shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                                 إكراما للقراء واعتذارا للمعلقين

                                                                   أبو يعرب المرزوقي

ما ورد في اعترافات الأستاذ المزوغي قد لا يكون كافيا ليفهم القارئ ما سبق ولحق في ما يزعمه نقدا علميا ولم يجد فيه أي قارئ منصف رائحة العلم خاصة بعد التعليق الأخير الذي هو جزء من كتاب يصدر قريبا. فما تضمنته الحلقات الثلاث يبدو في الظاهر نقدا لأعمال المرزوقي بل هو أكتشاف عبقري لما يتصوره المعلق مصدر انحرافه وهو ذو فروع خمسة:  ثلاثة قدامى يمثلهم الغزالي وابن تيمية وابن خلدون ورابع حديث يمثله مؤسس الوهابية والأصل المتقدم عليها جميعا هو القرآن الكريم أو محمد صلى الله عليه وسلم.

هؤلاء نقلوني من مهنة أستاذ الفلسفة الذي كان يحضر دروسه عندما فشل في دراسة الطب إلى المبشر بالوهابية الذي فُجع فيه رغم أنه لا يوجد وهابي واحد في العالم قبل بي في الجماعة التي لم أقدم ترشحي إليها لكن المزوغي دافع عن ملفي للانتساب فجزاه الله خيرا ! لكني لا أظن أنه يوجد من لم ينتبه إلى أهم محرك لكل هذه الزوبعة الجوفاء:  فالملزومة الأساسية في الحلقيتن السابقتين وحتى في هذه الحلقة الثالثة هي الوهابية. والمفتاح لفهم اللغز أتى في الحلقة الأخيرة: إنه الموقف من المسيحية صاحبة النعم على صاحب القلم الذي فشل في أن يكون طبيبا فجرب أن يكون خطيبا. وتلك علة الحاجة إلى القول: الآن فهمت الحماسة الزائدة عن اللزوم لأنه لا يمكن أن يكون المزوغي مفجوعا من خسران العرب فيلسوفا ارتد إلى الدين حسب ما ورد في اعتذاره القبيح.  

فالحرب على الإسلام الحالية بؤرة تركيزها الأساسية هي الوهابية فيكون كل كلام موجب على من يتصورونه رمزا لها أعني ابن تيمية شيئا لا يقبل: ولما كنت قد أذنبت هذا الذنب فليتكلم الخطيب. لكن الخطيب غير أريب حتى وإن حاول أن يكون طبيب فلم يتجاوز حالة حصرم الزبيب كما أبين إن شاء الله. ولما كنت لست وهابيا رغم دعواه فإني لن أعنى بالكلام عليها وسأترك أمر الجواب لأهل مكة الذين هم أدرى بشعابها أو الرد على ما ورد في هذا الكلام من سخافات حول سيرة ابن تيمية وأخلاقه وفكره. كما أني لن أتكلم في ما قيل على ابن خلدون حتى وإن كان ليس له من يمكن أن يعتبره رأس فرقته فيدافع عنه.

لكني سأعرج سريعا على ما قيل في الرجلين لاستنتج مقدمة تمهيدية تبين طبيعة مستوى المعلق العلمي حتى للقارئ غير المختص. فلما كان من الطبيعي ألا يكون كل القراء العرب مطلعين على دقائق الفلسفة اليونانية والغربية وعلى المسائل المترتبة على علاقات العلوم بعضها بالبعض وبالفلسفة فإن الاستدلال سيكون عسيرا على الفهم: وأعتذر لهم مقدما لأن الواجب يقتضي بيان جهل الرجل بصورة حاسمة لن تقوم له بعدها قائمة إلا في مجال آخر قد يكون الطب من يدري! فكما يقول المثل الفرنسي لا وجود للحظة يكون فيها المرء قد فقد كل الفرص !

لكن لا أحد من القراء العرب يجهل ما يكفي حول ابن تيمية وابن خلدون يجعله يدرك الجهل بهما والعلم ولو بصورة عامة. والنتيجة التي أريد أن أسجلها قبل الدخول في الجزئيات العلمية هي: كل ما يقوله المعلق عن الفلسفة هو من جنس ما قاله عن ابن تيمية وابن خلدون معرفة بدقائق الأمور ومعانيها. ولا فائدة من الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك. فإذا كان في ما قاله عن هذين الرجلين مقنعا حتى للقارئ غير المختص في ابن تيمية وابن خلدون فإني أسلم له بأنه عالم كبير.

بعد هذه المقدمة التمهيدية فلنشر إلى أن هذا النص الأخير يتضمن جل ما ورد في النصين السابقين والنصوص الثلاثة مقتطفات من كتاب يعد بنشره كما قال المعلق حتى يثري المكتبة العربية بعلمه. وإذن فالنص الأخير يساعد على تحديد عناصر التعقيب الذي سيكون سريعا لأن المعلق رد على نفسه بما قاله في ما يكفي اطلاع القارئ غير المختص لفهم نوع العلم الذي يدعيه.

ولو كنت أريد أن أعرض محاولاتي الفلسفية من منطلق الاعتراضات التي تصدر عمن لا يفهمها لما اخترت أفضل من هذا المعلق: فالمعلم الذي يريد أن يشرح الفكرة يستفيد من الغافلين أكثر مما يستفيد من النابهين. فهو يعرض علل عدم فهمه بصورة عفوية تدل على مفرط الذكاء (!) فيساعدني على اكتشاف الطرق لإفهام أكثر خلق الله عجزا عن الفهم بدليل ما أشرنا إليه في التمهيد وخاصة ما خص ابن خلدون منها: فابن خلدون ليس له علاقة بالفلسفة وهذا صحيح إذا كان القصد بالفلسفة فكر الأستاذ المزوغي أو حتى فكر رمز العقلانية عنده أعني شارح جمهورية أفلاطون بأخلاق نيقوماخوس لمجرد أنه يدافع عن المرأة !. أما إذا كانت الفلسفة هي إبداع نظريات لتفسير الظاهرات التي كان أفلاطون يسعى إلى صوغها في نظرية علمية تمكن من معرفة قوانينها فإن الفيلسوف هو ابن خلدون وليس الشارح الأكبر.

ونشير من البداية وللأمانة العلمية إلى أن الترتيب الذي ساتبعه هو ما اتضح من الآلية الذهنية التي عمل بها المعلق كما تتبين من بنية نصه الأخير. فهو قد أتى إلى مناقشة محاولاتي الفلسفية مما نسبه إلي من مواقف فكرية وعقدية فأسقط موقفه مني عليها عملا بقاعدة التلاحم بين المؤلف والعمل ثم أسقطه على تمشيه في علاج النصوص بحيث إنه يعترف بأنه رد كل محاولاتي الفلسفية إلى مواقفي العقدية حتى في ما كتبت قبل التحول الإيديولوجي الذي يدعي أنه حصل فغير موقفه مني.

وإذن فسأبدأ بمسألة المواقف لأصل إلى القضايا الفلسفية التي أشكره كثيرا على مساعدتي في إبراز النقاط التي يعسر فهمها على متفلسفي آخر الزمان لإدراك طبيعة الثورة المنسوبة إلى ابن تيمية وابن خلدون. فتكون الخطة بدايتها تأويل المواقف الخمسة التي عابها علي (علما أنه يجهل الفرق بين التفسير والتأويل عند ابن تيمية في شرح الآية السابعة من آل عمران) ثم وغايتها تحليل المسائل الخمس التي لم يفهمها:

المواقف: 1-من المثقفين 2-ومن المستشرقين 3-ومن المسيحية  4-ومن التصوف 5-ومن الشعراء.

القضايا: 1-مسألة أمانة الترجمة 2-ومسألة العلاقة بين أزمة الرياضيات ونظرية العلم والوجود 3-ومسألة العقل والإرادة 4- ومسألة النسبية والذريعية 5- وأخيرا مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين.

وقد ذكرت أن التعليق سيكون وجيزا لأن أي واحدة من هذه المسائل الفلسفية الخمس تتطلب مجلدات إذا كان القصد علاجها فلسفيا ويكفي فيها بعض الإشارات لبيان طبيعة الكلام فيها حتى ندرك علم المتكلم أو جهله: وإذن فهو كلام للسبر وليس للعلاج. لذلك فسيدور التعليق على هذا الوجه الثاني أعني تحديد طبيعة الفهم المزعوم. أما الوجه الأول فيكفي القارئ الكريم أن يتأمل الشواهد التي ذكرها ليرى أن المعلق لفقدانه البصيرة لم ير شيئا مما ينبغي أن يراه لو كان يطلب الحق.

لكن المواقف لا يصح عليها ما يصح على المسائل الفلسفية. فهي ليس لها وجهان بل وجهها الوحيد هو التعبير عن نوع التوجه: هل المرء متوجه إلى طلب الحق وصادر عن رشد أم هو متوجه نحو الباطل وصادر عن غي؟ وطبعا هو سيفهم ذلك على أنه حكم ديني لسبب بسيط وهو أنه يتصور العقل الإنساني خزانة صناديق من جنس سجون الشمولية العقلانية: العقل في واحد منها والإيمان في آخر والشعر في ثالث والفكر في رابع إلخ... كيف له أن يفهم أن العقل لا يرقى إلى ذروة الإبداع إلا بتجاوز هذه الفواصل التي جعلت لتعليم بلداء الأتباع.

                         المواقف

سأحاول صوغ كلامه على مواقفي صوغا نسقيا يخرجنا من الفوضى حتى نتكلم كلام العلماء وحتى لا يظن أني خمستها بمنهجية آلية بل هي ما تكلم عليه هو في نصه الأخير. وقبل ذلك أريد أن أنبه القارئ أن مواقفي من المسائل التي ذكرها لا علاقة لها بمحاولاتي الفلسفية لأنها جميعا صدرت عن ملاحظات عينية ودراسة شبه اجتماعية لما يجري في الثقافة العربية الحالية بخلاف المحاولات الفلسفية التي هي بالأساس علاج لقضايا شبه كونية ومتعالية على الظرفيات التاريخية وهي في الأغلب لا تنتسب إلى الثقافة العربية إلا بوصفها إحدى مراحلها.

لذلك جاءت الأولى في كتابات ظرفية هي في الغالب مقالات صدرت في الصحف ثم جمعت في كتب في حين أن الثانية هي مضمون رسائلي الجامعية الثلاث: رسالة التخرج في الإجازة بالسوربون (مفهوم السببية عند الغزاليLe concept de causaltié chez Ghazali) ورسالة الحلقة الثالثة في جامعة تونس (منزلة الرياضيات في قول أرسطو العلميLe statut des mathématiques dans le discours scientifique d’Aristote) ورسالة دكتوراه الدولة في جامعة تونس (منزلة الكلي في الفلسفة: الاسمية العربية ونتائجها النظرية والعملية.  وهي الوحيدة التي كتبتها بالعربية) مع ملاحظة أن العناوين التي ذكرها المعلق هي عناوين النشر وليست عناوين البحوث التي قدمت في الرسائل الأكاديمية.

فأما المواقف التي يعيبها علي ويعتبرها مصدر رد فعله بعد أن كان ممن يتابع دروسي بإعجاب ثم فُجع في عقلانيتي فهي تقبل الرد إلى أمرين كلاهما مضاعف ويتعلق بما نتج عن محاولات قمت بها لفهم الساحة الثقافية العربية التي كل من يلامسها يرى العجب وخاصة في الجيل الذي أنتسب إليه عندما كانت الأحزاب القومية تنصب من المثقفين من تريد فيستأسدون بالشعارات والبهارات بدل العلم والنظريات وليس في هذا الجيل الذي لم تعد هذه الوظيفة بيد الأحزاب القومية بل بيد أجهزة الاستعلام الغربية والمؤسسات الكنسية أو المزعومة خيرية والإعلام المعلوم توجهه:

الأول فكري أعني: 1-الموقف من المثقفين العرب المحدثين والقدامى ممن اعتمد عليهم المحدثون 2-والموقف من المستشرقين ممثلا لذلك بماسينيون الذي ظنني اتهمه ظلما بالجوسسة.

والثاني عقدي أعني: 3-الموقف من المسيحية 4-والموقف من التصوف.

أما الموقف من الشعر العربي الحديث فهو بين بين لأنه ينتسب إلى الفكري والعقدي في نفس الوقت للصلة بين وجهي الشعر العربي الحديث: فمن حيث يزعمون القول النقدي هم مفكرون ومن حيث الجنس الشعري هم يدعون التجارب الوجودية ذات الأحوال الصوفية.

وهو يرجع جميع مواقفي منهم  إلى أصل عقدي يراوح بين الأشعرية (تأثير الغزالي وابن خلدون) والحنبلية (تأثير ابن تيمية وابن عبد الوهاب). ولست مستعدا لمناقشته في ما يظن أو يعتقد فله الحق في تفسير مواقفي بما يشاء من المؤثرات. لكني أترك للقارئ المتابع للساحة الثقافية العربية أن ينظر إليها وأن يقارن ما يجري فيها بما أورده المعلق من الأوصاف التي انتخبها مسلما له بأن ما انتخبه كاف لمعرفة درجة المطابقة بين الوصف والموصوف: هل قلت شيئا لا يطابق ما يوجد فيكون ما قلته تهما أم هو وصف أمين للساحة الثقافية رغم حزني من ذلك وأسفي عليه أكثر منه. وسأكتفي بخمس ملاحظات أغلبها استفهامية واحدة لكل موقف مع تعليق وجيز يبين طبيعة الإشكال الذي تبين أن المعلق لا يستطيع فهمه:

1-الموقف من المفكرين العرب: هل يمكن أن يفهمني أحد علة تحول جل العلمانيين من اليساريين من عقيدة العدالة الاجتماعية والديموقراطية الشعبية إلى عقيدة الرأسمالية والديموقراطية البرجوازية ؟ كيف يصبح الشيوعي القديم ليبرالي جديد ؟ هل هي صحوة وعي أم هي أمر تعليله الوحيد أن الصف الذي كان وراء العقيدة الأولى أفلس ولم يعد يدفع وجاء الصف الثاني ووراءه ملايين كونداليزا رايس ؟ اجتهادي الشخصي هو هذا التفسير. لكني لا أزعم الإطلاق لاجتهادي وأرضى بالأجر البسيط. فليفسر لنا ذلك هو أو غيره وله الأجر المضاعف.

وهنا لا بد من الكلام عن قشرة الموز الشهيرة: هل ابن رشد حقا يمكن أن يكون أساسا لعقلانية عربية جديدة أم هو قشرة موز رماها رنان من زمن اسحق وعبده فزلق فيها المثقفون العرب تماما كقشرة موز كونداليزا رايس أعني الإسلام الصوفي الذي صارت فيه ممارسات البعض الوثنية في اندونيسيا مثالا على المسلمين أن يحتذوه ليعجب الإسلام بابا الفاتيكان فضلا عن بابا البيت الأبيض ؟

من الصعب أن أجيب عن هذا السؤال بإيجاز لذلك أحيل القراء على حوار أجراه معي الدكتور السوري جودت في موقع الملتقى أو إلى الكتاب الذي أحال عليه المعلق: آفاق النهضة عن دار الطليعة. وزبدة القول: إن الرشدية يمكن أن تكون قد  أدت دورا إيديولوجيا في القرون الوسطى لكنها عطلت العلم الديني والدنيوي بسبب هذا الدور وهي لو عادت إلى العرب لصارت نفيا لكل تطور العقل الذي تجاوز مطلقات الميتافيزيقا الناتجة عن الفهم الرشدي لفلسفة أرسطو من دون خياله المبدع في المجال العلمي.

2-الموقف من الاستشراق: هل يعقل أن يتكلم أحد في مستشرق معين دون أن يكون على علم حتى بأكثر المعلومات عمومية في حياته ؟ فالنص الذي اعتمد عليه حول موقفي من ماسينيون رغم أنه لا علاقة له بموقفي من فكره وجاء في هامش بحث قدمته بمناسبة إحياء مأويته في القاهرة. وقد قدمته بحضور ابن ماسينيون ولم يناقشني في هذه المعلومة الثانوية التي لا يجهلها أحد قرأ حياته  ليس تأدبا بل لأنه كان يعلم أن أباه كان ضابطا في الجيش الفرنسي وأنه أحد كبار المكتب الثاني. ولا أحد يمكن أن ينكر ذلك بل هو لا ينكر أن لذلك علاقة بما كان يعمل في العلم حتى في المغرب قبل أن يهتم بالمشرق.

وليس لهذه المعلومة الثابتة قطعا علاقة بموقفي من علم ماسينيون: لأنه يمكن أن يكون جاسوسا وعالما بل إن الأمم التي تحترم نفسها لا تعتمد على جواسيس أميين فضلا عن المفكرين الغافلين. والدليل أني في تلك المناسبة ناقشت تأويله تصوف الحلاج ليس من منطلق موقفه أو عمله في الجوسسة الفرنسية بل بالمقارنة مع فيلسوف ألماني هو ماكس هرتون الذي يقرأ الحلاج ليس برده إلى المسيحية بل برده إلى النرفانا الهندية. فكانت فرضيتي أن القراءتين تشتركان في الجهل بخصوصية الروحانية الإسلامية فتضطران إلى طلبها من خارجها سواء كانت القراءة مسيحية (ماسينيون الذي جعل الحلاج مسيحيا واعتبره ضحية الإسلام كما هو القصد من Martyre de l’Islam علما وأن تأويله محتمل) أو هندية (هرتون  الذي جعل الحلاج هندوسيا يقول بالفناء أو النرفانا علما وأنه تأويله محتمل).

وقد عجب ابن ماسينيون مثلما عجبت من عدم رد أبيه على ماكس هرتون. لكني أعلمته أن أباه رد بصورة غير علمية: فقد كتب رسالة إلى السلط الجامعية يحذرها من ماكس هرتون الذي تجرأ على فكره لأنه بزه في معرفة الفكر الإسلامي وخاصة في ترجمة بعض الأمهات إلى الألمانية وفي كتابة تاريخ ومعجم لا يضاهيهما عمل ماسينيون في شيء. طبعا هذه معلومات يجهلها المعلق وله الحق في ذلك إذ هذا ليس اختصاصه أو هو قد أتاه متأخرا عندما كلت الذاكرة في تعلم الطب دون جدوى. والعجب هو من الكلام فيه وليس من القصور في العلم.

3-الموقف من المسيحية: هل يعقل أن يصبح الأستاذ المزوغي أكثر حمية على أصالة التوراة والإنجيل من كل علماء المسيحية النزهاء فيعاضد البابا الحالي في التهجم عليهم ؟ فحتى البابا الأخير رغم تعصبه اعترف بأن موجات ثلاث من العلماء المسيحيين –ولا أحد منهم يمكن أن يوصف بالوهابية- أثبتوا الانتحال في الكتابين والانتحال القصدي لأن الخطأ غير المتعمد في الوثائق لا يخلو منه نص خاصة إذا كان قديما وتقدم فيه الشكل الشفوي على التدوين.

فإذا أعادت القراءات العلمية الغربية المسيحية إلى ما يقرب مما يقوله القرآن في المسيح أي إنه إنسان نبي وليس ابن الله وأنه مات حقا ولم يرجع وأن كلامه لم يكن ما نجده في الأناجيل بل ما يشبه ما تشترك في الرسالات السماوية من دعوة خلقية إصلاحية في حياة الجماعة أفيكون هذا مما يغضب له بعض الدناخيب (جمع دونكيخوت) الذين ركبوا حصان الحرب على الإسلام وبالذات على ما يتصورونه مركز صموده قصدت الوهابية لمجرد أن بعض السعوديين هاجموا مركز التجارة العالمي؟

لكن هذه المسالة تتطلب جملة أخيرة نختم بها هذا الموقف:  فالكلام في التحريف ليس خارجا عن الفلسفة بالنسبة إلى من يعلم صلة تأويل الأناجيل وخاصة مبدأ  التثليث بالفلسفة الحديثة وخاصة بالمثالية الألمانية وبالذات الجملة التي أسس عليها البابا الحالي خطابه حول: الإسلام والعنف. فذلك هو باطن عنوان المحاضرة عنوانها الذي ظاهره هو: العقل والإيمان. لأن بابا القرن الحادي والعشرين في الفاتيكان تلكم باسم بابا القرن الخامس عشر في الأستانة ؟ ما دخلي أنا بكل هذا لولا أني ربما تجرأت ففضحت ضمير العنوان في المحاضرة ضميرها الذي هو حقيقة مضمونها ؟ وما الحيلة مع من لا يفهم أو بصورة أدق مع نوع من السلوك يسلكه المثقف العربي  عله يجد كريسيا في إحدى الجامعات الأوروبية ؟

4-الموقف من التصوف. ليس الكلام في التصوف أمرا ذا صلة بماسينيون ولا بالشعر الحديث فحسب بل لأن التصوف وخاصة الفلسفي منه هو الذي يمكن أن نعتبر تحوله إلى عقيدة عامة في جمهور الشعب منطلق كل الأدواء التي تعاني منها حضارتنا: فبمجرد أن تقول بوحدة الوجود يصبح الإنسان ريشة في مهب الرياح. لذلك فإني أعجب من هذا المتكلم باسم الحرية والتنوير والإنسان أعجب من كلامه في هذه المسألة التي يبدو أنه لا يفقه منها صلتها بالحرية الإنسانية والمسؤولية الخلقية.

فإذا كان الإنسان مجبرا بإطلاق وهذا هو المبدأ الأساسي للتصوف الفلسفي وخاصة تصوف وحدة الوجود فإن المسافة الفاصلة بين القانون الطبيعي (الضرورة) والقانون الخلقي (الحرية) تصبح صفرا فيكون الإنسان عديم الحول والقوة ويستسلم للأقدار حتى يغزو التتار الدار ويحل بالأمة كل العار. ولو اقتصر هذا القول على الإنسان من حيث علاقته بالله لسلمنا بأن ذلك ممكن إذ إن العلاقة بين اللامتناهي والمتناهي الذي هو لامتناهي الصغر تلغيه حتما. لكن التصوف الفلسفي يجعل الحكام هم البديل من الله فيصبح فرعون محقا لما تأله.

 ومن ثم فالتصوف الفلسفي صار مشرعا لنظرية الحاكم ظل الله في الأرض: وذلك هو أساس الطغيان ليس وجوده بل تحويل وجوده إلى أمر شرعي إذ يمكن للطغيان أن يوجد كأمر واقع وهذا ما درسه ابن خلدون ليبين أنه أمر واقع وأنه ليس شرعيا فاعتبر مشرعه الأساسي هو التحالف بين الفقهاء بمعنييهم فقه الظاهر وفقه الباطن والمستبدين. فهل بات التنوير يستند إلى تأسيس الطغيان لمجرد أن ابن تيمية تكلم في المسألة وأن من تلكم فيها مثله سيكون وهابيا إذن فلنتجنب الكلام في الأمر حتى نكون عقلانيين وتحديثيين ولا وهابيين؟!

5-الموقف من الشعراء: ولنأت الآن إلى الموقف الأخير. الموقف من الشعراء. وسأبدأ بأمر ينفي عن المعلق الأمانة العلمية بإطلاق: فما قلته في نمط عيش أحد الشعراء ليس رواية عنه حتى تتهم بالأمانة أو عدمها بل هي تصريحه في إحدى المجلات وقد أكون ذكرت المرجع لما أوردت النص أو لعلي أهملت الإحالة لأن ذلك لا يحتاج إلى شهادات فهو المشاهد اليومي لمن يشاهد كيف يعيش الشعراء. وهذا حقهم لو كانوا قادرين عليه دون فقدان حرية المبدع. أنا لم أنازعهم في ذلك بل سألتهم عمن يدفع فقط؟ 

ولماذا سألتهم؟ لأني أريد أن أعلم:  ما المؤسسة الحديثة التي عوضت عطايا السلاطين لشعراء التكدي ماذا تكون ؟ وطبعا كلنا يعرف الجواب وهو أحد أمرين: إما حاكم فاسد أو منظمة خيرية تشجع  الإبداع بشرط أن يكون لتهديم الحضارة الإسلامية وليس لبناء نموذج جمالي قد يثري الإنسانية عملا بمبدأ الاختلاف لأني لم أفهم كيف يكون الإبداع العربي إبداعا إذا كان أفقه استبدال تقليد الماضي الأهلي بالماضي الأجنبي. فأنا ضد التقليد سواء كان للذات أو للغير. لذلك كتبت في الشعر ثم لأن الشعراء لم يكتفوا بالشعر بل أصبحوا يكتبون في النقد ثم في النقد الثقافي ثم في الإصلاح الديني إلخ.. فبات من الواجب أن نسألهم عن الشعر ماهو وعن الإبداع كيف يكون.

وطبعا لا علاقة لهذا بالموقف كذلك. لأن الموقف هو التالي: إذا كان الشعر مقصورا على وجهه الغنائي فحسب أي على كلام الشاعر على أحواله النفسية أو مواقفه من بعض القضايا حتى لو كانت من الوطن أو من الدين فهو عندي ليس بشاعر حتى وإن كان ذلك أحد أجناس الشعر التقليدي. وهذا في الحقيقة ليس حكمي أنا بل هو حكم هوميروس: فالشاعر الذي لا يتلكم إلا على تجاربه النفسية الشخصية هو كالروائي الذي لم يتجاوز جنس الترجمة الذاتية. قد يكون مبدعا فيها لا غير. وهذا يصح حتى على العلوم. ففي علم النفس مثلا لم أسمع بعالم في النفس سمى مبدعا في علم النفس لأنه اكتفي بالكلام عن أحاسيسه !

وإذن فموقفي خيار في المذهب الشعري  ولا علاقة له بموقف فقهي من الشعر بدليل أني أرجعت الشعر كله إلى حرية الاحتجاج ضد البشاعة الوجودية وحتى ضد القضاء والقدر بالنسبة إلى الشاعر المؤمن ومن ثم فهو عين طلب الحق وإن بالثورة على الله نفسه. هذا فضلا على أن الفقهاء من القديم لم يكونوا ممن يدخل الشعر في أحكام الفقه لأنه مما يدور في النفوس وليس من الأفعال التي يحاسب عليها الإنسان فقهيا.

وأريد أختم الكلام في المواقف فأعرج على إحدى الغباوات وردت في التعليق على كتابي في الشعر: أورد مثالا من الصوغ الرياضي وظنه فلكلوريا وهو ليس رياضيا لأنه يخلو من المتغيرات حتى وإن تضمن بعض العلامات الرياضية فيكون تطبيقا للصوغ المنطقي أو الرياضي دون أن يكون أيا منهما اللهم إلا إذا كان صاحبنا لا يميز بين الأمرين. ولم يكن يدري أنه صوغ لعبارة هيجلية حول علاقة الخلقي بالطبيعي من حيث هما  موضوع الجمالي. ولا أعجب من عجزه عن الفهم في مثل هذه الأمور حتى ولو أورد بعض الشواهد باللسان الألماني أو حتى لو تذكر بعض ما درس في محاولاته الطبية من بدايات علم الأحياء بالمقارنة مع محاولات أرسطو.

                     المسائل الفلسفية

ذكرت أن المسائل الفلسفية خمس وهي كذلك إذا ما اقتصرنا على مضمون التعليق ولم نعتبر دلالته على موقف المعلق. لكن هذه الدلالة أولى بالتعقيب من المضمون. فهي تقبل العلاج الفلسفي وهو ما ننوي القيام به من منطلق لا يميز بين الفكرين الفلسفي والديني حتى وإن عجز عن فهم ذلك. لكننا سنجمع هذه المسألة السادسة في إطار علاجنا للمسألة الخامسة ونطلق عليها اسم علامات فقدان البصيرة. ولذلك فإن هذه المسألة المزدوجة ستكون أطول عناصر التعقيب ثم إنها تتضمن تحية للمعلقين له أو عليه واعتذارا لمن يطلب مني مواصلة الجدل. ولنذكر بالمسائل حتى نحللها بالترتيب التالي: -مسألة أمانة الترجمة 2-ومسألة العلاقة بين أزمة الرياضيات ونظرية العلم والوجود 3-ومسألة العقل والإرادة 4- ومسألة النسبية والذريعية 5- وأخيرا مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين.

المسألة الأولى: أمانة الترجمة.

لن تجد أحدا من الفلاسفة العرب المحدثين يعتمد الترجمات العربية القديمة حتى لو سلم بأمانتها في الترجمة الحرفية. لذلك حاول المرحوم عبد  الرحمن بدوي إعادتها  أغلبها. ذلك أن تثقيف المصطلح الفلسفي العربي المتدرج حرر الفكر العربي من التردد الاصطلاحي النشوئي وعوضه بما استقر عليه الاصطلاح في الغاية أي خاصة في القرن الخامس الهجري من بدايته إلى غايته أعني بين ابن سينا والغزالي. ومع ذلك فللنظر فيم أراد صاحبنا التفاقه بنقل بعض الكلمات اليونانية دون أن يفهم حتى الكلمات العربية لأنه ظن كلمة معنى في المصطلح الفلسفي تعني ما تعنيه في لغة الصحافة في حين أنها كانت أقرب إلى مفهوم المثال الأفلاطوني. فعبارة "قول الجوهر" لم تعد مستعملة عند العرب ولا في الغرب إلى أن عاد إليها هيدجر في محاولاته إعادة النظر في الترجمات السابقة ليؤسس فلسفته تأسيسا فيلولوجيا وهو أوهن أصناف التأسيس العلمي كما هو معلوم.

ذلك أن معاني اللغة الطبيعية حتى عندما تتحول إلى مصطلحات شبه علمية لا تفيد شيئا ما لم تكن ذات صلة بواحدة من علاقات ثلاث معلومة: علاقة دلالة بالمراجع وعلاقة تداول بحال الخطاب وعلاقة نظم بنسق الخطاب. وهي في الحقيقة كلما قربت من الكلام الطبيعي جمعت بين العلاقات الثلاثة كما يفاد بعبارة الألعاب اللسانية في صلتها بعالم الحياة. وكل ما عدى ذلك من الأوهام. لكن صاحبنا يتصور الفلسفة لها غير هذه الصلات يمكن أن تتحدد بها معانيها لذلك فهو يعجب مني إذ حاولت فهم الفلسفة من حيث صلتها بالممارسة العلمية في عصرها أعني الرياضيات والمنطق الفنين الوحيدين اللذين صارا علميين.

ويكفي دليلا على عامية ثقافته أنه يزعم أن ذلك العصر لم تكن العلوم قد انفصلت فيه عن الفلسفة ! لكأنه يوجد عصر تنقطع بينهما الصلة ويوجد عصر يندغمان فيه. فأدقسس لم يكن فيلسوفا بل كان رياضيا. وكبار علماء البلاغة في عصر أفلاطون لم يكونوا فلاسفة. وأفلاطون نفسه كان ذا ثقافة رياضية لكنه كان يعتمد على علماء الرياضيات في الأكاديمية أكثر منه اختصاصا فيها ودونه علما بالفلسفة. وأرسطو  ساد الظن بأنه أمي في الرياضيات. ولذلك كتبت فيه لدحض هذا الظن ولم أكن الوحيد فالكثير صار ميالا اليوم إلى بيان دوره فيها وخاصة في تأسيس المنطق على المتغيرات (وليس معنى القول بتجاوز ابن تيميه له نفيا لفضله فيظن إهدائي كتابا له متنافيا مع القول بتجاوزه). وابن سينا كان فيلسوفا لكن كتبه الرياضية اعتمد فيها على غيره وكان في نقاشه العلمي مع البيروني دونه بما لا يحد. 

ولنعد إلى المهم. فالمقابلة بين المتواطئ والمشترك والمشتق ليس المهم فيها المقابلات اللفظية بل ينبغي أن نعي فيم نتكلم لأن الألفاظ لا تعني شيئا إذا أخذت فرادى. فليس المشكل مشكل مصطلحات فضلا عن أن يكون مشكل ترجمة بل هو قضية التمييز بين الحد والرسم أي بين تعريف الشيء بمقوماته وتعريفه بعلاماته: وهو ما يناظر التعريف الحقيقي والتعريف الاسمي. وهنا تأتي ثورة ابن تيمية التي لا يريد متعالمنا أن يعيها بسبب وهابية ابن تيمية: ابن تيميه صار وهابيا وهو قد مات قبل أن يولد أول أجداد عبد الوهاب. فشيخ الإسلام مذنب بجرم لا يغتفر: ألم يفت ظلما وعدوانا في فعلة ذلك المسيحي المسكين الذي ينبغي أن يكون له حق سب الرسول حتى يعجب ابن تيمية الأستاذ المزوغي أو بالأحرى أصحاب الفضل عليه ؟

ثورة ابن تيمية تمثلت في القول إن كل التعريفات اسمية أي إن التمييز الأرسطي رغم أهميته في الميتافيزيقا القديمة كلها عديم المعنى لأسباب كثيرة أهمها أنه لا يوجد شيء يمكن أن يسمى "قول الجوهر" لأنه ينفي المقابلة بين التعريف الحقيقي والتعريف الاسمي وعليها يؤسس نفي المقابلة بين الحقيقة والمجار في اللسان. اللسان لا يقول الجوهر بل يقول العلامات التي يختارها العلماء للتعامل مع الأشياء لا غير. ومعيار المفاضلة بين التعريفات ليس هو قولها أو عدم قولها للجوهر بل جدواها أو عدم جدواها في التعامل العلمي والعملي مع الأمر المعرَّف بها.

من لا يفهم هذا الكلام يكون الكلام معه في الفلسفة عامة وفي فلسفة اللغة والمنطق مضيعة للوقت. ولنضرب مثالا رياضيا حتى وإن أغضب ذلك متطببنا المتفلسف. فعندما نعرف الدائرة بكونها الخط المرسوم على سطح بنفس البعد من نقطة تسمى المركز فنحن لم نقل الجوهر بل اخترنا علامات "ترسم" فعل رسم الدائرة أعني حركة أحد ساقي البركار رسما للمحيط وثبات الساق الثانية في المركز. وهذا تعريف أجرائي لا علاقة له بجوهر الدائرة بل إن الدائرة لا معنى لكونها ذات جوهر. نحن وصفنا فعلا رسم الدائرة ولم نقل الجوهر.

فيكون الحد في كل الحالات رسما للعلامات التي تمكن من التعامل مع "الشيء المرسوم" وهو في هذه الحالة من إنشاء معرِّفه: التعريف منشئ للشيء. أما إذا كان الشيء موجودا في الأعيان أعني موضوعا للتجربة الحسية وليس كائنا في الأذهان كالدائرة فإن الرسم سيكون اختيار العلامات التي تميزه عن غيره وتمكن من رد جل صفاته إلى تلك الصفات التي اعتبرت علامات دالة عليه: وهذا يصح على كل ما يسمى بقول الجوهر أو الحد الحقيقي بالجنس والفرق النوعي.

أما إذا عرفنا الدائرة بمعادلتها في الهندسة التحليلية الديكارتية فإننا سنختار علامات أخرى غير العلامات الدالة على فعل البركار بل هي بديل جديد لرسم الدوائر بالمعنيين لكلمة الرسم أي الحد الاسمي والرسم في فن الرسم. إنها العلامات الدالة على الأبعاد المعينة للنقطة التي ترسم بحركتها محيط الدائرة إذا عبرنا عنها بقيمتي المتغيرين "س" و"ص" هما مقدارا أحداثيتي هذه النقطة مقداراهما على محور السينات ومحور الصادات لأنهما يحددان ضلعي مثلث قائم يكون قطره شعاع الدائرة المرسومة ويكون مقدار شعاعها جذعه أي جذع مجموع مربع المقدارين اللذين هما ضلعا المثلث المحيطان بزاويته القائمة. فتكون العبارة التحليلية على الدائرة ثمرة تطبيق قانون فيثاغورس على هذا المثلث القائم.

ولن أطيل التحليل لأن من يفهم الرياضيات يكفيه هذا ومن لا يفهمها ينبغي كتابة كتاب كامل لشرح ثورة ديكارت في لغة الرياضيات الحديثة. ولهذه العلة كان ديكارت يرفض منطق أرسطو وكتب بديلا منه كتابين أولهما في المنهج من منظور رياضي خالص (كتاب القواعد) والثاني دونه تخصصا (مقالة الطريقة): ذلك أن الفلسفة الحديثة والرياضيات منها على وجه الخصوص ما كان لها أن تتحقق لو بقيت نظرية التعريف الأرسطية مقبولة ولعل أفضل متجاوزيها هو بدون منازع لايبنتس.

وحاصل القول إن التمييز الأرسطي بين المتواطئ (ومنه التعريف الحقيقي الذي يقول الجوهر بلغة أرسطو) والمشترك (وهو مصدر التعريف الوهمي عند السوفسطائية لأنه يتصور وحدة الاسم وحدة للمسمى) والمشتق (وهو تصور بنية الاشتقاق في الأسماء قابلة للإسقاط على بينة العلاقات بين المسميات) وهذا كله مدار الميتافيزيقا والمنطق القديمين اللذين تجاوزهما العلم الحديث حتى وإن لم يتم الإعلان العلمي الرسمي عن ذلك إلا في محاولات التغلب على أزمة تأسيس الرياضيات والمنطق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين رغم تقدم الإعلان الرسمي الفلسفي الصريح في الفلسفة الكنطية.

طبعا لو كان قصدي من الكلام في منزلة الرياضيات في علم أرسطو أن أقوم بعمل فيلولوجي لفعلت. وقد بينت موقفي من الفيلولوجيا وخاصة تلك التي يغلب عليها طلب أصول المعاني أو الاتيمولوجي: وهو من جنس موقف أفلاطون في الكراتيل. لكن مطلب بحثي الذي نال أرفع الملاحظات مع تهاني اللجنة وفيها ثلاثة علماء كبار أحدهم في المنطق والثاني في الميتافيزيقا واللاهوت وهما أجنبيان والثالثة في الفلسفة الحديثة عامة والانجليزية على وجه الخصوص وهي تونسية ليس الكلام في الفيلولوجيا بل في الرياضيات والمنطق عند أرسطو. فإذا بات المبتدئون يفعلون ما يشاؤون فعلة هذا السلوك معلومة لأنها سارت مثلا في اللغة الشعبية.

ولا بد من  التعريج على أمر لم أر أحدا ممن له حس بتاريخ أي علم لا يبدأ بفهمه قبل الشروع في دراسة اختصاص تاريخ العلوم: وهو أن العلوم تتقدم بمقدار ما تعود على مبادئها لتراجع أسسها في تدرج نحو تجريد أكبر وكلية أسمى وهي مع ذلك تقترب من موضوعها بدل الابتعاد عنه رغم ما في ذلك من المفارقات. وإذ تعلق الأمر بالرياضيات فليكن مثالنا منها. فهل يوجد شيء أكثر عينية ومسحوسية من الحركة في العالم الطبيعي ؟ متى صارت الرياضيات قادرة على صوغها في معادلات رياضية ؟ أليس بعد أن توصل نيوتن ولايبنتس إلى ثورتهما الرياضية أعني مؤخرا عندما بلغت ذروة التجريد وخاصة بفضل حساب لامتناهي الصغر طرداCalcul differentiel  وعكسا  Calcul intégral؟

إن من لا يفهم مثل هذه الأشياء ويفتح فاه ليس له ضمير يخشاه. لو لم يصل التجريد الرياضي غاية السمو لما اخترع العدد الحقيقي والعدد الخيالي والعدد المركب ليستطيع أن يعبر عن الظاهرات الطبيعية الدقيقة في الفيزياء الحديثة. وهو لم يخترع هذه الأدوات إلا بهذه العودة على المبادئ التي كانت فيها التجارب المتوالية في تاريخ الفكر البشري تعمل بصورة تجعل فكر اللاحق منها يعود على فكر السابق فيكون بالنسبة إليه وكأنه ما بعد فكر وهكذا إلى ما لا نهاية له: لأن فكر الغير يمكن أن يكون موضوعا لفكري وفكري موضوعا لفكره وذلك هو معنى التواصل الفكري بين الأفراد والأمم.

المسألة الثانية: العلاقة بين أزمة الرياضيات وأزمة نظرية الوجود

لو نفى هذه العلاقة أي عامل عادي في الخارج لكان ذلك أمرا غير محير. أما أن ينفيها من يزعم أنه درس الطب والفلسفة ويدرس بعضهما فهذا من أشراط الساعة كما يقال! فالعلاقة بين الطب والفلسفة هي من جنس علاقة الفلسفة بالرياضيات بل العلاقة الثانية هي أصل العلاقة الأولى. فما علاقة الفلسفة بالطب ؟ المعلوم أن علاقة الطب بالفلسفة سببها مضاعف: أولا منزلة موضوعه عند الإنسان (الصحة البدنية والنفسية) وثانيا حاجته كفن لمناهج الفلسفة (المنطق خاصة) ولأخلاقها (حب الحقيقة والخير والجمال).

وبذلك نفهم علاقة الفلسفة بالرياضيات وأفلاطون رحمه الله هو الذي أجاب عندما اشترط على من يأتي للأكاديمية أن يكون هندسيا. فلو كان الطبيب مثلا يحب الحقيقة والخير والجمال دون أن يكون متمكنا من المناهج الفلسفية كما هي الحال الآن في الأغلب هل كان مجرد القصد الحسن يكفي ليكون نطاسيا؟ الطب إذن وحده يكفي لبيان العلاقة.

لكن ذلك كله مجرد مدخل. فلنتكلم الآن في القضية ذاتها: هل صحيح أن أزمة الكم الأصم كانت تعبيرا رياضيا عن أزمة وحدة الموضوع العلمي التي ظنت  وحدة تواطئية كما أدعي أم إن المسألتين منفصلتان لا صلة لإحداهما بالأخرى كما يزعم الأستاذ المزوغي ؟ في الحقيقة لم تصل الفلسفة إلى حل هذه المعضلة حلا فلسفيا صريحا إلا في الكنطية المحدثة وبالذات في مدرسة ماربور التي حاول أصحابها أن يفهموا أفلاطون بكنط وأن يقرأوا كنط بأفلاطون. عندئذ تبينت قيمة المقالتين الأخيرتين من كتاب الميتافيزيقا التي أهملها الشراح العرب بمن فيهم شارحنا الأكبر علَم العقلانية والعلمانية عند المتحدثين عن الحداثة مع الجهل بأساسيها الأولين: قطيعة العلم الحديث مع ميتافيزيقا أرسطو وشراحه والثورة الرياضية التي يدور عليها الكلام في كتابي عن الرياضيات عند أرسطو.

ومن يطلع على مضمون المقالتين الأخيرتين من الميتافيزيقا أعني مقالتي الميم والنون يدرك الصلة بين محاورات أفلاطونية خمسة وكتاب الأصول لأقليدس وكتاب الميتافيزيقا لأرسطو في علاقتها جميعا بما يصل أزمة الفلسفة بأزمة الرياضيات. فأما محاورات أفلاطون الخمسة التي تعالج هذه المسألة أعني مسألة وحدة الموضوع العلمي أو بصورة أدق الوحدة التي تجعل العلم يكون ممكنا ومن ثم تمكن من تجاوز معضلات زينون الإيلي فهي:

1-محاورة البارميندس وسؤال علاقة الكثرة بالوحدة (وجوديا ومعرفيا).

 2- محاورة السوفسطائي وعلاقة الهوية بالغيرية أعني كيف يمكن للموضوع أن تحمل عليه صفات متعددة لتكون عمليات البناء العلمي الثلاث ممكنة أعني الحد والحكم والاستدلال (موضوع المنطق).

 3-محاورة الفيلاب وعلاقة المحدد باللامحدد ومن ثم قابلية الصورة للتطبيق على المادة ليكون العلم ممكنا أعني تطبيق عمليات البناء العلمي الثلاث.

 4- محاورة التيتاتوس وعلاقة المسائل سابقة الذكر كلها بمسألة الكم الأصم التي بات حلها الشرط الضروري والكافي لتجاوز المعضلات الزينونية كما حاول أدقسس في مسألة نظرية النسب.

 5-وأخيرا محاورة التيماوس التي وضع فيها أفلاطون نظرية الأجرام الخمسة التي ببنائها يمكن تأسيس الفيزياء الرياضية ومن ثم إثبات صحة حله الميتافيزيقي لمعضلة بارمينيدس ومفارقات زينون الإيلي. وقد أخرناها لصلتها المباشرة بكتاب أقليدس.

فهل يمكن لعلامتنا أن يفسر لنا الصدفة التي جعلت أقليدس يبني رياضيا أجرام أفلاطون الخمسة في المقالة الثالثة عشر ويعد إليها من المقالة الخامسة إلى العاشرة (بنظرية أدقسس في النسب) التي حلت بنظرية النسب مسألة الكم الأصم فمكنت من علاجات المقالتين الحادية عشرة والثانية عشرة للبناء الحاصل في الأخيرة التي هي غاية الكتاب (لأن المقالة الرابعة عشرة منحولة على أقليدس وهي لمهندس متأخر) ؟

والآن ما علاقة ذلك كله بأزمة الميتافيزيقا الأرسطية بعد أن رأينا علاقتها بأزمة الميتافيزيقا الأفلاطونية؟ طبعا كل من يهمل المقالتين الأخيرتين من كتاب الميتافيزيقا سيعجب كما يعجب المتفاقه الذي تصور استعمال بعض الكلمات بالحروف اليونانية دلالة على العلم (وهي مفردات شرحت ما احتجت إليه منها في كتابي عن الرياضيات عند أرسطو). ولكن حتى لو فرضنا العلم بتاريخ الرياضيات اليونانية شرطا تعجيزيا وتركنا المقالتين الأخيرتين من الكتاب جانبا فهل يمكن فهمه من دون مقالة الباء والمقالات الموالية التي هي علاج لما ورد فيها من شكوك أو أبوريات ؟ ألم يقرأ هذه المقالة أم ماذا؟ فهي ترد الشكوك الأربعة عشر إلى شكين أصليين:

الأول هو هل المجردات ذات قيام في الخارج (المثل الأفلاطونية وهي لمن لا يعلم من طبيعة رياضية على الأقل في المحاورات الخمس التي ذكرنا وفي مقالتي الميم والنون الأرسطيتين بل وحتى في مقالة الألف الكبرى أي المقالة الأولى من الكتاب).

والثاني هو هل التعدد في الوجود الحسي والعقلي يقبل التوحيد ليكون معلوما أم لا ؟ وكل ما عدى هذين السؤالين فروع عنها تعالجها المقالات الموالية وهي في الأغلب نقول عن السماع الطبيعي والسماء والعالم ومصنفات المنطق إذا ما استثنيا مقالة الزاي والمقالات التمهيدية (من الألف الكبرى إلى الهاء) لتحديد موضوع العلم ومبادئ العقل.

مشكل وحدة المتعدد بجنسيه الحسي والعقلي وحدته ليكون موضوع علم ومشكل القيام المفارق للمجردات الرياضية لئلا تكون مجرد مبدعات عقلية بل حقائق موضوعية هما إذن الصلة الوطيدة بين الرياضي والميتافيزيقي ليس في كتاب أرسطو وحدة بل في كل تاريخ الفلسفة إلى اليوم: فكل مدارس الرياضيات تتحدد خصائصها بالجواب عن هذين السؤالين. فإذا كان ذلك كله من الأمور التي لا يستطيع رؤيتها من يتقحم الكلام في ما لا يعلم فما الحيلة لمن يريد أن يكون طبيبا بعدة ممرض؟ وإني أنصحه  أن يقرأ ملاحظة كنط عله يفهمها جيدا: فالحكم موهبة إلهية لا تُتعلم وفاقدها ليس له علاج لأن الرواية لا تعوض الدراية بل هي شرط ضروري غير كاف. فالمرء يمكنه أن يحفظ أسماء العلوم والعلماء ويكون مع ذلك أجهل من نعله.

ولنختم هذه المسألة بأمر يدل على الذكاء الفريد عند صاحب هذا الثريد: فهو يعلمنا أن مقالة الدال معجم كتاب الميتافيزيقا ! لكأنه يوجد من يجهل ذلك في الدرس الرسمي للميتافيزيقا. لكن فرضيتنا التي لم يفهمها هي أنه حتى لو سلمنا بكونه معجما فإنه ليس ككل المعاجم. لذلك حاولنا بيان طبيعة فرادته: فسلبا لا نجد فيه كل التصورات الفلسفية التي بنيت عليها الميتافيزيقا ولا حتى أهمها وإيجابا كل المفردات الواردة فيه دون استثناء تتصف بالوحدة التناسبية أو تخلو من الوحدة التواطئية مثل المقولات وما بعد المقولات والمتعاليات الثلاثة وأهمها الوجود. فيكون حاصل ذلك أنه ليس معجما عاديا يقتصر على التعريف بالمفردات الفلسفية وإلا لأخذها كلها أو لما أهمل أهمها بل هو معجم المفردات التناسبية في كتاب ما بعد الطبيعة: وذلك ما كان علينا بيانه بمصطلح الرياضيات ! فليدحض هاتين المقدمتين العلميتين اللتين استقرئتا من المقالة قبل أن ينفي الاستنتاج وألا فكلامه ثرثرة لا معنى لها.

المسألة الثالثة: مسألة العقل والإرادة

لعن الله التوارد ! لكن ما العمل والبابا في خطابه الأخير اعتبر الإسلام ممثلا بابن حزم لاعقلانيا لأنه يقدم الإرادة على العقل ويعتبر الله فوق العقل هكذا بصورة مطلقة ؟! لست أنفي أني قد أثبت في كتاب مفهوم السببية عند الغزالي أن الإرادة متقدمة على العقل عندما نتكلم عن علاقة الإنسان بالوجود علما وعملا. لكن الكلام على الله ينفي الفصل بين العقل والإرادة فضلا عن أن يقدم أحدهما عن الآخر: كل صفاته مطلقة الكمال ولا معنى للتقديم والتأخير.  ولما كان الإنسان لا يعلم بعلم مطلق فهو يرى ما يجري وكأنه غير عقلي بل ضرورة عمياء. فإذا قلنا إنه ليس ضرورة عمياء بل هو من عمل إرادة مطلقة فنحن نعني أن هذه الإرادة غير الضرورة العمياء: إنها إذن إرادة مختارة وهي لا تختار تحكميا بل بعلم وعلى علم حتى وإن كان ذلك العلم ليس العلم الإنساني الذي هو نسبي دائما وتختلف فيه الإرادة عن العقل. وكل من يعرف ديكارت ولو سطحيا يعلم أن مشكل فلسفته الأساسي هو هذه العلاقة بين الإرادة والعقل.

من أين يأتي المشكل؟ إنه يأتي عندما يقف المرء موقفا اعتزاليا فيزعم أن العقل الإنساني المحدود يحسن ويقبح ويعلم القوانين المطلقة التي تخضع لها إرادة الله أو قل نظام العالم الخفي. ذلك أننا لو حكمنا علمنا المحدود في الوجود لامتنع العلم والعمل. فعقليا الموجود في العالم الطبيعي والعالم الخلقي الفوضى تغلب فيه على النظام والرؤية التي تغلب النظام في العالم وخاصة في التاريخ رؤية متفائلة وساذجة لا شيء يؤيدها في مجرى أحداث العالم فضلا عما يجري في التاريخ الإنساني.

 بمقتضى العقل نظام العالم الوحيد هو النظام القائل بالصدفة أي الصراع الدائم الذي إذا طبق على التاريخ الإنساني عاد به إلى التاريخ الطبيعي أعني إلى الداروينية  التي يتصورها نظرية علمية تثبت أن الله لم يخلق الإنسان. وهذا خيار لا مانع  عندي أن يختاره أيا كان: لكن ينبغي لمن يختاره ألا يتكلم عن الخير والحق والباطل والجمال إلخ.. فهذه كلها تكون أمورا نسبية لا توجد إلا في وهم الإنسان لأن المطلق الوحيد هو الصدفة في صراع القوى الدارويني.

هذا هو المشكل الذي أتكلم فيه: هل يمكن للإنسان عقليا أن يكون متفائلا وأن يعتقد أن النظام في العالم يخرج عن الصدف المتوالية وأنه ذو غاية حكيمة ؟ هذا هو الإيمان الذي يعتبره صاحبنا أصولية تؤدي إلى الإرهاب: فهو يكاد يعتبرني من تلاميذ بن لادن ! والغريب أنه لو نظر في إلزامات موقفه لوجد أنه هو الذي يمكن أن يكون إرهابيا على النحو التالي: فلما كان العقل وحده لا يثبت أن للعالم نظاما حكيما فإنه سيجد أن كل الطرق الموصلة والتي يمكن منها العلم مشروعة في تاريخ يحكمه القانون الطبيعي.

فعندئذ يكفي أن تحصل صدفة فيتزحزح من الجبن والعجز المؤقتين عن القيام بما تلزمه به معتقداته إلى التهور الذي هو عين الإرهاب: كل ما لا يخضع لعقله القاصر ينبغي تغييره بالعنف ليكون بمقتضى هذا العقل وذلك هو أصل كل الفاشيات التي عرفها العالم الحديث باسم العقلانية سواء كانت يمينية (الفاشية والنازية) أو يسارية (الستالينية والماوية).

لكن الأهم من كل ذلك هو فائدة تقديم الإرادة على العقل في فهم الوجود. وهذه الفائدة معرفية وخلقية:

فمعرفيا يساعدنا هذا التقديم على الاعتراف بعدم شفافية الوجود فيدعونا إلى البحث العلمي لاكتشاف ما خفي عنا من الوجود الغامض بدل إيديولوجية العقلانية الزائفة التي تريد أن تغير الواقع بدل تغيير علمه: ولعل أفضل عبارة عن ذلك هي عبارة يكفي تأويل العالم فلنغيره !

وخلقيا يساعدنا هذا التقديم على التواضع فلا نتصور ما يظنه المعتزلي إذ ينسب إلى الإنسان خلق أفعاله فيوهمه بما ليس عنده ويجعله في سعيه لإثبات ذلك يرد الموجود إلى المتصور. فهذا الرد والإرجاع هو أصل  العنف الخلقي الممهد للعنف المادي: إذ يقول صاحبه في نفسه ما أراه من قيم هو القيم المطلقة لأن العقل يحسن ويقبح وعليك أن تخضع لي لأني أنا العقل والعقل يعلم المطلق.

والمعلوم أن العقلانية الاعتزالية هذا هو معناها. ولذلك فهي بمجرد أن وصلت إلى الحكم أرادت لعقيدتها أن تصبح عقيدة الدولة. ونفس الشيء يراه العلمانيون الذين من جنس مخاطبنا كما يبرز بوضوح في نزعة من يسمون بالاستئصاليين: حتى إن كل كلامه يفهمه القارئ التونسي خاصة والمغربي عامة كما فعل أخونا المتابع من الجزائر على أنه ليس عملا علميا بل تقرير للداخلية علها تريحه من المرزوقي. لكن الداخلية التونسية أذكى من المتطبب المتفلسف: فهي لا تنتظر منه تقريرا يعرفها وهو قد ذهب إلى ما هو أكثر فكتب مرافعة ليقنعها بما يريد أن يقنع به القراء! ففيها ولله الحمد فيها من يفهم الفلسفة أكثر منه: من ليس عقلانيا مثله ينبغي أن يحاربه بالأمية والجهل ظنا أن الرواية الميتة يمكن أن تكون بديلا من الدراية.

 المسألة الرابعة: مسألة النسبية والذريعية

كيف استطاع أن ينسبني إلى الوهابية وإلى النسبية والذريعية ذلك طبعا من الألغاز. لكن لا بأس. فلنبحث أي الوصفين ينطبق على ما أراه في نظرية المعرفة والقيمة العلمية للنظريات (لأن النسبية يمكن أن تكون في القيم الأخرى وهو ينسب إلى فيها الإطلاق لا النسبية والذريعية).

نعم إني أقول بنسبية العلم الإنساني. ونعم إني أعتبر من لا يقول بها ليس له دراية بالعلم. لكني لست ذرائعيا أي إني لا أقول بأن الحقيقة غير موجودة وأن الموجود الوحيد هو المعرفة النسبية التي لا قيمة لها إلا من حيث هي ذريعة للعمل. وعدم القول بالذرائعية هو الأصل الإيماني في فكري: أي أني أومن بأن الحقيقة موجودة حتى وإن كنت أسلم بأن الإنسان لا يعلم منها إلا في حدود "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" التي يهزأ منها صاحبنا العقلاني.

وهذا هو الفرق بيني وبينه: هو يزعم أنه يؤمن بالعقل. ولست أدري عن أي عقل يتكلم ؟ عقله هو ؟ عقل البابا؟ عقل جورج بوش ؟ أما إذا كان يقصد العقل الذي للعلماء فإن كل العلماء الجديين يؤمنون بالحقيقتين التاليتين اللتين لا تتكلمان على إيديولوجية العقلانية بل على الاجتهاد الإنساني للفهم:

1-     أن العقل الإنساني نسبي العلم وان قوته الحقيقية في تلك النسبية وذلك ما يعنه نص ابن خلدون الذي يهزأ منه: فالعقل يصبح غير عقلاني بمجرد أن يقول بصنم العقلانيين السذج صنمهم الذي اكتشفه ابن خلدون: حصر الوجود في الإدراك.

2-     أن العلم يستند إلى مبدأين كلاهما إيماني لا عقلاني: الأول يفترض أن للعالم نظاما عقليا ومن ثم فهو يؤمن بنظام حكيم لأنه نظام ومن ثم ففيه شيء من الغائية والثاني أن الإنسان له القدرة على معرفة بعض هذا النظام إذا تواضع فتعاونت الأجيال على تحسين تجربة التعلم بالخطأ والصواب أي على الاجتهاد المحكوم بالتواصي بالحق.

فإذا كان هذا وهابية فأهلا بالوهابية وسهلا. ذلك أني أقول بكل ما شرحته هنا احتراما للقراء لا تعليقا على الهراء. ولن أطيل في هذا المسألة لأنها تعود في الحقيقة إلى مسالة المواقف وقد أطلنا القول فيها. ولأختم هذه المسألة بالإشارة إلى أشعرية ابن خلدون التي يهجم عليها الأميون من المثقفين العرب. وهو في ذلك ليس وحيد نوعه:

فلولا دحض الأشعرية لنظرية الضرورة المطلقة في الطبيعة شرطا مزعوما لعلمها لكان العلم مستحيلا لأن العقل بمقتضى الضرورة كان ينبغي أن يكون مجرد مرآة تعكس الموجود: فكيف له بالفرضيات العلمية المختلفة لكي يبني بالتدرج المعرفة العلمية ؟

ولولا دحض الأشعرية لنظرية الحرية المطلقة في الأخلاق شرطا مزعوما للمسؤولية لكان علم التاريخ مستحيلا لأن الأحداث التاريخية تصبح جارية بلا نظام فيكون التاريخ خاليا من القوانين.

والجمع بين هذين التعديلين هما جوهر الأشعرية الفلسفية: أي نفي الضرورة السببية في  الطبيعة وتعويضها بمجرى العادات ونفي خلق العباد للأفعال وتعويضها بالكسب. فيكون كل ما يوجد ذا نظام نسبي هو نظام القوانين العلمية التي أساسها العلاقات الإحصائية لا العلاقة السببية المطلقة. وطبعا ليس في متناول المتقحمين أن يفهموا ابن خلدون إذا بلغ الكلام هذا الحد من التجريد. ولن أتكلم في العصبية لأن أمرها أكثر تجريدا حتى من مسألة الضرورة والحرية.

المسألة الأخيرة: العلاقة بين الفلسفة والدين.

لن أتكلم فيها بصورة عامة فقد كتبت في المسألة كتابا هو وحدة الفكرين الديني والفلسفي. لكن بيان العلاقة من خلال بؤرة اتصالهما في ذات الإنسان من حيث هو طالب حق أو طالب باطل أي عابد أو عابث هو أفضل مجال لفهم هذه العلاقة. وسيكون العنوان الجامع للمسألتين الفلسفيتين الخامسة والسادسة: في معنى فقدان البصيرة.

فليس من عادتي الرد على النقاد إذا لم يكن ذلك مناسبة لعلاج مسألة فلسفية تتصل بما أعالجه من قضايا الفكر العربي الإسلامي خاصة إذا كان في ذلك إكرام للمعلقين والقراء واعتذارا للبعض منهم. فليس عندي من الوقت ما يمكن أن أخصصه لعبثي الأعمال. فأما الإكرام فعلته ما لاحظته في رد الأستاذ المزوغي على أحد الأخوة من الجزائر لمجرد أنه دعاه إلى التعقل. وأما الاعتذار فعلته ما فهمته من دعوة أخ آخر ينتظر مني مواصلة الكلام في مثل هذا اللجاج. وهو ما لن أفعل بعد اليوم ومن ثم فهذه كلمة الختام لأني أكره الخصام حتى مع الكرام فضلا عنه مع غيرهم حتى أطمئن الأخت هند التي علقت بشيء من الجزع.

والمسألة الفلسفية التي تقتضي المناسبة علاجها هي علامات التيه الوجودي بالمصطلح الفلسفي أو علامات عمى البصيرة بالمصطلح القرآني عند بعض النخب العربية التي تتصور بعض الشعارات المزعومة تقدمية فكرا يخلف ذكرا. وقبل أن أعالج المسألة أريد أن أمهد لها بأمرين ضروريين أغفلتهما في تعليقي السابق لانعدام الداعي وهو قد توفر الآن بما ورد في التعليقات والردود. اكتفيت في التعليق السابق بالجواب عن سؤال: لِمَ يمكن أن ننسب إلى ابن تيمية وابن خلدون ثورتين فكريتين تجاوزتا أرسطو وأفلاطون لأنهما حققتا مشروعيهما بنقد عائقيهما. والآن أضيف الأمرين التاليين:

الأمر الأول يخص لعبة الأخطاء الستة التي تحدى بها الناقد المقدام أخانا المتابع من الجزائر وأوردها هنا فبينا سخف الكلام فيها. فهذه كما هو معلوم من ألعاب الأطفال ولا يستعملها من الكبار إلا المحتال والدجال. لكنها هنا صارت علامة جدية على ضرورة الكلام في عمى البصيرة. فالنص المتحدى به لأرسطو وهو تعريف علمي لمفهومات رئيسية في التمهيد لنظرية المقولات. فإذا صح أني وهابي لأني تكلمت عن ابن تيميه ناقد أرسطو في هذه القضية بالذات فإن الناقد مثله مثل أبن تيمية يصبح وهابيا من باب أولى اللهم إلا إذا كان كلاما في الترجمة كلاما يدل على عدم فهم تطور لسان الفلسفة العربي فضلا عن لسانها اليوناني مطالبا إيانا بالنكوص إلى ميتافيزيقا الجوهر !

ومع ذلك فالنص الذي امتحن صاحبنا أخانا الجزائري تعريف أرسطو لمفهومات ثلاثة هي فاتحة كتاب المقولات: مفهوم المشترك Homonymic ومفهوم المتواطئ Synonymic  ومفهوم المشتق Patronymic . فطوبى ل"فلاسفة" عقاب الزمان فقد خرج من بينهم مفكر تجاوز العلم الحديث فنكص إلى مفهوماته الوجودية الثلاثة الرئيسية الواصلة بين الميتافيزيقا والمنطق  تأسيسا لنظرية المقولات ليحييها ضد ابن تيمية لأنه عاد إلى ما تجاوزه التصور التيمي الثوري للعلاقة بين اللغة والفكر للفصل بين الميتافيزيقي والمنطقي !

أما الثاني فهو اكتشافه أني لا أكاد أفرق بين الفكر الديني والفكر الفلسفي وأصل بينهما وصلا بنيويا متجاوزا مجرد اعتبار الدين أحد موضوعات الفلسفة وذاهبا إلى حد اعتبار الفكر الفلسفي فكرا دينيا بالجوهر بسبب الصلة الجوهرية بين ما يبدو في ظاهرهما من الأضداد وهو في باطنهما من الأنداد: والمعلوم أن التلازم طردا وعكسا يعني الوحدة في معناها المنطقي الدقيق لمن نتمى له أن يفيق من الغفلة فيدرك شروط العلم الوثيق (وهذا من عيوب السجع !). ولا أظن أحدا من المختصين في الفلسفة العربية يجهل أني كتبت كتابا بهذا العنوان أو ما يقرب منه.

لذلك فلست أفهم معنى الكلام في هذا إلا إذا كان القصد مناقشة هذه النظرية وإثبات العكس تاريخيا أو فلسفيا. ولما كان المجال لا يسمح بعرض الوجه الفلسفي العام من الإثبات فإني سأكتفي بالتاريخ وبالوجه الفلسفي الخاص بالمواقف الناتجة عن الإيمان بالعلاقة وعدم الإيمان بها: فهل يمكنه أن يبين للقراء أين يوجد الفكر الفلسفي الذي كان في يوم من الأيام مستقلا عن الفكر الديني وفي أي حضارة ؟

 فعندما كان الدين وثنيا أعني لحظة نشوء الفكر الفلسفي اليوناني كانت الفلسفة محاولة لتجاوز التصورات الوثنية بالشكل لا بالجوهر تجاوزها بما يسمى الفكر الطبيعي لأن الدين نفسه كان طبيعيا فكانا ندين كما يكون السلب والإيجاب متحدين في المغناطيس لا ينفصلان حيثما قطعت قضيب الحديد الممغنط تجدهما متقابلين لأنهما في الجوهر متحدين وحدة الأضداد في كل قطعة منه مهما ضؤلت.

ولما انتقلت الفلسفة إلى الفكر المسيحي (وأظنه قد وجد بعض الساعات لتدريس ما يرضي أهله إذا صح أنهم دكتروه كما أرى في الحلقتين) لا أحد يمكن أن يذكر اسم فيلسوف يعتد به ليس مسيحيا. ولا احد منهم يفصل بين معتقداته الدينية وأرائه الفلسفية فصلا يتجاوز التمييز المنهجي وتكامل الضدين إلى حد تطابق الندين سواء في العصور الوسطى أو في العصر الحديث. وإذا كان ديكارت وسبينوزا يبدوان ربما-عند من يجهلهما ويجهل تاريخ الفكر في العصر الكلاسيكي- وكأنهما أبعد فلاسفة الغرب الحديث عن الربط بين الدين الوضعي بمعناه الكتابي وتقاليده المدرسية فإن ذلك مجرد وهم: فحتى عتاة المحلدين لا يمكنهم الفصل بين الفكرين لأنهما كما أسلفنا في نسبة القطبين في المغناطيس.

ويكفي معرفة من شجع المشروع الدكارتي نفسه من هو بداية (الكردينال ده برول) ومعرفة لماذا أعد ديكارت المشروع غاية (المبادئ متن لتدريس الفلسفة في السوربون بديلا من فلسفة أرسطو دعامة للمسيحية) ومن رعى كل مراسلاته ومبادراته العلمية (الأب مارسان) في إطار سعي الكاثوليكية عامة والحركة الجانسينية خاصة للحاق بالإصلاح حتى تتبخر هذه الخرافة.

 أما لايبنتس فأمر العلاقة بينهما عنده هو جوهر مشروعه الصريح حتى إنه كتب مصنفا في التوفيق بل وذهب إلى حد الالتزام بالعمل ليس في حياته الشخصية فحسب بل في السياسة الدينية الدولية بين المسيحيين ثم في حربهم على المسلمين بدءا بغزو مصر وتهديم الخلافة العثمانية. لكن الغرب يخلو من الأغبياء الذين يتصورون الفلسفة والدين عدوين لا يلتقيان علما وأن العدوين يلتقيان على الأقل بالعداوة. وأما المثالية الألمانية فحدث ولا حرج. وحتى الوجودية الملحدة فإن كل معضلاتها الوجودية ليست إلا ترجمة لعلم الكلام المسيحي: من لم يفهم فلسفة سارتر وحتى هيدجر بهذا المنظور الممكن مع مناظير أخرى يعني أنه يجهل علم الكلام المسيحي الوسيط بل وحتى الطوماوي المحدث. لكن فهم ذلك يقتضي نعمة البصيرة.

لكن ما الحيلة مع المنتسبين إلى الفكر من النخب العربية الذين يحصرون الفكر في كلام الصحف المزعومة علمانية وشعاراتها ولا يعلمون بسبب فقدان البصيرة أن العلمانية بالمعنى الفلسفي للكلمة –لا بالمعنى اليعقوبي الفرنسي- هي تحقيق القيم الدينية والعقلية في العالم وليس الفصل بين الدين والدولة. فحتى الشرعية الديموقراطية عند من يحلل الأصول تعود إلى عقيدة دينية: لأن أصل الشرعية يكون عندئذ ما يسمى بإجماع الأمة المعصوم. أما عقلا فلا معنى للديموقراطية إذ يمكن للأغلبية عقلا أن تجمع على الهلاك ولا يوجد علم يعتبر إجماع الشعب معيارا كافيا للمعرفة. لكن الفلسفة قبلت هذا المبدأ في العمل بضمير ديني خفي هو عند المسيحيين القول بالجماعة التي تقودها الكنيسة مصدرا للتشريع وعند المسلمين هو القول بعصمة إجماع الأمة. وعليه أن يقرأ مرة ثانية الآية 38 من الشورى عله يفهمها في ضوء هذه العلاقة.

تلك هي العلة في علاج مسألة البصيرة وعلامات عماها إكراما للمعلقين على هذا الناقد الذي حللنا شبائه الحجج التي أوردها في المسائل السابقة ونأمل أن يستقرأوا من كلامه هذه العلامات بعد أن يفهموها لأنها من ثقافتهم العربية الإسلامية وليست شعارا مستوردا: أريد أن أتكلم عن نقمة فقدان البصيرة أو التيه الوجودي أعني تجنب الحق والعيش من أجل الباطل لأن نعمة وجودها معلومة لكل راشد وتلك هي علاقة الدين والفلسفة في صلتهما بالموقف الإنساني من الحقيقة والوجود.

       في البصيرة ما هي وما علامات العمى الذي يصيبها؟

ما دعاني إلى طرق هذا الموضوع هو ما لاحظته من ظهور مشين لعلامتين من علامات فقدان البصيرة علامتيها الأوليين كما يحددهما القرآن الكريم ظهورهما في الرد على أحد المعلقين وكنيته متابع من  الجزائر: الجاهلية بمعنى فقدان الحلم وبمعنى إدعاء مطلق العلم. وفي الحقيقة فإن هاتين الصفتين الواردتين في الرد على الأخ الجزائري الرد الذي أثارني وأثار بعض المعلقين لم تكونا أمرا طارئا لأن الحلقتين السابقتين وهذه الحلقة تطرقت إلى الكلام في المواقف المنسوبة إلي (الوهابية وربما               التكفيرية !) وليس للكلام في فكري مليئة بهما. والمعلوم أني لم أعر هاتين العلامتين أي اهتمام لما كانتا موجهتين إلي. ولما طُلب مني الرد اقتصرت على التعليق بما توجبه أخلاق العلم والدين لا الرد: فلا رد على الجاهلين إلا بالإعراض والقول سلاما سلاما. وكذلك سأختم ولن أخوض بعد اليوم حتى لو أصدر ألف كتاب لأنها جميعا من فاقد للصواب.

وينبغي أن أعلل العلاج من منطلق القرآن الكريم لمسألة فلسفية تصل بين علم النفس الوجودي والأخلاق من حيث صلتها بحال الموقف الوجودي عند علاج المسائل التي لها علاقة بالنظر الفلسفي والعقيدة الدينية. فقد اخترت العلاج من هذا المنظور للتأكيد بأن هذه المسألة هي أولا وقبل كل شيء مسألة دينية أي إنها تتعلق بطبيعة المعبود عند المتحاورين ما هو: هل هو الحق أم الباطل. أما كون العلاج فلسفيا أو غير فلسفي فالأمر لا يرد إلى مفروضاته ولا حتى إلى طبيعة موقف صاحبه بل هو متصل بصورته المنطقية وبمنهجيته العلاجية التي ينبغي أن تكون نسقية (وهي غير ما يتوهم صاحبنا فهي ما به يكون الفكر فكرا سواء كان ذلك بوعي منه أو بغير وعي لأن المعاني لا تتحدد إلا بالتحادد إذا كانت حقا معاني).

ولنبدأ بذكر مقومات الحد فنعين مفهوم هذا التصور تعيينا يحصر ماصدقه حصرا جامعا مانعا: فالبصيرة في مفهومها العادي هي ما وراء البصر حاسة باطنة تسدده ليرى ما ينبغي أن يرى في ما يرى. لكنها في المفهوم القرآني أعم من ذلك بكثير لأنها كناية على الكل بالجزء. فهي تعني ما وراء الحواس كلها لتحس ما ينبغي أن تحس وليس على ما وراء البصر وحده مع التركيز على السمع والبصر وفاقدوها هم الذين يصفهم القرآن الكريم بعبارة: صم بكم عمي فهم لا يعقلون. البصيرة هي إذن في المعنى القرآني ما يقابل ذلك أي إن صح التعبير هي السميعة وراء السمع والبصيرة وراء البصر ووحدتهما هي النطق والعقل.

 والعقل المقصود ليس العقل المقصور على ترديد الشعارات والذي يظنه البعض فلسفيا بل هو ملكة الفهم الوجودي الذي يجمع بين الوجدان (ممثلا لوظيفة التلقي الفاهم وراء الحواس) والفرقان (ممثلا لوظيفة الروية وراء الحواس تحليلا) ويتحد فيهما الفكران الديني والفلسفي. وهذا الفهم الوجودي أو العقل بالمعنى الجامع بين الديني والفلسفي (كما يفهم ذلك أفلاطون وأرسطو بداية وابن تيمية وابن خلدون غاية لئلا نتجاوز ما يدور هنا) هو الذي يجعل الإنسان يطلب الحق ويعمل به فيؤمن بالحق وعكسه هو الذي يجعله يطلب الباطل ويعمل به فيكفر الحق. وفي هذه الحالة الثانية يكون مجرد التدين تهمة تستوجب الغضب والنقمة والحمية الجاهلية !

ما هي العلامات إذن بعد هذا التعريف الوجيز لأن المقام لا يسمح بتجاوزه فضلا عن أن يسمح بتأييده بالشواهد القرآنية. فالعلامات كما حددها القرآن الكريم ويقتضيها التصور العقلي خمس:  إنها عين وجوه النقد القرآني لطالبي الباطل والعاملين به وهي نقائض علامات طالبي الحق والعاملين به. فلنذكرها ثم نحللها بسرعة وبيسر لئلا نتهم بالتعسير من كل متقحم صغير يريد أن يبدو كبير بأسلوب حقير.

جمع القرآن هذه العلامات في مفهومين مركبين مرجعا الفروع الأربعة إلى أصل واحد هو عمى البصيرة وقد عرفناه. وكل ذلك ورد في آل عمران بدءا بالتمييز بين الرسوخ في العلم ومرض القلوب التي تبحث عن المتشابهات لتعبث:

المفهوم المركب الأول معرفي وقد أطلق عليه القرآن الكريم اسم التحريف وهو الموضوع الرئيس في المائة آية الأولى من آل عمران. وله فرعان الأول هو التحريف الرمزي أو تحريف الكلم عن مواضعه أعني التأويل ذا القصد السيء وهو تحريف المعاني والثاني هو التحريف المادي أو تغيير النص ماديا حتى يحقق القصد السيء عندما لا يجد حيلة تأويلية للتحريف المعنوي: فيكون الثاني غاية الأول في عملية التحريف. وهذا يحصل بمجرد أن ينتقل المرء من طلب العلم إلى طلب الوجاهة حتى بالتفاهة والبلاهة فتذهب به السفاهة إلى تغيير النص أو العمى عن الفص !

المفهوم المركب الثاني خلقي وقد أطلق عليه القرآن الكريم اسم الجاهلية هو الموضوع الرئيس في المائة آية الباقية من آل عمران. وله فرعان كذلك. أما أولهما فهو الجهل المركب بمعنى عدم العلم الذي يتصوره صاحبه علما لدنيا كما جاء في الرد الثاني على الأخ الجزائري. والثاني هو الجهل بمعنى عدم الحلم كما جاء في الرد الأول على الأخ الجزائري (بالمعنى الوارد في معلقة عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين).

وبين أن المفهوم المركب الثاني متقدم على المفهوم المركب الأول فيكون الثاني نتيجة للأول. ومعنى ذلك أن الجهل المقابل للعلم هو علة التحريف المعنوي (=التأويل الفاسد) والجهل المقابل للحلم هو علة التحريف المادي (=تغيير النص). ولست بحاجة إلى الإشارة إلى الشواهد: وقد مثلت لذلك في غاية التعليق السابق حيث جاء التحريف بطريقة البتر. ثم إن شاهدي الرد على الأخ الجزائري كافيان حول الوجه الخلقي من العلامات. وكل قارئ فطن حتى لو لم يكن قد قرأ شيئا مما كتبت يدرك مواطن الدلالة في الحلقتين وخاصة في الثالثة لمجرد ما ورد فيها من تعبير غير مبرر عن حنق أحمق لكأن بيني وبين صاحبهما نزاع شخصي على أمر دنيوي.

 فإذا كان يريد أن يعلم الناس الحقيقة فليفعل وليبين أخطائي وسأكون له من الشاكرين لا أن يأتي بشواهد كلها تدل على عدم الفهم وتساؤلات تدل على الجهل بالموضوعات كلها ولعل القراء الآن باتوا يعلمون ذلك لأنه من حيث لا يدري تكلم في ابن تيمية وابن خلدون وهما معلومان لجل القراء العرب أكثر من المسائل الفلسفية الغربية. وليته كان يعلم شيئا حتى أتعلم منه مع القراء ما خفي عني لعلمي أن فوق كل ذي علم عليم. ما الذي يجعله يعبر عن غيظ غير كضيم ألأني استصغرت ما كتب المرة الأولى ؟ أو لأني هاجمت شخصا لم أذكر أني كتبت ضده كلمة واحدة رغم تعليقه على رسالتي إلى السيد حسن نصر الله ؟  لكن الحماقة والوقاحة موجودة في كلامه منذ  الحلقة الأولى وإذن فلا علاقة لها بسكوتي عنه.

لكن ما حيلتي وكلامه كله يدور على عدم فهمه أمور بدهية عند القاصي والداني سأكتفي بذكرها لعل الذكرى تنفع وكفي:

1-                        فهو لا يفهم أن الفقه وأصوله يمكن أن يكونا من مشاغل الفكر الفلسفي وأن الباحث فيهما يمكن ألا ينقلب فقيها فضلا عن كون المرء فقيها ليس سبة حتى أعير بها: فهل فلاسفة القانون صاروا قضاة ؟ أو محامين ؟ أو حتى مشرعين ؟

2-                        وهو لا يفهم أن النظر يمكن أن ينفصل عن العلم بالتجريد المنهجي بل وحتى بالفعل الوجودي حتى وإن كان ذلك ليس من الإمكان العملي دائما: وإلا لكان كل عالم بالعروض شاعرا وكل عالم بالنحو أديبا وكل ملحن مغنيا وكل رياضي مهندسا وكل عالم في السياسي سياسيا ..ما الفائدة في التطويل وفقدان البصيرة يحول دون فهم ذلك.

3-   وهو لا يفهم أن ابن تيمية قرئ وهابيا ويمكن أن يقرأ قراءة أخرى غير القراءة الوهابية بل وقراءات قد لا تكون محصورا عددها: وإلا فكل مسلم سني (قراءة القرآن) وكل مسيحي كاثوليكي (قراءة الأناجيل) وكل ماركسي ستاليني إلخ...

4-   وهو لا يفهم أن ابن تيمية يمكن أن يكون فيلسوفا لمجرد أن رهطه من متعاطيي الفلسفة بغير وجه استثنوه منها: لو صح ذلك لكان كل ما استثناه الأميون من المعارف مستثنى منها لأنه لم يقل لنا إنه والذين قاموا بالاستثناء معه قاموا بالبحث اللازم وانتهوا إلى هذه النتيجة في بحوث علمية منشورة يمكن مناقشتها علميا حتى تقبل حقيقة لا نزاع فيها.

5-   وهو لا يفهم أن تشكيك بعض المتقحمين لمجال الفلسفة في الطابع الفلسفي لفكر ابن خلدون من جنس ما فعل هو مؤخرا في بيت الحكمة عندما حصر كلامه في موقف ابن خلدون الرجعي لأنه أشعري ومالكي وظن أن هذا التشكيك كاف لنفي الفلسفة عن ابن خلدون. ومهما أحسنا الظن بأصحاب هذا الرأي فإنه لا يكفي للقبول به: وإلا لصح ما سمعته من أحد السخفاء من زاعمي التفلسف في الحقوق مادحا القديس توما الإكويني ومهاجما الغزالي في بيت الحكمة كذلك وفي نفس المداخلة فاضطرني إلى تذكيره أن الإكويني تلميذ صغير بالقياس إلى الغزالي لأنه (الإكويني) تلميذ ابن رشد الذي هو تلميذ الغزالي في كل المجالات بما في ذلك في فهم ميتافيزيقا أرسطو ومنطقه !

وحاصل القول وختامه أن مأساة الفكر العربي مأتاها من بعض المتقحمين الذين يريدون أن يتسلقوا إلى الوجاهة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا فيزعمون لأنفسهم عناوين أكاديمية لم نسمع متى ولا كيف ولا أين حصلوا عليها وفي أي اختصاص فضلا عن التمعش الذي قد يلجئهم إلى أن يكونوا قلما رديئا في أيد أكثر رداءة للقيام بمثل هذه الأعمال التي لا تعبر إلا عن فقدان البصيرة.

والسلام في غاية الكلام فليس بعد هذا الخوض إلا الصيام.

أبو يعرب المرزوقي

تونس في 28 أيلول 2007