
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
إسلامية المعرفة: المفاهيم والقضايا الكونية
منهج البحث:
يعتمد منهج البحث على إرتباط التفاعل بين جدليات ثلاث، هي جدلية الغيب وجدلية الإنسان وجدلية الطبيعية في إطار كوني واحد، وذلك عبر أداة معرفية هي (الجمع بين القراءتين)، قراءة أولى بالله وبالوحي الإلهي بصفة الله خالقاً: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ وقراءة ثانية موضوعية بمعية الله وبالقلم ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(1. ) فالقراءة الأولى كونية تستمد من الوحي الغيبي عبر القرآن، والقراءة الثانية موضوعية، حيث يهيمن القرآن بالرؤية الكونية للقراءة الأولى على شروط الوعي الإنساني في الواقع الموضوعي، (ليستوعبها) في إطارها العلمي النقدي التحليلي (ويتجاوزها) باتجاه كوني مستمد من الوحي الإلهي القرآني. فالقراءتان ليستا متقابلتين، قراءة في القرآن تقابلها قراءة في الكون، وإنما هي قراءة بالقرآن تهيمن على قراءة الكون المتحرك بشروطه الموضوعية.
المنهج في حد ذاته يعتبر إشكالاً منهجياً، أي مدى إمكانية الأخذ بالقراءة الأولى التي تستمد من الوحي الإلهي، وهو غيبي، لتصبح منهجياً مقروءاً قابلاً لأدنى شروط المنهجية في الاستدلال العقلي وأعلاها في الاستقراء؟!
إن القراءة الأولى بالوحي القرآني تستوعب الحالتين، الاستدلال العقلي والاستقراء العلمي ولكنها تتجاوزهما معاً بإطارها الكوني؛ لأن طبيعة ما هو استدلالي أو استقرائي ترتبط بالظاهرة وحركتها في مضمنات المكان والزمان ومتاحاتها الاختبارية، في حين تعالج القراءة الأولى ما يمتد في الزمان والمكان بأكبر من شروط الواقع الموضوعي. فالقراءة الأولى بالنسبة للإنسان تبدأ معه ما قبل ميلاده وتستمر معه في حياته ثم ما بعد مماته. كما أن علاقتهما مع الظاهرة الطبيعية لا تنتهي في حدود الاختبار الموضعي وما فيه من ترابط سببي، وإنما تنتقل بالظاهرة الطبيعية إلى آفاق الخلق الكوني التي تتجاوز القوانين الاختبارية الوضعية للتأكيد على مفهوم (الخلق) الإلهي الأعقد تركيباً في مقابل مفهوم (الجعل) الذي يرتبط بالصيرورة التي يمكن استدراكها استدلالاً أو استقراءً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(2).
فهذا المنهج الذي نقول عنه إننا (نبتعثه) ولا نخترعه بحكم أن أصوله موجودة في القرآن إنما يعتمد في الأخذ به على الجملة الواعية لدى الإنسان وهي (السمع والبصر والأفئدة). وهي الجملة التي تستصحب كل ما هو استدلالي أو استقرائي -كما سيظهر ذلك لاحقاً حين تعرضنا للابستمولوجيا المعاصرة- ولكن دون أن تبوتق جملة الوعي الإنساني الثلاثي هذه نفسها بالبوتقة الوضعية التي تحدُّ من شروط انطلاقها الكونية؛ بتقدير أن الإنسان نفسه وعبر جملة الوعي هذه (مطلق) في حد ذاته مستجيب بحكم التركيب (المطلق) للكون الذي يوازيه، ومستمداً من الوحي القرآني (مطلق الوعي) الذي يعادل الوجود الكوني وحركته. فنحن أمام مطلقات ثلاث، هي القرآن والإنسان والكون، وفوقهم إله أزلي.
وعلاقة الاستواء هذه بين المطلقات الثلاث: القرآن والإنسان والكون، أساسية في بناء المنهج؛ لأن القرآن بمطلقه هو الوعي الوحيد الذي يقابل مطلق الإنسان ومطلق الكون، فهو يتضمن الوعي المتكافئ مع مطلق الإنسان والكون عبر القراءة الأولى. أما القراءة الثانية، فلا تستطيع بحكم مستوى إنتاجها البشري وسقف تطورها أن تتيح مطلق الوعي؛ إذ إن مرجعية ومصدرية الوعي المطلق إنما تستمد من ذات المصدر الذي شكل مطلق الإنسان ومطلق الكون وهو (الخالق) سبحانه وتعالى.
لهذا، فإن الإيمان بهذا الخالق وإطلاق جملة الوعي الإنساني الثلاثي من سمع وبصر وفؤاد، وإستيعاب وتجاوز كل ما هو استدلالي واستقرائي، والهيمنة بالقراءة الأولى على القراءة الثانية للنفاذ إلى جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، كل هذا يشكل (منظومة) الأساس لهذا المنهج. فميزان هذا المنهج هو مدى ما يولده من قناعة لدى المتلقي تساعده على شق طريقه هو نفسه باتجاه القراءة الأولى. ثم بعد ذلك، فمن شاء فليقتنع ومن شاء فليرفض، فالإنسان نفسه هو المقياس.
إشكاليات المصطلح وقاعدة المفاهيم:
"إسلامية المعرفة" عنوان مركب من (إسلامية) ومن (معرفة)، في حين أن (الإسلامية) فيما يراها الناس (تخصيص ديني) في مقابل (معرفة) هي عامة غير قابلة للتخصيص، وليس التخصيص الديني فقط، وإنما تتسع لعديد من المناهج وتستبطن العديد من الأيديولوجيات. فتركيب المعرفة على الإسلامية يحمل تخصيصاً وتحديداً بوصف هذه المعرفة الإسلامية مفارقة لغيرها على مستوى المناهج الأخرى فهل يمكن مصادرة الإنتاج البشري العام لصالح معرفة خاصة؟!
قد تمت مصادرة المعرفة العامة بأشكال مختلفة لما هو خاص. فهناك المعرفة المادية الجدلية التي تأسست على فلسفة العلوم الطبيعية باعتبارها تطوراً مادياً جدلياً للمدارس الوضعية الكلاسيكية. فما أن نبدأ بالوضعية كنهج مفارق للتفكير الديني أياً كانت طبيعة التفكير الديني، حتى تتطور لزومياً باتجاه فلسفة العلوم الطبيعية وبنهاياتها المادية. ويعتبر ذلك أيضاً من أشكال تطور (العقل الطبيعي) الذي أحدث أول طلاق مع العقل اللاهوتي، ومهد للمدارس الوضعية.
فمنهج المعرفة المادي هو شكل من أشكال مصادرة المعرفة العامة وتخصيصها وكذلك إسلامية المعرفة التي تأتي لتصادر بدورها المعرفة البشرية العامة لتحتويها فلسفياً ضمن التخصيص الإسلامي. مع اعتبار الفارق الأساسي "لقاعدة المفاهيم". فالمادية الجدلية تستند إلى قاعدة مفاهيم تستمدها من فلسفة العلوم الطبيعية المستندة إلى العقل الطبيعي المفارق للعلل الغيبية، خارج موضوعية الزمان والمكان. في حين تستند إسلامية المعرفة إلى قاعدة مفاهيم قرآنية تتخذ من الغيب الإلهي المتعالي بعداً أساسياً في تكوين الظاهرة المشَّيأة والتحكم في مسارها.
قد اتخذت هنا منهجاً "مقارناً" بقصد التبيين "القطعي"، بين طبيعة المعرفتين، الإسلامية والمادية بمنطق (التضاد) ولتوضيح سوابق مصادرة الخاص للعام. وتبيان الاختلاف إلى درجة التناقض في (قاعدة المفاهيم).
غير أن ثمة مساحة واسعة تعج بالعديد المتنوع من أنماط المعرفة، ما بين الذي يؤمنون بالغيب والذين يستنبطون المادية الجدلية، فالعقل الطبيعي وإن كانت المادية من أبرز تطوراته ونهاياته، إلا أنه أسس لأنماط معرفية انتقائية واختيارية وتوفيقية زاوجت مثلاً بين (جدل الطبيعة) و (جدل الإنسان)، في محاولة منها للحد من استلاب الجبرية المادية الطبيعية للإنسان وتحقيق قدر من الحرية له بوصفه كائناً فاعلاً مريداً يمكنه التمرد على جبرية الطبيعة وشروطها المطلقة... وقد أفضى هذا الاتجاه إلى الليبرالية والوجودية والمدارس الإنسانية بشكل عام. وهذا كله في إطار نشاط الطبيعي.
وهذا التوجه في إطار إعادة تقويم العلاقة بين جدل الإنسان وجدل الطبيعة لإيجاد مساحة للإنسان ضمن نشاط العقل الطبيعي، يوازيه جهد آخر مختلف لإعادة تقويم العلاقة بين جدل الإنسان وجدل الغيب بحثاً عن ذات المساحة الحرة للإنسان.
والاختلاف بين التوجهين الذين يستهدفان غايات متقاربة في ما يختص بتحقيق مساحة حرية الإنسان ووجوده في مقابل الطبيعة واللاهوت يرجع إلى اختلاف قاعدة المفاهيم. فقاعدة المفاهيم الدينية في المعرفة تقيد حرية الإنسان بها مهما تضخمت فرديته وانطلقت إبداعيته وانطلق نشاطه، في حين أن قاعدة المفاهيم الطبيعية تعطي حرية وجودية أكبر لهذا الإنسان، في ما نجده من تعبيرات حية للإحالات التي جسدها كولن ولسن في كتاباته، أو سارتر أو غيرهما.
التطور التفكيكي لقواعد المفاهيم
تشكل قواعد المفاهيم التي ذكرناها (تأصيلاً) لمناهج المعرفة البشرية في أطرها العامة، سواء تلك التي قعّدت نفسها على جدل الطبيعة أو جدل الغيب أو جدل الإنسان، أو ما بين هذه الجدليات على تفاوت في نسبية العلاقة، أو المسميات أو مراحل التطور العقلي بداية من الإحيائية (Animistic) ومروراً باللاهوت وإنتهاءاً بالعقل الوضعي بين مرحلتيه، الطبيعي العام ثم الطبيعي المقيد إلى العلم.
يمت كل ذلك إلى (أصولية المعرفة) وجذورها التقليدية، حيث بدأ العالم الصناعي المتقدم ومنذ الثلاثينات وبداية بحلقة فيينا في نسج قاعدة جديدة للمفاهيم اتسمت بالنزعة الإبستمولوجية (Epistemology) التي فتحت الأصول التقليدية السابقة للمعرفة على النسبية المفضلة للاحتمالية، وعلى التحليلية المتماهية مع الثورة الفيزيائية التي هيمنت على الظواهر بمنطق التفكيك.
فالإبستمولوجيا تحرير للمعرفة من الأصولية التقليدية أوجدت قاعدة جديدة للمفاهيم بما في ذلك تحليل المفاهيم نفسها والحفر لا في تاريخ ميلادها فحسب ولكن كيفية إنتاجها ضمن شروط تاريخية معينة للوعي والدلالة، فاتخذت قواعد المفاهيم أطراً جديدة تحررت من ثوابت كل المناهج السابقة، وضعية كانت أو غيبية.
التحرر المعرفي والقطيعة المعرفية
صحيح أن الكثير من المفكرين قد اتخذ من هذا التحرر المعرفي الإبستمولوجي في ظل التحليلية النقدية العلمية المفتوحة ذريعة لإحداث قطيعة معرفية مع الأصولية التقليدية التي انبنت عليها قواعد المفاهيم التقليدية السابقة، غير أن الأمر يختلف لدى بعض آخر من أمثال كاتب هذه السطور. فليس المحتوم هو امتشاق المعرفية لإحداث قطيعة معرفية مع (الموضوعات) التي استثارتها الخبرة الإنسانية في ماضيها، سواء أكانت غيبية أو وضعية، وإنما المطلوب هو "إعادة إكتشافها" وفق توجهات المنهج المعرفي الإبستمولوجي المعاصر وأدواته التحليلية المفتوحة. فمادة المواضيع الموروثة تبقى قائمة (الله) سبحانه وتعالى وكذلك القوانين الطبيعية، ولكن الذي يختلف منهجياً هو تأسيس قواعد مفاهيم جديدة للتعامل مع جدل الغيب وجدل الطبيعة، القضية هنا إعادة اكتشاف بمنطق تحليلي نقدي علمي مفتوح.
قد حطمت الإبستمولوجيا الدغمائية الوضعية، ولكنها حطمت أيضاً الدغمائية اللاهوتية ومترسبات الإحيائية ولكن مع وجود فارق أساسي في طبيعة تحطيم المادتين بسبب من كيفية التناول. فتحطيم البناء الوضعي الدغمائي سهل جداً في مجرى التطور الذهني بإتجاه الإبستمولوجيا، لأنه تطور ينبعث من ذات موجبات العقل الطبيعي وفي سبيل مزيد من إحداث التطور في مجريات هذا العقل الطبيعي أما تحطيم المادة الغيبية فيتم في إطار نفس المنازلة والمجابهة بين العقل الطبيعي وعالم الغيب اللامرئي، حتى ضمن مستوياته التقليدية فالإبستمولوجيا تعمد لاستبعاد الغيب إلى دافعين:
أولاً: استكانتها للمنطق العقلي الطبيعي الوضعي الموروث الذي ولدت ضمنه وإن تمردت عليه.
وثانياً: لأن الغيب بوصفه ما فوق الطبيعة ليس في متناول إحداثياتها وطبيعة المادة التي تعالجها.
ولكن، وهنا الجانب الإيجابي الخطير، إنَّ المنهج الإبستمولوجي العلمي التحليلي النسبي الإحتمالي المفتوح الذي أدان ويدين كل الثوابت المعرفية والدغمائية بإعادة اكتشافها وتحليلها يتخذ منطقياً ذات الموقف تجاه ثوابت الغيب بأصوله اللاهوتية والإحيائية ليعيد طرح مادته –المادة الغيبية- ضمن معايير الاحتمالات طالما أن المنطق الإبستمولوجي نفسه يرفض تأسيس مذهبية وضعية مطلقة.
إذن: ماهو فوق الطبيعة أو وراء الطبيعة يشكل مادة للبحث، ولكن ما مدى القابلية لبحثه وفق مواصفات المنهج المعرفي؟ هنا الإشكالية التي تدفع البعض لاستبعاده؛ لأنه ببساطة خارج منطوق البحث ودائرته. ولكن هذه الخلاصة تشكل ردة في الإبستمولوجيا إلى التقيد بالمذهبية الوضعية التي سبق لإرثها العقلي الطبيعي أن رفض التعامل مع ما هو فوق الطبيعة وإعطاءها حقها في البحث الإبستمولوجي كإمكانية وجودية قائمة. خصوصاً وأن الإبستمولوجيا لا تعترف بطبيعة منطقها العلمي باكتمال المعرفة ونهايات وضع القوانين والتمذهب.
ويأتي التحدي أمام الإبستمولوجيا في مجال العلوم الإنسانية بالذات وبأكثر من مجال العلوم الطبيعية، ففي مجال العلوم الطبيعية يمكن أن تمضي الإبستمولوجيا في محاولة دراسة أثر الذبذبات التي تحدثها أجنحة بعوضة في الأرجنتين على حالة الطقس في أمريكا الشمالية. ولكن يصعب دراسة الآثار المنعكسة للاتساع الكوني اللانهائي على مزاج الإنسان واتزانه العصبي. فالإنسان ليس منفصلاً مستقلاً عن جدل الطبيعة الكونية الذي تكوّن ضمنه ويتأثر به.
فارق المرجعيتين في تأسيس قواعد الفهم:
إذا كانت الإبستمولوجيا قد إعتمدت قاعدة الفهم والمفاهيم المنبنية على تطور العقل الطبيعي الوضعي، بإتجاه علمي مفتوح وبآليات تحليلية وتفكيكية تعالج مادة مرئية ومتوافرة وقابلة لشتى أنواع الإختبارات الملموسة، فإن مشكلتها مع المؤثرات فوق الطبيعية متفاقمة ومعقدة بطبيعتها؛ وذلك ببساطة لأنها فوق متناولها. ولذلك جاء موقف الاستبعاد، غير أن الاستبعاد لم يحل المشكلة حلاً علمياً وبمنطق الإبستمولوجيا المفتوح نفسه. إضافة إلى أن قدرات التطور العلمي وسقفه الآن المتمثل في الثورة العلمية الفضائية الفيزيائية لم تعط سوى (مؤشرات) يمكن للشروط العلمية التعامل معها على استحياء. وهذا ما أسميه التعامل العلمي باستحياء من خلال (الانبهار بالكون).
وهذا الإنبهار يستعيد للنفوس العالمة بتجاوبها مع أحاسيس (الفطرة) التي تمس بأحاسيسها ولا تلامِس بأدواتها العلمية، مداخل الوعي العلمي لمؤثرات ما فوق الطبيعة بعد أن انتقلت بالثورة الفيزيائية من غلاف الأرض إلى لانهائيات الكون. ثم عادت بأدواتها لتحلل ما هو داخل الغلاف الأرضي.
إذن الذي ينقص المعالجة هو المزيد من التطور العلمي الكوني وبذات المنطق الإبستمولوجي حتى نصل إلى اللامتناهيات العلمية في كون لا متناه في تكوينه. وهذا ما لم نبلغه بعد وتحاول البشرية العالمة الوصول إليه وتطور قدراتها وخبراتها.
غير أن مساراً آخر يشق طريقه في عالم المعرفة ليسد هذا النقص ليؤكد من ناحية على أثر ما فوق الطبيعة على الطبيعة، ويسد من ناحية أخرى نقص المعرفة وبذات النهج الإبستمولوجي الذي تمرد عليه وعلى الوضعية معاً.
هنا بالذات يفرض القرآن نفسه ويضعها قيد الاختبار الإبستمولوجي. علماً بأنه يأتي من ذات العالم الغريب على أدوات الإبستمولوجيا المعاصرة، يأتي ليستوعب محدوديتها ثم يستصحبها دون عداء بالاتجاه الكوني اللانهائي. فالقرآن قد حطم في معرض إظهاره لأزلية القدرة الإلهية فرضيات السببية الجامدة ونتائجها الوضعية، فأكد على لانهائيات الناتج في الخلق مهما كانت محددات العناصر المركبة له: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾([3]).
ومع تفكيك القرآن لقاعدة السببية الوضعية الدغمائية في سورة الرعد؛ بحيث يجعل الخلق لا متناهياً في تنوعه مع صدوره عن متناهيات محددة هي تراب يسقى بماء واحد، يعيد القرآن التفكيك مجدداً ليخلق من خصائص المركب الواحد تنوعاً: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(4)
لحظة الفصل والوصل بين القرآن والإبستمولوجيا
هنا بالتحديد لحظة الفصل والوصل ما بين القرآن والإبستمولوجيا المعاصرة. لحظة الفصل؛ لأن الطارق القرآني الغيبي على الإبستمولوجيا من شأنه تحقيق الفصل ما بين الإبستمولوجيا والوضعية، ولحظة الوصل بذات الوقت؛ لأن هناك ما هو مشترك بين القرآن والإبستمولوجيا وهو الوعي المفتوح. لأنه يسمو بهذه الإبستمولوجيا نحو المطلق الكوني والمطلق الإنساني وصولاً إلى "اللاقانون" إلى "اللامحددات" فالقرآن يتعامل مع الإنسان بوصفه كائناً كونياً يرقى في تكوينه ونزوعه اللامتناهي على البوتقة الوضعية وهذا ما سعت لاكتشافه أخيراً، وبعد عناء وضعي ماركسي شديد، مجموعةُ مدرسة (فرانكفورت) الذين حاولوا الخروج من أغلال الوضعية ولكنهم جنحوا إلى وجودية عبثية تفكيكية. فكون الإنسان المطلق كون مزدحم بما هو مرئي وبما هو غير مرئي، فالكل يبدأ محدداً في عالم المشيئة ثم ينتهي ليكون مطلقاً، بما في ذلك الإنسان والطبيعة. تلك لحظة تذهل فيها الإبستمولوجيا، ويغمى فيها على العقل وتصعق الروح. وأهم ما في لحظة الفصل والوصل بين مطلق القرآن والإبستمولوجيا العلمية تجاوز القرآن لاحتمالياتها ونسبيتها المفتوحة باتجاه غائية الخلق، غائية الخلق والتكوين، وبذات الوقت مجرى الخلق باتجاه الحق عبر صيرورة إلهية جدلية كونية منذ أن كان عرشه سبحانه وتعالى على الماء وإلى أن خلق الإنسان وعلَّمه البيان وجعل الآخرة ما بعد الموت مأوى له، فتلك صيرورة كونية تحقيقاً لغائية الخلق في حد ذاته من جهة وباتجاه الخلق نحو الحق من جهة أخرى وهذا منطق تركيب بعد التفكيك الإبستمولوجي تعجز عنه المدارس الوضعية مهما كانت إدانتها للمذهبية الوضعية الجامدة ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾([5]).وكذلك فإن الخلق بغايته المحددة ليس ملهاةً له ومزاحاً إلهياً: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾(6)
في حين أن الإبستمولوجيا العلمية تستهدف التفكيك والتحليل ولازالت بعد عاجزة عن الوصول إلى التركيب فمدرسة فرانكفورت –مثلاً- قد فككت الوضعية المادية لتعطي مساحة للإنسان، ولكنها لم توضح في النهاية أي إنسان هذا الذي تريد أن تعيد تركيبه وتمنحه حريته، والسبب أنها تحاول إيجاد الحلول ضمن البنية الوضعية نفسها، بل إن الأفضل كثيراً من جهود مدرسة فرانكفورت ولكن عبر منهج أكثر إنسانية هو الناقد الأمريكي لبوتقة الإنسان، رويس، وموقف القرآن لأنه مطلق من هذه التفكيكية أنه يستصحبها في معرض التفكيك والتحليل والنقد ولكنه يضيف إليها التركيب الغائي. وهذه من أهم اللحظات المعرفية في الفصل والوصل؛ لأن التفكيك والتحليل ينتهي في ممارساته إلى تفكيك الإنسان نفسه ليجعل مصيره سجلاً احتمالياً ونسبياً مفتوحاً فتكرس الليبرالية الفردية الغريزية وتفقد حتى الروابط العائلية معناها، فالمنهج الإبستمولوجي بقدر ما هو مفيد على مستوى التفكيك هو الخطر بعينه إذا لم يتجه نحو التركيب. ولا يتم التركيب إلا عبر وعي كوني مطلق يصدر عن الإله الأزلي، تقدست إرادته وتباركت مشيئته وتنزه أمره.
وظيفة القرآن –بالنسبة للإبستمولوجيا المعاصرة- أنه يسد النقص في المعرفة الكونية بمنطق (الاستيعاب) و(التجاوز) معاً. رجوعاً إلى تركيبة القرآن نفسه بوصفه معادلاً معرفياً مطلقاً في حد ذاته لمطلق الإنسان ومطلق الوجود الكوني. فهو كتاب (متعالٍ) بمعنى مطلق تعطي نصوصه أو آياته الكونية حتى بما فيها من ملائكة وجن متاحات وعي لامتناه في كون لا متناه، فالخلق في القرآن يتجاوز خصائص المادة وتفاعلاتها المنضبطة إلى تفعيلها عبر حركة كونية لا متناهية.
من ذلك "النفس" التي هي ثمرة تفعيل المتقابلات الكونية؛ بحيث تجاوزت، بمرئياتها ولا مرئياتها وإرادتها ووعيها ونزوعها اللامتناهي إلى درجة المطلق، نسيجها الجسدي، وتوضح لنا سورة الشمس أبعاد التركيب الكوني للنفس الإنسانية التي لم تستدركها بعد المناهج الوضعية لعلم النفس والاجتماع: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾([7]). ومن ذلك النتاج المركّب من عنصرين (ماء وتراب) والناتج المختلف من عنصر واحد (ماء فرات وماء عذب) ومن ذلك عسل مختلف ألوانه، ومن ذلك لبن بين فرث ودم، خلق مركب لا متناه متجاوز كل طاقات الفهم العلمي وثوراته الفيزيائية أو البيولوجية ولكنه مقيد إلى (غاية).
لحظة الفصل والوصل بين القرآن والإبستمولوجيا، تعبر عن نفسها بمنطق الاستيعاب والتجاوز باتجاه المطلق المعرفي اللامتناهي. هنا بالتحديد يكون (منهج الجمع بين القراءتين)، مدخلاً لتأسيس قاعدة المفاهيم الكونية المطلقة والجامعة؛ أي (القراءة الكلية) والدخول في عالم الكليات. حيث يكون الجمع ما بين القراءة بالله خالقاً والقراءة مع الله معلماً بالقلم الموضوعي فالأولى قراءة ربانية متعالية وصولاً إلى اللامتناهي والثانية قراءة موضوعية نسبية وصولاً إلى المحددات.
ومدخل القراءة الأولى ليس مجرد الرؤية في ظواهر المخلوقات أو آيات الكون المتحرك لنستدل بها على وجود الخالق وأسمائه الحسنى مدبراً وخالقاً ومبدعاً ليتحقق لنا الإيمان به. ولا يتطلب الإيمان الصعود إلى مرحلة القراءة الأولى، فمقوماته بالنظر متوافرة لكل الناس، منذ أن خلقهم الله وإلى اليوم. فخاصية القراءة الأولى قراءة في "الإرادة الإلهية" المتبدية في ظواهر الخلق والحركة. أما القراءة الثانية، فهي قراءة في (ظواهر الخلق والحركة) نفسها بحيث نتعرف على قوانينها وتشيئها ونسيطر عليها، فالقراءة الأولى قراءة في عالم (الإرادة الإلهية) والقراءة الثانية في عالم (المشيئة الإلهية).
فالجمع بين القراءتين ليس كما ذهب إليه البعض قراءة في كتابين: الأول كتاب القراءة والوحي، والثاني كتاب الكون المتحرك؛ بحيث تفضي قراءة القرآن إلى الكليات وتفضي قراءة الكون المتحرك إلى التفاصيل، ثم تفضي بنا القراءتان إلى الإيمان. ففي هذا القول تبسيط لحقيقة هذا المنهج، وتضييع له بذات الوقت.
فالإنسان بالقراءة الثانية يتعرف على الظواهر الطبيعية ويقرأ قوانينها ويتعرف على التاريخ والتوزيعات الجغرافية والبشرية وكافة أنواع العلوم، مثله في ذلك مثل أي إنسان في كل مكان في العالم وفي أي مدرسة أو جامعة.
أما القراءة الأولى، فإنها ليست معنية بذلك ولا تبحث في القرآن عن دالة أو دلالات لهذه الظواهر في ما يسمونه التفسير العلمي للقرآن، وإنما تبحث القراءة الأولى في أمر آخر هو (الإرادة الإلهية المرتبطة بالحكمة) في كل ذلك ومن كل ذلك والمؤشرات الدالة على ما يتجاوز قدرات العلم البشري، كمؤشرات وليس كمعرفة، فما جئنا به في سورة الرعد أو سورة فاطر أو عندما يحدثنا القرآن عن العسل أو اللبن أو النفس إنما هي (مؤشرات) للدلالة على اللامتناهيات الخلقية، وليس مساقات تحصيل علمي؛ فللتحصيل العلمي شروطه الموضوعية العلمية، فلا نكون كمن يسأل الرسول(ص) عن الأهلة فذاك دخول للبيوت من غير أبوابها.
مقاربة فهم الإرادة الإلهية عبر القراءة الأولى من القرآن والمتحققة في ظواهر الوجود وحركتها، مكانها وزمانها، لا تعني قط –كما فهم البعض- مضاهاة القرآن ككتاب مقروء بالكون ككتاب متحرك. وهذا ما يزعجني في ما انتهى إليه الذين تناولوا كتاباتي حول الجمع بين القراءتين منذ عام 1979 وإلى اليوم.
وتعلُم القراءة الأولى لا يتم عبر منهج موضوعي محدد بشروط، وإنما يستمد القراءة الأولى من طبيعتها بوصفها قراءة بالله، تتم بتقوى الله في ما نقدر عليه، وبرجاء رحمة الله وغفرانه في ما لا نستطيع. فالقراءة الأولى قراءة (عبودية)، لا ينالها من يريد علوّاً في الأرض وطغياناً، ولا ينالها من يفسد في الأرض ويسفك الدماء... ومَرَاقِيها لا تقل عن مشقة المراقي العلمية الاختبارية في معمل الكيمياء، فلكل درب مسالكه ومشاقه، العابد يلح على الله كما يلح العالم على المادة ويحللها ويفككها.
ولا تعتبر نتائج القراءة الأولى المستمدة من منهج غيبي موجهات ملزمة لمن يستمع إليها، إلا أن يسمعها وتقع في روعة ويكون له نصيب فيها، علماً بأن القراءة الأولى لا تعتمد على تأويلات ذاتية باطنية؛ إذ تستند إلى مرجعياتها في القرآن نفسه، وهي مرجعيات ندخل إليها بعد الهدى الإلهي ﴿إقرأ بإسم ربك الذي خلق﴾ متعززين فيها بآليات حديثة ومستحدثة لفهم القرآن وبما يقارب النهج الإبستمولوجي نفسه. فبهذا النهج يتعزز الفهم ولكن ليست هذه الآليات المساعدة هي المدخل الحقيقي؛ إذ إنها معززة ومساندة ومساعدة، مثال الحفر المعرفي والألسنية المعاصرة والتاريخانية، بحيث نستدل على الوحدة المنهجية العضوية الضابطة لكل آيات الكتاب وامتناع فعل الناسخ والمنسوخ وفعل المترادف والمشترك في لغة القرآن، وإعادة اكتشاف معاني، بوجوه أخرى، لذات النص القرآني المطلق إنطلاقاً من أن القرآن مكنون، ومجيد، وكريم، ومطلق، وكوني متميز عن سائر الكتب السابقة عليه، بوصفه كتاب الأرض الحرام وليس المقدسة، والمتنزل مع خاتم الرسل والأنبياء(ص) الذي آتاه الله السبع المثاني والقرآن العظيم، وأيده بالروح القدس وجعله أول المسلمين، وميَّز رسالته بخصائص لم تتوافر لمن قبله ولا تتوافر لمن بعده.
فالآليات المعرفية الإبستمولوجية المعاصرة تشكل قوة إسناد لدعم القراءة الأولى ولكنها ليست مصدرها؛ لأن مصدر القراءة الأولى يُستمد من ذات طبيعة القراءة الأولى؛ أي العبودية لله سبحانه وتعالى.
القيمة المنهجية للقراءة الأولى:
من نتائج القراءة الأولى أن لها قيمة مزدوجة: فهي من الناحية الأولى تحتوي القراءة الثانية بمنطق الإيمان الدال على التسخير الإلهي للكون وليس العلو والطغيان والصراع والتضاد. ولهذا الأمر قيمته الوجودية.
والأمر الذي يتلو ذلك ويعلو عليه في القراءة الأولى هو الكشف عن المنهج الكوني القرآني والتعامل مع القرآن نفسه كمنهج معرفة متكاملة، فبالقراءة الأولى تتأسس قواعد مفاهيم متكاملة ومترابطة، تفضي كل قاعدة منها إلى قواعد أخرى، بداية من التمييز بين خصائص العوالم الثلاث للفعل الإلهي من عالم الأمر المنزّه إلى عالم الإرادة المقدّسة وإلى عالم المشيئة المباركة، وفوارق التشريعات المتعلقة بها، وحركة التاريخ والاصطفاء، والتدافع وخصائص الأمة الوسط، وعالمية الأميين، وآفاق الصيرورة الكونية الإلهية المتعلقة بالإنسان منذ ما قبل ميلاده وإلى ما بعد موته، وعلاقة الخلق بصيرورة الإتجاه نحو الحق، ومداخل السلوك الإنساني في الموقف من الغيب إيماناً وكفراً، وفوارق الخطاب الموجه إلى الناس كافة وإلى المسلمين خاصة. وخصائص الحقبة النبوية الشريفة واستحالة تكرارها، ونوعية الخطاب القرآني الخاص بها، وطبائع الرسل والنبيين وشخصياتهم كمثال طبيعة السيد المسيح(ع) والنفخ، وإحيائه الموتى والقول بقتله وصلبه، والفارق بين الأسماء (الحامل فيها والمحمول) منذ أن تعلّمها آدم، وعلاقة الله بالإنسان كفراً وإيماناً في عالم المشيئة، وعلاقته به اختياراً وجبراً مما يحل مغاليق المتاهات الفلسفية، ومضاهاة السنن الكونية بالسنن الإنسانية الأخلاقية، وخصائص التشريع العائلي وما ورائيات الزنا ومداولات المال، وعلاقة المسلم بالآخر وصولاً إلى النهج الكامل لمجتمع إيماني متكامل ما بعد الحقبة النبوية الشريفة، وكيفية الأداء الديني بعدها ومواضيع كثيرة أخرى.
فالقراءة الأولى إذ تستصحب القراءة الثانية، فإنها تتسامى بها إلى ما فوق النزوعات الغريزية من جهة ثم تستصحب ما يستجد من مناهج القراءة الثانية لتعزز بها رؤاها الربانية، فهي قراءة في (داخلية) القرآن وليست حساً ظاهرياً لمعانيه، ولكنها كما ذكرنا ليست قراءة باطنية تأويلية ذاتية وليست عصرانية مفتعلة. وليس من دليل نهائي عليها –من بعد استخدام المناهج الإبستمولوجية العلمية- سوى مخاطبتها للسمع والبصر والفؤاد، فهي قراءة مصدقة للقرآن ومكنونيته ومجيديته وكرمه وإحاطته.
مفهوم الهيمنة والنسخ:
وأخطر ما في القراءة الأولى التي تستمد من كلية القراءة مفهوم الهيمنة والنسخ الذي يتغشاه القارئ على امتداد القرآن المكنون، فالقرآن الخاتم بهيمنته على ما سبق من كتب صدقها فإنه يتولى بذات الوقت تصويب ما حُرِّف فيها بمنطق (نقدي استرجاعي) مثال قصة ابراهيم(ع). والقرآن يتولى عبر النسخ تحديد ما هو للإرادة الإلهية المقدسة من شرائع، وتحديد ما هو للمشيئة الإلهية المباركة بتواصل بين الحنيفية الإبراهيمية التي كُرِّست لإمامة الناس والحج والقربان شكراً على المكان، وإمامة المسلمين تنزلاً من عالم الأمر الإلهي إلى عالم المشيئة العالمي، وهكذا يتم النسخ مع كشف مواطن التزييف ومصادر التي قد تستخدم للطعن في خصائص الإسلام، ليس هيمنة فقط على ما مضى باسترجاع نقدي ونسخ، ولكن هيمنة على ما يكون في حاضر الحقبة النبوية الشريفة وما بعدها.
وفوق ذلك يبرئ القرآن نفسه من التاريخانيات التي تُسقِط نفسها عليه عرفاً وثقافة ووعياً ليتجدد مع كل تاريخانية حاضرة ومستقبلة، فالمدى في القراءة الأولى واسع ومتسع ويتبلور من خلالها المنهج بتراكم قواعد المفاهيم وترابطها، فالقرآن كون معرفي قائم بذاته.
ولكن: لماذا القرآن وليس الكتب السماوية الأخرى؟
الإجابة على هذا السؤال تتطلب مساقاً علمياً آخر نكشف فيه عن قاعدة أخرى للمفاهيم تتعلق بمفهوم وتطبيقات الاصطفاء الإلهي للبشر والأرض وللزمان والمكان. فكل الكتب السماوية متنزلة في الأرض المقدسة في حين تنزل القرآن وحده في الأرض الحرام والأرض الحرام أعلى درجة من الأرض المقدسة. والكتب المقدسة تخاطب أقواماً وشعوباً في إطار خطاب حصري موقوت بالزمان والمكان وبالتالي فتلك كتب عهد، أما القرآن فهو للناس كافة ويتسع لمطلق الزمان والمكان، جاء حاملاً الصيرورة الكونية كلها، ومعادلاً بالوعي للوجود الكوني وحركته، وتميز نبيه بأنه نبي الأرض الحرام وخاتم النبيين بذات الوقت، وجاء بدين أكبر درجة من الإيمان وهو الإسلام. فإبراهيم(ع) إمام الناس وموسى إمام المؤمنين(ع) أما محمد(ع) فهو إمام المسلمين بمن فيهم الأنبياء الذين أسلموا والربانيين.
فالقرآن –إذن- هو المقابل الديني للمفاهيم الوضعية ومنه نستمد إسلامية المعرفة، فالمعرفة المقابلة للوضعية لا تكون إلا إسلامية، ولا يمكن أن نطلق عليها اسماً آخر، كالمعرفة الدينية مثلاً والتي يمكن أن تختلط بكتب الأرض المقدسة القابلة للتحريف خلافاً لكتاب الأرض المحرمة الذي لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا ما بين ذلك، بحكم حرمته وليس قدسيته وهو الكتاب الوحيد الذي به حفظ ما سبق من ذكر، وبه تصحّح تحريفات ما نسب ودس بحكم الهيمنة. كما يكون هو المعيار لما يستجد لاحقاً ومستقبلاً فيثبت وينفي، فهو الميزان ولهذا نقيس عليه الأحاديث النبوية الشريفة واجتهادات العلماء.
نهايات الجهد العملي للمنهج:
ثم نأتي لأخطر تساؤل حول النتائج والنهايات العملية لأخذنا بهذا المنهج وإعادة طرح المعرفة الدينية مجدداً بوجه المعرفة الوضعية. هل يعني ذلك أننا أمام مشروع إسلامي حضاري عالمي يستوجب التنظيم؟
يجب أن ندرك مسبقاً أن معركة الدين ضد الوضعية، حتى في حال الطرح الديني المعرفي المنهجي بطاقة القراءتين في القرآن، واتساع الفهم لجدلية الغيب والإنسان والطبيعة، هذه المعركة ليس من شأنها أن تُحسَم في هذه الدنيا التي أحيانا الله فيها مرتين وأماتنا مرتين، أو يحيينا ويميتنا طالما أننا لا نتذكر النشأة الأولى، فالغالب على الناس هو عدم الاستجابة بالرغم من الرسل والنبيين، الأمر الذي اقتضى تدخل الله مرتين: الأولى في الحقبة اليهودية الإسرائيلية والثانية في الحقبة الإسلامية العربية ضمن منطق الاصطفاء للأقوام والأمكنة فكان النصر في الحالتين نصراً إلهياً وليس بشرياً والحالتان يستحيل تكرارهما فكل ما نفعله عبر جهدنا المعرفي هو أن نحافظ على إرث التأسيس وأن ندعم بنيانه ولا يتبقى منه بعد ذلك سوى التدافع العربي-الإسرائيلي تحت المظلة الإسلامية اليهودية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ﴿وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾([8]). فالسابقون السابقون هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ولا يبقى بالتساوي إلا أصحاب اليمين بعد أن يستكثر الجن من الإنس. فكل ما في الدنيا هشيم تذروه الرياح، وغالباً ما يفشل البشر في اكتشاف طريق الحق أو يكتشفونه ويرفضونه.
قد سخر الله للإنسان ومنذ بدء استخلافه الآدمي مستويات ثلاث، في عوالم ثلاث: عالم الأمر والملأ الأعلى حيث كان آدم وهبط دون ذلك، ثم عالم الإرادة حيث كان بنو إسرائيل، القرية الرغدة وشق البحر وهبطوا دون ذلك، ثم عالم المشيئة وهبط العرب دون ذلك، فترى الفتن والخطوب علهم يرجعون، وجزاء كل سيئة مثلها إلا من رحم ربي. فقاعدة المفاهيم الإسلامية لها نسقها الخاص وحضارتها الخاصة. غير أن أوضاع مجتمعات ما بعد الصناعة والاستقطابات العالمية للإنسان لم تفد في حل مشكلاتها عبر القياس على المجتمعات البدوية والرعوية والزراعية والتجارية والحرفية ما قبل الصناعة.
ولذلك ركز الخطاب القرآني بتوسع على الحالتين الإسرائيلية والعربية بنفس المستوى تقريباً الذي ركّز فيه على حال الأقوام من بعد نوح حتى شُبِّه القرآن لدى البعض بأنه يولي تلك الأقوام الحيّز الأكبر من اهتماماته تاركاً لمن تبقى متاهات تتعلق بالتأسي والامتداد، ومنهم من قال: إنه خطاب عربي أو يعنى بالحقبة النبوية الشريفة وما قبلها ولا يتطرق لما سيأتي في مستقبل متغيرات الأزمنة والأمكنة. كما أن التركيز هو دائماً على مواجهة الشرك الصنمي البواح، والتأكيد بعد ذلك على وحدانية الله والبعث الأخروي وطرح موجبات العبور الصالح في الدنيا. فكأنما القرآن هو مستودع هذه الرباعية فقط (نبذ الشرك –وحدانية الله- العمل الصالح- البعث الأخروي).
فالأمثلة القرآنية أمثلة تخاطب مجتمعات ما قبل الصناعة وتركيب الأسرة الزراعية والريفية القبلية، وحتى البحرية التي تقوم على الصيد ومسخرات الحمير والبغال والخيل، وتخوف ركوب البحر، حتى أن القرآن ليتماهى مع بعض المظاهر الاجتماعية والسلوكية في تلك المجتمعات ما قبل الصناعة؛ إذ لم يتطرق لتحريم الرق بالمستوى الذي حرّم به لحم الخنزير، أو تعدد الزوجات، وبدا أنه يقر دونية المرأة في الشهادة مع فرض الخمار عليها إلخ... ما يجعل فقهاء الإسلام المعاصرين في حرج من أمرهم تجاه المشكلات النوعية المتجددة؛ بحيث إن الفقيه المتمكن الذي يُستشهد بآرائه هو فقط من يكون قادراً على فهم واسترجاع أحوال تلك المجتمعات السالفة ثم الاجتهاد في المشكلات المعاصرة بالقياس عليها وهكذا أصبح "القياس" أحد الأصول بعد القرآن والسنة والإجماع.
إضافة إلى أن "فرض" الدين على المجتمع بالمواصفات التاريخية السابقة يحتاج إلى تدخل إلهي، سواء أكان تدخلاً محسوساً ملموساً كما كان في الحقبة اليهودية الموسوية، أو تدخلاً غيبياً كما كان في مطلع الحقبة الإسلامية الأمية المحمدية الأولى. ويجب أن نلحظ بوضوح أن كافة النبوّات لم تجد الاستجابة المطلوبة من الشعوب والأقوام ما عدا نبوّة موسى ونبوّة خاتم الرسل والنبيين، وأتى الاستثناء عبر التدخل الإلهي، المحسوس ثم الغيبي: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾(9)
فالذي يتبقى من الدين هو إرث عام يتداخل مع الطبائع البشرية ومكونات العرف والثقافة إلى مستوى التحريفات في كثير من الأحيان، أي تحول الدين من معرفة إلى أيديولوجيا تخالطها الكثير من الأفكار.
غير أنه يتبقى أمر واحد للحفاظ على الدين، وهو التدافع الذي من دونه لهدمت دور العبادة، وليس خربت بفعل المعارك العسكرية. والهدم إنصراف، بالتدافع تبقى جذوة الدين عبر العصبيات: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾([10]). هذا تدافع عالمي عام غير أن التدافع الأكثر فعالية هو التدافع الخاص ما بين العرب تحت مظلة الإسلام والإسرائيلين تحت مظلة اليهودية أياً كان فهم المتدافعين لدينهم في إطار التثبيت العصبوي. ويرتبط الأمر هنا باصطفاء الأرض والبشر ومحددات الزمان والمكان –كما ألمحنا سابقاً- هكذا نجد:
أن إعادة إنتاج الحقبة النبوية الشريفة بالنسبة للمسلمين، أو إعادة إنتاج الحقبة الموسوية بالنسبة لليهود، وبالقوة البشرية الذاتية في ما تطرحه الحركات القائمة اليوم أمر خارج موجبات ومقومات ما تبقى من الإرث الديني العام.
غير أن هناك ممكناً ملحاً وضرورياً يُستنهض تلقائياً وبتقدير إلهي بموجب التدافع العربي-الإسلامي بوجه الإسرائيلي اليهودي، كما أوضحت مقدمة سورة الإسراء ونهايتها ومقدمة سورة الحشر، وهو التمسك بالدين نفسه على أن يتجه علماء الأمة لترقية وإحكام ثوابت هذا الدين، بداية من التأكيد على القيمة المعرفية للإيمان بالله الواحد الأحد لإظهار الرؤية الكونية التي يرتبط بها مصير الإنسان الكوني منذ ما قبل ميلاده وإلى ما بعد موته، كبديل عن الرؤية الوضعية. وهنا يأتي دور إسلامية المعرفة متى فُهِمَت في إطار القرآن ومطلقه، وبما يعادل مطلق الإنسان ومطلق الوجود، وعبر الجمع بين القراءتين والاستهداء بالعلاقة الجدلية ما بين الغيب والإنسان والطبيعة واسترداد العلم من براثن القبضة الوضعية، حيث يتعزز الدين حين يحلق العلماء بعلمهم في رحاب الكونية والكون:
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾([11]). ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(12).
ولكن حين يجنح بعض الوضعيين لاستلاب العلم باتجاه الشيئية بما في ذلك تحويل الإنسان إلى شيء وتجريد العلم من كونيته ندخل جميعاً في البوتقة الظلامية، فيأتي الدين مجدداً ليسترد بضاعته بنفي الوضعية عنها، وهذا هو أساس إسلامية المعرفية؛ أي المعرفية الكونية غير الوضعية.
وقد بدأت الحضارة الغربية –كما ذكرنا- في ارتياد أولى مسالك الطريق ولكن ليس باتجاه الكونية بعد، ولكن بحصار الوضعية كفلسفة للعلوم الطبيعية والإنسانية بداية بحلقة فينا وامتداداً إلى مدرسة فرانكفورت...والظاهر في الأولى (فينا) التركيز على تفكيك دغمائية العلوم الطبيعية، كما أن الظاهر في مدرسة (فرانكفورت) تفكيك المادية الوضعية الجدلية. غير أن هذا التفكيك ذو الطبيعة الإبستمولوجية المنفتحة لازال في إطار الوضعية ولم يتم التخلص منها بعد.
فحين يسترد الدين المعرفة العلمية إليه باتجاه الكونية ويبرئها من الوضعية يكون قد قام بعملين مزدوجين في كل واحد، فمن ناحية يدين الصراع اللاهوتي المسيحي مع العلم، ومن ناحية أخرى يدين توجهات الوضعية في العلم، فلا تكون المعرفة بعد ذلك إلا إسلامية، مبرئاً الدين من اللاهوت بذات الوقت الذي يبرئ فيه العلم من الوضعية.
فمشكلة الوضعية أنها قيَّدت العلم بمخططها الذي رفض التعامل مع الظواهر التي لم ترتق أدواته للتعرف عليها وقياسها مخبرياً، وفي حمى رفضه لها يتناسى أنها ظواهر حية في حين أن مهمة العلم الدائمة أن يتعرف على ما لم يتعرف عليه بعد، وإلا أصبح العلم مالكاً للحقائق وكفّ أن يكون علماً.
فنحن في عصر العلم والعالمية وقد تغيرت نوعياً إشكاليات الفكر والواقع. هنا تقف إسلامية المعرفة بكامل أطرها المنهجية لتطرح البديل المتجاوز للوضعية في عصر العلم والعالمية؛ حيث نعيد فهم ديننا وفي هذا الإطار بوصفه "عالمية خطاب"، "وحامية كتاب" و "شرعة تخفيف ورحمة" بتوجه إلى كافة مجتمعات العالم المعاصر، باستيعاب وتجاوز لكافة المناهج المعرفية والأنساق الحضارية، وبما يؤمِّن التداخل بالوعي مع إشكاليات العالم المعاصر والتي لا تجد حلاً موضوعياً لها إلا بانتقال الإنسان من سجن الوضعية إلى آفاق الكونية، عبر كتاب كوني هو القرآن بالذات.
هذه هي الكلية الضابطة لنسيج قواعد المفاهيم التي نستمدها من القرآن، وعبر الاستنباط وإعمال القراءة الأولى للإحاطة بالمتغيرات خلافاً للخطاب القرآني المبسط والمباشر الذي توجه للأميين العرب في حينها؛ أي خطاب ما قبل المنهجية المستمدة من القرآن نفسه وقبل استكمال الوحدة العضوية المتداخلة للعالم أجمع وما قبل الصناعة؛ ولهذا قلنا بالعالميتين: الإسلامية الأمية الأولى، ثم الإسلامية العالمية الثانية، واستنادها إلى منهجية القرآن بمستوى معرفي معاصر، والإرث عن خاتم الرسل والنبين، وليس رسالة ثانية وذك بموجب سورة فاطر (الآيات 31 و 32) وبحكم مجيدية القرآن ومكنونيته وكرم عطائه المتجدد.
إن تفعيل هذه النقاط، أو المرتكزات أو الأساسيات يتطلب جهداً (جماعياً) من ناحية ومؤسسياً من ناحية أخرى. وقد قامت بعض الجهود التي وقفت على أعتاب هذا المشروع ثم أجهضت لأسباب ليس هنا مجال تبيانها. فأن نشرع في تأسيس ما يقابل الوضعية الدنيوية بعمقها وهيمنتها في عصر العولمة الوضعية فهذا جهد يحتاج إلى تدبر. بل أن كل مشاريع البعث الحضاري الإسلامي النابتة من جذوة عصبيات التدافع، والتي تستند إلى القياس والإرث التاريخاني دون أن تنفتح على القراءة الأولى في القرآن ومنهجيتها، لا تساعدنا إلا بالقليل في عصرنا المتغير هذا. بل إن الجهد الذي طرحته هو المدخل الذي يحقق لنا التدامج بين المشروع الديني العالمي ومتطلبات التعددية، والتنوع في عصر العولمة. فنحن نضع جدل الصيرورة الكونية بديلاً عن جدل الوضعية، ومع إدراك تام لفوارق النسق بين المراحل الدينية المختلفة، والمستويات التي أجريت فيها، منذ آدم وإلى محمد، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه؛ لأننا إذا لم نتفهم هذه الخلفيات كلها فسيصعب علينا فهم حقيقة ما يجب أن نفعل.
تطبيق إسلامية المعرفة على الواقع الموضوعي:
باسترداد العلم الذي سُخِّرت به السموات والأرض، ظواهر وحركة للدين، بعد الإخلال الوضعي، فإن أولى مهمات إسلامية المعرفة في الواقع الموضوعي المعاش هو التأكيد على كونية الإنسان مجدداً، وربطه بالمنهج الرباني الكوني للتعامل مع مشاكله التطبيقية وإشكالياته العقلية والأخلاقية.
وقتها سنكتشف أن إسلامية المعرفة ليس بحالها، فقط، القلب والتدين التطهري والآخرة، وإنما بحالها الواقع الحياتي الموضوعي الحي. والتغلب على الأزمات والآثار الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية الناتجة عن قصور وإضلال المذاهب الوضعية.
فإسلامية المعرفة الكونية تؤكد على العائلية كأساس للوحدة الاجتماعية وليس الفردية. العائلية المستمدة من زوجية الخلق كله، في المادة وفي النبات والحيوان والإنسان ومتقابلات النظام الفلكي: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([13]). وبالزوجية تنفى الفردية الوضعية وتنفي معها متعلقاتها الليبرالية الإباحية، فتكون شرائع منع الزنا، واستبعاد التبني وحكمة التعدد وأحكامه، وتحديد دائرة القرابة المحرّمة.
وبكونية الإنتاج المستمدة من الخلق الإلهي تكون فريضة الزكاة المقابلة، فكل ما ننتجه مركب على قوة عمل إلهي تحكم في خصائصه المادة وفي اقترانها ببعضها، حركةً وأسباباً. وبتعزيز ذلك بالإنفاق ومنع الربا الذي يربو في أموال الناس، متجاوزاً الضعف المضاعف مع منع الإكتناز.
فالبناء الاقتصادي الإسلامي كما هو البناء العائلي منظومتان مستمدتان من الرؤية الكونية وليس الوضعية للوجود. فالرؤية الوضعية ليس بمقدورها أن تفسّر لماذا لا تباح العلاقات الجنسية حتى بين الذكور، وليس بمقدورها أن تفهم معنى الزكاة، ومعنى الإنفاق والتي تحاول مقاربتها ومضاهاتها بالضرائب، والزكاة والإنفاق ليسا من الضرائب في شيء، ومالهما للمجتمع وليس للدولة.
ومن البنائية العائلية إلى البنائية الاقتصادية بمنطق الجمع بين القراءتين، يمتد السياق إلى البنائية السياسية المركبة عليها، فلا تنابذ ولا صراع ولو تقنن بالديمقراطية وإنما السلم للناس كافة بلا دعاوى وصراعات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾([14).
وكما لا ديمقراطية تقر بالصراعات المقننة على حساب السلم كافة، لا شمولية تصادر الإختيار الحر، فأولي الأمر "منا" بالإختيار الحر، وليسوا "علينا" بالغلبة وإمارة الاستيلاء، وليس (فينا) بالإرث الاجتماعي والتاريخي: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾([15]). فليس المطلوب طاعة السادة والكبراء: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيل * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾([16)
ويمكن أن نمضي في تداعيات الوصل والصلة الكونية بين هذه البنائيات المتداخلة والمترابطة في ما بينها إلى ما لانهاية من العائلة وإلى المجتمع، ومن الاقتصاد وإلى السياسة، ومن فعاليات العقل وإلى قيم الأخلاق ليتحقق في الوجود ذلك الإنسان المطلق الذي يدخل السلم مع ربه، ومع نفسه، ومع مجتمعه، ومع كونه الطبيعي المسخّر له بقوة القوانين الطبيعية التي يسترد الدين فلسفتها إليه، مبرأة من الوضعية والشرك والكفر. لينتهي عبد الله في النهاية حراً كالطير في جوّ السماء ولا يمسكهن إلا الله، وليس كعبد البشر المملوك للبشر، قناً كان في الأرض، أو عاملاً في مصنع، أو جندياً يفسد في الأرض، فكل هذه الأنظمة الطبقية إنما تعبد طبقاتها العليا، التي لا تملك لها رزقاً في السموات والأرض: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾([17).
وفي مقابل مصادرة الإنسان لوعي الإنسان المستعبد وحريته يقول الله –سبحانه- ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾([18).
فالدين الذي يقول عنه الوضعيون: إنَّ مكانه القلب وليس العقل هو الوحيد الذي يستعيد للعلم مكانته الكونية، ويخرج به وبالإنسان من آثار البوتقة الضيقة المحدودة. وهكذا تكون إسلامية المعرفة، ساعية بالتطبيق في الواقع المعاشي عبر معرفيتها. وكذلك ليس ينقص من إسلامية المعرفة أنها تحولت بالدين من الضيق الأيديولوجي حيث يريد الوضعيون مصادرته باسمها إلى آفاق المعرفية العلمية الكونية.
القراءات التي تستصحب في هذا البحث:
1- جون هرمان راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، دار الثقافة، بيروت، الجزء الثاني، مفهوم العالم كنمو وتطور، الصفحات 111، و 162.
2- د. برهان غليون، إغتيال العقل، محنة الثقافية العربية بين السلفية والتبعية، الطبعة الثالثة، مكتبة مدبولي، القاهرة، عام 1990، من ص 57.
3- محمد أبو القاسم حاج حمد، التأسيس القرآني للمجتمع المعاصر، ضمن مناقشات (ندوة جمعية الفكر الإسلامي، نحو مشروع حضاري إسلامي معاصر- مالطا- المركز الإسلامي- بتاريخ 12 نوفمبر 1989).
4- محمد أبو القاسم حاج حمد، الحركات الدينية الإشكالية المعرفية وعالمية الثقافة المعاصرة، ندوة جميعة الدعوة الإسلامية العالمية، طرابلس-ليبيا، أغسطس/آب 1991، صفحات من 26 إلى 37.
5- محمد أبو القاسم حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية، جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، الطبعة الثانية، مجلدان: British west indies, International studies and Research Bureau، 1996.
6- د. منى فياض: العلم في نقد العلم ودراسات في فلسفة العلوم، الطبعة الأولى، دار المنتخب العربي، توزيع المؤسسة الجامعية، بيروت، 1955-1415هـ، ص 130 إلى 135، الطبعة الأولى.
7- د. عبد السلام بن عبد العالي ود. سالم يفوت: درس الإبستمولوجيا، الطبعة الأولى، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ص 45 و 46، عام 1985.
8- د. محمد وقيدي: مهام الإبستمولوجيا، ضمن كتاب (ِإشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الإنسانية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ص 11 إلى 18.
9- محمد أبو القاسم حاج حمد، التوالي السياسي بين الشورى والديمقراطية، محاضرة، مركز الدراسات الإستراتيجية، الخرطوم، الأربعاء 26 رمضان 1419هـ، الموافق 13 يناير، كانون ثاني 1999.
10- محمد أبو القاسم، منهجية القرآن المعرفي، أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية، وهو كتاب فرغ من تأليفه في واشنطن في شهر ربيع الآخر 1411هـ الموافق نوفمبر/تشرين الثاني 1991م. وقد تبنى المعهد العالمي طباعته وتعميمه في تداول محدود، ثم عقد له ندوة في القاهرة في آذار/مارس 1992م حيث شارك فيها جمع من الأساتذة من ذوي التخصصات المختلفة وقدم لها الدكتور طه جابر العلواني رئيس المعهد العالمي، كما تناولها أساتذة آخرون من خارج الندوة بتعقيبات مكتوبة. وقد جُمِعَ كل هذا الإنجاز في كتاب أعد للصدور بنفس العنوان، وقد شارك في الندوة كل من:
د. عبد الوهاب المسيري، د. أحمد فؤاد الباشا، ود. محمد بريش،
د. حامد الموصلي، د. علي جمعة، د. محمد بريمة،
د. منى أبو الفضل، د. سيف عبد الفتاح، د. أحمد صدقي الدجاني،
د. ممدوح فهمي، ود. محمد عمارة، د. جمال عطية.
أما الذين بعثوا بتعقيباتهم كتابة فهم:
الشيخ محمد الغزالي(رحمه الله)، د. محمد صالح، د. عادل محمد عبد المهدي،
د. برهان غليون، د. زياد الدغامين، د. إبراهيم زيد الكيلاني،
د. أكرم ضياء العمري، د. محمد الراوي، د. ماجد عرسان الكيلاني،
د. عبد الرحمن بن زيد الزبيدي، والأستاذ حكمت بشير ياسين.
11- ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يغوث، ط 1، المركز الثقافي العربي، ص 96، عام 1987.
12- د. تركي علي الربيعو، بين المؤرخ والأدلوجة، قراءة في تاريخانية العروي، مجلة الاجتهاد، عدد 25، السنة السادسة، خريف 1415هـ/1994م، ص 153 إلى 173.
13- محمد أبو القاسم حاج حمد، علاقة الدين بالدولة في إطار المفاهيم الدالة على علاقة الله بالإنسان، جامعة أم درمان الأهلية، السودان، محاضرة بتاريخ الأربعاء 25 ربيع الأول 1421.
14- د. محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، بيروت، ط4، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 44، عام 1989م.
15- ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة: د. فتح الله محمد المشعشع، الطبعة الثالثة، مكتبة المعارف، بيروت، 1975.
16- إميل بوترو: العلم والدين في الفلسفة المعاصرة، ترجمة: د. أحمد فؤاد الأهواني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1973.
17- ثيودور أويزرمان: تطور الفكر الإسلامي، ترجمة سمير كرم، ط، دار الطليعة، بيروت، 1977.
الهوامش:
([1]) سورة العلق الآيات: 1-4.
([2]) سورة غافر، الآية: 56-57.
([3]) سورة الرعد: الآية 4.
([4]) سورة فاطر: الآية 12.
([5]) سورة الدخان، ج25.
([6]) سورة الأنبياء، ج17.
([7]) سورة الشمس: الآيات 1-8.
([8]) سورة الإسراء، الآية: 58.
([9]) سورة المؤمنون، الآية: 44.
([10]) سورة الحج: الآية 40.
([11]) سورة فاطر: الآية 28.
([12]) سورة المجادلة: الآية 11.
([13]) سورة الذاريات: الآية 49.
([14]) سورة البقرة: الآيات 204-208.
([15]) سورة النساء: الآية 59.
([16]) سورة الأحزاب: الآية 67-68.
([17]) سورة النحل: الآيات 73-77.
([18]) سورة النحل: الآيات 78-79.