
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



قَـدَاسَةُ حَق سُؤالِ كُلِّ العُلُوُم- إضَاءة ودَعْوةٌ للتروِّي –
حول حوارات المرزوقي وفودة
أحْمَدْ الحَمْدِي
" اختيار":
" علم الكلام وافٍ بمقصوده، غير وافٍ بمقصودي!!".
الإمام الغزَّالي"ت:505هـ"(المنقذ من الضلال، ص:6).
إذا كانت كف الجهل حافرة بمخالبها في بِنْيةِ الإنسان الوجودية أقبح أشكال التردي، فإن غوائل غدور الزمن لا ترحم من يتهاون في تحقيق شرائطها، وسنن الله في كمال العمران البشري لا تصيب من يتوانى عن التفتيش في مسبباتها فضلا عن أسبابها. ذلك أن انبثاق اللحظة الشهودية، لا تتطلب الاقتصار على المباشر والمبسط في القيام بأي دور حي، يحقق شهود أمة باتت البشرية عطشى لنهوضها العالمي.
وإذا كانت حالة الاشرئباب المعرفي مركوزة في الطباع السامقة كما هو معروف في :"نظرية المعرفة"العربية التي تؤكد عبر القرآن الكريم، والحديث، ومقولات الأصوليين المسلمين، أن الإنسان مزود باستعدادات فطرية ترغمه أن يعرف! إنها حاجة بيولوجية بلغة وشهادة العلم الحديث، فطرية بلغة مقولة التراث العربي والإسلامي.كما أكد ذلك الفارابي في:( الحروف، ص:134)، فإن عوائق حالة الاتصال بالحبل السري مع الماضي، والحاضر، والمستقبل، باتت تشكل لنا – سيما في العصر الحديث- إحدى أكبر قواطع التواصل العالمي في لحظة متغيرة جد متغيرة!.
وبات الغيارى- عند حسن الظن- يفتشون – كل على مشرب- عن أسباب الانحسار، وآخرون عن مفاتيح الانتصار، والجميع يتفق على وصف الحال بأنها حال ارتكاس، ومعضلة انتكاس، وأزمة (انتكاص) في فهم ماضينا وسحبه، أم في الماضي الغربي وجلبه!.
إلا أن هذه الحالة إن جازت تسميتها بـ:" هم و ألم الريادة" إن توقفت عند وضعية الرفض للراهن –كل الراهن معرفيا كان، أم ظرفيا- ولم تنتقل إلى موقع الفاعل"الرحيم،(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) بحيث لا يصبح الفعل مشكلا آخر، أدنى (تجلياته الفردية)، حالة من السوداوية، تصيب الفرد تنتقل مع الزمن لتكون شللا روحيا تكبل صاحبها عن كل ومضة أمل. وأعلى (تجلياته الجمعوية) التجنيد الأعمى لتصفية كل مخالف، بشكلي التصفية: أ/ التصفية الرمزية- إطاحة فكرية، وإسقاطات مسبق...-ب/وتصفية جسدية، تدبجها فتاوى غير قابلة للنقاش فقط لأنها من:"مصدر ثقة!".
إن دوائرنا العلمية والمعرفية، وصلت إلى حالة من:" الجبرية الذهنية"-لمن تأمل- تلك الحالة التي تتعطل فيها كل الفهوم، في النظر إلى العلوم، لتفقد تاليا دورها العام وتُختصر في :"حوزات"و"وتكايا وزوايا"تُغرد خارج سرب الحياة الواسع، مودعة ما لقيصر لقيصر ومالله لله؛ والذي لا يمكن لأي مشروع أن يحصرها فيه، ذلك أن الدائرة الإسلامية العالمية الواسعة، لا يمكن أن تُختصر في مشروع بعينه يُنظِّر له:" الرجل الملحمة!".
إن المعرفة التي ترسف-تمشي مشية المقيد- في عبودية الزمن وأوهاق الحلول المعلبة، لن تراوح مكانها ولن تخرج من مقطرة أزماتها وزمانها، بخلاف المعرفة العطشى إلى تجاوز حدود الزمن الحادث، إنها معرفة عطشى لرب الكمال، عطشى لمن لا يجري عليه ماضٍ، ولا حاضر، ولا مستقبل؛ فاللحظة الربانية- عندنا متعددة- وعنده واحدة! لأنه واحد!!.
بذلك ندرك أن التراث: كل التراث- حاشا النص المؤسس كتابا وسنة- من الفهوم، والاجتهادات، والفقه، والإنتاج البشري، هو وسائل معينة لفهم" قيم الوحي" وليست ملزمة! إلا لمن التزمها.
ولا يجوز بحال من الأحوال أن تكون حاجزا بين الناس وبين "عطاء القيم"، وحائلا دون " خلود القيم" وتجردها، واستبدال رأي الناس بها! فمن حق كل مسلم وكل عصر أن يستلهم هذه القيم متى ما توفرت لديه مباني النظر، غير الإسقاطي، في الكتاب والسنة والسيرة النبوية -التي جسدت التنزيل للقيم-بما يفضي إلى العالمية الشاهدة، لا المحلية الحاقدة، وبما يحقق معالجة إشكاليات العصر.وهذا ما جاءت به الشرعة الخاتمة، عندما تعرض القرآن الأكرم، بالنقد لإيمان اليهود وأهل الكتاب والنصارى، قدم أخطر قضاياه على الإطلاق! إذ بين أن الإيمان يمكن تزييفه بل وتحريف الكتب السماوية، والعقائد بصفة عامة، فأمكن عن طريق ذلك نقد "سلطان اليهود والأحبار والرهبان"، وسقط سلطانهم سقوطا ذريعا، -وفي ذلك درس لنا ولمن بعدنا-وأصبح في الإمكان أن ينتقد أحد الناس بناء على "قيمة العدل والإحسان"و"القسطاس المستقيم"كل من ثبت أنه يدعي السلطان المطلق، وفكر النقاء، والطهورية الخالصيين.
إن تحنيط خلود هذه القيم يتبدى في الحال التي وصلنا إليها من حصر الفكر، والاجتهاد في:" الاجتهاد المذهبي" بدلا من :" الاجتهاد المنهجي "!.
إن كل تفلسف لا يقوم على هدف النقد والمراجعة -وعد التسليم هو تفلسف- يعتبر موءود من البداية. ذلك أن كل معرفة وليدة ظروفها الخاصة، وبالتالي فإن ادعاء "كليّة المعرفة/البشرية" إدعاء يحمل من الوهم الشيء الكثير.يبين ذلك "جون سيرل" –فيلسوف أمريكي معاصر- في كتابه:(العقل واللغة والمجتمع):-بقوله: " المزاعم المعرفية إنما تصدر وتختبر ويتحقق منها من قبل أفراد يعملون في سياق تاريخي وقبالة خلفية تتشكل من ممارسات ثقافية بعينها. بهذا المعنى كل المزاعم مشكّلة اجتماعيا، غير أن صحّة هذه المزاعم المعرفية ليست مشكّلة اجتماعيا. الصحة مسألة مطابقة بين حقائق موضوعية في العالم ومزاعمنا المعرفية".أ.هــ.
من هنا جاءت ضرورة تقنين المعرفة، والخبرة، البشرية بتحويلها إلى علوم، ومراكمة البحث، والنقد فيها، وبها، وذلك ما يعرف الآن بـ:(حكمة المعرفة) وهي درجة أعلى وأرقى من المعرفة بما يضمن التراكم البشري المعرفي الحقيقي.
هنا ينبغي أن نعترف أن معظم أنماط :"التفكير التأملي" مدانة في ثقافتنا باعتبارها نوع من التفلسف الذي يقود بالضرورة التلازمية إلى الزندقة عند البعض، لذلك يجنح الغالب إلى التفكير التنفيذي المباشر، والبراجماتيكي القاصر.
أما الأسئلة العميقة والتي هي وليدة رؤية الصورة بشكل مختلف لا تتم إلا بتوافر العقل الناقد ذي الأبعاد التركيبية، الذي يغوص لأبعد من السطح.وهذا هو دور"الخيال التركيبي" الذي يبدع الفنون بتراتيبها اللآنهائية، والعلوم بتقاسيمها.
لقد تابعت كل الردود والتعليقات على موضوع"النكوص إلى عقلية الفرق الكلامية" في "الملتقى"و موقع "الأصلين"، وموقع"فلسفة" و إنه ليؤسفني أن ينقلب درب الـتفاكر الذي أراد العلامة المرزوقي إبداء رأيه في قضاياه، مع الشيخ الفاضل سعيد فوده- وفقهما الله- إلى درك للـتناحـر، تُشخصن فيه الأفكار، ويستجيب فيها الأنصار، للانتصار السريع، وتنـتصر فيه الذات، على الفكرة، فتصبح الفكرة المراد التواصي بالحق والصبر في علاجها، منكوصة الفهم، معكوسة الرسم.
إن من المعلوم في كل علم بالضرورة أن تناول أي معرفة بالتداول شرطه الأولي العلم بالعلم المتداول ومبانيه الأولى، والانتقال من مرحلة "الإحساس" إلى مرحلة "الإدراك" من مرحلة" الإبصار" إلى مرحلة"البصيرة" " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني!!"}يوسف:108{.-أي على معرفة، وتحقق-(المفردات، للراغب الأصفهاني، ص:127).
رأيت كثير ممن يطرحون عناوين وقضايا وإشكالات معقدة وكبيرة -تحتاج إلى جيوش من المتخصصين- بشكل أقصى ما أصفها به أنها لا تعانق صروح المعرفة المطروقة لعلاج جزئية من جزئياتها.
وكثيرا ما أُسائل نفسي لماذا كل هذا التردي في حواراتنا؟ والتعجل في الرد والقفز فوق أدوات الإحاطة والتبصر؟.
كل شخص يستطيع أن يُدخل رأسه في أي قضية، لكن قبل الدخول هل أُسائل ذاتي ما الذي في جعبتي المعرفية حتى أدخل به؟
إن " الورع المعرفي" والذي من تجلياته" التروي"و"عدم العجلة" التي هي بريد التقارب، ورسول التعارف، ومدرج السعي إلى الكمال. من أي جهة جاء، يعتبر مدخل رئيس لعلاج أي أزمة ثقافوية.
إن معارف فلسفية أولية مثل: 1/المقدمات الفلسفية، 2/ تاريخ الفلسفة، 3/ تواريخ عمومات أبرز الفلاسفة، 4/ مناهج المعرفة في المدرستين العربية والغربية، 5/تاريخ العلوم، 6/ وأوليات علوم الملة واللسان، 7/ وتواريخ الأديان..إلخ يتطلب كفاحا، وجهادا ! فكيف بالتطاول على عويصات مسائلها، لمن يعلمون أنهم لم يحيطوا بأسمائها فضلا عن مسمياتها! إنها "عقدة الإسقاطات المسبقة" على كل ما نجهله، إنها "عقدة اعتقاد امتلاك المطلق، والنهائي المغلق!".
عذرا أبا يعرب إننا بعدُ لم نرتقِ إلى فهمك! فكيف بالردود عليك!
عذرا أبا يعرب إنك سبقت عصرك- وكذلك العباقرة فإنهم لا يُفهمون في زمانهم- فأتيت قبل الأوان، ولكنه القدر الإلهي الحكيم، لا نملك إلا أن نغالبه بقدر آخر، هو أن نُسلم للأجيال القادمة كل أمل، لدرء كل أسباب الألم. و" الأمل لا يموت" إلا في نفوس فقدت الأحلام!.
عذرا أبا يعرب فعصرك حجبته طيشة العجول، وحيلة المستبد، وطمأنينة المغرور، وفترة الكسلان، وسلوانك فيما قاله مؤرخ الإسلام الذهبي-رحمه الله-:" المُعاصرةُ حجاب!!". ومن بعده قال نيتشه:" إذا برز الوثن، غابت شمس الحقيقة!".
آمل نتعلم،،، آمل أن نتواصى،،،
آمل أن نـكون رحـمة للـعالمين!.
آمل أن نـكون رحـمة للـعالمين!!.
اللهم اجعلنا رحـمة للـعالمين!!!.