shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                                     إستراتيجية النصر الحتم

                                                أبو يعرب المرزوقي

        مقدمة:

تهدف محاولتنا إلى علاج مسألتين رئيستين حان وقت فحصهما الفحص الدقيق لصياغة الحلول الممكنة بمقتضى التأسيس النظري والنجاعة العملية صياغة صريحة. ورغم أن القارئ العربي قد أصبح لا يهتم كثيرا ببعائد الأمور بحكم ما عوده عليه المستحوذون على رعاية أمريه الروحي والزماني (الحلف اللعين بين العلماء والأمراء المزعومين لفقدان خلق الأمانة الصدق عن الاولين وخلق الشهامة والحزم عند الثانين) من دعوته للاستقالة والاكتفاء بالكون من العامة التي تتبعهم بوصفهم من الخاصة رغم خصاصتهم العلمية وخستهم الخلقية, فإننا نقدم على التحليل المعمق بحثا في البعائد لندرك دلالة القرائب. ف"من رغب عن البعيد ورغب في القريب" تلاعبت به الأحداث فلم يتجاوز رد الفعل إلى الفعل أبدا:

المسألة الأولى:

ما الشروط التي ينبغي تحسينها لتحقيق النصر أو للانتقال من الدفاع السلبي إلى الدفاع الإيجابي في معركة السعي لإستئناف درونا التاريخي الكوني, أعني ما شروط النصر النفسي الذي يجعل العدو ييأس فيتجنب مواصلة الصدام معنا بعد أن نجعل تحسين شروطه في الحرب الوجودية وإساءة شروطنا فيها أمرين مستحيلين؟ وينبني الجواب على هذا السؤال على خمسة أسس نستعملها في البحث استعمال مسلمات لسبق تحليلها في بحوثنا السابقة وخاصة في كتابي آفاق النهضة العربية وشروط نهضة العرب والمسلمين. وهذه الأسس هي : 1- قواعد التفاعل التي تحكم مقومات المعادلة الداخلية لطرفي أي معركة تحدد التاريخ الكوني (وفي هذه الحالة الطرفان هما: العرب والمسلمون من جهة واسرائيل والغرب الأقصى أو الولايات المتحدة من جهة ثانية), 2- قواعد التفاعل التي تحكم مقومات المعادلة الخارجية لنفس الطرفين, 3- قواعد فعل المعادلة الداخلية في المعادلة الخارجية بطرفيهما, 4- قواعد فعل المعادلة الخارجية في المعادلة الداخلية بطرفيهما,  5- وأصل هذه الأبعاد جميعا أعني قواعد التنازع في فعل مقومات الأمم من منطلقين متقابلين هما في هذه الحالة الكونية العربية الإسلامية مشروعا بصدد الاستئناف والعولمة الإسرائلية الأمريكية مشروعا بصدد التحقق.

          المسألة الثانية:

ما البديل مما نتصوره القواعد التي يبدو العدو قد فرضها في كل أوجه المعركة ؟ وينطلق الجواب من اعتبار البديل ممكنا كما نبين في هذه المحاولة بل إن تحديده موجود بعد في الفصول التي خصصها ابن خلدون لشروط القوة والبناء الحضاري بما في ذلك الفصل الذي خصصه لفنون الحرب. والمعلوم أن العدو الإسرائيلي والأمريكي يطبقان أغلب شروط الحرب الإسلامية مع التخلي عن أخلاقها. فالمحارب الإسرائيلي المباشر هو كل الشعب الإسرائيلي في إسرائيل بل وكل الشعب اليهودي في العالم وليس الجيش المحترف الذي يقتصر دوره على التعليم الدفاعي الدائم للشعب تماما كما هو الشأن في مجالات المعرفة التي تتطلب الاختصاص والتمحض. والمحارب غير المباشر الأمريكي هو كل الشعب الأمريكي في أمريكا بل وكل الآلة الاقتصادية والعلمية والإعلامية التي لهم في العالم.

وإذن فالدفاع عند العدو يشبه إلى حد كبير ما كان الشأن عليه في الثورة الإسلامية: إنه يعتمد على الشعب كله مع فارق مهم وهو أن الشعب صار ذا ثقافة دفاعية حديثة ومجهزة بأدوات الدفاع الحديث. لذلك فالحرب عنده تعتمد على مجتمع تحول كله إلى خلايا انتاج تحقق شروط القوة غير المباشرة ببعديها الرمزي (العلوم الطبيعية والاجتماعية) والمادي (تطبقيات العلوم الطبيعية والاجتماعية). ومن ثم فلا عجب أن كانت المبادرة إلى حد الآن بأيديهم.

ولعل نظرة خاطفة على آية الاستعداد الدفاعي المأمور به في القرآن الكريم تبين أنها تتألف من أمرين: القوة عامة وهي الشرط غير المباشر أو العلوم والاقتصاد ثم رباط الخيل وهو الشرط المباشر أو القوة العسكرية. وتطبيق ذلك بين من دراسة الحروب الإسلامية الأولى التي بقيت آثارها واضحة في المدن الإسلامية الأولى التي أسست الإمبرطورية الإسلامية والتي يتعين فيها ماديا هذ المفهوم الشامل للأمم الحية إذ هي جميعا تطبيق تام لهذه النظرية من القيروان إلى البصرة إلى الكوفة الخ....

فالدفاع لا يعتمد على جيش محترف بمفرده غالبا ما يتحول إلى دولة في الدولة فيهيمن عليها وتزول كل المؤسسات المدنية كما هو الشأن في كل البلاد الإسلامية منذ نهاية الخلافة الراشدة ضمنيا ومنذ خلافة المعتصم صراحة بل هو يعتمد على الشعب كله تداولا على الخدمة الوطنية والتدريب المتواصل فضلا عن الربط الدائم بين وحدات الإنتاج العلمي والتقني والاقتصادي ووحدات الدفاع الوطني المدني والعسكري والاستعلامي. لكن أغلب نخب المسلمين المتنفذة لا تقرأ بمعنيي القراءة. فهي لا تقرأ الوقائع التاريخية في تعينها الفعلي ولا تقرأ الوقائع التاريخية في تعينها الرمزي. فأغلبهم يحصل على العناوين الجامعية بأقل جهد ممكن إذ يكفيهم إيجار من يعدها لهم إلى حد كتابتها بدليل أن أغلبهم لا يتكلم اللغة التي كتبت بها رسالته إلا رطانة دالة على الجهل بها.

 

               منطلق المحاولة: الاستئناف والصدام

 

لا أحد يمكن أن يزعم أن العرب والمسلمين يدعون لأنفسهم دورا علته أوهامهم عن أنفسهم أو ما يزعمونه لأنفسهم ولحضارتهم من منزلة في التاريخ الكوني كما يمكن أن نستنتج عند الاقتصار على المقارنات السطحية الناتجة عن الاقتصار على ما لهم من قدرات بالفعل ونسيان إمكاناتهم المادية والرمزية التي بالقوة. فالدور الذي يفرضه عليهم وضعهم دور كوني بالرغم منهم لأن ما هو بالقوة يجعلهم مؤهلين لهذا الدور ومن ثم معرضين لكل من يريد أن يحول دونهم ودونه. وذلك أمر تؤيده الوقائع التاريخية والجغرافية أو -بلغة محايدة عن الكفر والإيمان- المحددات  التي يفرضها الزمان والمكان.

فزمانيا جرت محاولتهم الأولى في بؤرة الصراع الكوني بين الأمبراطوريات المحيطة بهم ما تقدم منها عليهم وما تأخر فآلت لهم رئاسة المعمورة لمدة ثمانية قرون, رغم أن المقارنة بالقدرات التي كانت لهم بالفعل عند الشروع في أداء الدور لو تمت لعد الجميع الطموح العربي عندئذ ضربا من تضخم الذات تضخمها من جنس وهم الضفدعة بالقياس إلى الثور, خاصة عند مخاطبتهم الامبراطوريات المحيطة بها مخاطبة التفوق القيمي: فرسائل الرسول الكريم إلى أباطرة عصره لا بد وأنها كانت موضوع سخرية منهم. لكن التجربة الماضية مؤيدة بالحصول الفعلي تحول دون الأعداء الجدد والقدامى والاقتصار على السخرية من محاولات العرب والمسلمين استئناف دورهم الكوني: إنهم يأخذونها مأخذ الجد ويعملون ما يستطيعون لمنعها.

ومكانيا كانت أرضهم السبيل إلى ما يعد مصدر ثروة العصر. فالاتصال بين الشرق والغرب لم يكن ممكنا من دون المرور بأرضهم خاصة بعد تحقق الامبراطورية ما جعل الإحاطة بالعالم الإسلامي الاستراتيجية الوحيدة التي لجأ إليها الاعداء بعد فشلهم في السيطرة عليه. وهم الآن كذلك من حيث نوعي المحددات فضلا عما أضافه إليهما ما يستمده الزمان من التاريخ (منزلة الحضارة الإسلامية في ثروة الإنسانية الرمزية حتى وإن عجزت النخب الفكرية على استثمارها) والمكان من الجغرافيا (منزلة العالم الإسلامي في ثروة الإنسانية المادية حتى وإن عجزت النخب الاقتصادية على استثمارها) من حيث هما أثر فاعلية الإنسان العربي والمسلم في صراعيه هذين.

لذلك فالعرب خاصة والمسلمون عامة لم يعودوا بحاجة إلى إثبات قدرتهم على أن يكونوا في مستوى هذا التحدي على الأقل سلبيا في المرحلة الحالية لئلا نواصل الحديث عن كونهم إياه إيجابيا في المرحلة السابقة. ففي المرحلة الحالية التي هي مرحلة الاستئناف يمكن الكلام على البداية النهضوية ببعدي الاستعداد غير المباشر (النهضة التربوية والتعليمية والبناء الاقتصادي والاجتماعي) والمباشر (محاولات التصدي للعدوان) بوصفها مرحلة الصمود التي هي مرحلة سلبية يبدأ بها كل نهوض واستئناف للفعل التاريخي الكوني الذي بدأ عند العرب والمسلمين منذ نتوئهم في فاعلية الوجود المؤثر للتاريخ الإنساني.

فكامل القرن العشرين يشهد بالدور الأساسي الذي أدوه في استنزاف قوتي الاستعمار اللتين أجهزت عليهما الحرب العالمية الأخيرة: فرنسا وانجلترا. ويشهد على قدرة الصمود أمام الطامعين في أرضهم وعرضهم طمعا بلغ الذروة في التصدي لسياسة ربيبة أوروبا بعد أن تبنتها أمريكا منذ سقوط الحاميين السابقين يشهد عليها المعارك الخمس المضاعفة التي تخللت الحرب التي ما تزال متواصلة:

المعركة الأولى المضاعفة: 1- سلسلة معارك التحرير العربية (من أقصى المغرب العربي إلى أقصى المشرق العربي) التي انتهت بانتفاضات ما قبل معركة 48 الشعبية المتقطعة التي أعادت النبض لمعركة خيبر الجديدة: اسرائيل في فلسطين, 2- ثم ذروتها أعني معركة  48 التي أثبتت  التنازع الخلاق بين الوحدة القومية شعبيا والتشتت القطري رسميا.

 المعركة الثانية المضاعفة: 1- معركة 56 التي بينت طبيعة الهوة الحضارية التي على العرب تداركها, 2- ثم ذروتها التي تعينت في معركة 67 حيث تحددت طبيعة الداء الذي أصاب النخب السياسية والعسكرية الدكتاتورية.

 المعركة الثالثة المضاعفة: 1- أستئناف المقاومة الشعبية العربية منطلقة من أرض الأردن ولبنان وسورية ومصر أعني من الطوق المحيط بإسرائيل فضلا عن المعركة في كل أصقاع العالم وإن بشكل فوضوي ومخاض الوعي الوطني الفلسطيني وما صاحبه من فوضى فكرية وروحية تجمع بين شتات القبائل الجاهلية وشعث فرق اليسار المراهق, 2- ثم ذروة فوضى الوجود العربي التاريخي في معركة الحرب الأهلية اللبنانية والعراقية التي تلاقت فيها بقايا الحرب الأهلية الإسلامية (بين السنة والشيعة) وإرهاصات الحرب الأهلية العربية  (الحركات العلمانية والحركات الدينية ).

المعركة الرابعة المضاعفة: 1- معركة الانتصار النفسي الأكبر في  73 (وقد أثبت استثمارها السيء عدم فهم النخب العربية طبيعة الانتصار الذي حصل), 2- ثم ذروة الانتصار النفسي بادراك طبيعة المعركة الرمزية في الانتفاضة بمرحلتيها الأولى والثانية التي ما تزال جارية حاليا(جريان سيضع شروط نهاية المشروع الصهيوني المتعين في فلسطين ).

 المعركة الخامسة المضاعفة: 1- أما ذروة الصراع أو الهزيمة الأمريكية المدوية في العراق والهزيمة الإسرائيلية في فلسطين ولبنان فهي المعركة الحاسمة التي بدأت بسقوط بغدادا شروعا في تعميم العدو لحربه على الأمة كلها وليس على بعضها دون البعض بمجرد أن أفصح عن هدفيه المادي (تغيير الخارطة العربية) والروحي (تغيير الثقافة الإسلامية) 2- وذروة هذه المعركة ينبغي أن تصبح ثورة شاملة ثورة تمتد من بغداد إلى الرباط لا ضد الأنظمة كما يريد العدو لتعم الفوضى فنفقد شروط العمل الحضاري الدنيا ليتحقق المشروع الصهيوني الحقيقي أعني تعميم الطائفية العرقية والعقدية في كل قطر يتم تفتيته كما نراهم يحاولون في العراق للبننة كل الوطن بل وصوملته (وظائف الدولة الأساسية: الأمن الداخلي والخارجي وشروط الحياة الدنيا والصحة والتعليم) بل ضد الوجود الأمريكي في الوطن كله.

 

                     مميزات التوصيف

 

قد يشكك البعض في توصيفنا للمعركة الأخيرة التي تمثل ذروة كل المعارك السابقة وخلاصتها (الانتفاضة الثانية والحرب على العراق) لتصورهم إياها أقل المعارك دلالة على ما نعنيه في تكوينية حرب التحرير العربية والإسلامية التي أجهضها استقلال الأقطار الصوري وتكوين الدول القطرية من خلال تعويض الاستعمار المباشر بالاستعمار غير المباشر وتبني القيادات لنظريات التحديث الشكلي أو حداثة الغايات دون البدايات: استيراد نتائج النهضة الاستهلاكية بدلا من تعلم شروطها الانتاجية علما وعملا. لذلك فهذه المعركة الأخيرة كما نرى هي التي ستحقق أكبر نصر غاب معناه عن جل المحللين لكونها تمثل شبه الفرصة الثانية التي من الله بها على الأمة. فهي ستحقق شرطي النصر المحتوم على الهدف الأساسي من المشروع الصهيوني المتعين في فلسطين والمشروع الأمريكي المتعين في الوطن العربي خاصة والعالم الاسلامي عامة إذا فيها اتضحت طبيعة الحرب التي كانت كل المعارك السابقة مراحل نشوئية لها أعني معركة مقومات النهضة العربية ولشروط النجاح فيها.

فنشوء المقومات التي تحتاج إليها النهضة العربية والإسلامية لم يبدأ اليوم بل كانت بدايته نجاح العرب (ومن أسهم معهم في تدعيم الحضارة الأسلامية أعني  الشعوب التسعة الأخرى الرئيسية: الفرس والترك والبربر والهنود في البدايات ثم البلاقنة وسودان اقريقيا والمالويين وسودان أمريكا وكل من دخل الإسلام في العصور الحديثة من الشعوب الأخرى في العالم الغربي) بفضل الثورة المحمدية في ما فشل اليهود تحقيقه الفعلي (وهو ما ألجأهم إلى نوع من الإمبراطورية الافتراضية أعني شبكة السيطرة الخفية على قوة العصر التي يحيون بالتطفل عليها) وذلك بسبب ذهان العنصرية الجماعي رغم تعدد رسالاتهم والنبوات التي نؤمن بها ونعدها متحررة من هذا الذهان. فقد حققت هذه الشعوب العشرة الإمبراطورية الإسلامية الكونية الفعلية لا الافتراضية التي يغني وجودها الفعلي والجلي المؤمنين برسالتها عن الخطط الخفية والخبيثة: لذلك كانت لهم أخلاق السادة الموجبة العافين عن الناس وكان لليهود أخلاق العبيد الساعين إلى الانتقام بسبب نقمة الفشل بعبارة نيتشه.

ذلك أن مضمون رسالة الإسلام الصريح والموجب فضلا عن نقده والجاهلية يمكنها من الجمع بين المشروع الخلقي السامي الذي يبقى دائما متعاليا على تعيناته التاريخية فيتضمن من ثم الفارق بين المثال والواقع محركا للعمل الإنساني اللامتناهي وتحقيقه الفعلي لتحرير الإنسان تحريرا مضاعفا يتدرج بصورة تقلل من هذا الفارق ما أمكن للجهد الإنساني اجتهادا ( العلم ) وجهادا ( العمل ) دون استنفاذه ما يعلل كونه عملا تاريخا لا نهاية له: 1- تحريره من سلطان سدنة العجل الذهبي أداة للسلطان الزماني المتجبر 2- وتحريره من سلطان سدنة السلطان الرمزي المتحالف مع سلطان العجل الذهبي أداة  للسلطان الروحي.

والمعلوم أن كلا السلطانين مافياوي بالطبع. لذلك فهما ككل سلطان خفي يلجآن إلى الحيلة والخبث بديلا من العمل العلني. ولعل الأدوات التي تتوسلها الصهونية وبابوية الفاتيكان (يخطئ كل من يتصور دعوات بابا الفاتيكان محايدا في المعركة من خلال السماع لخطبه المنافقة فهو قائد المعركة مع اليمين الأمريكي تماما كما فعل ضد الاشتراكية) في حربهما على الإسلام والمسلمين هي عينها الأدوات التي تتوسلها أمريكا الآن للحرب على مبدأ الحصانة الروحية العربية مدعومة بالحرب العسكرية الصريحة.

 وفي مقابل النجاح العربي والإسلامي بفضل الثورة المحمدية في مستوى الوجود المادي المتحيز في المكان (تحقيق العالم الإسلامي المتحيز في المكان أفضل مكان بما فيه من مقومات القوة المادية وبوصفه بؤرة المعمورة من حيث منطق الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية) وفي مستوى الوجود الرمزي المتعين في الزمان (تحقيق الحضارة الإسلامية المتحيزة في الزمان أفضل زمان بما فيه من مقومات القوة الروحية وبوصفه بؤرة المعمورة من حيث منطق الاستراتيجية المعرفية والثقافية) نجد إمبراطورية الخفاء التي يحاول غلاة اليهود تكوينها منذ آلاف السنين بالتطفل على إمبراطوريات العصر لكونها بذاتها فشلت في تحقيق التحيز المكاني والزماني: لا وجود لعالم يهودي متحيز في مكان منحاز بذاته ولا لحضارة يهودية متحيزة في زمان منحاز بذاته. وإنما الوجود الذي تحقق لليهود كان من جنس وجود الفيروسات التي لا تعيش إلا تطفلا على تعينات العوالم مكانا والحضارات زمانا بحسب سوادها في الأوقات المتوالية: إنها فيروس يعيش على متطفلا على غيره خاصة إذا نحج فجعل حضارته مجرد  ظاهرة عديمة الروح والعقل كما هو الشأن في علاقتهم بأمريكا.

والمعلوم أن جنسي الأدوات المستعملة لاستعباد الإنسان بينان لكل ذي بصيرة فضلا عن كون الإسلام كان ولا يزال ثورة عليهما ومحاولة لتحرير البشرية منهما بتحديد الخطط الملغية لمفعول السلوك التطفلي وأصلها الدعوة الموجبة البديل من الحرب النفسية السالبة:

1-                       جنس الأدوات التي يتوسلها السطان الزماني (وقد برزت طبيعتها اللاخلقية في ما يسمى بالدولة الحديثة خاصة عندما تتمحض في ما يسمى ضرورة مصلحلة الدولة العليا Raison d’ Etat )

2-                         وجنس الأدوات التي يتوسلها السلطان الروحاني (وقد برزت طبيعتها اللاخلقية منذ أن فقد السلطان الزماني بعد الفصل بين الدولة والكنيسة) ويتعين دورهما اليوم في التحالف البين بين سلطان مافية المال (البنوك والشركات المتجاوزة للحدود) وسلطان مافية المخيال (الإعلام والإنتاج الفني والثقافي الموجه).

وكانت علامة هذه البداية للثورة المحمدية تغييرا جذريا طرأ خلال اللحظة التأسيسية للتاريخ الإسلامي نفسه حيث حدثت انعطافة كيفية كبرى في تعليم الرسول لم يسبق لها مثيل: حدث تغيير القبلة تغييرا أسس للكونية بديلا من الاصطفاء  العرقي أو العقدي (أينما تولوا فثم وجه الله). لذلك فالتخلص من العقبات التي تعترض الثورة الإسلامية لم يتم بمعركة خيبر الأولى وإلا لما احتجنا لمعركة خيبر ثانية. إنها معركة لا تزال متواصلة وذلك هو المعنى العميق  للحرب بين المشروع العربي الإسلامي لتحرير البشرية من التحريف (المادي تزييفا للحقائق والمعنوي تأويلا تحكميا لها) والجاهلية (المعرفية مقابل العلم والخلقية مقابل الحلم ) والمشروع التوراتي الصهيوني لإخضاع البشرية للتحريف والجاهلية بمعنييهما كليهما.

ولن يتم لنا ذلك من دون السعي إلى التمكن من جنسي الأدوات لاكتشاف تعطيل مفعولهما لكون علم الصحة يشترط علم المرض (وذلك هو المعنى الحقيق للطب). ويقتضي ضلك التغلب على العقبة الأخيرة الحائلة دون الاستفادة من ثمرتي التحيزين المكاني (العالم الإسلامي) والزماني (الحضارة الإسلامية) للثورة المحمدية: تحقيق الوحدة العربية أساسا ماديا لثورة التحرير والإصلاح الإسلامي أساسا روحيا لها بحيث يكون الصمود الحالي أمام الأخطبوط الذي نسج ل"صهينة" الفكر العالمي صياغة حديثة للصمود أمام "تورتة" بدايته. ونجاح البداية من علامات القدرة على ا لنجاح  في الغاية.

 

                      غايات المعركة الحالية

 

وستجعل هذه المعركة الأخيرة القضاء على الفيروس المتعين في خيبر الجديدة (الوجود العلني أو إسرائيل) وفي العالم (الوجود الخفي: النفوذ اليهودي في إمبراطورية العصر) بالاستيعاب السلمي لتجنب حرب المناجزة التي نخسرها لو خضناها بالشروط الحالية وفرض شروط حرب المطاولة التي سيخسرها العدو بلا ريب. ويشترط ذلك إتيان الأمور من أسبابها البعيدة لأن ذلك كله مجرد مرحلة إعدادية لمعركة الحسم تماما كما فعل الرسول في تعامله مع يهود خيبر الأولى. فحرب التحرير الشعبية (في فلسطين خاصة وفي كل الأرض العربية عامة بعد احتلال العراق تمهيدا لاحتلال سورية ومصر والسعودية احتلالا صريحا وعلنيا استكمالا لاحتلال باقي البلاد العربية الذي تم من دون حرب فضلا عن كونها لا وزن لها يحوج الأعداء لاضاعة الوقت في حسبانها) صارت ممكنة بعد أن تم نقل الصدام من المناوشات التي تجري من خارج حدود فلسطين وفي الوطن العربي إلى المعركة الداخلية التي لن تتوقف سواء سال فيها الدم أو لم يسل قبل ربح المعركة النهائية: إسرائيل وأمريكا صارتا موجودتين في الأرض العربية وجودا علنيا في فلسطين وكل القواعد الأمريكية ووجودا خفيا في كل السلط العربية والإسلامية غير الشرعية بأصنافها الخمسة (سلطة القيم الذوقية في كل مجالات الإبداع وسلطة القيم المالية في كل مجالات الانتاج وسلطة القيم الروحية في كل مجالات فهم الابداع ونقده وتقويمة وسلطة القيم الخلقية في كل مجالات فهم الانتاج ونقده وتقويمه وسلطة القيم المعرفية في علم كل المجالات السابقة وفي علم العلم نفسه).

كما أنها قد مهدت لحرب حقوق الإنسان بأجيالها الخمسة (الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحقوق الرمزية والثقافية والحقوق العقلية والمعرفية والحقوق الوجدانية والروحية) في كل الوطن. ولعل ما ساعد على ذلك حمق العدو أولا وحمق القيادات الدينية عندنا.  فبفضل حمق العدو عادت للأرض الفلسطينية وحدتها (بفضل احتلالهما في حرب 67 وسياسة المسعمرات) وعادت للأمة العربية وحدتها النضالية (بفضل سياسة الاحتلال الأمريكي في العراق): فسياسة الأمر الواقع صارت سحرا منقلبا على  الساحر.  وبفضل حمق القيادات الدينية استعادت تجربة التدين شرط صدقها الأساسي أعني حرية الضمير والوجدان وعاد للثورة الإسلامية شرط ثوريتها الأساسي. صارت الثورة الإسلامية الروحية فرض عين ولم يبق للمزعومين علماء دور الوسطاء الذي نفوا به الخاصية الجوهرية للثورة المحمدية عندما أعادوا تأسيس الحلف النجس بين المزعومين علماء والمزعومين أمراء أعني كل من استحوذ على مدلول أولي الأمر بالباطل تناسيا لرفض الإسلام المقابلة بين رعاة ورعية في المجالين الروحي والزماني عندما اعتبر خلافة الله للإنسان من حيث إنسان واعتبر الجميع راعيا ومرعيا في نفس الوقت.

ولعل الانقلاب الأول من المكر الإلهي بالنسبة إلى من يؤمن بالله أو من حيل التاريخ بالنسبة إلى من لا يؤمن إلا بالدهر. فقد نقل شارون (القضية الفلسطينية) وبوش (القضية العربية) بحمقهما من كونها معركة بين شعبين على أرض قابلة للقسمة بمقتضى قوانين توازن القوى (الحل الذي تخادع أمريكا العرب به وعدا لتلطيف الوعيد) وعلى ثروة قابلة للتقاسم بحسب التعاقد الذي تحدده موازين القوى إلى معركة بين إرادتين حول المثال الوجودي الذي لا يقبل التفاوض ما سيؤدي حتما إلى العد التنازلي للهيمنة الإسرائيلية على  الرأي العام الأمريكي والهيمنة الأمريكية على الرأي العام الغربي: فكلما جرح أمريكي وصرف دولار في العراق خسرت إسرائيل من سلطانها على السياسة الأمريكية حيث ستكون آخر نكبات بني صهيون لذلك قلنا سابقا إن المعركة ينبغي أن تربح في العراق بمجرد نقلها من المناجزة إلى المطاولة وكلما أفرط الأمريكيون في عنجهيتهم تعارضت مصالحم مع بقية الغرب الأوروبي وفقدوا نسبتهم إليه لكونه يحاول أن يميز بين السياسة الأوروبية التي تحقق المصالح والعجرفة الأمريكية الغبية التي تفسدها.

أما الانقلاب الثاني فهو ما يمكن أن يعد النفس الثاني من الثورة المحمدية. فقد حان الوقت الذي يتجاوز فيه المسلمون مجرد تبني المؤسسات الموجودة في الإمبراطورية المحيطة بهم وإضفاء الصبغة الشرعية عليها. لا بد للمسلمين من تحديد المؤسسات التي يقتضيها الدين الاسلام بفضل ما حدده من قيم في مجالات التقويم الخمسة: قيم الذوق وقيم الرزق وقيم المعرفة وقيم الأمر (المشاركة في ولاية الأمر والرعاية) وقيم الوجود (مسائل العقيدة والقيم المتعالية).

ومن نتائج هذا التحديد أن يصبح كل مسلم مشاركا في ولاية الأمر من منطلق كون الخلافة بالمعنى السياسي خلافة الخلافة بالمعنى الوجودي: فولي الأمر بالمعنى السياسي (الخليفة بالمعنى السياسي) ينوب أولياء الأمر بالمعنى الوجودي (الإنسان من حيث استخلفه الله في الأرض). ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان العقد ( الدين ) مبنيا على حرية التقويم الذوقي (الحياة) والرزقي (المال) والمعرفي (العقل) من حيث هي مقومات الذات التي كرم الله (النفس) فيكتمل معنى المقاصد الشرعية ولا يكون مجرد ضرورات يستمد منها الفقهاء علل سد الذرائع المقيت الذي جعل الدين مجلة قوانين دونها قوانين الطرقات جفافا ومواتا.

 

                الغايتان الأداتان المفقودتان

 

لكن هذه الحروب جميعا وإن لم تفل في الصمود الإسلامي الذي تكثف في الوطن العربي بالأساس أو تقلل من جذوة العطاء فإنها كذلك لم تحقق الثمرتين المرجوتين منها بعد قرن كامل لتكونا اداتي النقلة من المرحلة السالبة إلى المرحلة الموجبة من استئناف الرسالة: وهو ما يعني أننا لم نتمكن بعد من تحقيق النقلة النوعية فندرك طبيعة المعركة استئنافا لموقف تغيير القبلة بعد فهم مدلوله. وحتى نفهم علل ذلك فينبغي أن ندرك علل الانعطافة في الثورة المحمدية الانعطافة التي أدت إل تغيير القبلة كما وصفها القرآن. فتلك الانعطافة لم تكن  بالأمر العجب في رسالة صاغت بيانها الخاتم في شكل رسالة للعالمين. فتغيير القبلة هو البداية الحقيقية لتحرير البشرية من دائيها الأساسيين (التحريف المادي والمعنوي للنظر كما آل إليه الأمر في الأديان السماوية التي عرفها العرب والجاهلية المعرفية والخلقية للعمل كما آل إليه الأمر في الأديان الطبيعية التي عرفها العرب).

لم يكتف القرآن الكريم بوصف هذين الدائين بل هو قد حدد منهج التغلب عليهما: منهج  التصديق (=النقد الإيجابي الذي يقبل الحقيقة حتى من العدو) والهيمنة (=من منطلق المبدع وليس من منطلق المقلد) بطريقة التواصي بالحق (البحث الجماعي عن الحقيقة) والتواصي بالصبر (العلم الجماعي لتحقيق الحقيقة في الواقع التاريخي). فتغيير القبلة لا يعني مجرد تغيير الوجهة التي يؤمها المصلي بل هو يعني تغيير معيار القيم جيمعها. فالإسلام قد تجاوز التقابل الفصامي الذي تكثف في الشرق العربي منذ الغزو المقدوني فسعى إلى تحرير البشرية  من التقابل بين طبعانية اليونان واللاتين (التي من جنس وثنية العرب الذين لم يتهودوا ولم يتمسحوا) وشرعانية اليهود والمسيحيين (التي من جنسها كتابية العرب الذين تهودوا أو تمسحوا).  

لذلك فقد شرع الإسلام في تحديد مفهوم جديد لا يفصل بين القانون الطبيعي الذي يسوس حياة الموجودات عامة والقانون الشريعي الذي يخص حياة الموجودات البشرية خاصة. فوضع مفهوم الفطرة الذي خلص الفكر الديني من المقابلة بين الدين الطبيعي السوي (ما يصل إليه الإنسان بالتجريب العقلي أو الفكر الفلسفي والعلمي السويين أو الحكمة النظرية) والدين الشريعي السوي (ما يصل إليه الإنسان بالتجريب الذوقي أو الفكر الصوفي والعملي السويين أو الحكمة العملية) من خلال الجمع بين القيمتين الأساسين لكل وجود إنساني سوي (قيم الذوق الجمالي التي يصدر عنها الوجود المخيالي للامم وقيم العيش المالي  التي يصدر عنها الوجود المادي للامم ) والقيمتين المابعدين المحددين لمعناهما السامي أو قيمتي القميتين (القيم الروحية الضابطة للتعامل بالقيم الذوقية والقيم الخلقية الضابطة للتعامل بالقيم المادية: والقيم المابعدية هي معايير الموازنة بين البعد الشخصي والبعد الجمعي من القيمتين القاعدتين ).

ولما كانت البشرية تعاني إلى يومنا هذا من الفصام الذي أراد الإسلام علاجه فإن معركتنا مع الصهيونية بشكليها اليهودي المتصهين (في إسرائيل) والمسيحي المتصهين (في أمريكا) تتعلق بالتغلب على جنسي الأدوات اللذين تستعملانهما لإفساد قيم القيم الذوقية أعني القيم الروحية (باستعمال المال للتحكم في الجنس من أجل الابتزاز السياسي أداة لحكم العالم حكما مافياويا) ولإفساد قيم القيم المادية أعني القيم الخلقية (باستعمال الجنس للتحكم في المال من أجل الابتزاز السياسي لحكم العالم حكما مافياويا). وقد اجتمعت الآليتان بعد أن اتحد الفيروسان بفضل توحيد أدواتهما لإتمام سلطانهما العالمي عندما اكتشفا أن هذا السلطان العالمي بات في راهن التاريخ الكوني مشروطا باستعمار الوطن العربي قلب العالم الإسلامي والقضاء على الصحوة الاسلامية ليس لكون هذا القلب يعد بقيامه المادي (الوطن العربي) قد حاز على جل طاقة العالم المادية فحسب بل وكذلك لأن قيامه الرمزي (الحضارة الإسلامية) جعلته يحوز على جل طاقة العالم الروحية.

لكن اتحاد سلطان المال بفضل الشركات المتجاوزة للحدود السياسية والجغرافية وسلطان الرمز بفضل وسائل الاتصال المتجاوزة للحدود الثقافية والحضارية واتفاقهما على وجوب السيطرة على أصل هذين القيامين ليس لكون أصحابهما عربا أو مسلمين بل لكون الأقدار شاءت أن تكون كلتا الطاقتين في قلب المعمورة وأن يكون هذا القلب ملكنا كما شاءت أن يكون الظرف الدولي في لحظة حاسمة ليس لأمريكا واسرائيل فيها من فرصة للاستعداد لأقطاب العالم الناشئة إلا بهذا السلطان.  فقيام الطاقة المادية المتعين جله في الوطن العربي وقيام الطاقة الروحية المتعين جله في الحضارة الإسلامية من الظروف القدرية التي جعلتنا ملزمين برسالة لا تقتضي ضرورة الصدام السلبي مع الطامعين فيهما بل الصدام الإيجابي الذي يمكن أن ينتهي إلى عقد يتم بمقتضاه تحقيق الوحدة العربية قلبا للعالم الإسلامي مقابل التفاهم السياسي الذكي مع من يعتبرون هذا العالم مفتاح الاستعداد لقطبي العالم المضاعفين المقلبين اللذين يحيطان بالعالم الإسلامي احاطة فكي الكماشة: الصين والهند شرقا وأوروبا وروسا غربا.

فمن الحمق السياسي ظرفيا (إطلاق العداوة إلى حد نفي العمل السياسي كما تسر على ذلك النزعة القومية الغالية  التي أدت بالأمة إلى التهلكة والتخلي عن مصدر قوتها الأول أعني الدعوة الدينية السمحة ما حولها إلى أداة تشويه يستعمله الغلو الأصلاني سنيا كان أو شيعيا) والغباء الحضاري بنيويا (إطلاق العداوة إلى حد نفي التكامل الإنساني في مجال القيم كما تسر على ذلك الحركات الدينية الغالية التي أدت بالأمة إلى التهلكة والتخلي عن مصدر قوتها الثاني أعني الدعوة العقلية المنفتحة ما حوله إلى أداة تشويه يستمله الغلو العلماني ليبراليا كان أو اشتراكيا) أن نحصر دورنا في صدام هدام قد يجعلنا مجرد حطب في حرب مدمرة تضعفنا وتضعف أمريكا لصالح القطبين المقبلين المحيطين بنا كما أسلفنا فنجد أنفسنا أمام استعمارين جديدين من الأجوار يكونان أدهى وأمر.

وفي مقابل هذا السلوك المراهق يمكن تصور صلح تاريخي بيننا وبين أمريكا قابل لأن يحقق ما تحقق في الصلح التاريخي بين اليابان وألمانيا من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية. ولا معنى للمبالغة في دور اللوبيات الصهيونية في أمريكا. فدورها علته تخلينا عن استثمار ثروتينا المادية والروحية ليكون لنا موطئ قدم في مراكز القوى في العالم فضلا عن كون جالياتنا مثل أنظمتنا ما تزال عديمة النضج السياسي. لذلك فكل مقتضيات الحكمة توجب أن يحصر الصدام في أبعاد إيجابية وألا تتحول القضية الفلسطينية كما أراد لها من يريد تكبيل الأمة عائقا أمام العمل على ربح التحدي الحقيقي: النهضة المادية والرمزية التي من دونها يصبح الكلام عن فلسطين مجرد مناحات تفقدنا النجاح في كلا التحديين.

 ينبغي أن يكون الصدام - كما يطالبنا الإسلام- مقصورا على التصديق (القبول بالقيم الإيجابية في الحضارة الغربية والمشاركة في ما تحققه من كشف علمي عن حقائق الوجود لعل أهمها استكشاف الفضاء) والهيمنة (من منطلق تلاؤمها مع القيم الإسلامية التي تعود جميعا إلى أصل واحد هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها أعني التطابق بين الطبيعي والشريعي في التاريخ الكوني بعد أن اكتملت الرسالة في الرسالة الخاتمة وباتت الإنسان من حيث هو إنسان مطالبا بتحقيق شروط الاستخلاف). فيكون وعد الصلح متضمنا وعيدا  يتمثل في شرح هذا الخطر المحدق بنا وبأمريكا وفيه. والوعد  هو قابلية العرب والمسلمين لعهد صريح يكون عوضه المطلوب من أمريكا على الأقل عدم تعطيل نهضة العرب والمسلمين إن لم يكن المساعدة عليها مقابل التعاون معها من أجل الاستعداد للظرف الدولي المقبل عندما يكون تكوين القطبين المضاعفين المشار إليهما قد حصل. لسنا أمة النقمة والانتقام من الغير بل أمة إيجابية تبني مع الجميع كما يقتضي ذلك أخلاق السادة المؤمنين بأنفسهم المستغنين العداء الدال عن العجز .

                  شرطا النهضة الفاعلة 

فللنهضة شروط لعل أهمها ضربين. فأما الضرب الأول فهو ثمرة لهذه المعارك الأولى ثمرتها التي كان ينبغي أن تتحقق لو كان لفعلنا جهاز عصبي مركزي ينظمه. لكنها لم تتحقق بسبب غياب هذا الجهاز وتحول أعمالنا إلى ما يشبه تخبط الجسد الذبيح الفاقد لجهازه العصبي المركزي: إنها الثمرة الإستراتيجية المباشرة. وأقصد بها تحسين شروط النصر في الحرب بكل معاركها المقبلة بمعناها العسكري وبشروطها الاقتصادية والتقنية والعلمية. لم نستفد على النحو الذي فعلته أوروبا التي قد استفادت من الحرب الباردة فحددت بدقة علل هزيمتها أو عدم قدرتها على شروط دورها الكوني فأعادت بناء هذه الشروط من خلال السعي الحثيث إلى تحقيق الولايات المتحدة الأوروبية: نفس الوحدة القديمة اللاتينية المسيحية على أسس جديدة لتجدد الشروط.

أما نحن فألهانا الصراع الثانوي مع إسرائيل عن الصراع الأصلي مع الأسباب التي تجعل أقل نصف واحد في المائة من عدد أنفسنا يغلبنا ماديا ورمزيا: عدد سكان إسرائيل يعدل أقل نصف واحد في المائة من سكان دار الإسلام (5 ملايين على أكثر من مليار). لم نحقق استراتيجية التوحيد الشارطة للنهوض بالرسالة فنجعل حرب التحرير نفسها حرب توحيد بل جعلناها حرب التجزئية الدائمة لمجرد عدم إدراك ترتيب المعارك الممكن من النجاح. فالغباء ذهب بالقيادات المراهقة إلى تقديم الحرب الاجتماعية على شروطها التي تجعل النصر فيها ممكنا اعني حجم القدرة على الاستقلال الشارط لكل نجاح في المعارك الاخرى متناسين ما حدث في الوحدة الألمانية والإيطالية والصينية وكل الوحدات التي يذكرها التاريخ في العصر الحديث فضلا عن الوحدات في العصور السابقة.

لذلك فإني اعتقد أن الله قد منحنا فرصة ثانية من خلال الحرب الإسرائيلية الفلسطينية والحرب الأمريكية العراقية منذ أن أعلنت أمريكا صراحة أن الحرب تشمل كل الوطن العربي والعالم الإسلامي في أخص خصائص وجودهما: التحديث القسري بحسب النموذج الأمريكي. ولن يكون الرفض حلا لعجزنا عن شروطه فضلا عن كون ثمرته ستكون ما أشرنا إليه من حرب مناجزة هدامة تنتهي بتخلفنا الأبدي وتضعف أمريكا فتساعد على الصعود السريع للقطبين المحيطين بالعالم الإسلامي إحاطة الحبل برقبة  المشنوق. وحتى لا نفرط في هذه الفرصة الثانية التي لن تتكرر ينبغي أن تصبح الحربان عربيتين فتعمان الوطن كله ماديا وإسلاميتين حتى تعم دار الإسلام رمزيا دون أن يتواصل التنمر الحالي لبعض الجزر العربية الصغيرة أو لبعض الزعامات العربية الحقيرة التي لا عمل لها إلا تهديم ركني الأمة العربية أعني مصر والسعودية بعد الفراغ من العراق والجزائر: ولكن في شكل المطاولة وبوجهي الوعد والوعيد.

ولما كان سلطان أمريكا وإسرائيل ليس مقصورا على فلسطين والعراق- بل لعله فيهما أضعف منه في الأقطار العربية الأخرى من المغرب إلى قطر مركزي ثقل هذا الدور الأكثر جلاء دون أن يعني ذلك أنه قليل في غيرهما من تونس إلى مصر اللتين تعكسان العلاقة المغربية القطرية (نسبة مصر وتونس في دور أمريكا وإسرائيل الخفي هي عينها نسبة المغرب وقطر في دورهما الجلي. ولو طبقنا مبدأ جحا لقلنا إن الحمار المقيد ليس أقل ذنبا من الحمار المرسل. فطبع الحمير كلها  سيبة) - فإنه  يمكن القول إن العدو قد حقق وحدتنا السلبية بما وفره لنفسه من توحيد مجال فعله في وطننا.

 لكن صراع الملهيات وسذاجة القيادات أدى إلى إغفال صراع المحددات فجعلت القيادات أقطارها ضفادع تحاكي الفيل أو هررا تحاكي الأسد (محاولة التسلح النووي في بلدان دخلها القومي أقل من ميزانية شركة متوسطة في أي بلد نام ) بدلا من السعي لإيجاد الفيل والأسد (مثل الأوروبيين) قبل السعي لمحاكاة من هو من جنسهما. ولا يمكن لمهرب التعلل بالعامل الخارجي وتكالب الأعداء لأن هذا العامل نفسه أصبح عامل توحيد وإن بالسلب. فإذا حرصنا على تحقيق ثمرة الصمود والعطاء فستعود قدرة أهل الدار على حكيم الاستثمار بحكم التخلص من سذاجة قراء دلالات الأقدار.

وأما الضرب الثاني من شروط النهضة فهو ثمرة هذه المعارك الثانية ثمرتها التي كان ينبغي أن تتحقق ولم تتحقق لنفس العلل: إنها الثمرة الاستراتيجية غير المباشرة. وأقصد بها التخلص من الفكر الاستراتيجي العربي الذي يتشبث بموقف عقيم يجعل سعيه إلى تحقيق الشروط محكوما بشعارات إيديولوجية عقيمة (من أهمها الثورة الاجتماعية قبل تحقيق الوحدة والثورة الاشتراكية قبل تحقيق التنمية الخ.. فكان من نتائج هذه الشعارات التخلي عن أهم مقومات الوجود التاريخي ومحركات الفعل من خلال الوقوع في فخ الأقليات في الوطن العربي الأقليات التي استعملت القومية والاشتراكية لتحقيق الطلاق بين النهضة العربية الصحوة الإٌسلامية) وبالقواعد التي يفرضها العدو في مستويي الفكر الاستراتيجي الناظم للمعارك المادية والناظم للمعارك الرمزية. ورغم أن المسلمين أقوى أسلحتهم رمزية فإنهم لا يزالون غير مدركين لأهمية السلاح الرمزي مكتفين باستنفاد طاقة السلاح الرمزي الوحيد الذي ورثوه أعني العقيدة الإسلامية إلى حد إفقادها القدرة على الفعل بحصره في هذا الدور أولا (فلم يعد قابلا للتمييز عن التوظيف الإيديولوجي مما قد يفقده  تعاليه) وبكثرة استعماله ثانيا فضلا عن كون كل سلاح يسعتمل دون تجديد يفقد مضاءه فيصبح كثير الأثلام.

لم يدرك المسلمون بعد أن مستوى المعركة الرمزية بدأ تميل كفته لصالح العدو ما دام أغلب الشباب والمثقفين باتوا أكثر ميلا للتحريك غير المباشر بأدوات التأثير الرمزي الجديدة منهم للتحريك المباشر بالوعظ العقدي الذي أكل عليه الدهر وشرب فضلا عن سذاجة القائمين عليه وجهلهم بفنيات التواصل والتأثير الرمزي. وإذا كنا لا نشك في الدور الإيجابي المحافظ الذي أدته النخب الدينية فإن هذا الدور سيقضي على الأمة وعلى الدين إذا تواصل على النحو الذي كان يفعل لما كان الجهل يعم الأمة وأصبح أقل فاعلية بمقتضى تشبيب السكان وثقافتهم الغربية الحديثة. فليس أسخف من نخب تريد أن تعمل بالرمز وتتخلى عن الآداب والفنون والعلوم مكتفية بالخطاب الوعضي المباشر الذي لا يتجاوز تأثيره نار الهشيم التي تهدم أكثر مما تبني.

لكأنهم لا يعلمون الفنون عامة وأن الموسيقى والرياضة وخاصة ما استعمل منها فنيات الألعاب والصورة أكثر فعلا وتأثيرا من كل الخرافات التي حول إليها خطباء الجمعة ديننا الحنيف عندما حصره رؤساء النحل الجاهلين بالعصر في العبادات والعادات التي رفعوها إلى مرتبتها رغم أن أغلبها تقاليد جاهلية ظنوها من جوهر الإسلام زاعمين مع ذلك أنهم قادة سياسيون في حين أن عملهم لا يتجاوز استنفاذ كل ما في الإسلام من جاذبية لأغراض سخيفة سرعان ما تفقد فاعليتها بمجرد أن يصلوا إلى الحكم.

فهم يرددون ترديدا ببغاويا ضرورة عدم الفصل بين السياسة والدين ثم يحصرون المسألة كلها في  المضمون التعبدي والتخبط السياسي دون خطط تتعلق بالسياسي في أبعاده الفعلية التي تننتظم بها حياة العمران في بعدي قيامه المادي (صراع المصالح المشروع) والمعنوي (صراع القيم المشروع). فلا تدري باسم أي نوع من المصالح يتكلمون ولا من يمثلون اجتماعيا وما هي حلولهم الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تغري فئات بعينها  للالتزام بخطتهم التزاما موجبا يستهدف البناء وليس مجرد الجمع بين الناقمين لأسباب داخلية (ضد المستفيدين من الحكم) أو خارجية (ضد الغرب).

رد الفعل والنقمة والدعوة بالخطاب التقليدي لا يمكن لها جميعا مهما سمت أن تبني عمرانا صورته الدولة ذات الوظائف المؤثرة ومادته المجتمع ذو الأدوار الفاعلة, دولا ومجتمعات وأمما قادرة على تقديم مشروع  يغري في الداخل ليحقق الثورة وفي الخارج باعتناق الرسالة. لا أحد يمكن أن يعتبر الدفاع عن الحجاب مهما كان في ذلك من الدلالة الرمزية برنامج إصلاح سياسي يقتضيه دين يرددون دون فهم أنه لا يفصل بين الديني والسياسي. إلى متى سيبقى الخطاب الديني الذي هذا جنسه مؤثرا؟ هل لوحدة الديني والسياسي معنى آخر غير أهمية العلاقة الحقيقية بين عيش معنى الحياة ( الدين ) و تحقيق أداوتها ( السياسة )؟

وهذا الفكر هو الذي حال دون تحقيق الثمرتين لظن إسترتيجيينا في مستويات الفعل الحضاري الشامل الخمسة (الذوقي والخلقي والمعرفي والعملي والوجودي) قواعد العدو أو ما يقابلها (للتقليد السلبي: أخذ الضد دائما) القواعد الوحيدة الممكنة فضلا عن كلفته البشرية والمادية والحضارية والخلقية المشطة دون داع موضوعي: فهو مكلف بشريا ( ملايين القتلى دون داع ) وماديا ( ميزانيات عسكرية مهولة دون داع ) ومكلف حضاريا ( لمن نفرغ بعد للبناء الحقيقي ) ومكلف خلقيا ( تبدي الأمة من جديد):   أصبحنا أمة فاقدة لشروط المحكومية والحاكمية  كما حصل في جاهليتنا الأولى وكما نرى ذلك في أفغانستان حيث عاد إلى محكومية البدو( القبائل الفاقدة لمقومات الدولة شرط كل قيام حضاري حقيقي) وحاكمية المافية ( سلاطين السلاح والمخدرات ).

                  قواعد الصراع مع الأعداء

ولنبدأ بالسؤال الثاني. ذلك أن تحديد الشروط التي ينبغي تحسينها لننتقل من الدفاع السلبي إلى الدفاع الإيجابي محكوم به: قواعد الصراع مع العدو. وسنقتصر على قواعد الجزء المباشر من الصراع أعني الصراع الحربي التي سبق فعرضنا منه بعض المقدمات في مقال "النصر لا ريب فيه". فالقواعد التي فرضها العدو وأصابت إستراتيجيينا العسكريين بالبلادة التحليلية تعود إلى القواعد التالية: 1- مقومات القوة المباشرة وغير المباشرة, 2- وقيادة شروط الحرب الرمزية, 3- وقيادة شروط الحرب المادية, 4- وقيادة المعارك الحربية, 5-  وكلها ترجع إلى التصرف في حيزي الزمان والمكان البسيطين ( متى وأين: مسألة فيزيائية رياضية  للتعامل مع أثر القوة الناتج عن الكثافة والسرعة) والمركبين (الصبر المكثف للمتى والمرابطة الحامية لللأين: مسألة خلقية نفسية للتعامل مع أثر القوة الناتج عن الصبر والمرابطة) لتصريف القوة المادية والروحية (يمكن الرجوع لمقالنا "النصر لا ريب فيه" حيث حددنا هذه الأبعاد من تصريف القوة كثافة وتأثيرا من خلال الحيزين بسيطين ( المكان والزمان: فيزيائيا ماديا ) ومركبين (الجغرافيا والتاريخ: ثقافيا رمزيا ).

                   مقومات القوة المباشرة

 المعلوم أن القوة غير المباشرة هي الأساس الرمزي (العلوم الطبيعية والتاريخية والعقائد) والمادي (تطبيقات العلوم الطبيعية والتاريخية والشرائع) التي تتقوم بها إرادة الأمة التاريخية. وقد درسناها في غير موضع. ولنكتف بالقوة المباشرة أعني القوة العسكرية. فلو قبلنا بالقواعد التي فرضها العدو بخصوص مقومات القوة العسكرية فجاريناه وبحثنا عن تحصيل أسباب القوة بحسب هذا التصور معتبرين الحرب مشروطة بتحقيق التوازن الاستراتيجي من حيث التسليح الذي تحكمه هذه القواعد لباتت الحرب أمرا مستحيلا ولما نجحت ثورة في التاريخ لأن السابق هو دائما أقوى من اللاحق ماديا في كل الصراعات التاريخية رغم أن اللاحق هو الرابح جائما لكونه الأقوى روحيا.

فقد جعلت حكمة الله اللاحق أقوى من السابق روحيا دائما بحيث تكون موازينه الأثقل في حصيلة المعركة. ذلك أن القضية تعود كلها إلى النسبة بين القوتين ووجهة التعليل: لكون القوة الروحية يمكن أن تنتج القوة المادية, لكن القوة المادية لا يمكن أن تنتج إلا الضعف الروحي ومن ثم فهي تؤول في الغاية إلى الضعف المادي الناتج عن اليأس بعد فقدان الصبر والمصابرة. لذلك فإذا نجحنا في نقل الحرب من المناجزة إلى المطاولة باتت راجعة إلى حرب أعصاب لذلك عد النصر صبر ساعة أعني الساعة الأخيرة. ومهما تحصن الأمريكي والإسرائيلي فإن تحصنه لا يعبر إلا عن الخوف المطلق الذي ينتهي في الغاية إلى الهروب الفعلي من المعركة والاحتماء بالمرتزقة ومن ثم إلى الخضوع للمافيات التي تستعبده قبل استعباد من يريد أن يستعبده بها: وكذلك حصل لكل الحضارات عندما تصل إلى ذروة قوتها المادية وعلامته الحرص على "حياة" ومن ثم القبول بالعبودية.

والمعلوم أنه لا أحد له ذرة من عقل يعتقد أن المسلمين عليهم أن ينتظروا تحقيق الجيل الأخير من الثورة الصناعية والعلمية والتقنية لمحاربة إسرائيل وأمريكا. فالتاريخ لا يمهل فضلا عن كون العدوين لن يمكناننا من الانتظار. وما  تسريعهم المعركة إلا لأنهم أدركوا أننا بدأنا ننهض فعلا وبدأت النهضة والصحوة تتحدان. فأصبح ما عندنا من زخم روحي وبايولوجي مسلح ببعض ما عندنا من أسباب القوة المادية الكافية لزعزعة أركان العدو إذا أحسنت القيادات التصرف كما نحاول تحديد مقوماته. ثم إن هذا الانتظار سيجعل الأمر الواقع الذي يحققانه على قدم وساق غير قابل للمراجعة تسليما بأن العدو سيمكننا من السلم الكافية للعمل المطمئن والمتواصل عقودا تلو العقود لتحقيق هذه الثورات.    

لو انتظر المسلمون في ثورتهم الأولى كامل القرون الأربعة الأولى التي كانت ضرورية للوصول إلى مستوى بيزنطة لما استردوا كامل الأرض العربية التي كانت مستعمرات بيزنطية من الشام إلى الأندلس. ولو تهوروا فجعلوها حرب مناجزة لانهار المشروع. فمعاوية قبل بشرط اللعبة وتمكنت الدولة الأموية خلال قرن كامن من توطيد شرطي وحدة الأمة الرمزي بتحقيق شروط وحدة المصحف والمادية بتحقيق شروط وحدة الأرض. ولما تمكنت المطاولة من تحقيق شروط الانتقال للمناجزة أعلن عبد الملك بن مروان علامتي الوجود المستقب التام: العملة والتعريب .

دخلوا الصراع باستراتيجية المطاولة فغيروا القواعد لربحه. وتلك هي خطة الإسلام التي نقذها ثلة من القيادات السياسية والعسكرية بدأت بعهدي أبي بكر وعمر وتواصلت إلى أن أزيحت بيزنطة من الوطن العربي الحالي كله ومن اسبانيا ومن البحر الأبيض المتوسط. بل إن حروب التحرير منذ النهضة ما كانت لتنجح لو عملت بقواعد العدو. فليس للثورة الجزائرية أي إمكانية موضوعية لخوض حرب تقليدية ضد الجيش الفرنسي فضلا عن سنده من الحلف الأطلسي. أم إن الدول التي اتخذت شكلا لا يعمل إلا بقواعد العدو صارت عبئا يعوق كل إمكانية لتغيير القواعد؟

كما أنه ولا أحد له ذرة من عقل يتصور بديماغوجية  ما يسمى ب"حزب الله" أو "القاعدة" واستراتيجيتهما الحمقاء التي تقضي على الشروط الدنيا للحياة المدنية (أعني وظائف الدولة التي أشرنا إليها وأهمها قابلية الشعوب العربية للوجود المنظم غير الفاشي أو محكومية الأحرار التي هي عين الحاكمية الذاتية) يمكن أن تنتج في المدى البعيد غير القضاء على شروط الوجود الحضاري لشعوب قابلة للحاكمية المدنية والمحكومية الحضارية.فكلتا الحركتين خطرهما على الأمة أكبر من خطرهما على العدو لكونها في العمق أفراس طروادة التي تقضي على الوظائف الأساسية للدولة في الوطن العربي: وليست هذه الحركات بعديمة الصلة بالحراكات الإرهابية التي قضت على الخلافات الإسلامية كلها.

أما استراتيجية الحركات الارهابية فضررها على مستقبل الأمة أكبر من ضرر الاستعمار إذ هي تشترط أن تصاب الأمة بأمراض العدو فتصبح أمة الإسلام مصابة بالعصاب الجماعي وسياسة غسل الأدمغة فضلا عن أداة الإرهاب والصوملة واللبننة والنزعات الطائفية التي تؤسسها  وفضلا عن كون الإرهاب بغير المعنى القرآني  هو الTerror  الذي لا يمكن إن يكون أداة إيجابية. وقد يستعمل الإرهاب رديفا في سياسة دولة كبرى للتشويش على قوة منافسة. لكنه لا يمكن أن يكون أداة سياسة إيجابية تبنى بها الدول أو تستعاد بها الحقوق أو تؤسس لثورة روحية هدفها تحرير الإنسانية كلها وليس العرب أو المسلمين وحدهم. فمن شروط العنف التحريري القواعد التي ضبطها الرسول (صلعم) تحديدا لأخلاق الحرب لأنها تستهدف الإرهاب بمعناه القرآني: أي حصر العنف في الدفاع الرادع.

ذلك أن القصد من الحرب ليس الانتقام بل هي من أجل تخيير الأعداء بين الصداقة المعروضة (الوعد) والعداوة المفروضة (الوعيد). ولا يمكن أن تخير الأعداء بين الصداقة والعداوة إذا تصرفت تصرف المنتقم البدائي الذي لا يعد بشيء ويكتفي بالتوعد. العنف البناء في التاريخ الإنساني ينبغي أن يكون من جنس شدة الآباء بالأبناء وليس من جنس التأر القبلي. ومن ثم فهذه الاستراتيجية نفي تام لمفهوم المواطنة المتروية التي يشترطها الإسلام في بناء الفدرالية الملية الكونية التي وحداتها الدنيا الدول القومية: الشعوب والقبائل التي تتعارف بفضل التواصي بالحق لعلم الحقيقة والحق والتواصي بالصبر للعمل بهما.

 

            كيف نفهم حل الثورة الإسلامية

 

لم يبق إذن إلا فهم الحل الذي استعملته الثورة الإسلامية بقيادة الرسول نفسه في تحقيق ما حققته تاريخيا دون أن تنتظر العرب حتى يصبحون بقوة بيزنطة أو فارس. لو انتظر العرب الأوائل التوازن الاستراتيجي مع فارس وبيزنطة لما تحققت الامبراطورية الإسلامية. وهذا الحل كما أسلفنا وصف ابن خلدون مقوماته في الحديث عن فنون الحرب. فالقوة ليست مفهوما مطلقا بل هي تناسب بين عاملين بسيطين وعاملين مركبين  من تفاعلهما يوحد بينها جميعا مبدأ المزاوجة بينها أربعتها: 1- ميزان القوة المادية بحسب سنن العصر  (العدة والعدد), 2- وميزان القوة المعنوية بحسب سنن الحضارات (صورة الذات عن ذاتها وعن العدو ببعديها المعرفي والخلقي:  العلم بالذات وبالعدو وتقويمهما ), 3- ميزان أثر عامل القوة المادية في أثر القوة المعنوية (التواصي بالحق: عدم الطغيان الداخلي أصلا لعدم الطغيان الخارجي), 4- ميزان أثر عامل القوة المعنوية في أثر القوة المادية ( التواصي بالصبر: عدم الخذلان الداخلي أصلا لعدم الخذلان الخارجي), 5- وأصل الأصول والعامل الموحد للعناصر الأربعة السابقة هو مبدأ حصانة الأمة أو عقيدتها الروحية التي تحدد ابداع القوتين ومنهج استعمالهما.

لم ينتبه المفكرون المزعومون إلى أن آية الردع القرآنية حددت هذين الأمرين بأن حددت زمان الردع وعلته ومقوماته وغايته وطريقة استعماله. فزمانه هو كل زمن السلم (إعداد سابق عن الحرب وليس عملا مرتجلا) وعلته الردع المانع من الحرب والمغني عنها (الحيلولة دون الحرب بدلا من الحرب) ومقوماته المضاعفة مباشرة وغير مباشرة (القوة عامة وهي بكل معانيها والقوة العسكرية ويرمز إليها رباط الخيل) وغايته الجهاد من أجل الحرية الروحية ونصرة المستضعفين لا غير .

  والتوحيد بين أعداء الله وأعداء لا تصح إلا في اتجاه واحد: كل عدو لله أي للقيم التي وضعها عدو لنا لكن ليس كل عدو لنا عدوا لله. فلا ينبغي أن نجعل أعداءنا أعداء الله فنقلب الآية. ففي أغلب الوقت أعدى أعداء الله هم نحن: فنحن أعداء الله عندما لا يكون معيارنا التواصي بالحق والتواصي بالصبر. والفرق بين. فقد نكون نحن أعداء الله وعلينا عندئذ أن نحارب أنفسنا وتلك هي قمة الجهاد. والمعلوم أن الله لا يمكن أن يعادي أحدا أو أن يعاديه احد وهو غني عن أن يحارب أحد  من أجله لو لم يكن المقصود معادة شرع الله أعني الحق والعدل بين البشر شرطي استئهال الاستخلاف الذي تثبت أهلية الإنسان له الجهاد من أجل هذه القيم: حماية الحرية الدينية وحماية المستضعفين.

وشرط الاستخلاف النظري قضية معرفية تهم العقل الحر علما قبل العقد. وشرطه العملي قضية خلقية تهم الإرادة الحرة عملا بالعلم قبل العقد وشرطا فيه. والمعلوم أن تحقيق المطابقة بين سنن الطبيعة (المعرفة: مبادئ العقل والعلم) وسنن الشريعة (الأخلاق: مبادئ الإرادة والعمل) تقتضي أن تكون الأمة عالمة بقوانين الطبيعية الرياضية وبقوانين التاريخ الخلقية. وتحقيق المطابقة هذا هو الشرط الأول والأخير في كل نصر لكونه نتيجية التواصي بالحق في النظر والتواصي بالصبر في العمل. 

ولنكتف بتحليل الأمرين الأولين البسيطين من قواعد الحرب التي لا يتخلف النصر فيها أبدا لئلا نطيل التحليل فضلا عن كوننا قد خصصنا دراسات عدة للعاملين المركبين ولأصل العوامل كلها. فلا فائدة من العودة. ومن أراد فليعد إلى مقالات الملهيات النظرية والملهيات العملية ومقالات الحرب الرمزية وفساد المؤسسات الجامعية العربية وأسباب العجز العربي إلخ. وأغلبها قد نشر بالقدس العربي اللندنية.

                         ميزان القوة المادية

يتفوق العدو علينا عدة. ونحن نتفوق عليه عددا. ومن ثم فالمعادلة بسيطة, بشرط أن نضيف إليها عاملين محددين لقيم معينة لحدود المعادلة هما: كلفة الحرب الاقتصادية وكلفتها البشرية فيصبح السؤال كله في خطة المعادلة التي تحدد الميزان بين العدة والعدد لتحقيق التوازن المصل إلى النصر.  فالقاعدة التي فرضها العدو هي وجوب مجاراته في نظام التسلح لعلمه بأننا خاسرون هذه المعركة لا محالة خاصة وموضوع تسريع المعركة هو الحيلولة دون نجاح هذه المجاراة. وكل النكبات العربية التنموية فضلا عن العسكرية مصدرها القبول بهذه القاعدة. وقد درسنا ذلك منذ سنوات خلت في القدس العربي تحت عنوان "الملهيات العملية". فهل نحتاج إلى نفس النظام التسليحي رغم أننا لا ننوي انتهاج سياسة العدوان بل نقتصر على الدفاع وفرض المطاولة بدل المناجزة لكسب الوقت وتحقيق شروط النهضة الحقيقية التي ليست الحرب إلا إحدى أدواتها العرضية ؟ لذلك فإن تغيير القاعدة يتمثل في إجبار العدو على خوض المعركة بحسب نظام التسليح الذي يفرض عليه المطاولة بدل المناجزة من خلال الحيلولة دون قدرته على الحسم بما عنده من أسلحة بمجرد عدم تمكينه من أهداف قابلة للعلاج بما عنده من أسلحة.

ولنضرب مثالين من أنظمة التسلح: الفرق المدرعة والفرق الجوية. فالمبدأ العام هو كيف نجد الحيلة التي تقلب العلاقة فتجعل التناسب العكسي فاعلا: كيف يصبح أضعف الأسلحة أقدر على مغالبة أقواها؟ ليس المطلوب مقارنة السلاحين فذلك أمر لا يحتاج إلى جهد فكري. لذلك  فهو قدكان علة الهزائم العربية بل المطلوب مقارنة حاصل استعمالهما بالقياس إلى كلفتهما المادية  (المباشرة وغير المباشرة أي الكلفة المادية العسكرية والكلفة المادية الناتجة عن تعطيل التنمية) والبشرية (عدد القتلى) والسياسية (آليات عمل النظام الحاكم في البلد المحارب) والروحية (المصابرة).

نزعم أن هذه المقارنة بمستوياتها الأربعة تجعل نظام التسليح الأقل كلفة إضافية إلى ما يتميز به أحد المتحاربين على الآخر أكثر نجاعة حتى في المستوى العسكري. فالدراجة النارية أفضل من الدبابة حتى لو واصل العدو استعمال الدبابات. فالدراجة النارية أقدر على التسلل وتجنب المراقبة. وهي أسرع وأقل كلفة. وبوسع راكبها أن يهدم الدبابة بسلاح بسيط خاصة إذا لم  ننس النسبة العددية التي هي لصالحنا ولم ننس أن الدراجة النارية تحتاج إلى شخص واحد مؤمن لتحقق ما تحققه الدبابة بأكثر من شخص يحتمون بها أكثر مما يحاربون. ويمكن أن نقول نفس الشيء عن الطيران. فنحن نزعم كذلك أن طائرة تدريب براكب واحد وبتجهيزات بسيطة أفضل من النفاثة التي لا نستطيع الآن تصنيع نظائر لما يملكه العدو منها. ومن الغباء شراء السلاح من حليف العدو. فهذا السلاح سيكون دائما مغشوشا فضلا عن كونه غير قابل للتعويض والإصلاح من دون سلسلة التصنيع الكاملة التي يسهل تهديمها دون كلفة بالنسبة إلى العدو الذي يملك الصواريخ العابرة.

 أما  طائرة التدريب فصنعها في متناول الجميع وكلفة واحدة من الطائرات النفاثة تكفي لصنع ألف منها. ولا حول للصواريخ العابرة  ولا قوة لها أمام هذا السلاح لأن أصحابها الطامحين في الثروات العربية سيأتون بأرجهلم إلى حيث يكونون في مداها. وهي كافية وزيادة في حرب المطاولة التي تجبر العدو على الحلول الوسطى ومن ثم على ربح الوقت والتجهز بأدوات مداها أبعد فيكون الموجود مقفزا للموالي من المنشود.

فيمكن إذن بكلفة دبابة تسليح ألف جندي بدراجات نارية. ويمكن بكلفة نفاثة تسليح مائة طيار بطائرة تدريب وحتى بطائرة شراعية. فإذا فرضنا العدو مضطرا لاستعمال صواريخ عابرة تكلفه مليارات الدولارات لمحاربة دراجة نارية أو طائرة تدريب فإنه لن يستطيع منعهما من الوصول إليه مهما احتاط ومهما أحاط نفسه بالجدران إذ لا بد أن يصل البعض منها إلى أهدافها مهما قل نظرا للفارق في العديد. ويمكن بثمن نفاثة واحدة تجهيز ألف طائرة تدريب على الأقل تماما كما يمكن بثمن دبابة واحدة تجهيز ألف دراجة نارية قادرة على تحقيق نفس المفعول النفسي من الحرب: إذ ليس القصد التهديم للتهديم إلا في الحروب العدوانية أما في الحروب الدفاعية فالهدف هو الردع علما وأن الدفاع هو دائما أيسر من الهجوم في الحرب وليس للهجوم من جدوى إلا عند الغافلين الذي يؤخذون على غرة.

وينبغي أن ينتبه المجاهدون في فلسطين والعراق إلى ضرورة تدبر سياسة الحرب المحمدية التي تعود إلى القواعد البسيطة للحرب النفسية والرمزية. فالعدو الأسير أفضل من الجريح والعدو الجريح أفضل من القتيل والعدو العسكري القتيل أفضل من العدو غير العسكري القتيل والعدد القليل من قتلى الدو أفضل من العدد الكثير. والمبدأ هنا أيضا من القرآن ومن السنة. فالحرب سياسة وغايتها استمالة الأعداء لكي يصبحوا أصدقاء ومن ثم تخليصهم من حمية الجاهلية من خلال التخلص الذاتي منها.

وقد حدد القرآن الكريم كيفية الاستفادة من الأسرى. فالمعاملة الحسنة ليسمع القرآن ثم إيصاله إلى أهله. فما الغاية؟ إنها: تحويل الأسير إلى داعية لما سمعه (أي لما شرح له لأن الأسير ليس بالضرورة قادرا على فهم القرآن حتى لو اعتبرناه ناطقا بالعربية) فضلا عن العرفان الذي سيحصل في نفسه حتى بالرغم منه العرفان لمن كان يعتبرهم أعداء فوجدهم أرحم به من أهله. والجريح يفعل نفس ما يفعل الأسير: سيعود حامدا الله على بقائه حيا فيتحدث في أهله عن الحرب ويفضح من جنده خاصة إذا لاحظ في محاربيه الأخلاق التي وصفنا في معاملة الأسرى. والقتيل العسكري أفضل من القتيل المدني لأن فيه إرهابا بالمعنى القرآني للمدنيين الذي هم عسكريون بالقوة فيحجمون على أن يصبحوه بالفعل ومن ثم تحويلهم إلى دعاة سلم. فياتنام ربحت الحرب بفضل هذه الظاهرة. والعدد القليل من القتلى أفضل من العدد الكثير لأن الأخير يمكن أن ينتج عنه تحول كيفي يجعل الشعب المقابل مصمما على الانتقام فتصبح الحرب بين شعبين وليست بين جيشين. الخ... لكن السخف السياسي في قيادات المقاومة لم يمكنها من تدبر سياسة الحرب المحمدية هذا إذا سلمنا بأنها قيادات تفكر أصلا ولم تتحول إلى رؤساء عصابات مافياوية كما حدث في أفغانستان بعد نهاية الحرب على الاتحاد السوفييتي.

  وبذلك نلغي أثر العدة بأثر العدد فنحقق التوازن بين المحددين دون أن نتنازل عن قيمة الحياة عندنا إلا من حيث هي عامل ردع نرهب به دون استعماله لأن حياة جنودنا عزيزة لدينا عزة حياة جنودهم: لكن العربي الذي يموت مدافعا عن شرفه أفضل من العربي الذي سيقتل لا محالة مع فقدان الشرف إذا لم يقبل هذه المعادلة بين العدة والعدد إلى حين. المهم أن يتأكد العدو من تصميمنا على مثل هذه الاستراتيجية بديلا من استراتيجية من لا بديل عنده إلا سلم المستسلم الذي لا يعترف باستسلامه. عندئذ  سينتهي إلى ضرورة الصلح بشروطنا لأن علم العدو بمدى ما أنت مستعد له هو الذي يردعه: إذا علم أنك لن تتركه يهنأ بما ينوي أخذه فسيحاول التخلي عن البعض لئلا يفقد الكل. وبالتدريج سيتخلى عن الكل إذا علمنا كيف نتدرج بحسب منطق هذه الخطة.

 

 

 

                 ميزان القوة الروحية

 

يتفوق العدو علينا علما بظاهر الحقائق من ذاته ومنا. ونحن نتفوق عليه إيمانا بالحقائق الكونية كما حددتها رسالة الإسلام: الفطرة والأخوة البشريتين. وإذن فالمعادلة بسيطة بشرط أن نضيف إليها عاملين محددين لقيمة المحددات هما اعتماد الأضعف ماديا شبه الكامل على القوة الروحية الناتجة عن الإيمان واعتماد الأقوى ماديا شبه الكامل على القوة المادية الناتجة عن العلم: كيف تحقق التوازن فنحد من أثر العلم بأثر الإيمان ؟

فبعد التخلي عن الموقف الفلسفي الذي كان ينفي التاريخية ويتصور الطبائع محددة لكل ما عداها انتقل الغرب إلى الموقف المقابل فنفي الطبيعية وصار يقول بالتاريخية المطلقة. وليست فلسفات ما بعد الحداثة إلا غاية هذا الانقلاب الذي يرمز له قلب نيتشه المزعوم للقيم. فما كان يعتبره أفلاطون ظلا للحقائق صارت الحقائق ظلا له. لكن حضارتنا ترفض الموقفين: ليس يوجد حقائق تحكمية يحددها الإنسان تكون أولى من غيرها من حيث المنزلة الوجودية. فكل الحقائق التي نؤمن بدورها التحديدي لا يمكن أن تكون إلا آيات لغيرها وعبادا لذاتها لمعبود وحيد هو ربها الذي جعلها تكون ما هي وتؤثر بما تؤثر به وتتأثر. ولما كان ما هي آيات من أفعاله وعبادا لأوامره لا يقبل المقايسة مع أي منها بات الكلام عن علاقة ظل بمظلول عديم المعنى في كلا الاتجاهين.

فليس الإنسان مجرد ظل لله كما يتصور أصحاب وحدة الوجود الثيولوجي  وليس الله مجرد ظل لإنسان كما يتصور أصحاب وحدة الوجود الأنثروبولوجي ( من جنس نظرية فيورباخ في الله من حيث هو إطلاق لصورة الإنسان عن نفسه سدا للنقص بالتمام الوهمي وكل الفكر المسيحي الذي يمثل فيورباخ حقيقة معتقده  العميق ). مفهوم الفطرة في نسبته للفاطر لا للمفطور ( فطرة الله وليس فطرة الإنسان) يخلصنا من هذه المقابلة الزائفة ليبين أن التاريخية والطبيعية متطابقان. فليست التاريخية سيلانا عديم الانتظام وليس الانتظام ثباتا جامدا. الفطرة من حيث فعل منتظم له خصائص الانتظام الطبيعي وخصائص الحياة التاريخية. وذلك هو مفهوم السنن الذي يجمع بين فعل السن الذي يتضمن مدلول الحدث التاريخي وانتظام السنة التي لن تجد لها تحويلا ولا تبديلا. وبهذا المعنى ندرك أن ما يبدو مفارقة في نفي شيخ الإسلام ابن تيمية تضمن علم الطبيعة للكليات وحصرها في علم الشريعة.

فالكليات من باب الإيمان بالقواعد وليست من باب العلم بالقوانين. وهي خبرية في ما يحصل فعلا وإنشائية في ما ينبغي أن يحصل: كل سنة إلهية تخبر بما يتحقق منها في القوانين وتأمر أو تنهى بما ينبغي أن يتحقق. وكذلك شأن كل القوانين: فهي خبرية في بعض الأعيان من جنس الظاهرات التي يتعلق بها وإنشائية في البعض الآخر الذي يشذ عنها. لذلك فإن علم القوانين يوجد  بين حالتين. فإذا كانت القوانين طبيعية فعلى الإنسان أن يغيرها عندما يغلب فيها الإنشاء على الخبر  أعني عندما يصبح ما يشذ من الأعيان أكثر مما يخضع للقانون. أما إذا كانت خلقية فعليه أن يغير الظاهرات لكي يتغلب على الشذوذ. وفي الحقيقة فإن السلوك واحد: علم القوانين الطبيعية يعامل كظاهرة طبيعية ينبغي تغييرها لتطابق علم القوانين الطبيعية كظاهرة خلقية. فمن حيث هو عقد فهو ظاهرة نفسية طبيعية. ومن حيث هو وعي بعلاقة العقد بموضوعه هو طلب للحقيقة. ومن ثم فهو قانون خلقي يغير ذاته من حيث هو ظاهرة طبيعية. وهذا الازدواج في علم القوانين هو الفطرة. إنه يجمع بين البعد الطبيعي والبعد الخلقي إي إنه طبيعي من حيث هو وعي بموضوعه بما في ذلك ذاته وخلقي من حيث هو وعي بوعيه بموضوعه أي وعي بالنسبة بين الطبيعي والخلقي من الوجود الإنساني وتلك هي المفطورية.

 

 

                                   الخاتمة

لكن كل هذا التحليل يفقد معناه إذا بقيت الأمة في محاولات الجهاد المتخبط بدون جهاز عصبي مركزي ذي وظيفة رمزية تتعين فيها حصانة الأمة ووحدتها الروحية. لا بد من إعادة وحدة الأمة بصورة حديثة تعتمد محددين لكل مؤسسات العمران البشري: أولهما هو تاريخ المؤسسة التي وحدت الأمة نفسها والثاني طبيعة ما تمثله هذه المؤسسة من حيث هي ليست خلافة الله (التي هي للإنسان من حيث هو إنسان) ولا خلافة النبي (التي هي للأمة من حيث هي جماعة) بل خلافة خلفاء الله وخلفاء نبيه, أعني نيابة عن المسلمين في رعاية شأنهم الروحي المتعالي على شأنهم المادي.

لذلك فهي خلافة ذات شكل رمزي يرفض شكل السلطان الروحي الذي يدعي العصمة في السلطان على رزق الله الروحي (إرث الشهادة على العالمين التي  هي قوت روحي) وذات شكل زماني يرفض شكل السلطان الزماني الذي يدعي السلطان على رزق الله المادي (إرث الأرض من حيث هو قوت مادي).

وما محاولاتنا هذه إلا من أجل  التأسيس النظري للمقاومة الفعالة أعني التي تنقل الأمة من المقاومة وهي مشتتة إلى القيام المشروط بالوحدة. ذلك هو شرط انتقالها من رد الفعل إلى الفعل واستئنافها دورها التاريخي الكوني. وهذا هو طموح هذه المحاولات التي كتبت خلال السنوات الأربع للحرب العراقية الأخيرة حتى وإن لم ترد بالترتيب الزماني لكتابتها لأنها تخضع لنظام استقريناه من فلسفة الحرب والإسترايتيجية القرآنية الهادفة إلى تحقيق شروط التحرر من الطغيان الإمبراطوري  وبناء دار الإسلام التي تعتبر البشر إخوة متساويين أكرمهم هو أتقاهم.

 

 

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام