرى غير الدينية: فلا أحد اليوم يعتبر الكلام في الفلك البطليموسي علما بل هو تاريخ لعلم لم يعد صالحا للتعامل مع موضوعه أعني الظاهرات الفلكية لأنه لا يفسرها. ولا يمكن أن نعتبر قوانين الظاهرات الفلكية هي القوانين التي تصورها بطليموس أو أي عالم آخر لأنها غاية لا تدرك وكل محاولاتنا صيغ تقريبية من هذه الغاية التي هي من الغيب المحجوب.ولو ظننا قوانين الظاهرات الفلكية هي ما تصوره بطليموس مثلا لكان من الواجب أن نقبل بمسلمتيه الأساسيتين: حصر العالم في النظام الشمسي واعتبار الأرض مركزه. وإذا كان هذا يصح على العلوم الطبيعية فهو من باب أولى يصح على العلوم الدينية: فهي أكثر اتصالا بالغيب من الظاهرات الطبيعية وما منها متصل بالظاهرات الإنسانية فعلمنا به أقل وثاقة من علمنا بالظاهرات الطبيعية ومن ثم فهو أكثر حاجة إلى التعديل الدائم. ثم إن المطلوب هو تحرير القرآن قيما وحقائق من الأخطاء التاريخية لفهومنا. فإذا طابقنا بين قيمه وحقائقه وما فهمه أحد أجيال الأمة جعلنا القرآن نفسه خاضعا لاجتهادات جيل معين وليس مجالا مفتوحا بلا حد ليكون متعاليا على الزمان والمكان وتتوالى الفهوم على النفاذ إلى أسراره اللامتناهية.

 41  من الصعب عدم التردد في عرض مسائل هذه الإشكالية بين خيارين كلاهما صالح خاصة والتفضيل في هذه الحالة لا يحكمه منطق العلاج بل منطق تبليغ ثمراته للقارئ عامة أو المتعلم خاصة. فأما الخيار الأول وهو الأفضل من حيث العلاج فهو تخصيص كتاب لكل مسألة من مسائل الإستراتيجية الخمس (أعني الرزق والذوق وسلطان الرزق وسلطان الذوق والسلطان الوجودي المطلق) وجعل الغايات والأدوات والنخب والحصانة أعني موضوعات المحاولة التي ننوي تصنيفها أبعادا لعلاجها. لكن ذلك يمنع القارئ والمتعلم من رؤية وحدة الإستراتيجية التوحيدية فنكون بذلك قد عارضنا الغرض الأساسي أعني التوحيد بتقديم الأجزاء على الكل من أجل نجاعة العلاج. لذلك عدلنا عن هذه المنهجية رغم كونها أكثر علمية. وفـضلنا الخيار الثاني أعني تخصيص جزء لكل المسائل معا من منـظور عـام يكون قلب المحاولة أي الجزء الأول لنخلص فننظر في المسائل من حيث علاقة الأدوات بالغايات (الجزء الثاني) ثم من حيث الحصانة والنخب (الجزء الثالث) وهما جزءا الاستثمار وتخصيص الجزأين الرابع والخامس للتأسيس وإلحاق جزء سادس بهما وهو متعلق بنظرية الآية والرمز -وهو جزء خارج عنهما ومندغم بهما في آنٍ كما سبق- وهذه الطريقة رغم كونها دون الأولى علمية فإنها أفضل منها من حيث منهجية التقريب للقراء ومنهجية التعليم حفاظا على وحدة المقومات خلال علاج الأبعاد واحدا بعد آخر. لكن ذلك لن يمنع من إضافة جـزء أخـير-عند الحاجة- يكون هدفه العرض السريع بمنطق الخيار الأول دون إطالة فنخصص بابا منه بدل جزء لكل مسألة من منظور أبعادها جميعا. فيكون شبه ملخص للعلاجات السابقة بمنظور مختلف مع ثبت مصطلحي ييسر الأمر على القارئ غير المختص. وهو سيكون كالدليل في قراءة المحاولة.

  42 أي إننا نكون قد ألحقنا بتـحديد طبيعة الإستراتيجية القرآنية والسياسة المحمدية في الجزء الأول تأسيسيهما الوجودي والمعرفي في الجزأين الرابع والخامس وقدمنا عليهما ثمراتهما غاياتٍ وأدواتٍ في مستوى المؤسسات وفي مستوى النخب والحصانة في الجزأين الثاني والثالث. وبذلك تكتمل الأجزاء الخمسة.

 43  والمقصود بنعت "التقليدية" نعت المضمون والشكل من هذه العلوم بعد أن أصبحت تاريخا لفاعليات علمية لم تعد فاعلة لأنها لم تبق ممارسة معرفية لمجالاتها التي جعلها العمران الإسلامي تعمل بمعارف أخرى كلها مستوردة بل هي مجرد تاريخ لمدونات سابقة كانت فاعلة عند أصحابها لأن مجتمعهم كان يعمل بمقتضاها. ويصح هذا الحكم على جل البلاد الإسلامية إن لم يكن عليها كلها إذا نظرنا في الحقائق لا في المظاهر. فمضمونيا يكون العلم تقليديا إذا كان همه منصبا على المضامين العينية التي يسعى إلى حصرها والكلام عليها من حيث هي تلك الأعيان ومن ثم فهو يرد جميع العلوم إلى التاريخ والهموم المباشرة للحياة أعني أنه لم يصل إلى السؤال النظري أو المعرفة غير المحكومة بالهم المباشر للحياة العملية. وبقدر ما يكون العمل فاسدا إذا أهمل الهم المباشر للحياة يكون النظر أفسد إذا حصر همه فيه. أما شكليا فالعلم يكون تقليديا إذا كان الرابط الوحيد بين عناصر موضوعه هو ذاكرة صاحبه وسلسة الذاكرات التي تتوارث المعرفة وليس العلاقات المنطقية بين مقوماتها المحددة التي يتمثل جوهر العلم في إبداع أفضل الفرضيات حولها لأنها من حيث هي في عين الأمر من الغيب ولا يعلمها على ما هي عليه  إلا الله وحده. ومعنى ذلك أن العلوم الإسلامية التقليدية تخلو من المقوم الأساسي للنظر: البناء الأكسيومي الذي يرد اللامتناهي من وجوه الموضوع المعلومة بالفعل أو بالقوة إلى حدود أولية وعلاقات معينة كلاهما متناه ترد إليه كل العناصر بالاستدلال منطقيا والمطابقة بين النموذج النظري المستعمل وظواهر الأمر المدروس بتلك النظريات. وتكون هذه الحدود والعلاقات الأولية موضوعات فرضية ومؤقتة لتنظيم ما يعرض للموضوع من عوارض قابلة للدرس العلمي وليست معتقدات نهائية لا تقبل المراجعة بل إن العلم لا يتقدم إلا بمراجعتها الدائمة ليس فحسب عندما تحصل أزمة في العلم بل بغرض تحسين النسقية الأكسيومية. ولما كنا في مجال مقدس فإن المعطيات أو الموضوع -هنا نص القرآن- هو الوحيد الذي يعتبر ثابتا بكيانه المحدود والشاهد وبمعانيه اللامحدودة والغائبة مثله مثل العالم الطبيعي الذي نفترضه محدودا لكننا لا نعلم قوانينه علما نهائيا مهما زعمنا لعلمنا من الدقة والكمال. والحقيقة الثابتة في الحالتين من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. أما علمنا الإنساني فمقصور على الاجتهادات التي كلفنا بها لنتمكن من العمل على علم قدر الاستطاعة. لذلك فكل النظريات التي توضع لفهم ما فيه ليست إلا نظريات مؤقتة هدفها بناء نموذج نظري لفهم القرآن واستخراج ما فيه من قوانين تربط بين عناصره تماما كما نفعل عندما نطلب قوانين مجال طبيعي معين بنظرية معينة تساعد على تفسير ما يجري في ذلك المجال المعين. وبذلك نخرج من رابط الذاكرة النفسي بين القضايا ومن التراكم العرضي للمعلومات التي لا تختلف عن معلومات التاريخ الطبيعي أو التاريخ العفوي للأحداث التاريخية التي تعرض في المدونات التقليدية: وذلك هو الشرط الضروري والكافي للانتقال من المعرفة المبنية على الذاكرة والحفظ إلى المعرفة المبنية على الخيال والإبداع الذي لا يتناهي ما ظل العقل ساعيا إلى فهم ما يحيط به وما يضفي على حياته المعنى الذي خصه الله بها إذ كرمه فجعله أهلا للاستخلاف بحجة القدرة على التسمية التي علمه إياها.

 44  وحتى نفهم القطيعة التي أحدثها هذان الفيلسوفان بحيث صار كل ما تقدم عليهما يشبه حقائق الفلك البطليموسي بالقياس إلى حقائق الفلك الكوبرنيكي-رغم ما سنبديه من احترازات كثيرة على ما شاب ثورتهما من بتر قتل دور الخيال والرمز المبدعين في مجال العلوم الإنسانية وتطبيقاتها عند ابن تيمية وفي مجال العلوم الطبيعية وتطبيقاتها عند الثاني وفي مجال الفنون الجميلة وتطبيقاتها عندهما كليهما-فينبغي أن نعلم أنهما أسسا ثورتهما على تطبيق مطلق لما أمر به القرآن رغم التقابل بين مدخليهما. فالأول أراد تحقيق الإصلاح من تحديد جديد لعلم العقيدة والنظر فانتهى إلى تحديد جديد لعلم الشريعة والعمل. والثاني عكس فأراد الإصلاح من تحديد جديد لعلم الشريعة والعمل آل إلى تحديد جديد لعلم العقيدة والنظر. فبدل النظر في النصوص المرجعية نظرا في ما طلبت النصوص المرجعية النظر فيه: نظرا في الآفاق وفي الأنفس حتى يفهما النصوص المرجعية لكأن الأول قدم ما في الأنفس على ما في الآفاق والثاني عكس فقدم ما في الآفاق على ما في الأنفس. لذلك فتاريخ الفكر الإسلامي قبلهما غير تاريخه بعدهما رغم أن التاريخين لا يفهمان إلا بهما: فقبلهما تحقق شيء إيجابي وحيد لا غبار عليه وهو التحقيق المادي للنصوص المرجعية والعلوم الأدوات التي تمكن من الفهم النصي ثم توقف العطاء لكأن المعركة مع الإيديولوجيا الفلسفية أخمدت الاندفاعة التي بدأت تؤسس لعلوم الرمز عامة وخاصة ما كان منها مساعدا على فهم المرجعين. لكن ما تحقق بفضلهما وما سيتحقق أهم بكثير رغم أن المتقدم عليهما شرط فيه: إنه الفهم الوجودي المشروط في تجاوز الفهم النصي إلى معرفة الحقائق من الوجود بدل الاقتصار على شرح النصوص والعلم التجميعي والتركيمي الخالي من التنظير المدرك للمقومات الناقلة من رابط الذاكرة النفسية بين القضايا إلى رابط النسقية العلمية بينها. وذلك في الثقافتين الفلسفية والدينية: فالثقافة الفلسفية وليس الثقافة الدينية وحدها كانت قبلهما هي أيضا شرح نصوص.

 45  وكل من يهمل نظام العقد هذا في عمل ابن تيمية لن يفهم علة سعيه إلى التنوير المطلق لتحرير الشعوب من الوثنية الصوفية التي جعلت الأمة خانعة لا تؤمن بالعمل ولا بحرية الإنسان بل هي تستسلم للخرافة ووساطة الأولياء المتحالفين مع المستبدين من الحكام. ولست أدري كيف وقع الانقلاب فصارت فلسفته التحريرية أساسا للإمعان في ما ثار عليه وإن بشكل آخر: بات التنوير قتلا للروح وفرضا للقشور مع المحافظة على الاستبداد الذي كان سعيه إلى إزالته مع الاستسلام للخرافة التي هي من ثمراته. فإذا بقي الاستبداد ولم يذهب مع الخرافة بات الفقه الظاهر بديلا من فقه الباطن المزعوم في نفس الوظيفة: تبرير الاستبداد القائم. وقد حاولت تفسير هذا النكوص في كتابـي:]النخب العربية وعطالة الإبداع في منظور الفلسفة القرآنية[ الدار المتوسطية للنشر تونس 2007م.

 46  وكل من يهمل نظام العقد هذا في عمل ابن خلدون لن يفهم علة سعيه للتحرير المطلق من الاستبداد السياسي من وجهين: نقد الثورات الفاشلة للفقهاء والمتصوفة باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعني بما لا يمكن أن يغير الواقع السياسي لعدم إبداع العلم بآليات الفعل السياسي (من هنا  نظرية العصبية مع الشرعية) ونقد الفكر السياسي الفاشل للمتكلمين والفلاسفة أو لرجال الفكر عامة باسم الواجب النقلي أو العقلي أعني ما لا يمكن أن يغير الواقع السياسي لجهله بمقتضيات الفعل السياسي (من هنا نظرية المحركات الفعلية التي تحدد علاقات القوة في العمران كما نبين لاحقا). وقد حاولت فهم هذا الأمر كذلك في نفس المرجع المحال عليه في الهامش السابق للتوازي بين المأزقين الإصلاحيين التيمي والخلدوني.

  47 وعلة الجمع بينهما لا تقتصر على هذه الحجة المنهجية رغم أهميتها بل إن للأمر سرا آخر تأكد في بداية استئناف الحضارة العربية الإسلامية عند أعلام الإصلاح والنهضة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فاعتمادهم على فكر ابن تيمية وابن خلدون معا دليل على أن العلم والعمل الحقيقيين يمكنان من توحيد فرقتي السنة الأساسيتين أعني السلفية والأشعرية (لو حررنا فكر هذين الرجلين مما عرض له من أعراض قتلت الرمز المبدع وتطبيقاتها بسبب ما اتصفت بهم محاولتهما الإصلاحية من شطط في نفي ما اعتبراه علة الداء: فابن تيمية آل فكره إلى قتل الرمز عامة وخاصة في مجال العلوم الإنسانية والفنون وابن خلدون آل فكره إلى قتل الرمز عامة وخاصة في مجال العلوم الطبيعية والفنون) لأنهما يوجهان فكرهما نحو ما دعا القرآن إلى تدبره (أعني فلسفة علوم الطبيعة والمنطق وفلسفة علوم العمران والتاريخ) لجعل الإنسان كريما في الحياة الدنيا فتكون مطية للحياة الأخرى وتتحقق الأهداف من استعماره في الأرض واستخلافه عليها بدل مواصلة الصراع حول التفريعات الكلامية والفقهية التي ليس من ورائها طائل.

   48 الاستثمار المعرفي هو موضوع الجزء الثاني من الكتاب: وفيه تحديد مكامن الفعل المؤثر لاستعادة المبادرة التاريخية واستئناف الدور الكوني. وهذه المكامن ليست ظرفية حتى وإن تضمنت شروط علاج الظرفيات. إنها المكامن الكونية التي لا يتقوم عمران بدون علمها الاجتهادي وتطبيقه.

  49 الاستثمار الوجودي هو موضوع الجزء الثالث من الكتاب: وفيه تحديد الأفق الوجودي المفتوح إلى ما لا نهاية وخاصة لاستئناف الطموح الكوني في كل مجالات الإبداع. وهذا الأفق الوجودي المفتوح لا يمكن تصور الرسالة كونية وخاتمة من دونه لأنه يفتح على المستقبل كله إلى يوم الدين.

  50 ويمكن أن نرمز إلى الأجزاء الخمسة (معتبرين الجزء السادس خارج المحاولة لكونه استطرادا نظريا يحاور فلسفة العصر وهو بنحو ما من النتائج النظرية البعيدة أو من هوامش البحث كثمرة أجنبية عن الغرض المباشر منه خاصة عند الاقتصار على الغايات العملية) بهرم ذي قاعدة مربعة رأسه هو موضوع الجزء الأول ورؤوس قاعدته المربعة هي موضوعات الأجزاء الباقية. والرأس رغم كونها مستندة إلى القاعدة برأسين يؤسسانها ورأسين يتأسسان عليها فإنها تشبه نقطة البداية التي يخرج منها المخروط المحدد لانفراج شعاع الرؤية: فمنها باعتبارها ما هي أخذناها تاليا لمقدم وجودي ومعرفي لتأسيها وباعتبارها مقدما لتال نظري وعملي يتأسس عليها. عملنا في الحقيقة يبدأ برأس الهرم ليعود إلى رأسي القاعدة المؤسِّسين ورأسيها المؤسَّسين. ولما كانت القاعدة تحددت بنقاط أربعة اعتبرناها قاعدة مربعة لهرم لكنها في الحقيقة نقاط أربعة على دائرة لارتسام هذه النقاط على دائرة معامدة لرأس الشعاع الذي ينتشر مخروطيا وليس هرميا. فتكون القاعدة دائرة نعلم منها هذه النقاط الأربع التي تمثل موضوعات الجزأين الرابع والخامس للتأسيس والجزأين الثاني والثالث للاستثمار. والوصل بين رؤوس القاعدة الأربعة هو في نفس الوقت الخطوط المستقيمة الواصلة بينها أعني أوتار الأقواس الواصلة بينها على الدائرة التي يرسمها المخروط الضوئي الخارج من القلب أعني رأس المخروط المحيط بهذا الهرم. وهذا الشعاع يمسح كل القاعدة التي صارت دائرة ومعها كل الجرم المخروطي بين القاعدة والرأس ثم يتكون قبالته بتناظر تام مخروط رأسه من وراء القاعدة الدائرة ومنها ينطلق وهو موضوع محاولة أخرى في كتاب تالٍ ليس القلب فيه إستراتيجية القرآن وسياسة السنة بل هما القاعدة لأن القلب سيكون اجتهاد الإنسان لفهم إستراتيجية القرآن أعني الفعل الاستراتيجي الدائم وجهاده للعمل بسياسة السنة أعني السن الحي الدائم: والجامع هو الآية 60 من الأنفال: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ... ﴾  بشرط عدم حصرها في وجهها الحربي بل تعميمها على كل وجوه الاستخلاف من حيث هو رعاية للكون تمنع الحرب بين أهله بالاستعداد الحائل دونها وليس إهمالا للكون يؤدي إلى نكوص الإنسانية إلى قانون التاريخ الطبيعي.

  51 التأسيس الوجودي هو موضوع الجزء الرابع من الكتاب: وفيه علاج لما ران على الأفق الوجودي –أي ما يسميه القرآن الكريم بالأفق المبين-فحال دون الفهم المبدع لتاريخ الأمة وما بعده ففقدت القدرة على أداء دورها الكوني. وهو فقدان للقدرة يبرز خاصة في مجال الإبداع العلمي والعملي لكنه يعم كل الإبداعات الأخرى بل هو ناتج عما أصابها من مرض: الإبداع في مجال الرزق والإبداع في مجال الجهة أي توسيع آفاق حرية الإنسان. والأصل هو انسداد الأفق الوجودي فلم تعد الأمة ترى طبيعة رسالتها الكونية لأنها فقدت أفق الرؤية البينة وأصبح القرآن لا ينطق عندها إلا بما ينافي أهم مبادئه التي يمكن ردها إلى الإصلاح الدائم في مجالات القيم جميعا.

  52 التأسيس المعرفي هو موضوع الجزء الخامس من الكتاب: وفيه تعميق البحث في العوائق المعرفية التي تمثل مآزق الفكر العربي الإسلامي الحالي. وهي مآزق يشترك فيها كلا الحزبين الأصولي العلماني والأصولي الديني لأن كلا منهما يتحدد بنفي الآخر وليس بالأمر ذاته أعني علاقة صورة المعرفة بمضمونها سواء كانت من المدركات الحسية أو من المدركات الوجدانية.

   53 غاية التأسيسين الوجودي والمعرفي غايتهما النظرية البعيدة أو نظرية المقولات والرمز من منطلق مفهوم الآية القرآني الجامع بينهما جمعا يحدد العلاقة بين  مقولات الوجود وأصناف الرموز أعني العلاقة بين المنطقي والوجودي من خلال مراجعة نظريات هيجل في المنطق والوجود الجدلييين ونظريات بيرس في الوجود والوسميات وإرجاع ذلك كله إلى:"مـفهوم الآيـة" بصورة تخلصنا من رد القانون الخلقي إلى القانون الطبيعي الناتج عن إيديولوجية التثليث الجدلي.  

  54 أما الغوص إلى المقومات الجزئية ذات الدقة التي يصعب البدء بها فهي ما يلي في الجزأين المواليين اللذين يعالجان الثمرات النظرية المعرفية والثمرات العملية الوجودية. ففيهما سنغوص إلى دقائق الوظائف والأعضاء التي يعمل بها العمران الإنساني في تحقيق  شروط الاستخلاف كما ضبطتها قيم القرآن الكريم. وطبعا فالعلم بهذه الدقائق هو الذي سيمكن المسلمين من الاستئناف المؤثر في التاريخ الكوني بحيث إن تحقيق قيم القرآن في العمران الإسلامي سيجعله المثال الذي لمجرد وجوده يصبح طاقة جذب لدين الله لا تقهر فتعم قيم القرآن المعمورة وتنتقل من مجرد دعوى الكونية إلى تحققها الفعلي.

  55 وليس لهذا أدنى علاقة بالتفسير الموضوعي الذي شرحت موقفي منه بوضوح في الحوار مع الشيخ البوطي حول أزمة أصول الفقه. فلست أبحث عن الإستراتيجية في القرآن ولا عن السياسة في السنة فيكون مطلبي من جنس التفسير الموضوعي بل أكتفي باعتبار الإستراتيجية أحد "أحـيـاث" القرآن والسياسة أحد "أحـيـاث" السنة وليسا موضوعين لهما من بين موضوعات أخرى. ولا هو كذلك من جنس البحث في الأغراض الجزئية للقرآن من جنس البحث فيهما عن التشريع أو عن العقيدة وهو ما يمكن أن يعتبر حلا و سطا بين التفسير الموضوعي وتفسير "من حيث". إنما أسعى إليه هو بالمعنى التالي من "من حيث". فالأحياث جمع لكلمة "حيث" التي يفاد بها وجوه اعتبار الشيء بعبارة "من حيث" باعتبارها وجوها مجردة منه ولكن ليس بمعنى بعضي بل بمعنى يشمله كله فلا يكون المطلوب أحد موضوعاته من حيث اتصافه بذلك الوجه لتكون مجال بحث علمي كالحال في البحث الشرعي أو العقدي الذي تكونت بمقتضى الانتخاب المذهبي اللاواعي الذي انطلق منه البحث وانتهت إلى المذاهب الواعية التي شتت شمل المسلمين عقديا وشرعيا. فعندما أقول النظر في العالم من حيث هو طبيعي أو من حيث هو كيمياوي أو من حيث هو ذو نظام رياضي أو من حيث هو سكن الإنسان أو من حيث هو ثمرة قصد وعناية إلخ... فأنا لا أدرس أحد موضوعات العالم بل أدرس العالم كله من هذا الوجه أو ذاك. وإذن فالقصد هو أن أدرس القرآن من حيث هو إستراتيجية توحيد للأمة والإنسانية. لكني أضيف إلى ذلك فرضية عمل أزعم فيها أن القرآن يعرف نفسه كرسالة كلية وخاتمة هذا التعريف معتبرا كل رسالة سماوية إذا كانت حقا غير محرفة ليست إلا إستراتيجية عمل لتحقيق القيم القرآنية التي يعتبرها جوهر الديني في كل الأديان. لذلك فهو قد أضاف إلى هذا الوجه تأييد هذا الحد بنقد التجارب الإنسانية السابقة نقدا منهجه التصديق والهيمنة وثمرته بيان علل فشلها التي أرجعها إلى ما أصاب أداتي الفعل الإنساني اللذين عرفتهما سورة العصر أعني الاجتهاد العلمي (أي النظر وأصله الذوق) والجهاد العملي (أي العمل وأصله الخلق) شرطي الاستثناء من الخسر (وهو ما نثبته في مرحلة التأسيس التي جعلناها لاحقة لمرحلة الاستثمار لأن المطلوب العاجل هو هذا لا ذاك فضلا عن كون التأسيس لا يهتم به إلا من ينشغل بالنظر دون العمل والعمل هو هم الجميع. وسأدرس القرآن في كتاب ثان من حيث هو إستراتيجية توحيد للفرد والزوج ثم في كتاب ثالث من حيث هو إستراتيجية توحيد لمنهاج النظر ولشرعة العمل إلخ...) والسنة من حيث هي سياسة هي تعليم بالإفهام والتطبيق لهذه الإستراتيجية. ولا بد هنا من توضيح طبيعة هذا الموقف من القرآن والسنة استكمالا لما سيرد في التأسيسين: فتعاملي معهما بوصفهما معطيات أتسلمهما دون نقاش لما هما عليه في ظاهرها الذي أنطلق منه وفي باطنهما الذي أسعى للوصول إليه بعد اكتشاف الفرضيات المساعدة على الوصل بين الظاهر والباطن أو بين أحداثهما وقوانين أحداثهما هو من جنس تعامل عالم الطبيعة مع العالم من حيث هو معطى يتسلمه دون أن يناقش ما هو عليه بنفس المعنى. فما عليه الشيء من حيث هو معطى يبدو مجرد أحداث ووقائع تغلب عليها فوضى الظهور والتوالي الذي يبدو خاليا من كل منطق وقانون عدا التساوق في مكان الوعي والتوالي في زمانه. وكذلك الشأن بالنسبة إلى ما في القرآن من أحداث ووقائع. فلا فرق بينه وبين أحداث العالم في الظهور الذي لا يفصح عن نظامه إلا بشرطين:

 1. إيـمان الباحث بأنه يوجد وراء هذا الظاهر الذي لا يفصح عن نظام معين نظام معين لا يمكن الجزم بأنه وصل إليه لكنه يفترض فروضا تسعى إلى الوصول إليه فيكون هذا النظام هو مطلوب البحث الذي لا يتوقف لكون كل نتيجة نظرية نصل إليها محاولة فرضية تقرب بالتدريج من نموذج مثالي يكون ما أمكن مطابقا لما نتصور أنه الأمر في نفسه والذي هو من الغيب المحجوب على الجميع بمن فيهم الأنبياء.

 2. والـسعي الدائم لمراجعة هذه الفرضيات حتى تكون قادرة على "تفسير" بمعنى تعليل أكبر قدر ممكن من الظاهرات بأقل عدد ممكن من الفرضيات فيكون العدد الكبير من الظاهرات وكأنه منتظم في علاقات قانونية ترجعها إلى تلك الفرضيات القليلة مبادئ ضرورية وكافية للفهم والتفسير في حدود ما هو ممكن للعقل البشري

 

 

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي