معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

التباس لغة الفلسفة عند ابن طفيل

من خلال:"مع ابن طفيل في تجربته الفلسفية"

  محمد السوسي*

      أصدر الباحث المغربي إبراهيم  بورشاشن مؤلفا في الفلسفة والفكر الإسلامي بالغرب الإسلامي, يمكن اعتباره عمدة في سبيل الإحاطة بالتجربة الفلسفية للفيلسوف الفذ ابن طفيل.ومع إن هذا العمل يريد لنفسه إن يكون صيغة لنوع من الدراسات التي تتجاوز سلبيات القراءات,التقمصية  و الاسقاطية والتاريخية فهو كعمل علمي رصين ؛يستحضر الملابسات التاريخية والسياسية والنظرية المحيطة بزمن الرجل ,لكنه لايبقى عند حدود العرض بل انه يتعدى ذلك إلى القراءة الدالة على متانة التكوين الفلسفي –العلمي والمنهجي –للباحث..

      وانطلاقا من ذلك، يمكن ملاحظة إن هذا الكتاب يسد فراغا مهولا في المكتبة الفلسفية العربية والإسلامية، خصوصا حين يتم استحضار الأعمال التي اشتغلت على فكر ابن طفيل منذ أطروحة "ادوارد بكوك"في القرن 17 بأكسفورد. ثم إن الأثر الفلسفي الخالد لابن طفيل (حي ابن يقظان) يشكو من لا علمية نشراته المتعددة ,الشيء الذي يعتبره الباحث قلة الاحتفاء العلمي بهذا الأثر(1). فالرسالة في نظره لم تقرأ كنص متكامل مثلما لم تقرأ في سياقها الاجتماعي والثقافي مثلما لم تقرأ قراءة دالة تنتبه إلى خصوصية لغة الكتابة ورمزيتها لدى ابن طفيل. وعليه، فان الباحث يروم بهذا العمل تجاوز التعامل ألتجزيئي مع النص بوصفه مصدرا لمزالق القراءات السابقة؛ مثلما يروم "إكمال النظر "فيما يعتبر إن بعض الدارسين قد فتحوا بإعمالهم باب النظر العلمي الجاد في ابن طفيل.

      لقد ألهمته القراءة الفيلولوجية ل"ليون جوته" في أوائل القرن20 والقراءة المتميزة ل "محمد أركون"، والدراسة العلمية ل"محمد بن أشريفة" مثلما ألهمه مشروع قراءة المرحوم جمال الدين العلوي (2). ومثلما يطمح المرحوم "محمد عابد الجابري", لا يريد الباحث "بورشاشن" لعمله إن يكون قراءة تبسيطية. إنها قراءة نقدية للقراءات. قراءة  قمينة  بأن تفتحنا على إشكاليتين,عملية ونظرية, يمكن اجمالهما فيما يلي:

-إن مشروعية التفلسف في مجتمع يرى في الفلسفة ممارسة فكرية ينبو بها مكانها، قضية موجهة لفكر وعمل ابن طفيل; الأمر الذي يفسر  حالة التنافي والتجافي التي ميزت الحالة الفكرية لزمن  الرجل وتعطي دلالة قوية لاختياره في الكتابة. لدلك يعتبر الباحث القول الفلسفي لابن طفيل قول، يؤسس للمشروعية وينبذ الاضطهاد. فنمطه الخاص في  الكتابة-اذن- يبرره هذا الإشكال الاجتماعي مثلما يبرره الغنى النظري لتجربته الفلسفية والعلمية، مما يعني كونه أجدر على تمثيل الفكر الوسيط على مستوى "إشكالية الكتابة في عصر الاضطهاد"(3).

ينطلق الباحث من اعتبار أن الفلسفة في نهاية المطاف ليست سوى تجربة من التجارب الغنية التي تقدمها لنا الحياة للإنسان، و التي يمكن أن يعيش بها  و لها دون أن يحبس نفسه في نسق مغلق يمنعه من الاستفادة من التجارب الفلسفية المختلفة و المتنوعة. فالفلسفة إذن تجربة تعاقدية بين معلم و سالك أساسها الاقتناع الفكري و الامتحان العملي. و كل تجربة فلسفية تقوم لا محال على تجربة سياسية – ثقافية، كما تقوم على النظريات العلمية و الفلسفية السائدة في البيئة العلمية للفيلسوف، أو على "نظام الفكر" السائد في زمان المتفلسف و عصره. إن هذه التجربة في مجملها و عند استوائها في صيغة من صيغ الكتابة، تدفع مع الكاتب إلى التساؤل عن أهمية النظر إلى رسالة ابن طفيل على أنها "تجربة" من تجارب التفلسف الممكنة، بالمعنى الذي يقترحه علينا ابن طفيل(4).

