
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
عندما يتفلسف العم توم: البليهي نموذجاً !
د.يوسف الصمعان
I
من العدالة أن نبارك الاهتمام غير المسبوق بالفلسفة تفكيرا ونصوصا في الساحة السعودية، فحديثا وقبل أسابيع ،بشرتنا الصحافة بتشكل أول حلقة فلسفية تختص بالمراجعات الفلسفية في النادي الأدبي بالرياض , كما أن المطالبة بتوسيع دائرة الاهتمام بالفلسفة أصبحت المطلب الرئيس للعديد من الكتاب في الإعلام السعودي وهذا جهد يسجل لهم ويشكرون عليه . هذا لايعني أن الثقافة السعودية كانت خالية تماما من الفلسفة .فإذا استثنينا كتب فلاسفة المغرب العربي التي حوصرت في المكتبات التجارية حقبة الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات لأسباب لاتخفى على أحد فإن الكتاب الفلسفي_ _ كان حاضرا في المكتبات العامة والتجارية السعودية . ولم يعدم التاريخ الثقافي السعودي _ على قصر عمره نسبيا _ أسماء انشغلت بالخطاب الفلسفي .
ومن هذا المنظور,يمكن القول إن كتابات إبراهيم البليهي بعد تحوله من الخطاب الإسلامي الشمولي القطبي إلى الهم الفلسفي مفيدة بل ومن ابرز ما كتب سعوديا في هذا المجال. ولقد أثارت مؤخرا "مكاشافاته" في ملحق "الدين والحياة" ردود فعل واسعة تجاوزت حدود البلاد ,مما يدل على تأثيرها الحقيقي التاتج عن كونها لخصت بوضوح لا لبس فيه فكر الرجل وآراءه التي ضمنها كتبه المنشورة.
وأريد أن أقرر أولا أنني وإن لم أكن يوما متخصصا في الفلسفة إلا أنني تابعت كما كثيرين تلك المكاشفات . ولم أستطع مقاومة تسجيل بعض الملاحظات حول فكر البليهي وأرائه الفلسفية , من خارج الحلبة الأيديولوجية .وسأحاول الاكتفاء بتبيين بعض المعطيات التي تنزع_ في زعمي _ إلى هم واحد هو الكشف عن مدى التزام الأستاذ البليهي بالمنهج الفلسفي الذي يستند اليه ومعرفة مدى صحة المعلومات التي يقدمها.
و لعل كل من قرأ تلك المكاشفات بل وغيرها من نتاج البليهي يتفق معي أن كل آراء وأفكار البليهي تدور حول ثلاثة أفكار رئيسية هي :
1- تفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية.
2-التمييز الصارم بين الحضارة الإسلامية في هويتها الدينية المطلقة والحضارة الغربية في هويتها العقلانية’,ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة المسلمين في الحضارة الإنسانية .
3-أسبقية الفلسفة على العلم ,والنظر إلى العلوم كتفريعات عن الفلسفة ,وبالتالي ربط أي تنمية حقيقية باستيعاب الفلسفة.
ومن البديهي أن اقرر بداية موافقتي للأستاذ البليهي في رفضه للمنهج التمجيدي للذات السائد في الكتابات العربية ,وللأقوال الرائجة حول مركزية الحضارة الإسلامية وأنها اكتشفت كل العلوم وسبقت الغرب الحديث في كل انجازاته .فتلك رؤية ساذجة لا ندافع عنها .
و من البديهي أيضا أنني لن أرجع في هذه التعليقات المقتضبة إلا إلى المراجع الرئيسية المعتمدة في الدوائر البحثية والأكاديمية الكبرى. ذلك لأنني لست مختصا بتفريعات العلوم الفلسفية , ثم أن الرجوع إلى المراجع الكبرى المعتمدة هو أدعى إلى قبول المحاجة التي أقترحها من قبل صاحب الرأي المخالف وكذلك القارئ على حد سواء.
ولو بدأت بفكرة البليهي الأولى التي تقرر الـتفوق الحضارة الغربية على الثقافات الأخرى باعتبارها حضارة ممتدة منذ العهد اليوناني قائمة على العقلانية فهذه الفكرة تطرح ثلاث إشكاليات متمايزة : أحدها مفهوم الحضارة الغربية ,وثانيها احتكارها_ أي الحضارة الغربية _ للفلسفة , وآخرها تفوقها العقلاني على الحضارات الأخرى.
فبخصوص الإشكالية الأولى ,يرى البليهي أن هذه الحضارة هي نسيج واحد ممتد من المرحلة اليونانية ثم المرحلة الرومانية ,انتهاء بالحقبة الحديثة والمعاصرة.يقول حرفيا:"إن حضارة الغرب نتاج ذاتها وليست مدينة لأي حضارة سابقة باستثناء الحضارة اليونانية التي هي امتداد لها وإحياء لفتوحاتها في مجالات الفكر والأدب والسياسة والاجتماع وتمجيد العقل".
ويطرح هذا التعريف مصاعب جمة أفقيا وعموديا ,أي بحساب الموقع والزمان ,باعتبار انه ينطلق من مسلمة ضمنية بالقطيعة الجذرية داخل المجال المتوسطي بل وداخل المجال الأوروبي نفسه بين عالمين حضاريين متباينين,فضلا عن افتراض انفصال راديكالي بين العوالم الثلاثة الكبرى التي كانت تتوزع اليها البشرية في التاريخ القديم :العالم الروماني والعالم الفارسي والعالم الصيني.
وليس من الضروري هنا الرجوع للكتابات التاريخية الدقيقة التي بينت علاقات التداخل الكثيفة بين هذه العوالم الثالثة .ونكتفي بالإشارة إلى أن أهم الاكتشافات الإنسانية الكبرى كالكتابة والزراعة والطباعة والبارود ...حدثت خارج الحضارة الغربية .
ففضلا عن موقع بلاد اليونان القديمة جغرافيا وثقافيا (الأصح أنها ظلت دوما جسرا للتواصل بين الشرق والغرب) ,فان الحدث الفكري الهائل الذي ارتبط بها وهو الفلسفة ليس من المسلم انه إنتاج ذاتي وإبداع لا سابق له.
II
فبخصوص هذه الإشكالية الثانية المتعلقة باحتكار الحضارة الغربية للفلسفة ,يتعين الإقرار أن ثمة مدرسة واسعة ابرز ممثل معاصر لها هو الفيلسوف الألماني الأشهر مارتن هايدغر الذي يعتبر الفلسفة نصا يونانيا مرتبطا بخصوصيات لغوية ودلالية لا تتوفر خارج اللسان اليوناني وما يتيحه من إمكانات تفلسف (تتوفر اليونانية وحدها على فعل للكينونة مما يفسر أن سؤال الوجود الذي هو سؤال الفلسفة خاص بالسياق اليوناني ).
ولعل هذه هي الخلفية التي استند إليها البليهي (ولا أظنه اطلع بعمق على هذه الأطروحة العصية ).إلا أن هذا الرأي مردود عليه من وجهين :تاريخ الأفكار والفلسفة .
فمن حيث تاريخ الأفكار,تؤكد كثير من الأدلة الدقيقة أن الفلسفة وان ظهرت لدى اليونان في شكلها المكتمل,إلا أن لها جذورا غير يونانية.وبعيد جدا عن خلدي القول المتسرع السطحي بان الفلسفة اليونانية ليست سوى نسخة من أصل مصري ضائع.
ومع ذلك لو رجعنا إلى نصوص الفلاسفة اليونان أنفسهم لوجدناهم لا ينكرون مرجعيتهم المصرية .ولنكتفي تجنبا للتفاصيل المملة بعرض مثالين ساطعين على هذه الحقيقة.فهذا أفلاطون في كتاب "الجمهورية" يذكر بوضوح أن الفيلسوف الأول طاليس تلقى كل تكوينه من الكهان المصريين.وتلك هي المعلومة نفسها التي يذكر أزوقراطيس متحدثا عن فيثاغوروس الذي أقام في مصر "ومنها جاء بالفلسفة ". ولا نستنتج من هذا إنكار الإبداع اليوناني ,ولا كون الفلسفة اكتملت في القرن السادس قبل الميلاد في بلاد الإغريق ,وإنما حسبنا الإشارة إلى العلاقات العضوية بين الحكمة المصرية والفلسفة اليونانية.ولعل تفسير هذه العلاقة راجع إلى دور الرياضيات في تشكل السؤال الفلسفي(لنا عودة للموضوع).
ومن حيث التعريفات الفلسفية نفسها, لا ننكر أن المدرسة السائدة التي لها جذور أرسطية تعرف الفلسفة بأنها سؤال الوجود من حيث هو وجود.ومن ثم الاستنتاج بأنها خاصة بالفكر الغربي . إلا أن هذا التعريف غير مسلم ,لا قديما أو حديثا,كما أن حصر سؤال الوجود في نمط التناول اليوناني ليس أيضا موضوع اتفاق.
فالفلسفة يمكن فعلا أن تعرف بسؤالها الجوهري الذي هو سؤال الوجود,لكنها لا تنحصر فيه ,والدليل على ذلك أنها في حقبتها الراهنة نبذت هذا السؤال الذي اعتبره نيتشه من من أوهام الدين وأمراضه.وتتمحور تعريفات الفلسفة اليوم حول ثلاث محاور رئيسية :محور التساؤل الإشكالي المرتبط بوجود الإنسان (سارتر ,كارل ياسبرز...) , محور السياق التأويلي للفهم والمعرفة والإدراك (المدرسة الظاهراتية) ,محور السياق اللغوي واللساني (البنيوية والتفكيكية والفلسفات التحليلية والبرغماتية. بهذه المعاني يمكن القول إن الفلسفة ليست خطابا معرفيا خاصا بأمة أو ثقافة ,وإنما هي أوجه التساؤل والنقد والقلق الإشكالي التي لا تخلو منها أي حضارة .وكل ثقافة قادرة على ممارسة التفلسف في سياقها التداولي ’بالتزام شرط البناء المفهومي الذي اعتبره جيل دلوز الخاصية الوحيدة للفلسفة.
ثم انه من غير الصحيح أن الفلسفة اليونانية هي وحدها التي تناولت إشكالية الوجود ,وإنما الأصح أنها حولته إلى ميتافيزيقا بنفس ديني في مرحلة لاحقة (وان كان نيتشه يقول بتهكم إن مؤسس الميتافيزيقا هو المسيح وليس افلاطون).ولقد أميط اللثام مؤخرا عن النصوص الكبرى في الفلسفة الهندية التي لا تقل عمقا ولا ثراء إشكاليا أو روحا نقدية عن الفلسفة اليونانية ,مثل كتاب الفيلسوف الهندي البوذي الكبير كاندراكرتي (القرن 7 قبل الميلاد) المعنون "الشرح الواضح".
ولقد كان الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشال فوكو يقول في آخر حياته ان الفلسفة الغربية لم يعد بإمكانها أن تنتج نسقا مكتملا ,وان الخيار الوحيد المتاح لها هو الصدام الخلاق مع الثقافات الشرقية الكبرى.
فهذه النظرة الاستعلائية التي يتبناها البليهي ترديدا لنغمة مركزية معروفة في الفكر الغربي (موضوع الإشكالية الثالثة ) لا تستقيم لبنائها التفوق الغربي على الطابع العقلاني المحض للحضارة الغربية.فالبليهي لا يعرف لنا العقلانية ,هل هي عقلانية التأمل والجدلية الصورية لدى اليونان ,أم هي الوعي بالذات المتمحورة حول نفسها لدى ديكارت ,أم هي العقلانية التجريبية الوضعية ؟
من الواضح أن صاحبنا ليست لديه المعلومات الكافية في الأمر ,والا أدرك ان مفهوم العقلانية شديد الالتباس .وحاصل الأمر ,أن لا احد اليوم له أدنى اطلاع في الفلسفة يتبنى الفهم النسقي المركزي للعقل .فالفلاسفة اليوم لا يخرجون عن احد خيارين :أما النظر إلى العقل كفاعلية مرتبطة بممارسة معرفية أو علمية ما ,أو كأفق دلالي وتأويلي مرتبط باللغة والثقافة.وفي كل الأحوال , لا سبيل لفصل العقل عن اللغة والايدولوجيا والوهم باسم عقل مطلق متعال على التاريخ .والواقع أن الفرق ضئيل بين القول بتفوق الإنسان الأوروبي لأسباب عرقية والقول بتفوق عقله لأسباب فلسفية (بمعنى اختزال العقل في العقل الغربي).ولنشر هنا إلى نظرية رينان المشهورة حول عجز الحضارة السامية عن إنتاج العقلي.
والغريب كل الغرابة هو الربط عضويا بين العقلانية والحرية الإنسانية ,كما ذهب إلى ذلك البليهي. ذلك أن مشروع تخويل العقل أهدافا تحررية انعتاقية هو مشروع حديث غير سابق على عصور التنوير (القرن الثامن عشر).ففي الفلسفة اليونانية لا معنى للعقل بهذا المعنى ,بل أن العقل منفصل عن ذاتية الإنسان الذي لا دخل له في عملية التعقل نفسها إلا سلبا , فالوجود هو الذي ينكشف ويتجلى . كما أن التصور النسقي للكون يمنع تدخل الإنسان ,بقدر ما أن نظام المدينة لا يقوم على الحرية وإنما على النظام والتراتب.
فكيف يقول البليهي ان "الحضارة الرومانية مكملة وراعية وناشرة للثقافة اليونانية التي هي مصدر الحضارة الغربية الحديثة". فالرومان انتهوا إلى تحريم الفلسفة اليونانية ونعتوها بالخرافات الإغريقية ,أما المحدثون فقد كرسوا قطيعة جذرية بين الفكر السياسي اليوناني الذي وجدوا فيه روحا استبدادية قاتمة .أما الديمقراطية اليونانية فلا علاقة لها بالديمقراطية الحديثة إلا علاقة الاسم الظاهر,لما يسمها من نخبوية اقصائية لا تحتاج لبيان.
ثم لا بد من تنبيه صاحبنا إلى ما تقرر في الفلسفة المعاصرة منذ نتشه ومدرسة فرانكفورت وفوكو من علاقة وثيقة بين العقل والسلطة ,ومن كون إرادة الحقيقة أدت في الفلسفة الغربية الحديثة دورا اقصائيا قمعيا.والعلاقة بين العقلانية التاريخانية وفكرة الهيمنة الثقافية لا تحتاج لدليل ,وقد رصدها الفلاسفة المعاصرون.
فلا يصح إذن الربط الميكانيكي بين العقلانية والحرية ,حتى لو كان العقل النقدي من وسائل التحرر التي لا غبار عليها.
III
ولنمر في هذه الحلقة إلى مناقشة الفكرة الرئيسية الثانية عند البليهي المتعلقة بالتمييز الصارم بين حضارة النقل الإسلامية وحضارة العقل الغربية ومن ثم نفي أي دور حقيقي للفلاسفة والعلماء المسلمين في الحضارة الإنسانية .ان هذه الفكرة تطرح إشكالين كبيرين يحيل أولهما إلى مسلمة القطيعة المعرفية بين الحضارتين ,ويتعلق ثانيهما بمعيار الفصل أي ثنائية النقل والعقل.
فبخصوص الموضوع الأول ( القطيعة المعرفية بين الحضارتين ) يبدو ان معلومات الأستاذ البليهي لا تتجاوز الانطباعات السريعة والقراءات السطحية.وإلا كيف يجهل أن حضور الثقافة اليونانية بجانبها الفلسفي مكين وتجذر في البيئة العربية ,حتى قبل الإسلام.ولا أدل على ذلك أن القران الكريم الذي نزل بلسان قريش يتضمن كلمات من أصول يونانية كالسماء والزخرف ...وهي أسماء استقرت منذ عهد طويل في المعجم العربي وصارت جزء منه.وكيف غاب عنه أن العملتين الوحيدتين اللتين عرفهما التاريخ العربي الإسلامي وهما الدرهم والدينار سميتا باسمين يونانيين ,مما يرمز لعمق العلاقة بين المجال العربي والعالم اليوناني.
وليس من الصحيح أن التأثير الفلسفي اليوناني لم يتجاوز في الثقافة الإسلامية بعض الوجوه القليلة (كالفارابي وابن سينا وابن رشد ) ,وقد اعتبرهم البليهي مجرد مقلدين لا إبداع لهم ,كما أنهم شاذين محاربين ومعزولين وأشبه بالصعاليك داخل الحضارة الإسلامية.!!!
أما كون أولئك مجرد مقلدين فخطا بديهي بالنسبة لايقره القارئ النشط فضلا عن المتخصص .فلا احد يجهل أن نظرية النبوءة لدى الفارابي لم يسبق لها وان كان استخدم في بنائها عناصر فلسفية متنوعة من أرسطو وأفلوطين ,كما أن نظرية الوجود لدى ابن سينا إبداع فلسفي كبير ,وكذا شروح ابن رشد لأرسطو ونظريته في التأويل ...ولا نطيل في هذا الموضوع الذي يعرفه جيدا المختصون.
من المعروف تاريخيا أن آخر مدرسة فلسفية في أثينا قد أغلقت عام 529 لأسباب دينية ,في حين شهدت ترجمة النصوص الفلسفية اليونانية إلى العربية نهضة كبرى منذ القرن الثاني الهجري.وقد ترجمت بالفعل كل نصوص أفلاطون وأرسطو وأفلوطين تقريبا (باستثناءات قليلة) .كما أن بعض النصوص اليونانية ضاعت أصولها ولم يبق منها سوى بعض الترجمات العربية كبعض أعمال جالينوس وأفلوطين وبعض الشروح على أرسطو .وتنفرد المصادر الإسلامية بذكر نصوص يونانية ,مما يدل على حجم الانتشار الكبير للفكر اليوناني في المجال .و يذكر ابن النديم في فهرسته ما يزيد على 66 مترجم من اليونانية إلى العربية ,مما يبين أن مجهود نقل الفلسفة اليونانية كان واسعا وعميقا.
وإذا انتقلنا إلى المضامين ,تأكدت لنا تلك الحقيقة.فكيف يمكن القول إن الفلسفة اليونانية كانت معزولة وشاذة في المحيط الإسلامي ,والحال أنها تغلغلت بعمق في هذا المحيط حتى ضمن العلوم الشرعية .فلا احد يجهل أن المنطق الأرسطي الذي هو خلاصة الفلسفة الأرسطية كلها أصبح منذ القرن الرابع الهجري من المرتكزات المنهجية الأساسية لعلمي الكلام والأصول ,إلى حد أن الغزالي الذي حارب الفلاسفة وكفرهم كتب بوضوح "أن من لم يتمنطق لا يوثق بعلمه".كما أن نظرية النفس الأفلوطينية التي هيمنت على الفكر اليوناني في مرحلته الأخيرة تبناها المتصوفة وعلماء التربية والفقهاء ,مما لا يحتاج لبيان.
والأدق هو القول أن الفكر اليوناني تحول إلى قلب النظام المعرفي الإسلامي وأصبح جزء لا يتجزأ منه.
وليس صحيحا القول أن الفلاسفة المسلمين حافظوا فقط على التراث اليوناني وسلموه للغرب المحدث دون أن يكون لهم تأثير في تشكل الفلسفة الحديثة.
فمن البديهيات ان حركة الفلسفة والعلم في العالم العربي الإسلامي الوسيط كان لها تأثير حقيقي في حركية النهضة ثم التحديث .
ولنبدأ بعصر النهضة ,حيث نلمس أن تيار "الإنسانيين " الذين ظهروا في القرن الرابع عشر رافعين شعار الإصلاح والخروج من قبضة الكنيسة وإعلاء شان الإنسان, قد استفادوا بتصريح منهم من كتابات الفلاسفة والعلماء المسلمين.ومن ابرز هؤلاء الايطالي جيوفاني ديلا ميراندولا الذي ألف كتابا بعنوان "في الكرامة الإنسانية " قال فيه بوضوح :"لقد قرأت في كتب العرب انه ليس ثمة في الكون شيء أكثر روعة من الإنسان".
وهذا ادلير اوف باث (ت 1142م ) يقول ملمحا إلى التأثير الثقافي العربي القوى على معاصريه :"إن في جيلنا عيب متجذر فيه .انه يرفض جميع ما يبدو انه صادر من عند المحدثين .ولذلك فاني أقدمها لهم بصورة تجعلهم يعتقدون إني استقيتها من دراساتي العربية"( نقلا عن الجابري الذي نقل الاستشهاد عن المؤرخ الفرنسي الكبير لوغوف).
أما تأثير الفكر العربي على فلاسفة الأنوار فله شواهد أكيدة . فهذا مندلسون يعترف انه تاثر بابن ميمون تلميذ ابن رشد.كما أن فلسفة ابن رشد نفسه كانت محور نقاش فلسفي مطول بين الفيلسوفين الألمانيين الكبيرين كانط وهردر.