shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

 

(4)

الخاتمة

 

                        عناصر التجديد البارزة في الاصلاح الخلدوني:

كل من له دراية بالفلسفة العملية التقليدية يحلظ غيابها في العرض النقدي للعلوم الوارد في الباب السادس من المقدمة ناهيك عن الاعتماد على ما يناقضها في العلاج الذي استند إليه فكر صاحب المقدمة في علمه الجديد[1]. ويمثل هذا الغياب الذي هو استثناء لها مقصود في تصنيفه للعلوم  أمرا ذا دلالة لانه يطابق نظرته النقدية للفلسفة العملية في تأسيسه لعلمه الجديد الذي يعالج موضوعا يعتبره مختلفا تمام الاختلاف عن موضوع السياسة المدنية الفلسفية[2]. وتعريف التاريخ بصورة تجعله علما فلسفيا أعني علما نظريا وبرهانيا ورد تصريحا في مقدمة المقدمة الاولى[3]. ويمثل هذا الادخال للتاريخ في الموسوعة الفلسفية الذي هو ادخال قصدي في تصنيفه البديل للعلوم أمرا ذا دلالة لانه يطابق تمييزه بين العلوم الطبيعية والعلوم الانسانية[4].

وما لم نفهم النقلة النوعية التي احدثها ابن خلدون في المجالين المعرفي والقيمي فلن ندرك المعنى العميق للمقدمة ومن ثم يمتنع أن نتجاوز مضغ كليشهات حول فكر ابن خلدون بقراءات سطحية لا تصل علمه بالمتقدم عليه ولا تمكن من الاستفادة النظرية والعملية من ثورته الفلسفية:

1- فأما النقلة النوعية الاولى فإنها تهدف إلى إصلاح معرفي في مجال النظر. ذلك أن ابن خلدون يعتقد أن الفلسفة النظرية تنسب إلى التاريخ منزلة علمية بتوسط العلوم المساعدة التي أسسها علمه الجديد: علم العمران البشري والاجتماع الانساني.  وإذن فالنقلة تمثل قطيعة حقيقية مع نظرية العلم التقليدية حيث ليس للتاريخ محل حتى لما ترده إلى التاريخ الطبيعي أنى يعتبر مجرد عنصر من عناصر منهج علوم الطبيعة في مجال الاحياء.

2- ومقصد النقلة النوعية الثانية يمكن ان نعتبره اصلاحا قيميا في مجال العمل. فابن خلدون يعتقد ان الفلسفة العملية أو الخلقية ينبغي أن تنسب منزلة تاريخية للعقل العملي. عليها أن تدرس القيم من حيث هي تحقق تاريخي وليس من حيث هي امر متعال على التاريخ أو نموذج لا تاريخي[5]. لذلك كان الفن الذي يصور العمران ظاهرة عمرانية ممتازة في علمه الجديد. وهذا الفن أو السياسة يصور العمران ويمكن تعريف بكونه هيلومورفيه[6] بصيغة النموذج المعرفي الأرسطي حتى لو كان هذا  النموذج  قد فقد في استعماله الخلدوني دلالته الجوهروية التي له في ميتافيزيقا أرسطو: فالعمران له مادة هي المجتمع وصورة هي الدولة[7].

             غاية تقويمنا للمشروع الخلدوني:

ويمكن  في تقويم أول لهاتين النقلتين النوعيتين أن نشير إلى مفاقات المساهمة الخلدونية. ففي عبارة وجيزة يمكن أن نصوغ  هذا الطابع المفارقي بالصورة التالية:

فبتجاوزه الهوة التقليدية بين الفلسفتين النظرية والعملية حاول ابن خلدون تدشين ضرب جديد من العلم ذي الشكل النظري والموضوع العملي. وهذا المقصد إذا ترجمناه بمفردات نظرية العلم الحديثة يطابق مشروعا لتأسيس العلوم الإنسانية على نظرية العلم السائدة في علوم الطبيعة.

ورغم الطابع المعرفي للعمل الخلدوني فإن دافع المشروع الخلدوني خلقي في جوهره. ذلك أن غرض ابن خلدون عملي حتى في اصلاحه المعرفي الذي هو نقد التاريخ شرطا في جعله علميا لفهم العمران ومن ثم للعمل على علم. فهو يطلب أساس علم العمران مفهوما بمعنى الفعل العمراني وليس بمعنى ثمرة الفعل العمراني في معرفة علمية للقوانين التي هي من نفس طبيعة القوانين الطبيعية.

لذلك ركزنا  تحليلنا للمشروع الخلدوني على المعنى "المصدري" لمفردة "عمران" اكثر من معناه "الإسمي". فصيغة المصدر في كلمة عمران لها في الفهم الخلدوني معنى القوة المنتجة وليس ثمرة الانتاج[8]. وهذه القوة المنتجة لا تقبل الحصر في العقل العملي بمعناه في الفلسفة التقليدية. إنها تتألف من القوى الجماعية الحيوية التي تنتج الحضارة المادية والروحية والتي لا تقبل الخلط مع الدلالة النفسية للعقل. والسلطة السياسية ليست إلا احد المكونات المتصلة بهذه القوى في مستويين: فهي تنمي القوى الحية في العمران البشري والاجتماع الانساني أو تستغلها (اقتصاديا) ومن ثم فهي تحررها أو تستعبدها (سياسيا).

أما الحد الغائي لمشروع ابن خلدون فيمكن أن نصوغه بالصورة التالية: كيف يمكن أن  نؤسس علميا عقيدة تحرير الانسان من الاستغلال والاستعباد فنبين أن رؤية المقدمة هذه محاولة خلدونية للدلالة على فرضيته الأساسية في هذا العلم. فعنده أن علم العقيدة الصحيحة الاجتهادي لا يمكن أن يخالف علم الوجود الانساني الاجتهادي لأن الشرع قل أن يخالف الوجود. وذلكما هما الامران اللذان مكنا صاحب بدائع السلك في طبائع الملك من اعادة صياغة المقدمة بصورتين متوازيتين تمام التوازي الصورة العقلية والصورة النقلية. وبذلك يثبت تطابقُ مشروع ابن خلدون مع النظرية السنية في السياسة يثبته بضربي الاستدلال: دحض التصور الشيعي للسياسي[9] واثبات التصور السني[10].

 

 

 

 

 


 

[1]  والعلوم الفلسفية السبعة هي ما بعد الطبيعة والطبيعة والمنطق ثم فروع الريضايات الاربعة أي علم العدد والهندسة والموسيقي والفلك. ثم يتكلم ابن خلدون في علوم فلسفية زائفة هي العلوم الخفية أي السيمياء والتنجيم وعلم الحروف. أما العلوم النقلية الستة فهي علوم القرآن الكريم وعلوم الحديث وعلم الفقه وعلم اصول الفقه وعلم التصوف وعلم الكلام. وعلوم اللسان الاربعة هي علم اللغة وعلم النحو وعلم البلاغة وعلم الادب. ويوجد علمان آخران تكلم فيهما ابن خلدون من دون أن يعترف بهما صراحة في تصنيفه: إنهما علوم التربية وعلم العمران.

   [2]    ابن خلدون المقدمة ص.293 :" إلا أن كلامنا في وظائف الملك والسلطان ورتبه إنما هو بمقتضى طبيعة العمران ووجود البشر لا بما يخصها من أحكام الشرع. فليس هذا من غرض كتابنا كما علمت. فلا نحتاج إلى تفصيل احكامها الشرعية مع أنها مستوفاة في كتب الاحكام السلطانية ....وإنما تلكمنا في الوظائف الخلافية وأفردناها لنميز بينها وبين الوظائف السلطانية فقط لا لنحقق أحكامها الشرعية فليس من غرض كتابنا وإنما نتكلم في ذلك بما تقتضيه طبيعة العمران في الوجود الانساني والله الموفق".

[3]  ابن خلدون المقدمة مقدمتها ص. 30:" إذ هو (التاريخ) في ظاهره لا  يزيد عن اخبار عن الايام والدول والسوابق من القرون الاول تنمق لها الاقوال وتصرف فيها الامثال وتطرف بها الاندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي لناشأن الخليقة كيف تقلبت بها الاحوال واتسع للدول النطاق فيها  والمجال وعمروا الارض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزول و(هو) في باطنه  نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق".

[4]  ابن خلدون المقدمة الباب السادس فصل في المقاصد التي ينبغي اعتمادها بالتأليف وإلغاء ما سواها ص. 691-592:" والتآلف بين العلوم البشرية والأمم الإنسانية كثير ومنتقلة في الاجيال والاعصار وتختلف باختلاف الشرائع والملل والاخبار عن الامم والدول. وأما العلوم الفلسفية فلا اختلاف فيها لأنها إنما تأتي على نهج واحد فيما تقتضيه الطبيعة الفكرية في تصور الموجودات على ما هي عليه جسمانيها وروحانيها وفكليها وعنصريها ومجردها ومادتها فإن هذه العلوم لا تختلف وإنما يقع الاختلاف في العلوم الشرعية لاختلاف الملل أو التاريخية لاختلاف خارج الخبر".

[5]  من هنا الأهمية التي يوليها للتغير في التاريخ وفي اثباته يستعمل امثلة من تغير قيمي في دور المنازل ومعانيها في العمران وضرورة تغيير علم التاريخ بحسب تغير هذه الدلالات كما في مثال معنى القضاء والتعليم وأهمية التعريف بالرجال في كتابة التاريخ.

[6]  والهيلومورفية مصطلح يفيد نموذج التفسير الذي يحلل الاشياء إلى مادة وصورة أولاها تحدد خصائص الشيء العينية  والثانية خصائصة الكلية فلا يكون الشيء معلوما إلا بصورته أي من حيث ما فيه من كلي ولا ينظر إليه إلا بما هو عينه من نوعه. وذلك هو الحل الارسطي لمفارفة الموجود  العيني والمعلوم الكلي. لكن ابن خلدون تخلص من هذه المفارقة دون أن يميل إلى الحل الافلاطوني الذي يحل المشكل بنفي الحد الاول معتبرا  العيني وهما بل هو يعتبر المشكل المعرفي واحدا في الطبائع موضوع علوم النظر التي تدرس ظاهرات ليست من صنع الانسان والشرائع موضوع علم العلم التي تدرس ظاهرات من صنع الانسان: هو في الحالتين طلب المطابقة مع القوانين وليس مع الاعيان ومن ثم فهو علم البني النظرية وليس علم التعينات التاريخية أو الامبريقية. وبذلك فحله قريب من فهم مدرسة ماربور للمثل الافلاطونية أعني القوانين الكلية لا الجواهر المتعالية.

[7]  وفي الحقيقة فإن الصورة والمادة كلتاهما مضاعفة عنده. فالصورة هي المؤسسة السياسية والمؤسسة التربوية والمادة هي الفاعلية الاقتصادية  والفاعلية الثقافة ( وهي الدين في حالة المجتمع الاسلامي في عصره).

[8]  وهذا أيضا من أساليب القرآن خلال كلامه عن العمران وكل أفعال العقل والارادة: المقصود دائما هو الفائدة الفعلية في المصدر وليس الفائدة الاسمية.

[9] تطابق النظرة الشيعية للسياسة النظرة التقليدية الفلسفية والصوفية النظرة التي هي بالضرورة مبنية  على اصطفاء إلهي (الامامة ) او انتخاب طبيعي (الفيلسوف) للشخص الخاكم الذي ينبغي أن يكون سلطة روحية: نظرية الفيلسوف الملك عند أفلاطون أوالامام عند الشيعة أو القطب عند المتصوفة. لكن ابن خلدون يدحض هذه الرؤية الفلسفية دحضا صريحا ( ردا على الفارابي وابن سينا) والصوفية (ابن عربي وابن سينا) رادا إياها إلى تأثير نظرية الامامة الشيعية ( فصل التصوف وفصل نفي الحاجة للاصطفاء والدين في التشريع لان القوة وحدها كافية حتى وإن كانت الشرائع الدينية يمكن أن تضيف بعدا مكملا ). وهو يرجع تصوره هذا إلى جقيقة الموقف السني الذي لا يعتبر الامامة من العقيدة بل هي متروكة للجماعة في تعيين حكامها من أجل قضاء المصالح العامة. وهو دحض ضمني في المقدمة وصريح في الشفاء

[10]  وهو اثبات صريح في المقدمة وضمني في الشفاء

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام