البحث في الموقع    

يتم تحيين الموقع دوريا والمسؤولية على ما يُنشر شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

.

 

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

مساهمة في نشر الفكر الاستئنافي الحضاري الأصيل يخصص الموقع  فضاء للفيلسوف العربي أبي يعرب

 

إسلام المتكلّمين لمحمّد بوهلال (1): تأصيل النظر العلمي في علم الكلام .

                                                                              عثمان صادق شريحة

 

                                                           

1 ـ تمهيد :

          ضمن سلسلة دراسات " الإسلام واحدا ومتعدّدا " صدر عن رابطة العقلانيين العرب ودار الطليعة ببيروت  كتاب " إسلام المتكلّمين "للباحث التونسي محمد بوهلال ، وقد اهتمّ فيه بتحليل الأنساق المعرفيّة المؤسسة للحدث الكلامي في التراث العربي الإسلاميّ متوخّيا في ذلك شرائط الصّرامة العلميّة التي تصادر الأحكام المسبقة ، فبحث في " علم الكلام من حيث هو حقل دراسي "(2) و تقصّده منهجًا من خلال المزاوجة بين النظر الفاحص المتأمّل المنبثق من صميم الموضوع والاستجلاء الخارجي بالكشف عن الملابسات التاريخية والسياسية والمعرفيّة الحافّة بالكلام نشأةً وتطورًا وسيادةً في المجال المعرفيّ الإسلاميّ، فأقام بذلك مواءمة طريفةً بين البعدين : الصّميمي والحافّ   اللّذين لم ينفكّا يخصبان علم الكلام بالآليّات المفهوميّة، فأكسباه ما به  يستحيل بحثًا في أسئلة المطلق بعد أن كان في البدء سؤالا في نظريّة الحكم وشروط الحاكم ومقتضيات الاسترسال في تحقيق النموذج " المحمّدي" الخالد ، ولمّا كان الكلام عند بوهلال " ضربا من النشاط الفكري الإنساني وتعبيرا مخصوصا عن الدّين"(3) ، حرص على استجلاء نقاط التقاطع بين الثقافي والديني في المسألة الكلاميّة ، ذلك أنّ الكلام شكّل  في كثير من الأحيان  مجالا للتّنازع بين عاملين متغايرين طبيعةً  متداخلين ممارسةً :

 ـ  أوّلهما الرّهان الثقافي وما يحيل عليه من معطيات تخلّقت في فضاء إسلاميّ كانت سمته البارزة الإيمان الغُفلُ البسيطُ ثمّ ما فتئت أنّ تطوّرت بفعل السؤال الوجودي الملحّ خاصّة بعد فعل المعرفة الوافدة  وفي ظلّ الفتوح الفلسفيّة موضوعًا ومنهجًا ، وهوما وسمه الباحث بـ"الكلام المختلط بالفلسفة".

وثانيهما البعدُ الديني الذي شكّل قطب المسألة الكلاميّة ، فليست المقالات عند المتكلّمين إلاّ بحثًا نظريّا في الطريقة المثلى لتحقيق الإيمان الأوفى ، وما العدل والتوحيد والوعد والوعيد والإمامة والخلافة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مواضيعَ ودقيق الكلام وجليله تصنيفًا إلاّ سبلاً حرص المعتزليّ والأشعريّ والجبريّ والقدريّ والحشويّ على النّفاذ منها إلى الحقيقة المطلقة معتصمين في ذلك بالقرآن منطلقًا وغايةً .

  ولتحقيق هذه الغايات المعرفيّة وفق الشّروط المنهجيّة الدقيقة آثر  بوهلال تقسيم البحث إلى فصول سبعة :

2ـ الفصل الأوّل : في حدّ علم الكلام ومنزلته التاريخية : وفيه اهتمّ باستجلاء الأبنية الفكريّة التراثيّة التي تحكّمت في حدّ علم الكلام ، فبيّن أثر تغاير  المنطلقات في ترسّم ذلك باعتبار أنّ الكلام كان على فرادة من الأمر من حيث تقلّبه واختلافه ، ومن حيث تمايز أطواره وتباينها علاوة على علاقته المتغيّرة أبدا مع السلطان  (4) لذلك راوح حدّ الكلام أبعادا مختلفة  التبس  فيها الفلسفيّ بالدينيّ واتّصل العمرانيّ بالسياسيّ ، وهو ما أفاض الباحث بوهلال في الإبانة عنه من خلال فحص مسألة المحنة فحصًا وظّف فيه مجموعة من الآليّات المنهجيّة التي جاوزت حدّ التوصيف والتّأريخ لتفصح عن جواهر الظاهرة مستفيدًا في ذلك ممّا تهيّأ له من مداخل منهجيّة انتروبولجيّة ، وهو ما أتاح له نقد مقاربة يوسف فان آس الذي ذهب إلى أنّ الكلام ظاهرة غير صميمة في الإسلام ، معتبرا أن تاريخ الفكر في الإسلام هو تاريخ الفقه بامتياز ، وقد دحض بوهلال هذه المقاربة باعتبار أنّ " رأي فان آس يهمل حقيقة يؤكّدها تاريخ جميع الأديان التوحيديّة ، هي حاجة كلّ دين في مرحلة متقدّمة من تاريخه إلى معرفة نظريّة ذات نزعة عقليّة تقوم بتخليص الدّين من تناقضاته النّاجمة عن نشأته العفويّة وتصوغ عقائده صياغة جديدة تناسب التقدّم الحضاري والعلميّ الحاصل وتجيب عن التحدّيات الفكريّة الجديدة التي لا مناص من ظهورها لأسباب داخليّة وخارجيّة " .(5)

  وأصّل  بوهلال التجربة الكلاميّة في التراث الإسلاميّ تأصيلا علميّا دقيقًا من خلال التحقيب الذي أجراه لهذه الظاهرة الثقافيّة الدينيّة ، فللكلام ـ عنده ـ أطوار خمسةٌ  ، وهي قسمة سوّغتها تحوّلات صميميّة عبّرت عن رهانات حقيقيّة ، فليس المعتبر في هذا التّأريخ التراكم الكمّي أو التعاقب الزّمني ، إنّما مردّ الأمر إلى نُقَلٍ استجدّتها مقتضيات مضمونيّة ومنهجيّة ، ووسم بوهلال هذه الأطوار بـ" طور البدايات أو الكلام السياسي، وطور الكلام العلميّ ، وطور الكلام المختلط بالفلسفة ، وطور الشروح والمختصرات ، وطور الكلام الجديد " مشيرا إلى أنّ هذه الأطوار لا تؤسّس على تباينها للقطيعة .

3ـ الفصل الثاني : الكلام السياسي : عالج بوهلال في هذا الفصل مسائل على علاقة متينة بقضيّة نشأة علم الكلام ، فصادر مقاربة يوسف فان آس الذي رجّح ظهور الكلام في وقت مبكّر جدّا من التّاريخ الإسلاميّ وتحديدا في النّصف الثاني من القرن الأوّل في خلافة عبد الملك بن مروان وبإيعاز منه ، وهو ما اعتبره ضربًا من الاستمرار للتراث المسيحي السّابق ، كما دحض أطروحة حسن قاسم مراد الذي رأى أن الإرهاصات الأولى قد تشكّلت من خلال الجدل حول الحريّة والجبر في عهد النبيّ . واستند بوهلال في نقد هاتين المقاربتين إلى أسس ابستيميّة باعتبار أنّ ما ظهر في تلك الفترة المبكّرة من أدبيّات  شفويّة ومكتوبة لا يستجيب لشروط العلميّة التي اعتبرها القدامى ضروريّة في كلّ علم . وعني بوهلال بفحص المقالات السياسيّة التي هيّأت المجال لظهور الكلام تجربةً تبحث في سدّ الحاجة إلى أجوبة منطقيّة متماسكة قادرة على إقناع عقلٍ ما فتئ ينفتح على آفاق جديدة تحت وطأة الفتنة السياسيّة الطاحنة بين المسلمين ، حيث صار الاقتتال  عملا يوميًّا بدعوى المروق من الدّين ، وقتال الفرقة الباغية . ولم تكن المسألة السياسيّة على أهميّتها لتكتسب أثرها المحوريّ في الفضاء الإسلاميّ لولا ما ولّدته من  تحدّيات معرفيّة متّصلة بقضايا المصير والحساب والعدل الإلهيّ  ، فالقول بالإرجاء والقدر والغلوّ في الأفراد تجلّيات تفصح في بعض وجوهها عن عمق الحيرة التي اكتنفت عقل المسلم وهو يتأمّل وجوده ومصيره في خضمّ معرفة  يتجاذبها معطيان متناقضان :معطى سياسي مأزوم ومعطى دينيّ ما انفكّ يفارق النموذج الأوفى الذي عايشه المسلمون في عهد النبوّة .

4 ـ الفصل الثالث : المنعرج المعتزلي : أقام بوهلال هذا الفصل على فكرة أساسيّة منطلقها التحوّل الجوهري الحادث في علم الكلام من خلال انخراطه في التجربة المعرفيّة ذات الطابع الميتافيزيقي والطبيعي ، والمعتبر في هذا التحوّل أمر على غاية من الأهميّة ، فقد انتقل الكلام من معالجة قضايا استباحها السّيف فحوّلها إلى مجال للنزاعات الدمويّة التي تركت أثرا عميقا في نظام المجتمع وبنيته السياسيّة إلى معالجة قضايا أخرى يتماسّ فيها الغيبيّ بالطبيعيّ من خلال مؤسسة معرفيّة جليّة الأبعاد تحتكمها أصول الجدل العلميّ والمناظرة الحجاجيّة ، فاستحال الكلام نمطًا في المعرفة العلميّة بعد أن كان مقارعة بالسّيف، و ردّ بوهلال التحوّل الجوهريّ في علم الكلام إلى عوامل ثلاثة :

أوّلا: التحالف الناشئ بين المفكّرين والدّولة بداية من القرن الثالث / التاسع نتيجة الاستقرار السياسي في الحواضر الكبرى وعناية الدّولة بشؤون المعرفة فيها .

 وثانيا : ظهور الحاجة إلى الاختصاص في مختلف المجالات العلميّة ، ومن بينها مجال العقائد وأصول الدين .

وثالثا : تضاعف الحاجة إلى الردّ على النزعات الدينيّة والفكريّة الإسلامية المغالية واللاعقلانيّة ، وعلى التيّارات الدينيّة غير الإسلاميّة المعترضة على الإسلام أو المنافسة له .(6)

وحدّد الباحث الأصول المعرفيّة المشرّعة للتحوّل ، مشدّدا على أهميّتها باعتبار أثرها في إكساب الكلام ما به يستوي نظريّةً ً تستوفي شروط العلميّة منهجًا في التحليل ومضمونًا في المعرفة . وهو ما أتاح له نقد تصوّر الجابري الذي اعتبر أنّ واصل بن عطاء مثّل نقطة تحوّل محوريّة في تاريخ الكلام بعد أن خاض في التوحيد متجاوزًا بذلك حدود النظر في مسألة العدل الإلهيّ . أمّا الخصائص العلميّة للكلام فقد حصرها بوهلال في :

أ ـ  أولويّة المعرفيّ على السياسيّ الصّرف ، من خلال الارتقاء بالقضايا السياسية إلى مصافّ  النظريّة المعرفيّة ومن ثمّة تأطير القضايا الحادثة في صلب المسائل الميتافيزيقيّة .

ب ـ الانفتاح على الآخر : وهو اختيار مؤكّد ما دامت مسالكه واضحة وأثاره ملموسة ، ويمكن التحقق منه من خلال التتبّع الجينالوجيّ لمقالات المتكلّمين . ودراسة الوقائع التاريخيّة الشّاهدة على ما في تجاربهم من تثاقف .

ج ـ الطابع الحجاجيّ : يعكس هذا الطابع أهميّة التحوّل الحادث في صلب علم الكلام ، إذ صارت السطوة إلى قوّة الحجّة والقدرة على الإقناع والإفحام ، وبمقتضى هذا التحوّل انخرطت المعرفة في حدود النسبيّة وانعتقت من الوثوقيّة  التي سيطرت عليها لأحقاب طويلة ، فما استحضار الآخر والسعي إلى إقناعه إلاّ قبول به وإن كان ذلك في حدوده الدّنيا.

5 ـ الفصل الرابع : الكلام العلمي :اهتمّ بوهلال في هذا الفصل ببيان النسّق المعرفيّ العلميّ الذي جسّده علم الكلام ، وهو يقوم على ثلاثة مقوّمات كبرى : أمّا المقوّم الأوّل فهو المنظومة الأصوليّة التي لم تنشأ مكتملة مستوفيه لشروط وجودها المخصوص إنّما تجلّت بدءا بوصفها مسائل جزئيّة ، سرعان ما تطوّرت لتشكّل أصلاً تُـرَدُّ إليه الفروع التي ترتبط بها بسبب من الأسباب ، ومن أدلّ الأمثلة على ذلك قضيّة التوحيد التي لم تكن لتستوي أصلا لولا تدارس قضيّة خلق القرآن في وقت أسبق ، فالفرع بهذا القدر كان له دور المولّد للأصل . ويثبت بوهلال من خلال الدراسة المستفيضة المتبصّرة أنّ أصول الدين ابتكار معتزلي بامتياز هدفوا من خلاله إلى وضع الأسس المبدئيّة للاجتماع والافتراق ، أيّ للتأصيل والتفريع  ، وهي تجربة في المنهجة على غاية من الأهميّة ، أمّا المقوّم الثاني فهو النظرة الذريّة إلى العالم التي لم تتشكّل دفعة واحدة إنّما استوجبت كدّ الأذهان والتحقيق الدّقيق ، وقد مرّت بمرحلتين كبريين : مرحلة أولى أسستها الطبقة السادسة من المعتزلة وعلى رأسها أبو هذيل العلاّف ( ت 227/841) وإبراهيم النظّام ( ت221 / 835) ومرحلة ثانية افتتحها أبو علي الجبّائي ( ت 303 / 915) ، وفيها تمّ تجاوز اختلاف الرّؤى الذي هيمن على مجهود الطبقة السادسة ، وقد أفضى ذلك إلى جملة من النتائج الأساسية في سيرورة علم الكلام على الطريقة المعتزليّة إذ أمّن لها أسباب الاستمرار في كيان موحّد . أمّا المقوّم الثالث الذي أكسب علم الكلام نفسَه العلميّ فهو الاستدلال العقليّ بما هو خبرة في التجريد تقوم على توسيط العقل أداة في فهم الظاهرة الدينيّة وتشريعها ، فصرنا إلى الثنائيّة الأشهر في تاريخ المعرفة في الإسلام : النقل والعقل ، وانقسم الحراك الفكريّ منهجًا إلى قطاعين يتمايزان أداة ًويتّحدان غايةً ، وفي تقدير بوهلال لم تكن نشأة المنزع العقليّ في علم الكلام ترفًا معرفيّا أو ضربًا من الاستئناس بالمعارف الوافدة إنّما كان لإملاءات معرفيّة ملحّة أجملها في نقاط أربع : انغلاق أفق الفهم للنصّ القرآني ، والحاجة إلى بناء منظومات أصوليّة اعتقاديّة ، وانفتاح علم الكلام على المشغل الفلسفي ، وسطوة النزعة الأسطوريّة في أوساط غلاة الشيعة والحاجة الماسّة إلى إبطال مرتكزاتها .

6 ـ الفصل الخامس : المتكلّم . صرف الباحث بوهلال الهمّة في هذا الفصل إلى تحليل " معرّفات" المتكلّم ، وتحديدا ذاك الذي شغلته المسألة الإلهيّة فانبرى لها فاحصًا مدقّقًا باسطًا الأدلّة بين ترجيح وتقرير ، ونفي وإثبات ، إنّه المتكلّم وقد استوى الكلام علمًا له موضوعه المخصوص ومنهجه الفريد ، واعتبر بوهلال أنّ أهمّ معرّفات المتكلّم تكمن في علاقته بالسّلطة ، فضبطها من خلال نزعات ثلاث : المعارضة والمباينة والمشاركة ، أمّا المعارضة فلا تعني بالضّرورة الانشقاق وإعلان العصيان إنّما المقصود بها الاستقلاليّة والاحتفاظ بحقّ نقد الحاكم ورفض مشاركته قراراته (7) ، وهي مواقف عبّرت عنها التجربة المعتزليّة خاصّة مع عمرو بن عبيد عقب انتصار العباسيين ، حيث رفض موالاة أبي جعفر المنصور تماما كما رفض الانضمام إلى معسكر الثائرين ، أمّا نزعة المباينة فقد وجدت صداها منذ بدايات الاعتزال السياسي عندما قرّر بعض الصحابة النّأي بأنفسهم عن الفتنة الطاحنة  واجتناب مناصرة أحد الفرق المتقاتلة ، وقد رسّخ الحسن البصريّ هذا الموقف بتجربة على غاية من الفرادة ما فتئت تبعث على الاحتذاء والاقتداء ، وقد صدرت رؤية البصريّ عن بصيرة نافذة وعقل متوثّب إذ رأى في الخروج على السلطان عاملا مولّدا للفتنة وباعثا على الاقتتال بين المسلمين . أمّا نزعة المشاركة والانخراط في شؤون السّلطان فقد بدأت في عصر المأمون ، إذ سعى هذا الخليفة إلى تقريب العلماء والمتكلّمين توطينًا لحكمه باعتبار المكانة المهمّة التي كان يتبوّؤها المتكلّم باعتبار نفوذه العلمي على. ثمّ بحث بوهلال في علاقة المتكلّم بالمجتمع انطلاقا من طبيعة المعرفة التي يمتلك ناصيتها فهي فئويّة صعبة المراس لا تتهيّأ للبسطاء الذين شغلتهم مشاغل الحياة ، وهو ما يفسّر ضيق القاعدة الجماهيريّة التي تدين للمتكلّم بالفضل ، وقدّم الباحث في هذا السياق تحليلا طريفا لشخصيّة المتكلّم كما ارتسمت في المجتمع متتبّعا ما أوردته كتب الطبقات من معلومات عنه ، وهو في تقديرنا جهد من جوهر البحوث الانتروبولوجيّة ، ثمّ تطرّق إلى الطبيعة الموسوعيّة لمعرفة المتكلّم الذي ليس له أن يجادل ويجري الحجّة في كلامه ما لم يكن علاّمة يجمع بين فنون شتّى من العلوم وأنماط عدّة من المعارف يتقاطع فيها الدينيّ بالسياسيّ والفلسفيّ بالمنطقيّ والذّوقي بالعقليّ ، فلا غرابة والحال تلك أن يكون المتكلّم أديبًا بارعا وشاعرا مطبوعا وفقيها صيرفًا ومفوّهًا نحريرا ومفسّرا مبهرًا .

7 ـ الفصل السّادس : الفرقة .بحث بوهلال في هذا الفصل قضيّة على غاية من الأهميّة، كان لا مناص من التطرّق إليها ما دامت مدخلا أساسيّا لتأصيل النظر العلمي لعلم الكلام، وتتعلّق هذه القضيّة بمفهوم الفرقة ، فالتصنيفات القديمة لا تخلو من تجاذب وتدافع وتنازع مردّها جميعًا إلى اختلاف زوايا النظر وتباين المنطلقات وضغوطات الانتماء للفرقة وما يستدعيه ذلك من حرص على إقصاء الآخر وتهميشه والحطّ من قيمته انتصارا للذات، وقد رصد الباحث بعين الناظر المحقّق عيوبا أربعة نجمت عن عمل المصنّفين القدامى :

ـ الخلط بين المقالة والفرقة لأسباب تاريخيّة وإيديولوجية

ـ  ردّ بعض المصنّفين القدامى جملة من الاتّجاهات الكلاميّة المختلفة إلى فرقة واحدة .

ـ كلام المصنّفين على فرق لا يعترف أصحابها المنتمون إليها بأنّها فرق .

ـ كلام المصنّفين على فرق وهميّة لا يدّعي الانتساب إليها أحد.(8)

وقد تمكّن بوهلال من تصحيح مأزق القدامى بالتمييز بين المقالة والفرقة والمدرسة ، وهي مداخل مفهوميّة محوريّة في سيرورة علم الكلام .

ـ الفصل السابع : حول وحدة علم الكلام.تناول الباحث في هذا الفصل الوظائف التي نهض بها علم الكلام في المجال المعرفيّ الإسلاميّ الذي كان مؤسّسا للكثير من المعطيات السياسية والاجتماعيّة والثقافيّة العامّة ، فعلم الكلام لمّا كان شريفًا في الموضوع كان لزاما عليه ـ بداعي الاشتراط المنطقي ـ أن يحقّق ما تصبو إليه طبقة المتكلّمين من غايات نبيلة منها على سبيل الذكر لا الحصر "

ـ  ترسيخ للعقائد القويمة بدحض المفتريات على الدين وتنقية الإيمان ممّا داخله من شوائب أقحمته في الفضاء الإسلاميّ ديانات قديمة وجدت لها فرصةً للانبعاث من مدخل الشعوبيّة .

ـ تصحيح التجربة السياسيّة : إمّا بالخروج على الحاكم الجائر كما نصّت على ذلك أدبيّات الخوارج ،وإمّا بتهيئة المجال  لتولّي الإمام المعيّن نصًّا كما حدّدته المقاربة الشيعيّة .

ـ إضفاء المعقوليّة والمعنى على الوجود : وهي غاية تعبّر عمّا بلغه العقل الفاعل في تأسيس المعرفة من  قدرة على الاستقراء والتأمّل والاستنتاج   ليشكّل خبرة محايثة ومنافسة للنمط النقلي الذي كان غالبا في المجال المعرفي الإسلاميّ .

 

تلك إذن قراءة موجزة للمقاربة التي أنجزها محمّد بوهلال في تأصيل  البحث العلميّ الذي يتّخذ علم الكلام موضوعا له متسلّحًا بجملة من الأدوات المنهجيّة ،كثير منها مستحدث في الدراسات العربيّة وخاصّة تلك المستمدّة من المنهج الانتروبولوجي ، إنّها مقاربة  متميّزة أجرت كلام العلم في علم الكلام .

ـــــــــــــــــــــ

1ـ الدكتور محمد بوهلال : مدير مركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة ـ تونس ، وأستاذ التعليم بكليّة الآداب ، قسم الحضارة الإسلاميّة . يُعدّ من أبرز الباحثين العرب في قضايا علم الكلام ،و له مجموعة من المؤلفات منها : الغيب والشهادة في فكر الغزالي  .

2 ـ إسلام المتكلّمين ، ص .7.

3ـ المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.

4ـ المصدر نفسه . ص ، 13 .

5 ـ المصدر نفسه .ص ،21.

6 ـ المصدر نفسه .ص،  58، .

7ـ المصدر نفسه .ص، 138  .

8ـ المصدر نفسه . ص - ص : 166ـ 167

 

 

 


Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010