    و لما كانت الممارسة الفلسفية "تجربة" خاصة، شخصية و قابلة للتحقق، صار مشروع ابن طفيل في نظر الباحث تجربة فلسفية تحرص أولا على محاججة خصوم الفلسفة سواء كانوا من داخل الفلسفة أو من خارجها (فقهاء أو متصوفة). فمحاورة الرجل لهم، المتسمة باللطف أحيانا و بالشدة أحيانا أخرى، إنما تروم إنقاذ تجربته الفلسفية من الضياع (5).

     و هكذا فإن تجربة الكتابة و لغة الكتابة شكلتا هاجسا مؤرقا عند ابن طفيل. فهو الذي انتقد لغة الكتابة عند ابن باجة؛ كما أنه باعتماده الرمز و الإغماض و الالتباس كلما اضطرته طبيعة التجربة الفلسفية ذاتها (6). ثم إنه من ألح على ابن رشد على رفع قلق العبارة الأرسطية، حرصا منه على تقريب الكتابة الفلسفية من المخاطبين بها(7).

     ويلاحظ الكاتب أن مقاربة نص ابن طفيل اقتضت ألإلمام بالفلسفة الإسلامية، وهو في ذلك ينطلق من النظر إليه في إطار أصوله العربية الإسلامية كما نظر هو لتجربته. فهو لم يحل في مقدمته لأي أثر أجنبي رغم إثارته الشاردة لأرسطو وسكوته المطلق عن أفلاطون. على انه في نظرالباحث، يبقى لأفلاطون تأثير قوي على اختيار فيلسوفنا وخاصة في شكل الكتابة. ومما يدعم  به  الباحث رأيه، اعتباره أن ابن طفيل يعتبر العالم المحسوس ظلا للعالم المعقول في معرض بيانه للعلاقة بينهما(8).

     لا يعتبر الباحث صلة ابن طفيل بأفلاطون شرطا لفهم الرسالة الفلسفية لهذا الرجل. ومع ذلك، يرى إمكانية قراءة مفترضة –مقارنة- بين شكل الكتابة عند أفلاطون وشكلها عند ابن طفيل(9).وانسجاما مع منطلقاته  في القراءة، يعتبر الباحث أن ابن طفيل حين يعتمد هذه الإستراتجية في الكتابة الفلسفية إنما ليعلن ما يطرحه التعبير الفلسفي من عواصة وصعوبة في مقاربة الموضوعات الملتهبة التي تؤرق الفكر الإنساني باستمرار. انه بذلك يعلن أن ما كتبه هو، لا يمكن  قراءته قراءة هادئة ومطمئنة، فلجوؤه إلى القص هو في نهاية المطاف استنجاد بإمكانيات الهائلة للغة في التعبير، مثلما أن اعتذاره في آخر النص هو تصريح بمقاصده في الكتابة الفلسفية خشية أن تطاله نبال المكفرين (10). فموضوعات الفلسفة في زمن المحن، تلح على الفكر البشري إلحاحا كبيرا، وتند عن البيان وتنفلت منه (11).

     إن مفهوم التقريب الذي ينطلق منه الباحث لقراءة الاثر الفلسفي الخالد لابن طفيل، يجد أصوله كتجربة لدى ابن حزم (التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية)والبطليوسي(الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة) من جهة، ومن جهة أخرى في تقنيات الكتابة الفلسفية كما هي معهودة في النصوص السينوية والغزالية لتي اعتمدت الرمزية في التعبير. لكن الأستاذ بورشاشن، يعتبر ذلك مما أضفى على تقريب ابن طفيل مسحة من لبس(12).   لذلك، يتساءل الباحث عما إذا كان ابن طفيل قد استطاع إن يقرب الفلسفة، أم أن محاولته باءت بالفشل؟(13). غير أنه، بعد استعراضه لسياق تداول هذا الإشكال في الفلسفة الإسلامية، يرى أن ابن طفيل عمل على رفع قلق العبارة الفلسفية بأن كتب نصه بلغة عربية مشبعة بالبيان العربي فطوع المعاني الفلسفية لتنسجم مع مقتضى التداول العربي(14).

     إن ابن طفيل، حين يدعو للفصل بين الفلسفة والجمهور(15)؛ لا يؤكد فصلها عن الشريعة. الأمر الذي  يعني  احتفاءه بتجربة أهل النظر وانتصاره  لها ؛ حيث يحيل إلى انه بنى فلسفته على هديهم ومن خلال مفاهيمهم. فقد ظل يشيد بابن باجة ويثمن تجربته الفلسفية ، رغم  اختلافهما في درجة الوضوح(16). إن صلة ابن طفيل بابن باجة إذن صلة فلسفية عميقة تركت بصماتها على تجربة ابن طفيل الفلسفية(17). الأمر الذي لم  يمنعه من استلهام التجارب الفلسفية السينوية و الغزالية .فهو في نظره،" يجمع في إيهاب غريب بين فلاسفة لا يكاد يجد أحدهم ذاته عند غيره؛وكأنه يريد أن يجمع شملا تفرق ,ويجمع بناءا تصدع"(18).   

 إن مؤلف الأستاذ "بورشاشن" مساهمة علمية في قراءة اثر فلسفي خالد، عانى كثيرا من زعم الإدراك الأمثل، في حين هو جدير بأن يكون "خلاصة روحية" لحقيقة الفكر الإسلامي بالأندلس وللفلسفة العربية الإسلامية عامة، ما يجعله إمكانية لاتنضب للقراءة والتحليل. انه ككتاب فريد في معالجة فكر ابن طفيل، مرجع رصين لكل باحث جاد في إعادة النظر في المسلمات التي تنمط رؤية الباحثين الشباب المقبلين على التراث-وما أقلهم اليوم- ولا تسعفهم. هنا بالضبط تكمن قوة هذا المؤلف عن ابن طفيل وتجربته الفلسفية.

*مراجعة كتاب:

"مع ابن طفيل في تجربته الفلسفية"

 للدكتور: إبراهيم بن عبد الله بورشاشن.

الطبعة الأولى:1341ه/2010

مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء المغرب

 *لأستاذ المبرز في الفلسفة

بمركز الأقسام التحضيرية

 للآداب والعلوم الإنسانية

الثانوية المرجعية مكناس

      المغرب

ا

  هوامش:

1. الدكتور إبراهيم بن عبد الله بورشاشن,مع ابن طفيل في تجربته الفلسفية .مطبعة النجاح الأولى- الدار البيضاء الطبعة الاولى2010. ص5.

2. المرجع السابق ص21.

3. راجع مدخل الكتاب؛ وأيضا لمزيد من التوضيح, يراجع :ليوه استروسla persécution et l'art d'écrire, Traduction Olivier Sedyen, Gallimard, coll. Tel, 2009

4. الدكتور إبراهيم بن عبد الله بورشاشن,مع ابن طفيل في تجربته الفلسفية .مطبعة النجاح الأولى- الدار البيضاء الطبعة الاولى2010.ص29/28.

5. المرجع السابق.ص33.

6. المرجع السابق ص 38.

7. المرجع السابق ص36.

8. المرجع السابق =هامش262 ص389/390/391

9  .المرجع السابق ص289.

10. المرجع  السابق انظر هامش263ص392.

11. المرجع السابق ص392.

12. المرجع السابق ص322.

13.المرجع السابق ص336.

14. المرجع السابق ص من336/344.

15. المرجع السابق =351.

16. المرجع السابق ص249,وهامش 241ص249.

16. المرجع السابق ص250.

18. المرجع السابق ص 261.

       ملحوظة:  كتاب: "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية" . ابن حزم.  تحقيق : إحسان عباس، الطبعة1. 1900 . دارمكتبة الحياة بيروت.

  والبطليوسي كتاب: "الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة": ابن السيد البطليوسي. تحقيق محمد رضوان الداية. الطبعة الاولى، 8198، دار الفكر المعاصر للطباعة والنشر والتوزيع

 

 

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي