



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
كلام النكوص
أبو يعرب المرزوقي
09/08/2008
لما كانت أكثر الدعاوى ترددا في مواقع المتكلمين الذين يريدون النكوص بالأمة إلى فتن الماضي وحروبه هي دعوى العلم المحيط منسوبا إلى فرقهم ودعوى الجهل المطلق منسوبا إلى الفرق المقابلة اخترت هذه الطريقة لبيان طبيعة التعليم السائد في مدارس كلام النكوص ومستوى معلمهم المتدني في ما يزعمه من علم ومن تعليم دون أن أزعم العلم المحيط لعلمي بأنه فوق كل ذي علم عليم:
فأما طبيعة التعليم فيحددها سعى أصحابه بقصد أو بغير قصد إلى الانشغال بما لا فائدة منه علمية أو خلقية أو حتى إحيائية وجعله في صدارة هموم شباب الأمة في عصر صرنا فيه فريسة الجميع للجهل بعلوم العصر وتطبيقاتها.
وأما علم المعلم فهو دون المتوسط في بعده الشكلي والمضموني. فشكلا يقع هذا المعلم في أخطاء منطقية لا يقع فيها المبتدئون مثل السهو حتى في عكس القضايا وأما مضمونيا فعلمه بمنظومات الكلام ومنطقها الداخلي لا يكاد يذكر.
والمعلوم أني لست أرى للكلام من ثمرة إلا ما عللت به الآية السابعة من آل عمران النهي عن التأويل: لأنه من ثمرات تقديم المتشابه على المحكم ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل. لكن مزيد التحقق من صحة هذا الحكم بالتعيين يقتضي أن أعرض مثالا من التبادل العلمي بين الشيخ سعيد فودة وأحد اللاجئين إليه. وهذه المحاولة في تحليل هذا الاستفهام والتفهيم اللذين وجدتهما اليوم ( 22 جويلية 2008) في موقع الأصلين يمكن أن تكون العينة الممثلة. وفي الحقيقة فإني لست أدري إن كان المستفهِم يستفهم حقا أم هو يمتحن المستفهَم ليتأكد مما بدأ يدب في نفسه من شك في جدية اللغط الكلامي.
فهذا الموقع يسعى إلى تزييف كل الأصول بمضغ فضلات لم يعد أي منها من المعقول. سأصحح بعض ما ورد في السؤال من أخطاء مطبعية وأعلق على الجواب تعليقا موضعيا حول بعض المسائل الجزئية ثم أقدم تحليلا وجيزا في غاية الجواب الذي يقدمه شيخ الفرقة مشيرا إلى بعض ما أضافه من مسخ لعبارات الغزالي الواضحة حتى وإن كنا لا نعدها علما. والغزالي نفسه لا يعتبرها علما. ولذلك فهي عنده مجرد محاولة للحد من غلواء المتكلمة. واسم الكتاب دال على ذلك لمن يفهم مقاصد الرجل. ولنقل عرضا إن الغزالي ليس ممن يمكن أن يعني بالاقتصاد في الاعتقاد الاقتصاد في الإيمان لأنه كان من الذاهبين إلى غايته في تجربته الروحية بل هو يقصد الاقتصاد في نعرة التشقيق والتدقيق في التصورات الكلامية بدليل ما جاء في تمهيدات الكتاب. ولنشر إلى خطة المحاولة فهي كالتالي:
نورد نص الاستفهام أولا
ثم ما يعنينا من نص الجواب ثانيا
ثم نعلق عليهما موضعيا
ثم نختم بتعليق موجز حول تفهيم المستفهم وعلاج الإشكالية.
ونختم المحاولة بدعوة لتجاوز الخلاف والتوجه نحو البناء والنهوض.
أولا: نص الاستفهام
عمر العلائلي: طلب توضيح عبارة أشكلت في الاقتصاد للغزالي من الشيخ سعيد
السلام عليكم. الرجاء من الشيخ سعيد - حفظه الله - توضيح العبارة التالية من الاقتصاد في الاعتقاد الإمام الغزالي:
"الدعوى الثالثة من القطب الأول: "وذلك المرجح امل فاعل يعدم بالقدرة... (جملة حذفها المستفهم تدل بحذفها على يريد الاستفسار عنه حصرا فيه) (1). ومحال أن يحال على القدرة اذ وجود شيء ثابت يجوز ان يصدر عن القدرة فيكون القادر باستعماله فعل شيئا و العدم ليس بشيء فيستحيل أن يكون فعلا واقعا بأثر القدرة..."
بحثت في بعض كتب علم الكلام فلم تشف غليلي فكل ما وجدته قول الإمام السنوسي في شرح كبراه: "و المقتضي بالاختيار لا يفعل العدم إذ ليس بفعل" هذا مع العلم أن صاحب الجوهرة يقول: إيجادا إعداما كرزقه الغنى، وفرق الحامدي في حاشيته بين ما تعلقت القدرة بإيجاده فيجوز أن تتعلق بإعدامه و بين العدم المطلق إلا أنه لم يفصل فبقي الكلام غامضا (بالنسبة لي).
فأرجو منكم سيدي أبي الفداء التوضيح جزاكم الله خيرا.
ثانيا: مقتطف من نص الجواب الذي قدمه الشيخ
الأخ الفاضل،
هذا بعض ما ذكرته في شرح كتاب الاقتصاد في الاعتقاد الذي سميته خلاصة الاقتصاد، أرجو أن يكون كافياً لتوضيح المقام(2)، قلت:"الدعوى الثالثة صانع العالم الموجود القديم باقٍ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه(3)، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه(4)، لأن عدمه لو جاز لكان ممكناً(5)، وكل ممكن حادث (6)، وقد ثبت أن صانع العالم ليس بحادث (*) وما دام قد ثبت وجود الصانع وقدمه، فإذا فرضنا عدم بقاءه فلا يخلو أن يكون سبب عدم بقاءه من أمور ثلاثة: (7)
إما فاعلٌ (8) يُعْدِمُه بقدرته واختياره.
وإما ضِدٌّ (9) يدافع وجودَه فيعدمه.
أو ينقطع شرط من شروط وجوده (10)فينعدم.
وكل هذه الاحتمالات باطلة.
(.....) بقية النص لا تهمنا وليس فيها ما يمكن أن يعتد به عدا البارافراز لنص أوضح مما يضيفه الملخص الشارح. نحن إذن أمام جواب على سؤال محدد أخذه صاحبه من كتاب له وظيفته شرح كتاب الاقتصاد بهدف استخراج خلاصته ومن ثم تجريده من الزوائد والإبقاء على ما يعتبره زبدة الكتاب. فهل النص يجيب السائل؟ وهل هو حقا شرح مستخلص؟ وبعبارة أوضح هل فيه تعليم لمن يريد أن يتعلم ؟ وهل فيه علم يدل على علم من يزعم تعليم غيره فكر الغزالي ؟ ذلك ما نحاول البحث فيه في مرحلتين: أولاهما جزئية أو موضعية هدفها التعليق على نقاط جزئية والثانية توحد بين تلك التعليقات من أجل تحديد نظرة شاملة لمقدار العلم الموجود في هذا النص وجدوى التعليم الوارد فيه.
ثالثا: التعليق الجزئي أو الموضعي
(1) للمقارنة ولتصحيح بعض الأخطاء نورد نص الغزالي الذي انتخبه السائل لنضمن فيه ما حذفه السائل: "(...) وذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة، أو ضد انقطاع شرط من شروط الوجود. ومحال أن يحال على القدرة؛ إذ الوجود شيء ثابت يجوز أن يصدر عن القدرة، فيكون القادر باستعماله فعل شيئاً والعدم ليس بشيء، فيستحيل أن يكون فعلاً واقعاً بأثر القدرة...." وذلك لأن المستفهم حذف هذه العبارة من نص الغزالي "أو ضد انقطاع شرط من شروط الوجود" فحصر الاستفهام حول فعل القدرة. وطبعا الغزالي يتكلم على "فاعل بعدم القدرة" وهو الأمر المحير لكونها عباره غير واضحه فهي قد تعني "فاعل بعدم القدرة على فعل هذا الفعل المشار إليه أي إعدام القديم" عامة فيكون الكلام على ما ليس بمقدور عليه بصورة عامة كالممتنع أو "فاعل كان قادرا ثم لم يعد قادرا" لأنه فقد قدرة كانت له وهو معنى أنه ليس أبديا فتكون له غاية ينتهي عندها. والمعلوم أن المشكل كله يدور حول سبب طروء التغير في القديم الذي أثبت الغزالي وجوده لترجيح وجود العالم المحدث وأثبت عدم تقدم العدم عليه أي أزليته ويحاول الآن إثبات أبديته أي عدم تأخر العدم عليه فيكون بذلك قد أتم إثبات القدم أي عدم البداية وعدم الغاية في الوجود القديم.
(2) "هذا بعض ما ذكرته في شرح كتاب الاقتصاد في الاعتقاد الذي سميته خلاصة الاقتصاد، أرجو أن يكون كافياً لتوضيح المقام" هل يعني أن مجرد الإحالة إلى الكتاب كافية فيكون القصد أن هذا السائل كان عليه أن يطلع على الكتاب وكفى؟ هبه قرأه ولم يفهم ؟ ! وهل "أرجو" للتواضع لأن تقديم النص للسائل يعني أن فيه الجواب وإلا لكان تقديمه عبثا. هذا وقد أعلمنا قيم الموقع لاحقا أن الكتاب لم ينشر وآمل ألا ينشر بهذه الصورة إذا كان القصد بالتخليص الشارح تيسير الفهم. وفي الحقيقة لو قرأ رأي ابن خلدون في التلاخيص حتى لو كانت تخاليص لانتهى عن كتابتها: فهي مضاده للتعليم المفيد لأن هدفها تعويض التفكير بحفظ التلاخيص فضلا عن كون الغزالي أدرى بخلاصة كتاباته ولا أظن أحدا بقادر على إيجاد ما يمكن أن يلغى منها ثم يبقى الكلام فيها مفهوما لفرط ما عرف به الرجل من الدقة وعدم الاستطراد في كتاباته النسقية. كتب الغزالي التي كتبت بعد نضوجه الفلسفي لا تخلص. وإذا لخصت شوهت.
(3) "قلت" الدعوى الثالثة صانع العالم الموجود القديم باقٍ، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه": هل ترديد كلام الغزالي مع تشويهه يسمى تلخيصا مفسرا يستهدف استخراج الخلاصة منه ؟ فهذا التعليل عديم المعنى إذ هو عين المطلوب. وكان على الملخص المفسر أن يقول إن الغزالي يثبت الوجه الثاني من مدلول القدم في المصطلح الكلامي ليضيف إلى الأزلية الأبدية فيستقيم القدم بانتقاء العدم السابق واللاحق ولا يبقى وجه العدم من الإمكان ليصبح وجوبا. لكن الشيخ يبدو أنه لا يعلم أن الإمكان بمعناه الوجودي ليس ثالث ثلاثة دائما بل هو ثاني إثنين في غار الوجود. فهو قسيم الوجوب في عدم الامتناع ولا يكون قسيم العدم إلا إذا استثنينا منه الوجوب فلم يعد يعني عدم الامتناع بل عدم الامتناع وعدم الوجوب. فهل هذا مما لا يفهم ؟ أعتقد أن الشيخ فودة لا يقبل بذلك للعلة البينة من كلامه على العلاقة بين الإمكان والحدوث ولأن الغزالي نفسه يتجنب التصريح به لئلا يتهم بالقول بالشيئة للمعدوم الذي هو معنى القوة أو الإمكان الوجودي غير المقصور على الجهة المنطقية.
وليس صحيحا أن القول بذلك يكفي تعليل المعتزله له باعتبار الشيئية هي المعلومية فحسب. ذلك أن المعلومية كما هو معلوم تعني أن المعلوم متقدم على العلم لتبعية العلم للمعلوم في كل النظريات القديمة والوسيطة وهو شيئية متجاوزة لمجرد المعلومية إذ هو وجود ماهوي اضطر الفحول إلى تسميته حالا ولا بد له من حيز ما يقوم فيه: وابن سينا قد يكون أنقذ الجماعة بما أطلق عليه اسم الوجود في العناية قبل الوجود الطبيعي. والغزالي لا يجهل ذلك وهو يداري ولا يستطيع القول به لئلا يخرج نهائيا من صف الأشاعرة (رغم أن شيخه إمام الحرمين مال أحيانا إلى القول بالحال). ولأن هذا يعني أن القائلين بهذه النظرية لا يستثنون علم الله نفسه من القاعدة فمعنى ذلك أن الشيئية صارت وجود الماهيات بالقوة وجودا أشبه بما سماه الفارابي الصور النماذج في العلم الإلهي أعني ما يجعل علم الله نوعا من عالم مثل أو لوح محفوظ مضمونه غير مخلوق من حيث الماهية Essence وإن كان مخلوقا من حيث الإنيةExistence .
(4) "لأن عدمه لو جاز لكان ممكناً" وهذه حجة واهية بالنسبة إلى الأبدية حتى وإن تنازلنا فقبلناها بالنسبة إلى الأزلية. فأن يستنتج المتكلم الحدوث من الإمكان نقبلها تياسرا أما أن يعكس فيستنتج من جواز العدم الإمكان دون تعيين فلست أرى كيف: فأي الإمكانين يستنتج هل القسيم للوجوب الذي هو جزء من القسيم للامتناع أم القسيم للامتناع ؟
(5) "لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه": مكررة في النص ولست أدري هل هو سهو أم إن للتكرار دورا في التفهيم ؟
(6) "وكل ممكن حادث": = وهنا نجد علة ما أدى إلى اعتراضنا السابق وهو أول دليل قاطع على أن الرجل لا يعي حقا ما يقول. فأن يقول المرء كل حادث ممكن قد يقبل منه أما أن يزعم أن كل ممكن حادث فهو حقا لا يعي ما يقول خاصة وهو قد أخذ هذا الكلام من كتاب سابق ولم يكتبه مباشرة على الحاسوب. وذلك لأن العالم مهما كان ناقص العلم لا يمكن أن يجهل أن الممكن له معنيان أولهما هو ما بين الواجب والممتنع أعني ما يبقى من الموجود بعد نفيهما والثاني هو ما ليس بممتنع ومنه الواجب.
والعلة أن الشارح يخلط بين الممكن من حيث هو ما يعرض من الحادثات contingent والممكن بمعنى Possible أي ما ليس بممتنع سواء حدث أو لم يحدث. فالممكن بالمعنى الضيق هو الموجود العارض أو الممكن الذي حصل موجودا والممكن بالمعنى الأوسع ومنه الواجب هو ما ليس بممتنع الوجود. لذلك يصح أن نقول: "كل حادث ممكن" لكننا لا نستطيع أن ندعي أن "كل ممكن حادث" لأن الواجب ممكن أي ليس بممتنع لكنه ليس حادثا. لكن الشيخ فوده يقول ذلك ربما للغفلة عن الفرق بين الجهات المنطقية والجهات الوجودية.
ثم توجد حجة ثانية: فلو كان كل ممكن حادثا لكان ذلك يعني أن الممكن من حيث هو ممكن ينبغي أن يحدث كله. فيصير الممكن واجب الوجود لأن الحادث حصرا هو الممكن الذي انتقل إلى الوجود ولم يبق على حال قابلية العدم. فإذا صار الممكن موجودا (وهو معنى كونه حادثا) لمجرد كونه ممكنا بات واجب الوجود. حصول أحد وجهي الممكن يلغي الوجه الثاني حال الحصول وخلاله. وقد يتواليان. وهو ما اضطر الكثير من المتكلمين الفحول إلى القول إن الممكن المعدوم شيء له كل مقومات الماهية دون الوجود بمعنى أنه ليس عدما مطلقا بل هو ما يشبه القوة الأرسطية. أما محاولة الحد من ذلك بإرجاع الشيئية إلى المعلومية فهو مهرب كلامي كما أسلفنا بسبب كون المدركين لمدلول المعلومية يفهمون أنها تفترض تقدم المعلوم على العلم حتما.
(*) "وقد ثبت أن صانع العالم ليس بحادث": لم يثبت ذلك في أي دليل سابق من أدلة النص الملخص. ما نقبل أن نسلمه تياسرا هو أن العالم الحادث لأنه ممكن ومتغير يحتاج إلى مرجح يتصف بصفة القدم الإضافي إلى العالم لكن الغزالي لم يثبت أنه غير مسبوق بالعدم بإطلاق (الأزلية: إلى حد هذه المسألة التي ستثبت أنه غير متلو بالعدم كذلك: الأبدية). فيمكن أن يكون صانع العالم أقدم من العالم لكنه مع ذلك ليس قديما بإطلاق. وقد يكون ليس بحادث أي قديما بإطلاق دون أن يكون الله لأن الغزالي لم يثبت بعد الوحدانية. فإلى ذلك الحين هذا الإمكان ليس مما يرفضه العقل. والمعلوم أن القول بتعدد القدماء ليس بدعا. فقد ذهب الرازي الطبيب إلى جعلها خمسة ! لكن لا بأس فلن نطيل الكلام لأن كلامنا ليس مع الغزالي. وما أشرنا إلى ذلك إلا لنذكر بأن الملخص ليس مجرد مكرر لكلام النص الذي يلخصه بل عليه أن يطرح الاعتراضات الممكنة التي ترد إلى ذهن القارئ إما ليبقيها معلقة أو ليرد عليها.
(7) "فإذا فرضنا عدم بقاءه (!) فلا يخلو أن يكون سبب عدم بقاءه (!) من أمور ثلاثة": لا فائدة من الكلام.
(8) "إما فاعل يعدمه بقدرته واختياره": لعل كل الحيرة التي جعلت المستفهم يلجأ إلى الأستاذ يكمن هنا: فهل الفاعل هنا يعني فاعل غير الله؟ وهل الجواب عن القدرة دون الكلام على الإرادة لورود ما يقتضيها أعني الاختيار كاف ؟ إذا كان ذلك كذلك فما العلة في الكلام على الصفات التي تتصف بها صفات القدرة الإلهية (والإرادة الإلهية لورود كلمة الاختيار) ؟ أم هل إن الشيخ (والغزالي طبعا لأنه يكرر كلامه دون فهم) يقصد أن هذا الفاعل يمكن أن يكون غير الله رغم كونه مشاركا له في خصائص الصفات (حكما بمقتضياتها) فيطبق على صفاته ما يطبقه على صفات الله من عدم قابلية التغير ؟ ما المانع من أن يوجد فاعل مطلق صفاته تتضمن التغير بخلاف صفات الله ؟ وحتى ذاته ؟ ولم لا نتصور تغيرا قديما أم إن من شروط القدم الموت وعدم التغير ؟ ثم كيف ننسب إلى الله الحياة ثم ننفي التغير ؟ ما المانع عقلا لأننا لسنا في كلام نقلي المانع فيه هو النص والإيمان علما وأن النص لا ينفي التغير بل يؤكده لأن الله حي قيوم يفعل ومن ثم فهو كل يوم في شان ؟ كل هذه الأدلة الوهمية أساسها صنم ميت يسمى القديم بصفات ليس له منها إلا الاسم.
وإذا كان هذا الفاعل المفترض غير الله من حيث العين لكنه مثله في كل شيء ألا يكون من العبث اعتباره غيره وافتراض أنه يمكن بإرادته أن يسعى إلى إعدامه ثم نعتبر دحض الفرضية دليلا على القضية ؟ ألسنا نتياسر مع أنفسنا فنفترض المستحيل (وجود ذاتين تشتركان في كل الصفات وتبقيان عينين متمايزتين) لنبين استحالته ثم نباهي بأننا أثبتنا شيئا أعني دعوانا ؟ لذلك فلا بد من تصور الغزالي يتكلم على الله نفسه: هل يمكن أن يطرأ على قدرته ما يجعلها تفعل العدم في القدم فتعدم القديم أو ما يجعلها لا تقدر على إبقائه ؟ ولعل ذلك ما حير الطالب بدليل الشواهد التي أتى بها من نصوص أخرى تتكلم على فعل القدرة الإلهية والإرادة الإلهية وليس على فعل فاعل آخر. ثم إنه لولا هذا الفهم -جعل الكلام يدور على قدرة القديم وإرادته-لكانت الخلية الثانية لغوا ولامتنع استعمالها في نص الغزالي لإثبات البقاء الأبدي. فالضد في هذه الحالة فاعل آخر غير الفاعل المقصود في الخلية الأولى.
(9) "إما ضد يدافع وجوده فيعدمه": وهذه فاقدة لكل معنى إذا لم ترد إلى أحد وجوه دليل التمانع مطبقا على الوجه الثاني من القدم أعني الأبدية. ذلك أن ضد الله-لا ضد الوجود وإلا لقلنا هل العدم يستطيع أن يعدم- ماذا يمكن أن يكون حتى على سبيل الفرض وليس على سبيل العقد ؟ هل هو شيطان ديكارت الماكر ؟ أي إله العدم قبالة إله الوجود ؟ هل نحتاج في إثبات الأبدية صفة للقدم إلى دحض هذه البقية من المثنوية المجوسية ؟ إذا كان الغزالي قد فعل فهذا مفهوم. لكن هل تكرار ذلك لمن يتحير من الكلام على قدرة الفعل الإلهي كما يفعل هذا المستفهم علاج مقبول؟ فالمستفهم حصر سؤاله في نقطة معينة بدليل حذفه ما لا يتعلق بالإشكال من النص الذي استشكل منه قضية فعل القدرة الإلهية (وكذلك الإرادة) وكيف يمكن أن يطبق في هذا الاستدلال.
(10) "أو ينقطع شرط من شروط وجوده فينعدم ": وهذه الخلية نافلة لأن كل دليل الغزالي يقوم على إثبات امتناع الطروء في السبب القديم لإثبات القدم لصاحبه ومن ثم على اطرادها في القدم. وهي لو قبلت لأسقطت كل علم الكلام لأن ما يقال عن الغاية أعني تغير السبب المؤدي إلى إعدام القديم يمكن أن يقال عن البداية أعني تغير السبب المؤدي إلى إيجاد العالم. فكلا التغيرين يحصل في قدرة القديم وإرادته. لكن المشكل عند الغزالي هنا هو تعليل الفعل الطارئ ولا يهم إن كان الطروء متعلقا بالأسباب أو بالشروط أو كان الطروء متعلقا بالتكوين (الإيجاد) أو بالإفساد (الإعدام). وفي الحقيقة فإن كل ما يثبته هذا الدليل حول نفي العدم لو قبل لامتنع إثبات وجود الله. لأن نفس السؤال يمكن أن يثار: ما الذي يفسر طروء التغير في السببية حتى يحدث العالم بعد أن لم يكن ؟ ومن دون حسم هذا السؤال يصبح العالم قديما. وإذا صار العالم قديما باتت الحاجة إلى المرجح عديمة المعنى إلخ....
أخيرا: تعليق وجيز حول تفهيم المستفهم وعلاج الإشكالية
لست ممن يؤمنون بفائدة الكلام. لكني استثناء أخوض معهم في هذه المسألة لأنها كعب أخيل الكلامي. وكما فعلت في بيان عدم فهم الشيخ سعيد كلام ابن تيمية في مقال نكوص الكلام أبين هنا في مقال كلام النكوص أنه لم يفهم دليل الغزالي على الأبدية بعد ما يظن دليلا على الوجود وعلى الأزلية. ولذلك فهو قد يوهم نفسه بكونه متكلما متمرسا لكنه لا يحوز على أي شرط من شروط المتكلم فضلا عن شروط التفلسف عامة والتعليم الفلسفي خاصة. وكلاهما مشروط في الكلام إلا إذا كان الكلام ينكر أنه يستعمل نفس العقل الذي يستعمله الفيلسوف من دون سند الرسالة. وسند الرسالة لا يضيف إلى المتكلم من حيث هو مستعمل للعقل بل من حيث هو محد من استعماله لو كانوا يفهمون أعني من حيث هو مدرك لحدود العقل وهو قصد الغزالي من الاقتصاد في الاعتقاد كما أسلفنا لقوله بطور ما وراء العقل.
1-فهو أولا لم يحرر المسألة بحيث إن السائل لن يخرج من حيرته بعد قراءة هذه التحفة بل هو سيزداد تحيرا: هل يعين المقصود بالدعاوى؟ وموضوع الإشكال؟ وعلة الاستشكال عند السائل ؟ ومنزلة المسألة المطروحة على الأقل في سلسة الدعاوى التي موضوعها الذات الإلهية ؟ أما كان يكفي عندئذ أن يجيب: عد إلى كتابي وعمت مساء ؟!
2-ثم هو لم يفترض حتى بحساب الإمكان العقلي ما يمكن أن يكون الأمر الذي حير السائل في الإشكالية التي يعالجها الغزالي حتى يصوب الجواب نحو العقدة الممكنة فينكشف الحل للسائل. وأظن أن معيار الحكم والتقويم في هذه الحالة يسير جدا. فلنطلب من السائل بعد أن سمع الجواب من شيخه أن يشرح لنا ما فهم من الشرح وسنرى الفائدة التي حصلت. وإنه لمن الغرائب أن تجيب من قرأ كتابا بتلخيص وليس بشرح علما وأني لم أفهم كيف يكون الشرح خلاصة. فالتلخيص المستخرج للخلاصة كما هو معلوم يكون دائما أكثر غموضا من الكتاب الملخص لأن التلخيص يقتضي التجريد والتكثيف.
3-والشارح المستخرج للخلاصة لم يجب عن السؤال المثار بل عمل ما يسمى ب"البارافراز" لكل المسألة أعني أنه كرر كلام الغزالي بكلام أقل دقة وتوفيقا في مسألة عامة لم يعرفها ولم يبين منزلة العنصر الذي حير السائل في شبكة العلاقات بين عناصر المسألة. كان ينبغي أن يبين أن الأمر يتعلق بإثبات خاصية الأبدية للقديم بعد إثبات خاصية الأزلية الموالية لإثبات وجود القديم (الله) علة مرجحة لوجود الحادث (العالم) إثباتها ببيان امتناع طريان سبب العدم من دون تغير في القدم سواء كان محدث التغير القديم نفسه أو من يتصف بما يماثل صفاته وخاصة صفتي القدرة والإرادة. لم يبين للسائل أن القضية تتعلق بالإثبات السلبي لما يمكن أن يعد من المقومات التصورية للذات القديمة في هذا القطب الأول: الإشكال يدور حول دحض ما يمكن أن يعلل عدم القديم لإثبات أبديته بعد إثبات أزليته فيتم إثبات وجهي القدم أي ما مالا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه العدم فيكون مطلق الوجود أو واجب الوجود.
ولا فائدة من إضافة اعتراضات تتعداه إلى كل مدرسته من أبي حامد إلى الرازي لعدم فهم المتكلمين الذين يسعون إلى التوسط بين الاعتزال والسلف علة لجوء المعتزلة إلى شيئية المعدوم وصحة الفهم السلفي لما يلزم عن هذه الشيئية من دهرية حتما: لا بد للكلام إذا أراد أصحابه أن يكون كلامهم متناسقا أن ينتهوا إلى أن الطبيعة تغني عن الرسالة ما دام مضمونها قابلا لأن يثبت بالعقل بمجرده. الاقتصاد الذي يتمناه الغزالي مستحيل: الكلام ينتهي إلى الفلسفة الخالصة حتماوهو لا يمكن أن يتوقف في منتصف الطريق. وكان ينبغي أن يسأل عن استيفائية الحصر في العلل النافية التي ذكرها الغزالي لكونه لم يأت بحجة موجبة واحدة ولنلاحظ استطرادا أنه من أغرب العجائب أن يقول الواحد إن الإعدام ليس فعلا لأنه لا ينتج عنه موجود مثلا. فلو صح ذلك لكان العالم رغم كونه حادثا لا يمكن أن يعدمه الله لأن فعل الله عندئذ سيكون لا فعل.
والواقع أن كل الدعاوى في هذا القطب من السلوب التي لا تثبت شيئا. فالقدم هو عدم الحدوث والأزلية هي عدم تقدم العدم والأبدية هي عدم تأخر العدم إلخ... ثم عدم الجوهرية وعدم الجسمية وعدم التحيز إلخ..وكان ينبغي أن ننتهي إلى الأول الباطني الذي ليس بموجود ولا بمعدوم (كما يفعل الكرماني صراحة) لولا الرؤية. وهي في الحقيقة خارج سياق الاستدلال لأنه قول بمعتقد لا يمكن أن يستدل عليه بمثل هذا النسق الاستدلالي وكان من المفروض أن يواصل الغزالي فيسلب الرؤية لو لم يبق على بصريتها إلا بالاسم: لأن الرؤية البصرية تقتضي الجهة والتحيز ولا يكفي فيها الوجود بمجرده لولا العناد الأشعري.
4-والشارح لا يمكن أن يكون مدركا لما يقول لأنه يكرر بعض عبارات الغزالي دون فهم بدليل بترها الحائل دون اكتمال الاستدلال. مع تجاهل أهم قاعدة في العكس: فالقول إن كل ممكن حادث يخالف قواعد العكس لأن عكس الكلية لا بد أن يكون جزئية. فإذا سلمنا لهم حجتهم بأن كل حادث ممكن فإننا لا يمكن أن نسلم لهم عكسها عكسا كليا لأن بعض الممكن ليس بحادث هو الواجب عندما نفهم الممكن بالقسمة الأفلاطونية للوجود فنجعله قسيم اللاممكن.
لذلك فتلخيص الشيخ سعيد لحجج الغزالي جاء بعكس ما كان عليه من وضوح عند صاحبه فضلا عن الخلط بين التصورات كما بينا عند التعليق على بعض الكلام الفاقد للمعنى أو المعاكس للمعني الذي يحدده السياق.
5-أما كون الكلام كله في هذه الأدلة حتى عند الغزالي يعود إلى تحصيل حاصل لا يثبت شيئا فهذا عيب الكلام كله وليس عيب هذا الشيخ لذلك فلن نؤاخذه عليه ونكتفي بالإشارة إليه. فالحجة هي دائما عين المطلوب بكلام آخر لأن الغزالي ومكرر كلامه على أنه تلخيص يمكن أن يستعمل للتفيهم فيكون شرحا لا يزيدنا علما إذا قال:" صانع العالم الموجود (الدعوى الأولى) القديم (الدعوى الثانية) باقٍ (الدعوة الثالثة)، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه" .وهذا هو بيت القصيد. فالغزالي يريد أن يبين أن إعدام القديم غير ممكن أو ممتنع. وهذا كلام أوهن من بيت العنكبوت رغم كونه كلام الغزالي والشارح ردده دون فهم وإلا لكان من الواجب أن ينتبه إلى ما يمكن أن يعترض عليه فيقدم ما له من مدافع.
ولنجعل المستفهم حكما فنسأله: هل فهم شيئا من شرح شيخه؟ وسواء تصورناه بالشجاعة الكافية للجواب الصادق أم لا فإن عدم إفهامنا ما فهم سيمكننا من فهم أن المُفهم لم يفهم والمستفهم ظن نفسه قد فهم لأنه لم يكن فاهما علة عدم الفهم. عجبا كيف لمن لم يفهم أن يشرح ما لم يفهم؟ لعل الشارح لم يسمع بما قاله أرسطو محددا علامة العلم: القدرة على التفهيم. والعلاقة بين الفعلين تكاد تكون متعاكسة: فمن لا يُفهم لم يَفهم وقل ألا يُفهم من يَفهم خاصة إذا كان صادقا مع نفسه. لكن الدجالين لا يَفهمون ولا يُفهمون إلا ضرورة عدم الفهم للمغالطة وهم قد فهموا شيئا واحدا أنهم في غنى عن الأمرين: المهم هو التأثير وليس التعليم وذلك هو دأب الخراصين.
فعندما يقول الغزالي: "وإنما قلنا ذلك لأنه لو العدم لافتقر عدمه إلى سبب فإنه طارئ بعد استمرار الوجود في القدم. وقد ذكرنا أن كل طارئ فلا بد له من سبب من حيث إنه طارئ لا من حيث إنه موجود، وكما افتقر تبدل العدم بالوجود إلى مرجح للوجود على العدم، فكذلك يفتقر تبدل الوجود بالعدم إلى مرجح للعدم على الوجود (=كل المغالطة هنا=) وذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة، أو ضد انقطاع شرط من شروط الوجود. ومحال أن يحال على القدرة؛ إذ لوجود شيء ثابت يجوز أن يصدر عن القدرة، فيكون القادر باستعماله فعل شيئاً والعدم ليس بشيء، فيستحيل أن يكون فعلاً واقعاً بأثر القدرة فإنا نقول: فاعل العدم هل فعل شيئاً ؟"
استطراد: لا بد من اعتبار هذه الإمكانية لأن الجماعة يريدون استعمال العقل وهذا يقتضي الذهاب إلى الغاية في استعماله: عجبا فهل الله لن يعدم العالم؟ وهل إعدام العالم ليس فعلا؟ المشكل ليس هل الإعدام فعل أم لا بل هل الله يقدر أن يعدم نفسه أم لا حتى يكون لحجة الغزالي معنى في الاستدلال الوارد هنا ؟ فالله على كل شيء قدير. والسؤال هو هل يقدر على إعدام نفسه أم لا ؟! وهذه الفكرة التي يقشعر منها بدن أي مؤمن لا يمكن استثناؤها في الاعتراض على من يتصور إمكان إثبات العقائد بالعقل. فإذا كنا نطلب إثبات صفة لله ولا نكتفي بالتسليم بها فلم لا نفرض كل ما هو ممكن عقلا؟ بعض الفلاسفة (كل المثاليين الألمان يتصورون الله خالق نفسه ومن ثم فهو عندهم يمكن أن يكون معدمها قياسا على الإنسان الذي ينتحر !).
طبعا المؤمن لا يفكر في مثل هذه الفرضية لأنه من البداية يعتبر العلاج العقلي للمسألة الإيمانية علاجا خياليا. والخيال العقلي ليس له حدود فيمكن أن يتصور هذه الفرضية. فلا فرق بين تصور وجود بدون إله تصورا يضطر المتكلمين إلى إثبات وجوده بالعقل وبين تصور وجود ينتهي إلى العدم وعلى المتكلمين أن يثبتوا عدم عدمه بالعقل كذلك. ولا يكون ذلك بزعم الإعدام ليس فعلا. كان من المفروض أن يقول الغزالي الله لا يستطيع أن يعدم نفسه لا أن يقول إن الإعدام ليس فعلا: وهو في الحقيقة قد قال ما يفيد ذلك كما نرى بعد قليل. والمعلوم أن نفاة الله يؤلهون الطبيعة ويعتقدون أن قوة الطبيعة التي صنعت العالم أو أحدثته وهي التي تنهيه بإنهاء نفسها.
ألا يركز الملخص على كلام الغزالي حول تعليل سبب الطروء على الأقل في التفسير الذي قدمه لسائله يعني أن مناط الحجاج كله قد غاب عن باله وليس في ذلك من عجب لأنه لم يحدد موطن الإشكال: الغزالي يريد أن يعلل عدم العدم للقديم بامتناع تعليل طروء سببه لعدم القدرة على فعل ما ليس بفعل. وهو قد حصر أسباب الطروء في ثلاثة.
ثم أسس ذلك كله على حجة واهية هي جوهر المغالطة المفضوحة: فالغزالي-ولا أتلكم على الملخص الذي لم يفهم شيئا بدليل غياب التحديدات المشار إليها-يدعي أن ترجيح الوجود على العدم في الإحداث يعني تبديل العدم إلى وجود أو بالوجود. وفي الحقيقة فقد يكون التبديل قد حصل لكنه حصل في فكر الغزالي بوعي أو بغير وعي لا أدري أما عند الشارح فبلا وعي حتما. الغزالي يريد أن يثبت امتناع طروء سبب يبدل وجود الشيء إلى عدمه بخلاف إمكان طروء سبب يبدل عدم الشيء إلى وجوده في البداية (لن نعلق على كون نفس هذا السؤال لو سأله حول سبب طروء سبب تبديل العدم بالوجود في إيجاد العالم لأدى إلى القول بقدم العالم ومن ثم لسقط كل البناء الكلامي في الجليل من الكلام كما أسلفنا !).
ينسى الغزالي أنه لم يثبت تبديل العدم إلى وجود في حالة تعليل العالم لإثبات القدم الذي يحتاج إليه ترجيح وجود الحادث: ما أثبته الكلام (فلنسلم له ذلك للمساعدة حتى نتقدم في النقاش) هو أن العالم الحادث لا بد أن يكون قد طرأ سبب رجح وجوده على عدمه أي على نقله من أحد فرعي الممكن إلى الآخر لكنه لم يثبت أنه طرأ سبب رجح تحويل عدمه إلى وجوده. شتان بين الأمرين. فلا شيء يثبت أن ترجيح الوجود على العدم يعني تحويل عدم الشيء إلى وجوده بل هو يعني ترجيح أحد وجهي الممكن وجهه الوجودي ووجهه العدمي على الأخر دون نفيه. فلعل الوجه الثاني باق ملازما له وهي علة حاجته إلى سند الموجد فضلا عما في العالم من حركة وتغير كلها دالة على ملازمة العدم المرجوح للوجود الراجح لأنه لو خلا وجوده من العدم لصار واجبا (بل إن هذا من النظريات الفلسفية الأساسية حتى عند ابن سينا وينبغي الرد عليها ليكون الدليل مقنعا: الخالق لا يتوقف عن إسناد المخلوق لأنه من دون هذا السند يزول رجوح وجه الوجود على وجه العدم في الحادث الذي يبقى دائما ممكنا حتى بعد الإيجاد وهو معنى كونه حادثا Contingent).
إن الترجيح بين الوجود والعدم –إذا سلما بحجة المتكلمين لإثبات وجود الله علة للترجيح- هو ترجيح أحد الفرعين اللذين يقتسمان أمرا واحدا هو الممكن وليس تحويل احدهما إلى الآخر ولا تعويض أحدهما بالآخر: الخلط بين هذين الأمرين هو علة كل سفسطات المتكلمين. وهذا يمكن أن يحصل في حالة الإعدام كما حصل في حالة الإيجاد فيسقط كل الاستدلال الذي جاء في هذه الدعوى. ليس الترجيح تحويلا لأحد فرعي الممكن (الوجود والعدم) إلى الآخر ولا حتى تعويضا لأحدهما بالآخر بل هو ترجيح من دون زوال المرجوح رغم غلبة الراجح. والشارح يفعل ذلك ولا يدري لماذا. أما الغزالي فيعلم ونحن نفهم لمَ يفعله: كان يعلم أن دليل الحدوث يقتضي ضرورة القول بالشيئية بمعناها الذي قصده المعتزلة وفهمه السلف واعتبروه دالا على الدهرية حتما.
والغزالي يريد أن يتجنب القول بما تقول به المعتزلة صراحة لأنه يعلم بكونه لازما حتميا للقول بدليل الترجيح في الإحداث لإثبات وجود الله. وهو يعلم أن المتعزلي غير متناقض في هذه المسألة بخلاف الأشعري إذا قلنا بدليل الحدوث: العدم شيء مثل الوجود لأنهما فرعا الممكن الماهويان قبل الإحداث الإني الذي هو إعطاء الوجود إعطاء يلغي العدم إلغاء عرضيا فلا يلغي طروءه الممكن لبقاء الحادث ممكنا دائما. لكن الشيخ يجهل ذلك كله أو على الأقل يتجاهله. وهو على كل حال لا يدري أن سائله متحير لأن عقله ربما له من النفاذ والعمق أنه رأى هذه المغالطات: وإني أظنه من النابهين.
ولا فائدة من مواصلة الكلام مع هذا الشيخ لأن الجهل بأبجديات الاختصاص يكفي للتوقف رغم تسليمنا بأن هذا الاختصاص من الخلب الذي ليس فيه علم بل هو تلاعب على الالتباس اللساني وخاصة على وتر المترادفات والتشقيقات اللغوية بحيث يأتي الجواب دالا على نفس ما يدل عليه السؤال ولكن بكلمات أخرى يبدو جوابا وهو في الحقيقة عين السؤال. ولا حاجة لي بمواصلة الكلام مع الرجل لعلتين إحداهما تعليمية والثانية خلقية:
العلة الأولى تعليمية: فنص العزالي أوضح ألف مرة وصاحبه أدرى بما يقول وهو لا يقول إلا ما يفهم حتى وإن كان كلامه لا يخلو من تناقضات لم تكن غائبة عن باله. ولذلك فهو قد سمى كتابه الاقتصاد في الاعتقاد أعني أن يعترف بأن الكلام لا يمكن أن يتجاوز التأسيس الإيديولوجي للأطروحات الأساسية لمدرسة فكرية. لكنه ليس علما وهو من ثم مشروط بالاقتصاد في الاعتقاد الذي هو إلجام المتكلمين الذين يظنون أنفسهم خواص عن الفلسفة مثله مثل إلجام العوام الذين قد يتوقون إلى وهم الانتساب إلى خرافة الخاصة عن الكلام. وفي الحقيقة فإنه لا فرق بين خاصة وعامة في مسائل الإيمان والمتكلمون ليسوا إلا العوام غير الواعين بعاميتهم.
العلة الثانية خلقية: فما بيناه في هذا النص القصير كاف وزيادة على بيان الكيفية التي يدجل بها المتكلمون. يأتون إلى أمور لا يفهمونها (أو قل لم يفهموا أن فهمها مستحيل ولذلك احتجنا إلى الإيمان) ثم يعرضوها بخلط ما فيها من تصورات وجمل ومفردات على قوم لا يفهمون. ولذلك فقد صدق فيهم قول الفاربي: لا يسود على العامة إلا أكثرهم عامية لأن العامة لا تساد بالعلم بل بالجهل أعني ب"خفة الأصابع" وفنيات التحيل التي تلعب على آليات اللاوعي العامي البسيط: التخويف من الضلالة التي تنتج عن التفكير الشخصي والاستسلام إلى من يفكر بدلا منهم لكأن الله لم يخبرنا الناس بأن الحساب شخصي وبأنه لا يحاسب على الأفعال إلا بما وراءها من نيات بحيث إن كل من يخطئ بحسن نية في الأمور العقدية ليس له أدنى ذنب ولا يمكن لأي إنسان أن يخطئ بحسن نية في اعتبره القرآن والسنة مخرجا من دائرة الإيمان لشده وضوحه ويسره.
الخاتمة
بعد هذا التعليق السريع على تحفة الشرح الفودوي الذي يسكر به جوق هذا الدجال أدعوه إن كانت له الشجاعة بأن يختار لمناقشة أي مسألة كلامية أترك له اختيارها وأترك له أن يختار أي وضعية يفضلها سائلا أو مجيبا بشرط أن يكون النقاش فاصلا بين صنفي العلاج وله أن يستعين بمن يريد من جماعته سرا أو علنا:
1-العلاج العقلي الخالص الذي لا يعتمد على عرض المحفوظات الكلامية لئلا يصبح البحث تاريخا للآراء. فليكن النقاش علاجا للقضايا التي يظنها من خصائص علم الكلام دون أن يحتج بآراء المتكلمين لئلا يضطرني لدحض من يحتج بهم كما فعلت هنا مع أساس أدلة العزالي في هذه المسألة وكما سبق لي أن فعلت مع الفحول من الجبائيين إلى الغزالي والرازي في غير موضع ناهيك عن الذيول. فلنقصر النقاش على تحليل التصورات التي يعالج بها الأمر الديني والحجج المنطقية إن أراد الأمر عقليا خالصا رغم أني قلت بأني أعتبر الكلام بهذا المعنى مخضا للماء.
أو العلاج النقلي الخالص الذي لا يعتمد على آراء زيد أو عمر لئلا يصبح المشكل مشكل عنعنات واحتجاج بحجة السلطة بدل سلطة الحجة. فليكن اعتمادنا على القرآن في كل الحالات والسنة في بعض الحالات كل بما يريد منهما. ومعنى ذلك أني أتحداه إن كان سائلا بأن يقدم لنا شيئا من القرآن أو من السنة يؤسس عليه تصوراته التي يسميها كلاما أشعريا وأنا أعده بأني سأدحض كل حججه بنفس الإحالات التي يختارها هو ويأتي بها خلال النقاش دون حاجة إلى وقت يتجاوز مدة عرضه لها.
وله أن يعكس إذا أراد فأكون السائل وهو المجيب وإذا أراد فليكن في موقعه أو في موقع الفلسفة أو في أي مكان محايد يختاره لنشر البحوث. أقبل بأي حل يراه حتى نحسم الأمر لفائدة المسلمين دون أن يكون في ذلك استنقاصا من أي منا لأي منا لأننا سنكون كلانا مستفيدين مما قد يحصل من تغير في المواقف. وطبعا لست من السذاجة بحيث أتصور المسائل الكلامية ستنتهي بل المطلوب بيان هواء سلطان الهوى الذي ينتج عنها. والأمر يتعلق بالكلام عامة وليس بكلام سعيد فودة هو وحده: الكلام ليس علما وليس مفيدا فضلا عن أن يكون علما دينيا وأن يكون مفيدا للدين.
والسلام