shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

 

  حرية الرأي وحق النقد مقدسان

 

 

أبو يعرب المرزوقي

                                     
انتظرت بلوغ المحاولة النقدية التي كتبها الاستاذ المزوغي غايتها حتى أعلق على ما يستحق منها التعليق دون نية الرد عليه في ما يدعيه لأن كلامه لم يتجاوز الشكليات. وأبدأ بشكره عليهما لأنهما تمثلان مناسبة لي أشرح فيها بعض الأدواء التي تعاني منها ساحة الفكر عندنا وهي أمر ليس منه بد إذ هي ضريبة حرية الرأي وحق النقد المقدسين في الإسلام وفي الحضارة الإنسانية عامة.
فالمحاولة بحلقتيها لم تعالج قضايا فلسفية ذات صلة بالمضمون العلمي كما يقتضي ذلك علاج الفنون الثلاثة من أعمالي التي تتكلمان عليها أعني أصول الفقه وتاريخ العلوم وتاريخ الفلسفة  العربية واليونانية بل اهتمت فقط بأحكام عامة حول أمرين لا ثالث لهما:
1-موقفي المزعوم وهابيا ودعوى أن رأي الشيخ البوطي ورأي الأستاذ المزوغي كافيان للحكم على جهلي بتاريخ العلوم وتاريخ الفلسفة وأصول الفقه.
2-أسلوبي في التعبير والتحليل وصفا للأول بالتقليدي لكونه يتعمد استعمال السجع أحيانا وتعقيدي لكونه يتعمد الصوغ المتشابك للمضامين الفلسفية والعلمية.
لذلك فسأكتفي بالتعليق السريع على دلالة هذا العمل الذي يبرره صاحبه بحق النقد وحرية الفكر وهما أمران لا ينازعه فيهما أحد لأني مثله وربما أكثر منه اعتبرهما مقدسين من منطلق عقدي وعقلي. ولكني قبل ذلك أريد أن أعرج على أمر ذي بال: فهو يؤكد في الهامش الأول من البحث الثاني أنه صاحب البحث الأول الذي تعجبت من نسبته إليه وظنني بذلك أحقر من شأنه. والأمر ذو البال هو أني لم أفعل لأني كنت أشك في قدرته عليه كما ظن بل لأني كنت ولا زلت اعتقد أنه قادر على ما هو أحسن من ذلك بكثير: لسابق صلة به في مناسبات أترك له حرية بيانها للقراء إذا شاء (لعن الله سجع الكهان!).
لذلك فقد ظننت-ولست أجهل أن بعض الظن إثم-أن بعض العاجزين من علمانيي تونس ومتمسحيها الجدد زاعمي الليبرالية الجديدة في الوطن وفي المهجر قد أرادوا لقلم ينتسب إلى الفلسفة أن يعبر باسمهم حتى لا يلومهم أحد على الكلام في ما ليس من اختصاصهم فطلبوا منه –ولعل لبعضهم عليه أياد هي من أسرار الكنائس- أن يمضي ما كتبوه له وهم يجهلون في ما يتكلمون مكتفين بالتنفيس عن الغضب والحنق. أما وقد أكد أنه هو المؤلف فإني أسلم له بذلك وأهنئه عليه فضلا عن أني لست أعلم به من نفسه التي نزهتُها عما ورد في الحلقة الأولى من هذه السلسلة لتفاهته التي علقت عليها بكلمة مسكين بالمعنى العامي في تونس لا بالمعنى القرآني طبعا أي ما يقابلLe pauvre  لا كما فهم  L’homme pauvre. وينتج عن ذلك أن ما ورد في الحلقة الثانية هو له طبعا ألفه وهو في كامل قواه العقلية. فلننظر ما فيهما مع العلم أنهما تشتركان في نسبة الموقف الوهابي إلي؟

الحلقة الأولى


1-لن أسأل الاستاذ المزوغي: هل قرأت الحوارية حقا أم لا لأنه أورد شواهد تجعل القارئ يعتقد أنه قرأها. لكن القارئ الذكي عندما ينظر في الشواهد يتأكد أنه لم يقرأ حتى الشواهد التي أوردها إلا إذا كان لا يفهم ما يستشهد به لأنها جميعا وبدون اسثناء تثبت عكس ما يريد أن يثبته بها. ولعل أفضل مثال على ذلك: أنه يريد أن يثبت أني وهابي أدعو إلى تطبيق الحدود بنصوص كلها ضد سلطان الفقهاء ! هل البوطي يمكن أن يكفر الوهابيين ؟ ألم يعتبرني في الحوارية بما أبديت من آراء قد خرجت عن الملة رغم أنه اعتذر عن ذلك شفويا لبعض الثقاة؟
2-ولن أسأله: هل درست فلسفة الحق والقانون أم لا لأن أكتفاءه بأدلة البوطي على بطلان ما أقول في أزمة أصول الفقه إذا اعتبرناها فلسفيا تتجاوز الفهم التقليدي لليوريسبروندنسا إلى  النظرية التي تؤسس لمبادئ فلسفة الحق كاف لإثبات الجواب بالسلب. فالبوطي لم يدع المعرفة بالقانون الحديث وبفلسفة الحق. وبحثه في أزمة أصول الفقه كما يدرك ذلك من قرأ الحوارية لم يكن مدركا للمقصود بالأزمة لأنه يتصورها متعلقة بضعف الجذوة الإيمانية عند المسلمين أو بسوء نية دعاة الإصلاح في أصول الفقه. والعالمان اللذان تكلما في فلسفة الحق بقصد واع هما ابن تيمية وابن خلدون. فهل يمكن لمن قرأ أعمالهما أن ينفي ذلك ثم يوثق في فهمه فضلا عن علمه ؟
3-ولن أسأله: كيف تستنج من الكلام في فكر ابن تيمية أني وهابي ولم أسمع  بوهابي واحد قرأ كتابي عن ابن تيمية ولم يعتبرني أتكلم عن فكر غريب لا صلة له بالفهم الوهابي لفكر ابن تيمية ؟ هل يعقل أن يكون فكر ما قابلا لقراءة واحدة تستثني كل قراءة أخرى ؟ لكن مجرد تعجب السيد المزوغي من نسبة فكر ابن تيمية إلى الفكر الفلسفي دليل كاف على أنه لم يقرأ شيئا من مؤلفاته لا الفقهية ولا الفلسفية أي إنه لا يعلم أن الرجل لم يفته شيء من الفلسفة العربية المشرقية والمغربية دون تحليل وتعليق وأنه فعلا تجاوز ميتافيزيقا الجوهر ومنطلق المحمولات التقليدي إلى ميتافيزيقا العلاقة ومنطق القضايا أصلا لكل منطق وأنه أول من حقق ما يسمى فلسفيا بالمنعرج اللساني عندما تجاوز المقابلة السطحية والتقليدية بين الحقيقة والمجاز.
4-ولن أسأله: كيف تتصور كلام باحث في الفلسفة في أصول الفقه خروجا عن الاختصاص الفلسفي حتى بالمعنى التقليدي فضلا عنه بالمعنى الحديث والمعاصر إذ أصبحت المباحث العملية في الفلسفة أهم من المباحث النظرية ؟ هل يعقل أن يعجب من يزعم الكلام في الفلسفة أن يتلكم الباحث الفلسفي في فلسفة الحق والقانون والسياسة ؟ أم إن العلاقة بين أصول الفقه وهذه المسائل يمكن أن تغيب عن بال من يريد باسم حرية الرأي والنقد أن يتكلم في المسائل الفلسفية رغم أنه يجهل أبجدياتها ؟
5-وأخيرا فإني لن أسأله: كيف تعجب من  عدم فهم البوطي لما أكتب إذا كان البوطي-وربما يشاركه في ذلك الأستاذ المزوغي ومن يدفعه بنصحية أوقعته في فضيحة- يتصور الكلام الفلسفي في الفلسفة ممكن لمن لم تتجاوز ثقافته العلمية - أي المنطق والرياضيات وفلسفة الحق والاقتصاد- مستوى ما يتلقاه طالب الباكالوريا آداب بعد أن ينسى كل شيء في سن النضوج ؟ لن أسأله ذلك لصلته بالحلقة الثانية من رأيه الحر ونقده العلمي المزعومين.
وحاصل القول إني لن أطيل الكلام على الحلقة الأولى لأني أعلم الجواب على هذه الأسئلة كلها ليس مما يكتب السيد المزوغي فحسب بل لسابق اتصال به مباشر لما كنت أتصوره طالب علم لا طالب جاه وآمل أن يجيب القراء بما يقنعهم حتى يتبين لهم أنه إما صادق مع نفسه لكنه يتكلم وهو جاهل أنه يجهل لغفلته أو كاذب يعلم أنه يجهل لكنه يفعل ما يضادد سلامة الطوية تاركا له تعيين صفاته هل هي محمودة أم مذمومة.

الحلقة الثانية


لن أتكلم في المشترك بين الحلقتين أعني أصول الفقه. فما قلته فيها كاف. كما أني لن أطيل الكلام على مسائل الحلقة الثانية. ولنكتف بملاحظات سريعة حول مضمونها. فهي تدور حول كتاباتي الفلسفية عامة ورسالتي في الكلي والاسمية خاصة. ولاعترف للسيد المزوغي بأنه نبه القارئ إلى أن الكتابات هذه تتعلق بمسائل علمية رياضية ومنطقية وتاريخية وليست كلاما على العواهن. فهل تكلم في هذه الأمور أم اقتصر على هوامش عواهنية ؟
1-كتاب منزلة الرياضيات في علم أرسطو:  لا أتصوره قرأه. لكني سأسلم بأنه قرأه: فهل ورد في الحلقة الثانية المطولة غير إيراد نص من تحديدي لطبيعة الكائن الرياضي من رسالتي حول منزلة الكلي يفيد أنه يتلكم في ما لا يعلم؟ ولو كان المجال يسمح لبينت له أن تعليقه على الشاهد الذي أورده دليل قاطع على أنه لا يتكلم وهو صاح.
2-كتاب منزلة الكلي في الاسمية العربية: هل وجد فيه أني اعتبر أرسطو وأفلاطون رجلين غبيين وأنسب الذكاء إلى من نسبت إليه تجاوزهما أعني ابن خلدون وابن تيمية ؟ أليس من يتجاوز الأغبياء في الغباء يكون أغبى منهم ؟ أم إننا نتحدث عن تاريخ معرفة علمية المتجاوِز والمتجاوَز كلاهما عالم ومن نفس الحجم ؟ فلست أتكلم في رسالتي عن حوارات الساحة الفكرية العربية الحالية التي يتصور البعض فيها حرية الرأي ساحة مستباحة لطالبي الراحة من بزناسة السياحة (طبعا من لا يعلم لم هذا الكلام سيتصورني أبحث عن السجع ) ! فلأن ابن خلدون وابن تيمية من منزلة أرسطو وأفلاطون فهما فلسفتهما فمكنا الإنسانية من تجاوزها إلى ما هو من جنسها ولكن بأبعاد أعمق وأدق وأقرب إلى المقاصد التي طلبها الأولان وحققها الثانيان.
3-ثورة ابن خلدون: كل من له دراية بفلسفة أفلاطون-بشرط ألا تكون بسطحية ما يعبر عنه صاحب المحاولة- يعلم أنه كان يسعى إلى ما يمكن أن نسميه تأسيس علم العمران البشري والاجتماع الإنساني تقديما لفلسفته العملية على النظرية. لكن تصوره للكلي العملي وما بعد التاريخ حال دونه وتحقيق تلك الغاية التي بقيت حلما تسعى الفلسفة إلى تحقيقه كما يتبين من محاولات الفارابي. ونقد ابن خلدون لنظرية الكلي العملي وما بعد التاريخ حققا هذا الهدف. فهل في ذلك استغباء لأفلاطون أم هو دليل على أن من فهم هذه القراءة للعلاقة بين أفلاطون وابن خلدون هذا الفهم مصاب بعجز عن الفهم لا شفاء منه لظنه أن أبن خلدون الذي هو أشعري العقيدة  ومالكي المذهب الفقهي لا يمكن أن يكون إلا رجعيا ومن ثم فإن من ينسب إليه هذه الثورة رجعي أكثر منه؟
4-ثورة ابن تيمية: وكل من له دراية بفلسفة أرسطو -بنفس الشرط السابق طبعا- يعلم أنه كان يسعى إلى ما يمكن أن نسميه بتأسيس علم الكون الطبيعي ونظام العالم المادي تقديما لفلسفته النظرية على العملية. لكن تصوره للكلي النظري وما بعد الطبيعة حال دونه وتحقيق تلك الغاية التي بقيت حلما لم يتحقق كما بيتين من محاولات ابن سينا. ونقد ابن تيمية لنظرية الكلي النظري وما بعد الطبيعة (في أربعة من أكبر كتبه وأكثرها نسقية فلسفية وهي ليست من جنس الفتاوى أشك أن المعلق سمع بها فضلا عن أن يكون قرأها) حققا هذا الهدف.فهل في ذلك استغباء لأرسطو أم إن صاحب المحاولة حر الرأي والنقد مصاب بالداء سابق الذكر لمجرد الظن أن ابن تيمية الذي هو حنبلي العقيدة والمذهب الفقهي لا يمكن أن يكون قادرا على مثل ذلك لأنه بمنطقه رجعي أو لأن من أثبت ذلك أكثر منه رجعية ما دام حسب رأيه وهابيا حتى وإن أنكر عليه كل الوهابيين هذا الشرف المزعوم ؟
5-الدليل القاطع على فساد الطوية: وأخيرا سأسمح لنفسي وأشرح لصاحب الرأي الحر المعتد بقدرته على النقد الموضوعي الشاهد الذي أخذه من آخر مقال صدر لي في جدل-وهو ما يعني أن السيد المزوغي مجد في متابعة كتاباتي وهذا يحسب له- حتى يعلم أن الأمر ليس سجعا غفلا بل هو لقصد سيفهمه عندما يفهم الإشارات الخفية الواردة فيه:" ...يتفاقهوا في الإسلام ليَدعُوا المسلمين بالتسويف إلى التصويف عَلّ التخريف يساعد في التوظيف فينقِذ العدوّ من النزيف59".
فهذا النص بتر بسوء نية حتى يصبح غير مفهوم فيبدو وكأنه كما تصور طلاسم في المتن وإحالة الهامش 59. والنص الكامل لهذه الشذرة هو:" وذاك (=أي استبدال التحرير بالتخدير وظيفة للدين) حاصل لامحالة لأن السياسيين يريدون توريث الحكم لأبنائهم وهذا يتطلب أسلوبا جديدا أول عناصره التقرب من الشعوب باستعمال الدين للتخدير وليس للتحرير. ولعل أولى علامات ذلك العودة إلى الدروشة والزوايا والمنجمين والتكايا واعتبار الإسلام الصوفي بلسما من الإسلام الفقهي فيحق لبوش والجيل الذي يستعد للإرث من الحكام العرب أن يتفاقهوا (=يدعون الفقه) في الإسلام ليدعوا المسلمين بالتسويف (=أي بحجج واهية) إلى التصويف (=جعل الدين صوفيا) عل التخريف (=يصبح الدين خرافات) يساعد في التوظيف (=توظيف التصوف) فينقذ العدو من النزيف (=حرب الاستنزاف التي يعانيها من المقاومات الإسلامية في العالم كله)".
طبعا من يقرأ النص غير المبتور يفهم أن القصد هو بيان أمرين بدأ العملاء والأمريكان يسعيان إليهما حثيثا ولكن بصورة موجزة تدعو غير الكسالى للتفكير والتروي وقد يفهمها الأغبياء بأنها أحاج وطلاسم:
1-أن الدين يقبل استعمالين تحريري وتخديري. وأن تشجيع تدين المتصوفين هو الوسيلة التي تنقله من الوظيفة الأولى إلى الوظيفة الثانية.
2-أن أمريكا تجد في هذه النقلة ما يخفف عنها حرب الاستنزاف التي تعاني منها بسبب الدين التحريري فتعتمد على الدين التخديري.
وحاصل القول وزبدته إن حرية الفكر وحق النقد اللذين هما أمر مشروع بل وواجب مقدس لأهل الفكر والروية مشروطان بشروطهما وهما صنفان:
الأول هو الكفاءة العلمية في المجال المعين الذي يتعلق به الكلام. فلا أحد له الكفاءة العلمية في كل شيء وزعم ذلك يجعل الساحة الفكرية مدعاة للجاج بدل الحجاج.
الثاني هو الخلق العلمي أعني الأمانة في عرض رأي الخصم قبل التعليق عليه ثم التعليق على المضمونات التي يدور عليها الكلام وعدم حصره في الأحكام على المواقف.
وهذا التعليق ليس ردا لأن ما ورد في الحلقتين ليس فيه علم يستحق الرد بل هو تنفيس عما لا أدري ما باعثه والله يهدي خلقه إلى الصواب: من يشاء. إنما أقدم هذا التعليق السريع احتراما لقراء "جدل" حتى لا يتصور أحد أن السكوت على الحلقتين دليل على أن ما قاله صاحبهما فيه شيء من الصحة فضلا عن الإفحام.
وخير الختام في الإسلام الدعوة إلى السلام