shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                           خيوط اللعبة الأمريكية في العراق

                                                         ابو يعرب المرزوقي 

من شروط العمل المؤثر أن يكون مناسبا للظرف.  لذلك فالعمل العربي ينبغي أن تتعدد أنساق مجراه فرديا بحسب الاختصاصات وجماعيا بحسب الدرجات التي يتفاضل بها العارض من الحاجات. ويهمنا هنا في مستوى العمل الفردي لتصور النظريات أن نشير إلى بعض مقومات العمل الجمعي لتحقيقها في غياب تصورها الجمعي الذي يمكن أن يكون أفضل أدوات الفعل الجمعي لو كان العرب قد أدركوا أهم شروط الفعل السياسي الحديث.

ليس من الضروري أن يدار العمل العربي الجماعي كله بحسب اجماع المفكرين في التصور أو بحسب اجماع الأحزاب والدول في الانجاز. يكفي أن يقتصر الإجماع على المجالات التي يمكن للاجماع أن يحصل حولها بشرط أن تكون مما يقبل العمل فيه انتظار الأخذ والرد الموصلان للاجماع. وحينما يصعب الاجماع  ويتعذر تأجيل القرار الذي يكون أحيانا مما لا يقبل الاستقدام ولا الاستئخار ينبغي ألا  يكون العمل جماعيا بصورة نسقية بل يمكن ان يكون بحسب الأهداف المحدودة وبحسب درجات التزام الأطراف العربية في المشاركة من هذا الطرف أو ذلك. وفي كل الأحوال فإن درجة التزام أي نظام أدنى (قطري) بمطالب النظام الأعلى ( قومي) ليس من الأمور التحكمية بل هو خاضع لعاملين: استبعاد ضرر السلب واستقراب نفع الإيجاب. وما لم يسترد النظام الأعلى قدرته على النفع و الضرر فلن يلتزم به أحد.

 وإذن فسؤال كيف نصلح الجامعة العربية على أهميته ليس محددا لمستقبل الأمة لأن سلطان الجامعة الوحيد مستعار من طاقة الرابطة العربية ببعديها الروحي والمادي. السؤال الأهم هو: كيف نرجع للرابطة العربية بهذين البعدين القدرة على وضع خطوط حمر لا يمكن تحديها من دون عواقب تخشاها الأنظمة القطرية ومنافع خضر تطمع فيها. والمعلوم أنه توجد حالات قابلة للحصر المستوفي هي جوهر الرابطة العربية بمقوميها الروحي والمادي. وهذه الحالات ليس فيها أي إمكانية للتردد أو الاختلاف اللذين إذا تجاوزا مقدار العناد المقبول يصبحان علامتين بينتين على  الخيانة.

 وتنقسم هذه الحالات إلى نوعين:

 أولهما إيجابي ويتعلق بثوابت حصانة الأمة الروحية (وهي العقيدة واللغة والتاريخ) وبمقومات حصانتها المادية (وهي الوحدة الترابية والأمن والسيادة).

والثاني سلبي ويتعلق بمقاصد الأعداء. وهي تنقسم كذلك  إلى نوعين. أولهما يتعلق بغايات الأعداء  المباشرة تعرضا لمقومات حصانة الأمة المادية (احتلال الأرض وأخذ الثروات بالحرب العسكرية والاقتصادية) والثاني يتعلق بغاياتهم غير المباشرة  تعرضا لثوابت حصانتها الروحية (العقيدة واللغة والتاريخ).

كل خلاف يؤدي إلى المساس بهذين البعدين لا يمكن أن يقبله عاقل: بحيث إن علامات الإخلاص والخيانة تصبح بينة لكل ذي بصيرة, وكل ما عدى ذلك قابل للاجتهاد والخلاف.

             منزلة الحدث العراقي في راهن الهم العربي

لما كان العراق قد غزي بغايات صريحة تمس الأمرين بدءا بالاستحواذ على المقومات المادية (احتلال العراق) من أجل النيل من الحصانة الروحية (تغيير عقيدة الشرق العربي كله) فإن الحالة العراقية تنتسب إلى ما لا يقبل التردد في القرار أو الاختلاف حول الفراغ لها قبل أي غرض سواها, خاصة والعدو وصل به الصلف إلى حد تأليب العالم كله ضده. فالعالم أجمع بات يضيق بالهمجية الأمريكية التي تهدم المتاحف وتحرق المكتبات وترمي العزل بالقنابل المحرمة وتقوم بكل الأعمال الإرهابية بمقتضى تعريفها هي ذاته للارهاب: قتل المدنيين عمدا. 

فلا خلاف بأن تسميم الماء ومنع الدواء وقطع النور على المدن والمستشفيات لا يمكن أن يعد فعلا حربيا بل هو فعل هدفه الأول والأخير قتل المدنيين عمدا, فضلا عن الحصار والحرب اللذين داما ثلاثة عشر سنة.  أما التحرير الذي جاء بالكوليرا للأطفال بدلا من الديموقراطية للسذج من المعارضين فحدث ولا حرج. كل ذلك إرهاب بحسب التعريف الأمريكي نفسه: والعالم كله مقتنع بذلك وعبر عن رفضه في كل المدن الكبرى بما في ذلك مدن العدو ما جعل القيادة الأمريكية النازية يصيبها الهوس فتشرع في توزيع التهديد والوعيد جهارا نهارا ذات اليمين وذات الشمال.

ومن منطلق إدراك أمريكا لهذه المنزلة التي نحاول ابرازها كان اختيارها العراق بداية لغزو الأمة ماديا وروحيا. وهي تحاول الآن تسويق مناوراتها حول المسألة الفلسطينية. ولا شك أن الحدث الفلسطيني كان همنا الأول, لكن أولية المرغوب ليست بالضرورة أولوية المطلوب.  العمل المؤثر لا يخضع لرغبات الفؤاد الأولية بل لمنطق الفاعلية الذي يقتضي ترتيب البدايات للوصول إلى الغايات بأدنى كلفة على الأمة وأعلاها على من عليها ممن يعاديها. لذلك فإنه ينبغي بعد هذا الغزو أن يصبح  الحدث الفلسطيني تابعا للحدث العراقي. وذلك  لسببين:

 1- أولا لأن نجاح أمريكا في السيطرة الفعلية على العراق لا قدر الله سيفرض كل ما تطلبه إسرائيل بما في ذلك خارطة من النيل إلى الفرات لا خارطة الطريق  فضلا عن كونه لا  فائدة ترتجى مما يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون في هذه الحالة لأن كل الفتات الذي سيقدم لهم سيكون مؤقتا وقابلا للرجع فتتمكن إسرائيل من إيقاف العملية عند الحد المقبول لها متى شاءت  بمجرد مرور الزمان الكافي لزمان الهضم في  المعدة الأمريكية التي سيستعصي عليها العراق يوما بعد يوم كما أسلفت في ما سبق من محاولات.

2- وثانيا لأن القضية الفلسطينية صارت مهرب الجبناء مهربهم الذي يخفي عورة الخونة في المسألة التي صارت أم المسائل زعما منهم التحمس للمسألة الفلسطينية بتقديم فضلات الموائد لشهدائها. بؤرة المعركة مع الأعداء تزحزحت نحو ثغر الشرق العربي الأقصى بعد توهم أمريكا أنها قد أخرجت مصر بالصلح مع اسرائيل والسعودية بالسيطرة على قدم أخيل فيها أعني باللعب على وحدة الأسرة الحاكمة وتقزيم السعودية  من خلال عملقة ما يحيط بها من جزر وكثبان. أتضحت الأمور. لم تعد أمريكا تتدرق بإسرائيل: الحرب معها صارت صريحة. الآن صار العدو بحجم الأمة العربية. أما إسرائيل التي كانت تلهينا عن المعركة الأصلية حيث يكون فيها العدو شبه ند فهي مجرد وكيل لا حول له ولا قوة إلا ما يستمده من موكله.

إن الإيهام الأمريكي بالتعاطي مع الحدث الفلسطيني في خارطة الطريق خدعة هدفها تبريد الحدث  العراقي وتحويل الاهتمام لا غير لإعطاء الزمان للزمان فتلتهم أمريكا ما تتصوره ثمرة حربها. وأكبر الأدلة استفراد أمريكا بهذه الخارطة واخراج باقي شهود الزور الثلاثة من ذوي العزائم الخائرة ( أوروبا ) والإرادات الغائرة (الأمم المتحدة) والأطماع البائرة (روسيا). فأمريكا تريد مهلة لهضم  ما تتصوره فريسة دسمة اقتنصتها. وعلينا أن نجعل العراق الطعم القاتل للقرش الأمريكي بإذن الله.

وسيلة أمريكا للاستفراد بالعراق وتلهية العرب والمسلمين بمناورات الحل في فلسطين من الحيل المفضوحة التي لا تنطلي إلا على من يجهل طبيعة الخداع الأمريكي الصهيوني أو من يحاول تقليد بورقيبة من دون عبقريته فيتناسون مبدأيه المشهورين: الصرامة المبدئية والمناورة الأداتية مع حسبان مقومات الظرف. فأنى لخارطة الطريق من خارطة التطويق التي أراد بورقيبة من العرب أن يرجعوا بها إسرائيل لجحمها الطبيعي قبل فوات الأوان مع التأكيد على وجوب الجمع بين عرض الحل ومواصلة الكفاح المسلح: وليعد أي قارئ عربي إلى خطابه حتى يعلم كيف يتصرف القائد الراشد المشروط بأن يكون على دراية بالعقلية الغربية وبالموازين الدولية.

ولعل الدليل الأقوى هو الحجة المضاعقة التالية. فلا يعقل أولا أن يهتم رئيس أمريكي بجد في غمرة حملة الانتخابات بالمسألة التي كان التعامل مع طرفها الإسرائيلي أهم عوامل نجاحه أو فشله فيها إلا إذا كان عمله باتفاق مع هذا الطرف مجرد  تظاهر بالحركات التي يبدي  اللوبي الصهيوني بعض التظاهر بالغضب بعد أن أحيط علما بحبكة التمثيلية على العرب.

فما يزال الساسة الأمريكان والإسرائيليون بل وحتى الغربيون عامة يتصورون القادة العرب من السذاجة أو من الانتهاز بحيث يتعلقون بكل وهم أو أداة تمكنهم من إيهام شعوبهم بالفرج. وسند الغربيين في هذا الحكم ما يرونه من مترفيهم في ثنايا ملاهيهم يعمهون أو ما يشاهدونه من متقلدي الأمر فيهم وراء ستائر مفاوضاتهم يسمسرون. ولا يعقل ثانيا أن تلجأ القيادة الأمريكية التي تعودت الاستهانة بالعرب  إلى هذه اللعبة لو لم تكن قد أدركت أن الفشل في ابتلاع الصيد العراقي الثمين أكثر تأثيرا على مستقبلها في راهن التبئير السياسي الذي تورطت فيه من اغضاب اللوبي الصهيوني حتى لو حدث فحصل العرب فعلا على بعض الترضيات التي تمن بها عليهم.

 وليس المرء بحاجة إلى معلومات الدبلوماسية العربية التي قل من عقولها ما ليس بمتثائب وقل من كوادرها ما ليس بمتواثب لكي يجزم بأن القيادة الأمريكية قد أطلعت القيادة الإسرائيلية واللوبي الصهيوني على نواياها وطالبتهما بضرورة التمثيل لإضفاء بعض المصداقية على ما تزعمه أمريكا من تطور وجدية في موقفها تجاه حل المشكل الفلسطيني وتعريض مصالح إسرائيل للخطر. ولا بد أن تكون  قد أكدت لهما بأنه ليس لهما ما يخشيانه من اللعب بعقول أنظمة العرب ومدهم بما يمكنهم من اللعب بقلوب شعوبهم التي صير القهر والعسف نخب الخطاب السياسي التبريري فيها تتعلق بأوهي من خيوط العنكبوت. لسان حال أمريكا واسرائيل يقول في هذه المناورة: ابتلاع الفريسة هو في كل الأحوال لصالحنا معشر لصي العالم الخذول الذي خلا من الفحول. ثم إنه لا شيء ثابت في ما نزور من الحركات إذ هو يقبل للمحو في لمح البصر بعد أن نلعب بعقل كل مغتر من العرب الذين هم ما يزالون كما تعلمون في عصر الوبر.

لكن المهم هو أن أمريكا لن تستطيع شراء الشعب العراقي وأغلبية جماعات التأثير الأربع التي يتكون منها مجتمعه المدني. فما هو ممكن في الدويلات التي عدد سكانها يساعد على شراء الجميع بوهم الجنة الدنيوية لمن عاش حرمان الحياة البدوية غير قابل التنفيذ في شعب عدده يحول دون ذلك فضلا عن تاريخه وطموحه. أمريكا, ليس كل ما تتمناه تدركه. سنجري السفن  بما لا تشتهي رياح مشردي العالم ورعاة البقر. وأول الشروط التصور العلمي والانجاز العملي. أما الانجاز العملي فقد أصبح ممكنا بمجرد أن وقعت أمريكا في فخي العراق وافغانستان. وأما التصور العلمي فذلك ليس بالممتنع على أمة كانت أول من وضع نظريات الشأن الإنساني في علم العمران البشري من منطلق علاج ما حل بها من نكبات وانحطاط ( مقدمة ابن خلدون). وما هدف كل المحاولات التي شرعنا فيها منذ وجدنا مجالا للنشر بعد أن سيطر العدو على أنفاس كل وسائل الإعلام العالمية إلا بيان أن مبادئ هذا التصور موجودة بعد في تراثنا ولا يحتاج إلا للقراءة المتأنية التي تكاد تصبح الجرم الأكبر في عصر الجهل الأحقر.

 ولعل المتابع يرى  أن محاولاتنا السابقة في ابراز دور تراثنا العلمي في اكتشاف مبادئ التحليل الشافي لأحداث تاريخنا قد أكدتها الأحداث الراهنة: فحرب أمريكا على العراق انتهت في وهمها فقط لأن نهاية المعركة كانت بداية حرب العرب قادة للمسلمين على أمريكا كما أسلفنا في ما تقدم من محاولات نشر بعضها في هذه الصحيفة المناضلة. ولن تنتهي هذه الحرب إلا بنهاية أمريكا ومعها زائدتها الدودية تماما كما حدث لامبراطوريتي الاستعمار القديم والاتحاد السوفياتي وللامبراطوريتين اللتين كانتا محتلتين الارض العربية حين نزلت الرسالة التي وهب الله الأمة. ولعل في هذه الورطة التي آل إليها أمر أمريكا ما يثبت دون مواربة أن صقور حزب اليمين في أمريكا ونحلتهم الدينية ليسوا إلا حثالة من بقايا النازية التي تريد القضاء على أمريكا لشفاء غليلهم ممن ساعد في الاتيان على رايشهم الثالث: فبعض الأسماء تذكر ببعض الأصول الجرمانية.

              شروط البصيرة والعمل الفاعل

لعله من المفيد لصاحب القرار العربي-إن سلمنا بوجوده في بعض كبار أقطار هذا الوطن الذي جعلته الأقدار قلب المعادلة الدولية بمجرد أن أصبح هدفا للبعث الصهيوني بشكليه الإسرائيلي والأمريكي, والذي تحاول أمريكا  ان  تقزم كباره موهمة صغاره بما تغنيهم عنه قصة الضفدعة لو كانوا ممن يقرأ القصص الصبيانية ويقلو الأمية- أن ينظر إلى مجريات الأحداث من خلال شبكة تنظمها تنظيما لا تتحكم فيه الأهواء أو أعراض المتغيرات المخادعة دون أن يكون حبيسا لجزئياتها.  والمعلوم أن محاولة تقزيم الكبار وعملقة الصغار الوهمية تستعملها أمريكا ليس مع العرب وحدهم. فلا أحد منا غفل عن مقابلة رامسفيلد الغبية بين أوروبا القديمة (= كبار أوروبا) وأوروبا الجديدة (=بقايا الاتحاد السوفياتي الأوروبية اللذين ينوي استرزاق جيوشهم في العراق للهروب بجيشه من ضربات المقاومة ).

لكن هذا الوهم الأمريكي لن يغالط إلا ضعاف العزائم. أما أولو العزم من أصحاب القيادة الروحية والفكرية والسياسية والاجتماعية فهم بمنأى عن مثل هذه الأغاليط. يعلم الجميع أن كل الزعانف التي تريد أخذ دور مصر والسعودية بعد تهديم العراق دمى غبية. ويعلم الجميع  أن نسبة مصر إلى الوطن العربي هي نسبة فرنسا إلى أوروبا منزلة ودورا. لكنها مثلها مثل فرنسا بحاجة إلى  دوجول يعلم كيف يحقق الاجماع الشعبي من حوله فيتجنب  تصرف جحا إذ يقطع فرع الشجرة وهو جالس عليه. أما السعودية فإنها بمجرد أن تسيطر على محاولات أمريكا التدخل في البلاط لتقسيم الأسرة الحاكمة ستكون الصخرة الصماء التي تسد الطريق أمام كل سيل مهما كان جارفا: كيف يمكن لمن بين يديه الحرمان إذا كان رشيدا ألا يعلم أن القيادة في لحظة تعرض الحصانة الروحية لضربات دفين العداوة الصهيونية تقتضي الجمع بين بلدي الحرمين والأزهر ليتحقق السد المنيع الذي سينكسر أمامه كل سيل مهما كان جارفا؟ 

إن شبكات الصياغة النظرية للوضعيات العملية وظيفتها أن تساعد صاحب القرار على الرؤية السريعة التي يحتاج  إليها عند أزوف أخذ القرار أخذا لا يمهل كما هو شأن العمل أيا كانت طبيعته مثل العمل في المعترك الاقتصادي أو العسكري أو السياسي الذي يديرهما كليهما بعد أن ترابطت كل  الشؤون وتشاجنت مصالح غالب الدول. فكل بصر لا يكون صحيح  البصيرة فمؤثرا إلا إذا تقدمت عليه الروية بعيدة النظر والقصدية: وذلك هو دور الشبكات النظرية التي تهدي البصر بالبصيرة فيتخلص المرء من التردد والحيرة.

ذلك هو الفرق بين العمل المستند إلى النظر العقلي المتروي والعمل المرتجل. فلا بصر لمن لا بصيرة له. ولا بصيرة لمن لا روية له. ولا روية لمن يخلو عمله من التأسيس  النظري العلمي. فالعمل المستند إلى النظر العقلي يكون بحق عملا لحيازته  شروط التأثير الفعلي علما بها وبكيفية تأثيرها. والعمل المرتجل لا يسمى عملا إلإ مجازا إذ هو لا يتعدى رد  الفعل المضطرب فلا يؤثر في الأحداث لجهل صاحبه بتسلسلها وترابطها ومن ثم لعجزه عن التعامل مع الجاري منها بتذكر المدبر وتوقع المقبل في غياب منطق التسلسل وعلل الترابط.

              حصر المعادلات المؤثرة في الحدث

تخضع وضعية الحدث العراقي إلى خمس معادلات نحددها ونحدد علة تدخلها في الحدث العراقي ونوردها بترتيب المنطق الذي يحدد علاقاتها بعضها بالبعض بمقياس التأثير الذي لها فيه. فهذه المعادلات تتحدد بحسب خمس دوائر: اثنتان نتجتا عن ضعف الوطن العربي والأمة الإسلامية الذاتي وتتقدمان المعادلة العراقية بوصفها قلب المعادلات المؤثرة في الوضع العراقي. واثنتان نتجتا عن العدوان الخارجي المستفيد من ضعف الوطن والأمة وتتأخران عن قلب المعادلات. وهن:

1-     المعادلة العراقية التي هي قلب كل المعادلات في راهن الظرف العربي والإسلامي ومن ثم راهن منزلة أمريكا ودورها في العالم: هزيمتها التي لا ريب فيها ستكون بخلاف هزيمتها في فياتنام الهزيمة النهائية التي ستأتي عليها,

2-            معادلة الطوق المباشر المحيط بالعراق,

3-           معادلة الأمة العربية في علاقاتها الداخلية والخارجية

4-           معادلة الحلف الإسرائيلي الأمريكي,

5-           المعادلة الدولية.

                معادلة الطوق المحيط بالعراق

 والقصد بهذه المعادلة الصيغة النظرية التي تحدد دور الدول التي توجد على رؤوس الخطين الاعتباريين المتعامدين اللذين يقطع أولهما العراق من فوق إلى تحت ( تركيا والسعودية), والخط الذي يقطع العراق من اليمين إلى اليسار ( إيران وسوريا ).  والخط الأول حريص طرفاه على وحدة العراق. وليس ذلك لوجه الله. فتمزيق العراق يهدد وحدة بلديهما. والخط الثاني حريص طرفاه على تمزيق العراق. وليس ذلك لوجه الشيطان.  فوحدة العراق  تلغي وزن بلديهما وقوته تغني المنطقة عن الدور السياسي الذي يحلمان به. أما الدولتان الأخريان فإن احداهما انتهى دورها بانتهاء عملية تهديم العراق المادية باسم تحريره السياسي وأخراهما وعدوها بدور في عملية تهديمه الروحية باسم بنائه الاقتصادي والمدني.

ومن لم يعتبر هذه التعريفات التشخيصية الدقيقة في معادلة الطوق لن يستطيع التعاطي مع الحدث العراقي من منطلق الحقائق التي أغلبها يعمل في السر (وخاصة من قبل الدول العربية والإسلامية التي تدعي الغيرة على القضايا العربية الجزئية أكثر من أصحابها المباشرين) والقليل منها يعمل في العلن. كل الأطراف باتت تحاول ترضية الوحش الأمريكي وتلهيته بمساعدته على نهش الجسد العراقي عله ينساهم فيتركهم وشأنهم في لهوهم ولغوهم لا يصدرون. ولو كانوا يعلمون أن الفراغ من العراق لو حصل لا قدر الله سيكون بداية النهاية بالنسبة إليهم جميعا.

                    المعادلة العربية

والقصد منطق علاقات العرب الداخلية ( الأنظمة فيما بينها وفيما بينها وبين شعوبها والشعوب فيما بينها داخل القطر والتجمع الجهوي والوطن ككل) وعلاقاتهم الخارجية بالمحيط المباشر وخاصة بالطوق المحيط بالأمة العربية وبمحاولات أمريكا تقزيم كبارهم  نفخا في طبول صغارهم وأبواقهم. وهي عملية تجري على مستويين لعل ثانيهما أخطر من أولهما. فأما مستوى الدول فأمريكا تريد أن تجعل من بعض الجزر وحفنات الرمال دولا تفاوض في مصير الأمم. وأما مستوى التيارات السياسية والفكرية فأمريكا تسعى بحفنات من الدولارات إلى خلق معارضات ومثقفين يتكلمون باسم الديموقراطية التي يحققونها ب"قلعة" الدبابة الأمريكية بعد التأكد من امتناع النجاح لو استعمل "صندوق" الورقة الانتخابية. إذا لم تستح...

ولا يمكن للمرء أن يفهم السلوك المحير في المعادلة سلوك التنكر للتاريخ إلى حد معاداة البعض منا تركيا والتحالف مع إيران ومعاداة البعض الآخر إيران والتحالف مع تركيا وخلق البعض منا لجارنج وسعي البعض الآخر لخلق شبائه للدولة التي  كان التأييد الناصري لنشأتها علة وجودها وبصورة مباشرة علة للقضاء على كل البناء العربي كالتأييد الجزائري للصحراء الغربية والتأييد الذي لا يغفل أحد اسمه في العراق الشمالية والتأييد العراقي للفزات البيروتية والتأييد الذي لم يحضرني اسم صاحبه للنعرات في السعودية الشمالية والشرقية الخ...من دون تفحص ما ذكرنا في أثر معادلة الطوق العراقي والعربي وفهم ما آل إليه تمزيق الأمة الذاتي وقطعها مع محيطها نتيجة للتحليلات الإيديولوجية الخاطئة منذ محاولات النهوض والصحوة. ولا فائدة من مزيد الشرح.

                          قلب المعادلات: المعادلة العراقية ذاتها.

 ما هي  القوى الفاعلة في هذه المعادلة وما طبيعة التفاعل بينهما؟ يمكن حصرها  بالإضافة إلى الحدث الحالي في نوعين:

  النوع الأول هو ما سعت أمريكا بحربها للقضاء عليه ماديا بعد تأكدها من العجز عنه روحيا خلال سنوات الحصار.

 والنوع الثاني هو ما تسعى إلى القضاء عليه روحيا بتوريطه في مشروعها مستغلة الاغراء المادي والحفيظة التاريخية التي له على النوع الأول من القوى. ويتألف كلاهما من فرعين.

1- فالنوع الأول فرعه الأول يمثله النسيج الذي تكون خلال  الحكم البعثي من أصحاب المصالح الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يسعى المشروع الأمريكي إلى ضرب مصالحها ورأس الحربة منهم هم المنتسبون عن عقيدة وإيمان إلى حزب البعث: فأمركيا تريد تصفيتهم جسديا ومن ثم فعليهم القتال حتى النصر أو الشهادة. ويمثل الفرع الثاني من النوع الثاني الذي له صلة بالأول رغم كونه غيره  المستفيدون من مؤسسات الدولة العراقية وأهمها الإدارة وأجهزتها المدنية والاستعلامية ورأس الحربة منهم هي القيادات المتوسطة والدنيا من الجيش وأجهزته العسكرية والاستخبارية: أمريكا تريد تصفيتهم اجتماعيا وسياسيا ومن ثم فعليهم نفس ما على رأس الحربة السابق.

2- والنوع الثاني فرعه الأول يمثله الرأي العام المستند إلى العصبية الدينية ورأس حربته شيوخ الدين ومراجعه السنية والشيعية.  وفرعه الثاني يمثله الرأي العام المستند إلى العصبية الدموية ورأس حربته شيوخ القبائل. وهذه الفروع التي تريد أمريكا الاعتماد عليها أعني القيادات الدينية  (السنية والشيعية) والقيادات التقليدية (رؤساء القبائل والعشائر) كانت قد فقدت السلطة في محاولات التحديث العلماني. وقد يغريها العدو بوهم استرداد النفوذ والجاه مستفيدا من حفيظتها على العهد العربي التحديثي عامة والعهد البعثي خاصة وغريزة الطمع المادي وحب الجاه المتأصلة في كل البني التقليدية من مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي ربيت على التبعية للمرتزقة من متحكم السلاطين الذين بدأوا في الأغلب على منوال الاحتلال الأمريكي واستقروا بفضل  التواطؤ مع هذين النوعين من السلط الروحية بسبب نفس الآليات.

 وتبرز من  هذا التحديد بصورة جلية طبيعة التفاعل بين عناصر المعادلة  وكيفية التوظيف الأمريكي الممكن لما تسعى لتوظيفه من القوى. فليس القصد الأمريكي بالطبع من رد  وهم السلطة إلى صنفي الشيوخ التقليديين الاعتراف بمقومات الأمة العميقة بل القصد إرجاع الأمة إلى الوراء لتسهيل عملية "تخليج" العراق. القصد هو إيهام بعض العراقيين بأنه يمكن أن تغدق عليهم أمريكا أموال البترول فيعيشوا مثل البعض من سكان الخليج في جنات اصطناعية بدموقراطية البطن والفرج ليبقى العقل والارادة للمستشار الأجنبي عامة والإسرائيلي الأمريكي خاصة من وراء حجاب أو في العلن.

وفي كل الأحوال فأمريكا تبحث عن آليات مثيلة لما استعمله الاستعمار القديم من فنيات توظيفية للقوتين التقليديتين:

1-           القيادات الدينية (وخاصة الزوايا الصوفية ),

2-             والقيادات القبلية (وخاصة البدو الذين نعلم جميعا رأي القرآن الكريم فيهم).

فغاية أمريكا  الجوهرية هي القضاء على نهضة الحضر ورد العرب إلى انحطاط الوبر بمحاولة نفس اللعب ببعض قيادات النوع الثاني بفرعيه ( شيوخ القبائل وشيوخ الأديان ) من المعادلة العراقية كما لعبت ببعض قيادات النوع الأول بفرعيه (شيوخ الجيش وشيوخ الآجهزة إذ لا يعقل أن يشترى الأولون من دون مشاركة الثانين في الغنيمة فضلا عن العلم بالصفقة) قبل المعركة وخلالها.

لكن هذا المخطط فاشل لا محالة. وذلك لعلتين. فأما العلة الأولى فنراها  في افغانستان. ما كان ممكن في الاستعمار القديم أتى بعيد الغفوة والانحطاط وقبل الصحوة والنهوض. لذلك أمكن توظيف نوعي الشيوخ. أما بعد الصحوة والنضهة فإن كلا النوعين من القيادات صار أغلبهم مدركا لدوره ووظيفته. ولعل انتساب النوعين إلى نفس " سن النضوج الروحي= أعني أنهما من القيادات التقليدية" يجعلهما مترابطين بحيث ستنكسر على ثبات الواعين منهم العنجهية الأمريكية. ولولا هذه الظاهرة الصحية في القيادات التقليدية لتمكنت أمريكا من النصر الحاسم في افغانستان ولأفنت قيادات المقاومة التي كانت تكون غير قادرة على الاحتماء بالشعب خاصة وقد أغدقت أمريكا بالرشاوى كل من يشير إلى مخابئهم:  شرف القبيلة التي تؤمن بالجوار وعزة الانتماء الديني الذي يؤمن بالجهاد حالا دون مخططات أمريكا.

وإذا كانت هذه العلة الأولى يقتصر دورها على المحافظة أكثر مما هي للفعل المستقبلي فإن العلة الثانية ستكون بداية الثورة الفعلية. فمرؤوسو النوع الثاني من القوى بفرعيه من شيوخ الدين والقبيلة سيندمون من دون شك ندم مرؤوسي النوع الأول بفرعيه من الشيوخ العلمانيين حيث لا ينفع النحيب والعض على الأصابع كما نشاهد ذلك بعد حل الحاكم الأمريكي للجيش العراقي. ولحسن الحظ فالصلف والتهور جعل أمريكا تتسرع فتقلب ظهر المجن لمن استعملتهم. إن في ذلك لدرس سيعيه كل المرشحين للاستعمال فضلا عن أن البعض ممن انتظر بحسن نية وغفلة التحرير والديموقراطية لم ير بقرصة حية وجفلة إلا الفوضى والكوليرا.  وهذه الأنواع الأربعة من مرؤوسي الشيوخ وشرفاء الشيوخ بأصنافهم الأربعة هم الذين سيمثلون النواة الثورية بالطبع وسيكونون محركات المعادلة العراقية التي هي قلب المعادلات في الحدث المعني هنا.

قد تتمكن أمريكا من شراء بعض  شيوخ القبائل والعشائر كما حصل في جل ما بيع من فلسطين واغراء بعض شيوخ العمائم والضفائر من العلماء الذين أغلب الظن أن مرجعهم الإيراني بالنسبة إلى الشيعة والخليجي بالنسبة إلى السنة سيردعهم في البداية عن مساندة الثورة إما باسم التهدئة التكتيكية للتنفيس على الأخ الأكبر (الشيعة) أو باسم التلهية الانتهازية للحفاظ على شيكات الخليج والدفتر ( السنة ).  وستبدأ المعركة الحقيقية في هذه القوى الأربع  بين الأقلية من أعضائها من أصحاب الخيانة الممكنة في سعي أمريكا إلى جعلهم أداة القضاء الروحي على الصمود العراقي والأكثرية منهم في الجماعات الأربع التي يتألف منها نسيج المجتمع المدني العراقي باعتباره رحم المجتمع السياسي الذي سيذيق أمريكا علقم الهزيمة الأكيدة: الهزيمة العراقية المؤقتة ستتحول إلى بداية النهاية للصلف الأمريكي والشروع الفعلي في التوحيد العربي المشروط في النهضة الحقيقية.

                 معادلة الحلف الأمريكي الإسرائيلي

إذا أدركنا دور هذا الحلف وفهمنا أنه شرط " بقاء ذاتي" بالنسبة إلى عنصر المعادلة الثاني (وجود إسرائيل) وشرط " بقاء صفاتي" بالنسبة إلى عنصرها الأول ( صفة أمريكا قوة عظمى )  أمكن لنا أن نفهم منطق هذه المعادلة. فإسرائيل تستمد قوتها من زعم تمثيلها للمبدأ الروحي من الحضارة الغربية. لكن الفشل البايولوجي جعل المنتسبين إلى العقيدة المزعومة أساسا روحيا للغرب لا تفوق نسماتهم نسمات دويلة عربية صغيرة فألجألهم إلى الحل البايولوجي الوحيد الممكن: منطق التطفل على الكيانات القوية مادية لامتصاص دمها والعيش على طاقاتها.

وهذا من ثوابت كل من هو في وضعهم وليس خاصية عرقية لهم: فهم لقطاء واللقطاء لا عرق لهم.  وبحسب هذا المنطق يتحول المبدأ الروحي العاجز بايولوجيا إلى تطفل ترجمته الوحيدة في مستوى الفعل السياسي والحضاري هي التحيل المافياوي الذي يتعين في شكل ابتزاز مادي دائم.  وأمريكا هي العكس تماما من حيث الحجم رغم كونها من نفس النوع  من حيث الطبيعة: فهي كبيرة ماديا رغم الفشل البايولوجي إذ إن نسماتها ليست بنت خصبها بل كلها مستوردة ومن ثم فهي فاقدة للتجانس الإثني والحضاري. لا عرق لها كذلك. وهي صغيرة روحيا رغم النجاح الحضاري والثقافي. فهو نجاح مستعار:  إذ إن ثقافتها خليط هجين من التراكم التجميعي للنازحين وليس من التراكم التاريخي المعتق. لذلك فهي بحاجة إلى التطفل المقابل للتطفل الاسرائيلي: هذه تتطفل على تلك ماديا وتلك تتطفل على هذه روحيا. وكلاهما لا يمكن أن يبقى إلا بالحفاظ على مبدئه أعني التطفل على العالم كله روحيا وماديا.

تلك هي العبارة الفلسفية والعلمية لطبيعة العلاقة بين أمريكا والصهونية ودورهما في العالم عامة وفي الوطن العربي والعالم الإسلامي خاصة. وقد   تحير الكثير في فهمهما صوغا لها في الإشكالية الزائفة: من يقود الآخر من الزوج الرذيل أمريكا أم أسرائيل. وطبعا فالمعادلة هنا هي معادلة الإنسان الآلي الكوني: جسم آلي جهازه المادي أمريكا وجهازه الروحي اسرائيل رغم أن العلاقة تبدو معكوسة تماما في المشرق العربي لكون اسرائيل تبدو ذراعا للإرادة الأمريكية.

وهذا الإنسان الآلي لا بد أن يسعى لتحقيق شرطي بقائه. وقد تعين الشرطان ربما لسوء حظنا- وأنا اعتقد أن ذلك من حسن حظنا لكونه علة التكليف بتحرير الإنسانية منه - في الوطن العربي. فلا يمكن لمن يزعم تمثيل المبدأ الروحي أن يبقى كذلك من دون السعي إلى إزالة العقيدة التي تدخض هذا الزعم ( الإسلام). ولا يمكن لمن يمثل المبدأ المادي أن يبقى كذلك من دون السعي للاستحواذ على أصل القوة المادية ( الطاقة). لذلك فلا عجب أن يصبح مدار الصراع الكوني عند ممثلي المبدأين المزعومين كونيين بؤرته الوطن العربي ممثلا للمبدأين المقابلين تحريرا للبشرية من كل الشرور: عقيدة العرب (الإسلام) ودارهم ( الوطن العربي ).

 وهذا الوصف مطابق لما عليه الأمور لكونه ليس مجرد كلام: إنه التوصيف الفلسفي المستند إلى التحقيق العلمي حول المقومات التي تتألف منها المعادلات المشار إليها في المحاولة.

                    المعادلة الدولية

والقصد تحديد المعادلة الدولية في صلتها بالحدث المدروس. لا تهمنا المعادلة المطلقة إن سلمنا بوجودها, فضلا عن كوننا قد عالجناها في دراسات علمية لا يتسع لها مجال  المقالات الصحفية. وبهذه المعادلة ينتهي البحث أنى بدأ. فالمطلوب تحديد العناصر المقومة للمعادلة الدولية وعلاقات التفاعل بينها من منظور المعادلة العربية في صلتها بالمعادلة العراقية التي فرضها الحدث الظرفي. وبهذا التحديد يمكن فهم شروط توظيفيها فعلا وانفعالا في التأثير التاريخي الكوني الذي صرنا القائمين بأهم الأدوار فيه حتى وإن كان ذلك بالسلب (تصديا لإسرائيل وأمريكا) لما يسيطر علينا من عدم الفهم أولا ومن الضعف الناتج عن رداءة توظيف أدوات التأثير الفعلية اقتصارا على التأثير الرفعلي  ثانيا (= نحتا من "رد فعل" مع النسبة بحسب قوانين القياس العربي الفصيح كما فعلنا بالنسبة إلى "شرق أوسط" التي اشتققنا منها شرسطي بدلا من الكلمة الممجوجة"شرقأوسطي" السارية في الصحافة المرئية والمكتوبة الجاهلة, حرصا منا على أحد مقومات الهوية أعني اللغة العربية التي بدأ الانحطاط بما ألم بها من تدن لعل أفضل علاماته أن جل الحكام العرب ليسوا على علم بوجود الخليل وسيبوية: يشتق فعل رباعي من الكلمات التي تنحت بحسب الذوق العربي ثم تطبق عليه كل قواعد الاستقاق مثل ذلك حوقل وبسمل وحمدل الخ... ).

المعادلة الدولية في صلتها بالحدث هي المعادلة المؤلفة من المعادلات الأربع السابقات. فنسبة المعادلة الأولى في ترتيبنا إلى الحدث هي عينها نسبة المعادلة الرابعة فيه إليه: أمريكا واسرائيل لا تفعلان في الحدث العراقي إلا بتوسط المعادلة الأولى, معادلة محيط  العراق. ونسبة المعادلة الثانية إلى المعادلة العراقية هي عينها نسبة المعادلة الخامسة التي نحاول تحديدها هنا إليها. معادلة فعل العالم في العراق تمر من خلال المعادلة العربية: مثال ذلك عجز فرنسا في فعل شيء سببه الأساسي أنها لا تستطيع ارضاء طرف عربي إلا باغضاب طرف آخر. لذلك ففرنسا توجد دائما في وضعية لا تحسد عليها في التعاطي مع الشأن العربي عامة والعراقي والفلسطيني خاصة. لا تستطيع حتى التحدث صراحة بما تراه فضلا عن التخطيط للعمل المؤثر: فما يمكن ان تقوله قد يصل إلى أمريكا واسرائيل قبل أن يفرغ المتكلم من ممثليها من كلامه مع ممثل الطرف العربي.

ولما كان الطرف الذي قد تغضبه هو المؤثر في مصلحتها القريبة (الاقتصادية والتجارية الآنية ) والطرف الذي قد ترضيه هو المؤثر في مصلحتها البعيدة (التحرر من الهيمنة الأمريكية في الاقتصاد والتجارة ) فإن المسألة تصبح بالنسبة إلى الفرنسيين مسألة داخلية. وذلك هو الأمر الذي يفهمنا علة الصراع الأمريكي الفرنسي. لو لم يكن الأمر ذا صلة بأمور ذات أهمية ذاتية  لفرنسا لتوصلت  قياداتها إلى حلول وسطى مع أمريكا ولما غامرت بالعداء الصريح لمن يستطيع أن يضرها خاصة وأوروبا ما تزال هشة يجري فيها تقريبا ما يجري في المجموعة العربية بسبب دائين هما مؤامرات ما بقي من الامبراطورية الانجليزية المضمحلة ومداهنات البقايا الأوروبية من الأمبراطورية السوفياتة المنحلة فضلا عن سياسة تقزيم الكبار وعملقة الصغار التي تنتهجها فيها أمريكا: من الغباء الظن بأن فرنسا تعادي أمريكا من أجل بعض العقود البترولية أو أن أمركيا تعادي فرنسا من أجل نفس العلة, إذ يعلم الجميع أن كل ما هو تجاري يقبل التفاوض وينتهي عادة إلى حلول وسطى ترضي الجميع.

وهذه المسألة الداخلية هي: أي المصلحتين أولى بالتقديم مصلحة فرنسا العاجلة أم مصلحتها الآجلة. إذا مالت فرنسا لفقراء العرب أغضبت أغنياءهم وفرطت في مصلحتها العاجلة. وإذا مالت إلى أغنيائهم فرطت في مصلحتها الآجلة. وإذا حاولت التوفيق خسرت على الواجهتين: والموقف الشجاع لديغول فرنسا الثاني هو تقديم مصلحة فرنسا الآجلة على مصلحتها العاجلة. من هنا يصبح الدور الدولي في المسألة العراقية ( والفلسطينية كذلك ) تمثيلا له بدور فرنسا- لكونه الأبرز- محكوما بالمعادلة العربية. وما قلناه عن فرنسا يمكن القيس عليه بالنسبة إلى الدور الروسي والصيني والهندي فضلا عن دور الدويلات الافريقية والإسلامية التي تقتات على المعونات الدولية.

                           الخاتمة

ستكون الخاتمة في هذه المرة بأهمية الفاتحة: فيها ينجلي مبدأ المبادئ. فسر الأسرار هو أن المعادلة العربية عين أو مثال متعين من المعادلة الدولية والمعادلة العراقية عين أو مثال متعين من المعادلة العربية. لذلك فالحرب الأهلية العراقية التي شرعت في الوجود الفعلي بعد أن كانت في الوجود بالقوة بسبب الغزو الأمريكي مقدمة لتحرير العراق من الاحتلال هي التعين الفعلي للحرب الأهلية العربية التي ليست إلا حالة مصغرة من الحرب الأهلية العالمية التي سيكون فيها النصر بتحرير الإنسانية من زاعمي تمثيل  المبدأ الروحي والمادي للحضارة الغربية: إسرائيل وأمريكا.

العالم كله وليس العراقيون والعرب وحدهم هو الذي سيحارب الصهونية بشكليها الإسرائيلي (زعم بعث الأرض الموعودة القديمة) والأمريكي (زعم تأسيس الأرض الموعودة الجديدة) في العراق أولا وفي الوطن العربي ثانيا وفي العالم الإسلامي ثالثا وفي العالم كله أخيرا. وبذلك نفهم أن العراق هو قلب الأمة العربية التي هي قلب العالم الإسلامي الذي هو قلب العالم في الحرب التحريرية من المافيتين الروحية والمادية الحرب على وحدتهما في شكل مرضي هو شكل الإنسان الآلي العالمي الذي تمثل اسرائيل روحه أو "السوفتوار" وأمريكا جسمه أو "الهارد وار". وبهذا المعنى فنحن قد صرنا كما كنا وكما سنبقى مستقبل كل الآفاق الإنسانية: ذلك هو الأفق المبين الذي يمثله الإصلاح الإسلامي للتحريف. وبذلك تصبح الصحوة استئناف الدور الكوني للامة وليست مجرد إصلاح للشأن الداخلي: فشأننا الداخلي هو عين الحياة الروحية للبشرية.

 

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام